اشترك معنا ليصلك كل جديد
فقط لدول الخليج في الوقت الحالى
استشارات اجتماعيه ارسل رسالة فارغة لهذا الايميل ejtemay@hotmail.com لتفعيل اشتراكك في الموقع في حالة عدم التفعيل
 شخصيات اجتماعية رسائل علمية اجتماعيه كتاب اجتماعي مصطلح اجتماعي 

إعلانات إجتماعي

( اجتماعي يدشن منتدى خاص بالوظائف في محاولة منه لحل مشكلة البطالة للمختصين ***التسجيل في موقع اجتماعي يكون بالاحرف العربية والاسماء العربية ولا تقبل الاحرف الانجليزية*** موقع اجتماعي يواصل تألقه ويتجاوز أكثر من عشرين الف موقع عالمياً وفقاً لإحصائية اليكسا (alexa.com) *** كما نزف لكم التهاني والتبريكات بمناسبة وصول الاعضاء في موقع اجتماعي الى 27500عضو وعضوة ... الف مبروك ...**** ***** )
العام السابع لانشاء موقع ومنتديات اجتماعي

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
مركز المجد للجودة ورشة عمل في الاتجاهات المعاصره في التدقيق الداخلي والرقابة الادارية لعام 2014 و 2015
بقلم : مركز المجد للجودة
قريبا
إعــــــلانات المنتدى

قال الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18

الإهداءات


 
العودة   موقع و منتديات اجتماعي > :: المنتديات العلمية الاجتماعية التخصصية :: > مـنـتـدى الدراسات والأبحاث و الـكتب الاجتماعية


إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-04-2008, 11:38 AM   رقم المشاركة : 1
رقيه العلي
عضو مؤسس و اجتماعية من البحرين
 
الصورة الرمزية رقيه العلي







رقيه العلي غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


Icon29 بحث عن :الثوابت والمتغيرات الأساسية في المجتمع السعودي

الثوابت والمتغيرات الأساسية في المجتمع السعودي





مقدمـــة :

إن المجتمع السعودي مجتمع قديم يتميز بالاستمرارية من جهة ، وبالانفتاح على غيره من المجتمعات من جهة أخرى ، مع الاحتراز بأن الاستمرارية والانفتاح في هذا المثال بالذات لا تعني مجرد تراكم الثقافات المتتابعة طبقة بعد أخرى ؛ إذ تتمتع المملكة العربية السعودية بمعدة ثقافية كفء استطاعت – على مدى التاريخ الطويل – وما تزال تهضم وتفرز الثقافات الأصيلة والوافدة ، وأن تخرجها في نسيج منفرد بريء من الرقع والندوب في إطار تراثه الإسلامي باعتبار أن البناء الديني بأبعاده العقدية أساسًا يحوي ويؤثر في كل الأبعاد الأخرى المتصلة بالمجتمع ،ومن ثم فليس من الغريب أن يظهر ويتأثر – في الوقت نفسه – بالواقع الاجتماعي السعودي الذي هو مستمر في غير تكرار رتيب ، ومستقر في غير محافظة متزمتة ، ومنفتح على العالم المحيط في غير خوف أن يبتلعه هذا العالم أو أن يمسخه .

ومثل هذا الواقع الثقافي المتفرد وهذه السمات الثقافية المتميزة تثير تساؤلاً مهمًا ، يتعلق بتفسير الثوابت والمتغيرات في المجتمع السعودي بالتعمق الكافي ، وفي فهم ديناميكيات هذه الثوابت والمتغيرات (في قدمها واستمرارها وانفتاحها)، وفهم خبايا النسيج الثقافي السعودي والغوص وراء أعماقها .

ويتطلب منا ذلك بدايةً استعراض بعض الأفكار النظرية والمنهجية نستكشف من خلالها رؤى الكتابات السوسيولوجية والأنثروبولوجية ومالها من دلالات نظرية تتصل بموضوع الثوابت والمتغيرات بعامة ، وذلك من خلال عدة أبعاد تتصل بفكر بعض علماء الاجتماع من العرب وغيرهم على أنها مقدمات منهجية ، ثم نحلل الثوابت والمتغيرات الأساسية في المجتمع السعودي بركائزها ومنطلقاتها في إطار أيدلوجية التشريع الإسلامي الذي تنتهجه المملكة، مع الإشارة إلى أهم عوامل المتغيرات التي تدعم وتهيئ المملكة للدخول إلى القرن الحادي والعشرين ، وتنافسية المملكة في إطار النظام التكنولوجي الجديد، ثم نستعرض بعد ذلك التحديات وعلاقتها بالثوابت والمتغيرات في المملكة بخاصة في إطار صراع الحضارات الذي يواجه الأمة الإسلامية بعامة ، ونخلص من ذلك إلى نظرة مستقبلية ، نحاول من خلالها الإجابة عن كيفية التعامل مع المستقبل في ضوء ما تقدم .



مقدمـات منهجيـة:

الثوابت والمتغيرات في الفكر السوسيولجي :

عالج كثير من علماء الاجتماع بعض القضايا التي تتعلق بالثوابت والمتغيرات ، وكان لكل منهم منظوره في ذلك ، يأتي في مقدمتهم العالم العربي المسلم ابن خلدون الذي يُعد بحق أول عالم أنشأ علم الاجتماع ، وحدد موضوعه ومناهجه ، وأرسى الدراسة الاجتماعية على ركائز علمية سليمة .

ويؤكد ابن خلدون على أهمية التضامن والاستفادة من الجماعة سواء داخل المجتمع أو خارجـه ؛ ليستكمل بذلك خواصه النوعية فضلا عن حاجاته الضرورية ، وبمفهومنا الحديث الاستفادة من المتغيرات في المجتمعات الأخرى ثم الكشف عن العوامل التي تؤثر في نشأة المجتمع وتطوره وتعمل على ثباته واستقراره .

وهناك أيضا مفكرون اجتماعيون قد عالجوا قضايا التطور بثوابته ومتغيراته ، ومنهم هربرت سبنسر ووالت رستو .

وثمه اتجاهات ذات طبيعة أيديولوجية تسيطر على عملية المتغيرات في عالم اليوم ، بعضها شرقي وبعضها غربي .

وفي ضوء ذلك سنتناول بشيء من الإيجاز هذه الاتجاهات بثوابتها ومتغيراتها.



أولاً – الانفتاح العقلي على الأفكار الجديدة والعالم الخارجي :

في هذا السياق يدرس ابن خلدون المجتمع البشري وما يلحقه من العوارض، بل حاول أكثر من ذلك أن يحلل الضرورة الاجتماعية ويكشف الدعائم التي تقوم عليها ، فيقول : "إن الاجتماع الإنساني ضروري ؛ لأن الإنسان مدني بطبعه" ، ويسير في شرح هذه القضايا على وتيرة من سبقه من المفكرين كأرسطو والفارابي ، ويقرر أن عدم كفاية الفرد لنفسه يدفعه إلى التعاون والاشتراك في حياة الجماعة ، ومن ثم ينشأ التضامن الذي يعد أقوى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع ، وما فطر عليه الإنسان من شعور نحو الجماعة على الاستئناس بغيره ؛ ليستكمل خواصه النوعية فضلا عن حاجاته الضرورية(1) .

وقد يفسر ذلك أيضًا أهمية تبادل الخبرات والاستفادة من الابتكارات والمخترعات فيما بين المجتمعات المختلفة ، والفرد هو قوام هذه المجتمعات .

والمجتمع في نظر ابن خلدون يخضع لقوانين عامة مثله فـي ذلك مثل الظواهر الفردية أو ظواهر الحيــاة في الكائنـات الحيـة ، ولذلك بــذل قصارى جهده في تفسير مبادئـه وتحليلهــا ، والكشف عـن العوامل التي تؤثر في نشأته وتطوره وتعمل على ثباته واستقراره ، وهي في نظره ثلاثة عوامل(2) .

1 – الضــرورة : وهذه الضــرورة لها مظهــران : ضرورة اقتصادية ؛ (لأن الإنسان لا يستطيع أن يحصل على حاجاته إلا بالاجتماع) ، وضرورة دفاعية .

2 – الشعور الفطري الذي زودت به الإنسانية لتحقيق الحياة الاجتماعية ، وابن خلدون إذ يدخل هذه الضارة السيكولوجية في تكوين المجتمع ويعدها عاملاً قويًا في قيام الحياة الاجتماعية وثوابتها يكون قد جاوز النظرية التاريخية الحديثة التي تعد الضرورة الاقتصادية فحسب هي أساس المجتمع .

3 – ميل الإنسان ورغبته الخاصة في تحقيق فكرة الجمعية ، أي لا بد من تدخل جانب الإدارة وإلا كانت الحياة الاجتماعية سلسلة من العدوان والاضطرابات .

ويذكر ابن خلدون أن المجتمع متى نشأ على هذه الصورة فإنه يكون مسرحًا لطائفتين :

الأولى : هي الظواهر الطبيعية ، والمجتمع لا يخلق هذه الظواهر ولا ينشئها ، ولكنه يجدها مستقلة عنه بطبيعتها ، فتؤثر فيه ويتأثر بها ويخضع لنتائجها ويكيف نفسه تبعًا لمفعولها ، ويرجع أهم هذه الظواهر إلى الوسط الطبيعي الذي يحيط بالمجتمع من بيئة وعوامل مناخية والجنس الذي يتكون منه المجتمع والدين الذي يدين به .

والطائفة الثانية : هي الظـــواهر الاجتماعية ، والمجتمع هو الذي يوجد هذه الظواهر ، وقد فطن ابن خلدون إلى أن هذه الظواهر لا توجد منفصلة ، بل تكون كلا متماسك الأجـــزاء ووحدة حية تتفاعـــل عناصرهـــا وتشتبك آثارها ، فينتج عن ذلك ما نسميه بالدوافع والتيارات الاجتماعية .

وبمفهومنا الحديث فإن هذه الظواهر تتأثر ويؤثر البعض منها في علاقات المجتمع بالمجتمعات الأخرى إن إيجابًا أو سلبًا لكون العالم الآن قد أصبح قرية واحدة بفضل وسائل الاتصال المتعددة والتكنولوجيا المتقدمة في هذا المجال .

ويذهب ابن خلدون إلى أن هاتين الطائفتين من الظواهر لا تعمل إحداهما مستقلة عن الأخرى ، ولكنهما تتحدان اتحادًا وثيقًا ، وترتبط نتائجهما وآثارهما ارتباطًا شديدًا معقدًا ، بحيث إننا إذا حللنا ظاهرة اجتماعية وأردنا الوقوف على عناصرها نجد أن بعض هذه العناصر يرجع إلى ظواهر طبيعية والبعض الآخر يرجع إلى ظواهر اجتماعية .

ومن هذا المنظور يمكن القول إن سمات المجتمع السعودي وخصائصه وثوابته الأساسية قد انطلقت من بيئته الصحراوية في الجزيرة العربية وما تتطلبه هذه البيئة من أنماط الحياة من تكوين عادات وتقاليد حميدة كالكرم والشجاعة والنخوة والوفاء والمحافظة على حقوق الغير وما إلى ذلك من الجوانب الإنسانية الفاضلة التي نمت في المجتمع السعودي وأسهمت في رسم ثوابته ونهجه في متغيراته .

وقد وصف ابن خلدون الظواهر الاجتماعية بأنها سريعة الحركة والتطور ، وهي على أنواع ، منها السياسية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية ، وكل منها يحكم مظهرًا من مظاهر الحياة الجمعية (ولها علاقة بالمجتمعات الأخرى من حيث التأثير والتأثر) .



ثانيا – الاتجاه التطوري المعاصر :

ليس التطور بالشيء الغريب على الحياة الإنسانية وغير الإنسانية ، إنما هو خاصية أساسية من خصائص الحياة عمومًا ؛ إذ تشهد في كل يوم حدثًا جديدًا، ولئن كان التطور خاصية من خصائص الحياة عمومًا فإنه أكثر ما يكون التصاقًا بالحياة الإنسانية التي تتميز بالحركة والديناميكية ، لذلك جاء التطور قرينًا للتقدم والنمو ، وبالمفهوم الاجتماعي يشير إلى قدرة الأفراد والجماعات على التكيف مع الأحداث والمتغيرات التي تصاحب حركة الحياة الإنسانية في كل زمان ومكان .

ويعدّ الاتــجاه التطـــوري الأساس الحقيقي لنظرية المفكر الاجتماعي سبنسر Spencer(3) ؛ إذ ذكر أن التقدم سواء في مجال الكائنات العضوية أو المجتمع إنما هو تطور من ظروف تؤدي فيه الأجزاء المتشابهة وظائف متشابهة إلى ظروف تؤدي فيها الأعضاء أو الأجزاء غير المتشابهة وظائف غير متشابهة ، أي من الشكل الموحد إلى الأشكال المتعددة أو من التجانس إلى اللاتجانس ، وخلص من ذلك إلى القول بأن المجتمعات الإنسانية تسير كما يسير الأفراد أو على غرارهم تمامًا ؛ فمثلما يمر الفرد بمراحل نمو وتطور متعددة بدءًا من طفولته حتى كهولته فإن المجتمع أيضًا يخضع لتلك المراحل ، ثم ذكر عددًا من أوجه الشبه التي يراها بين الكائنات الاجتماعية والكائنات العضوية على النحو الآتي:

1 – يتميز كل من المجتمع والكائنات العضوية عن المادة غير العضوية بالنمو الواضح خلال الشطر الأكبر من وجودهما ، فالرضيع ينمو حتى يصبح رجلا ، والمجتمع الصغير يصبح منطقة متروبوليتانية والدولة تصبح إمبراطورية .

2 – تنمو كل من المجتمعات والكائنات العضوية ، وتتطور في الحجم ، كما أنها تنمو في درجة تعقدها البنائي .

3 – يصاحب التفاضل أو التمايز التقدمي في البناء سواء في المجتمعات أو في الكائنات العضوية تمايزًا تقدميًا في الوظائف أيضًا .

وقد سار بعض المفكرين الاجتماعيين المعاصرين على النهج التطوري ، وتبنوا فكرة المراحل التطورية التي تمر بها المجتمعات والتي تشير إلى أن المجتمعات تسير بالضرورة في تطورها خلال مراحل معينة مرسومة بدقة ، فتترتب كل مرحلة منها على المراحل التي سبقتها ، وتهيئ المراحل القائمة للمراحل التي تتلوها في سلم التطور ، وفي رأي والت روستو W. Rostow أن المجتمعات البشرية لا بد لها أن تمر في مراحل خمس حتى تصل إلى درجة عالية من النمو ، وهذه المراحل هي :

– مرحلة المنهج التقليدي .

– مرحلة التهيؤ للانطلاق .

– مرحلة الانطلاق .

– مرحلة الاتجاه نحو النضج .

– مرحلة الاستهلاك الوفير ، وهي المرحلة التي تسير فيها الدولة إلى تخصيص قدر متزايد من مواردها لأغراض الرخاء والرفاه الاجتماعي ، وبذلك لا يتمتع أفراد هذه المجتمعات بتملك سلع الاستهلاك المعمرة فحسب ، وإنما يتمتعون بالخدمات الصحية والثقافية والترفيهية .



ثالثا – التغيير وحتميته :

إن العالم كله – والعالم العربي جزء لا يتجزأ منه – في تغير مستمر ، والتغير هو إحدى الحقائق القليلة ، وفي رأي بعض المفكرين أن كل شيء ماديًا كان أو معنويًا يتغير باستمرار، إن هذا بعينه هو ما دفع الفيلسوف الإغريقي هرقليطس إلى القول : إن "العالم في تغير مستمر" .

التغير إذا حقيقة لا يمكن الشك فيها ، إنه بدهية أساسية في الحياة ، هذا التغير قد يأخذ شكلاً أو آخر من الأشكال العديدة المتفاوتة التي تعم حياتنا والتي اهتم بها الفكر الحديث ؛ فقد يتخذ على سبيل المثال صور إصلاح فيكون متمهلا جزئيًا وبطيئا ، وفي كل الحالات قد يتداخل معنى المصطلح مع مصطلحات أخرى شائعة مثل مصطلحات التطور والتقدم والتمدن والتنمية وغيرها من المصطلحات المتشابهة .

والملاحظ أن هناك اتجاهات ذات طابع أيديولوجي تسيطر على عملية التغير في عالم اليوم ، بعضها شرقي ، وبعضها غربي ، بعضها مجدد ، وبعضها محافظ أو تقليدي ، وهناك ما يؤخذ من نماذج وأفكار من الغرب أو الشرق دون فحص ملاءمتها موضوعيًا وتاريخيًا وثقافيًا لمجتمعنا الإسلامي وفكره وعقيدته ، وتكون النتيجة إخفاق تجارب التنمية ، وتدفع الدول الإسلامية وشعوبها ثمن هذا التقليد المنقول عن الغرب أو الشرق أو نقل التجارب دون محاولة أقلمتها وجعلها مناسبة للبيئة الإسلامية .

ومع الاعتراف بوجود معطيات قطرية وظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية لكل دولة من الدول الإسلامية إلا أنه من الممكن التوصل إلى ركائز عامة وأساسية للتغيير في البلاد الإسلامية تستمد أصولها من الشريعة الإسلامية يمكن أن تكون بمثابة إطار عام تنطلق منه الإيديولوجية الاجتماعية ، على أن تقوم كل دولة بتكييف هذه الإيديولوجية في ضوء الظروف المعيشية للهيئات والجماعات المحلية بها ، على أن يؤخذ في الاعتبار أن تأكيد الذات والهوية الإسلامية لا يعني الانغلاق عن تجارب المجتمعات الأخرى خارج نطاق العالم الإسلامي ؛ فالاقتباس والتكيف والاستفادة من خبرات العالم أمر تفرضه مقتضيات التطوير وتحديات العصر وتؤكده التعاليم الإسلامية .

إن التغيير ظاهرة طبيعية تخضع لها جميع مظاهر الكون وشؤون الحياة بالإجمال ، ويحدث في النظم والانساق والأجهزة الاجتماعية سواء كان ذلك في البناء أو الوظيفة ، ولما كانت النظم في المجتمع مترابطة ومتداخلة ومتكاملة بنائيًا ووظيفيًا فإن أي تغيير يحدث في ظاهرة لا بد أن يؤدي إلى سلسلة من التغيرات الفرعية التي تصيب معظم جوانب الحياة بدرجات متفاوتة .

ويتطلب التغير في ميدان الحياة الاجتماعية عاملاً أساسيًا ، وهو ضرورة تكيف الأفراد ومرونتهم وحراكهم الاجتماعي وفقًا لما يتطلبه التغير من مستحدثات ؛ لأنهم إذا وقفوا جامدين ولم يستسيغوا ما يتمخض عنه التغيير الاجتماعي من أوضاع غلبوا على أمرهم ، والتمسوا الفرار من ضغوط البيئة موضع التغير ، فيجب أن يكون الأفراد أدوات حية وعناصر مرنة طيعة ؛ لتستجيب في سهولة لدواعي التغير حتى يتمكن هؤلاء الأفراد من مسايرة ركب الحضارة وملاحقة عملية الارتقاء .

ومن الطبيعي أن يشمل التغير البيئتين الطبيعية والاجتماعية على السواء ، والبيئة الطبيعية هي البناء الخارجي للمجتمع ، والبيئة الاجتماعية تشمل التراث الاجتماعي من عرف وتقاليد ومواصفات وسنن اجتماعية ومظاهر التراث الحضاري الثقافي كالفلسفات والمعتقدات والعلوم والفنون ومظاهر التراث الحضاري المادي التي تتمثل في ابتكارات الإنسان وأدواته وآلياته ومخترعاته وما إليها .

وهناك عوامل كثيرة للتغيير الاجتماعي ؛ من أهمها العامل البيئي ، والعامل السكاني ، والتغيرات التكنولوجية ، والعوامل الفلسفية والفكرية ، والانتشار الثقافي وتلاقح الحضارات وتبادل الخبرات .

وحين نتناول موضوع التغير في المجتمع فإننا نؤكد ثوابته التي لا تتغير وأن ثوابت هذا المجتمع هي التي تتحكم في متغيراته وكيفية تعامله مع المستقبل .

وفي ضوء هذه الرؤى وما تتضمنه من أفكار نظرية يمكن بلورة الثوابت والمتغيرات في مجتمعنا السعودي بشكل أكثر وضوحًا .



الثوابت والمتغيرات الأساسية في المجتمع السعودي:

أولاً – الركائز والمنطلقات :

من المسلم به أن للمملكة ثوابتها الأساسية التي ترتكز على تطورها التاريخي الذي تحولـــت فيه من نظام قبلي إلى دولـــة ملكية ، وتبلورت بشكل واضح منذ توحيد المملكـــة العربية السعودية بقيادة المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله عام 1351هـ /1932م .

ومن خلال استقراء التطور التاريخي الطويل للمجتمع السعودي نجد أنه قد عاش في الجزيرة العربية ، ونجح في التغلب على ظروف مناخية وبيئة صحراوية بالغة الصعوبة والقسوة ، والارتفاع بالإنجازات الحضارية إلى عطاء خصب من الأدب والشعر والأحداث التي تشهد للأهالي بنجاح غير عادي في توفير حاجاتهم والارتفاع بمستويات حياتهم ومعيشتهم وبناء حضارة تميزت عبر التاريخ الطويل ، ثم جاء على رأس هذه الحضارة ظهور الدعوة الإسلامية على أرض هذه الجزيرة ، ومنها بدأ انتشارها إلى مختلف أنحاء المعمورة ناقلة للناس جميعًا أشرف الرسالات وأنبلها التي كانت وستظل دائمًا ترسم لهم طريق الحق والعدل والفكر المستنير والكرامة الإنسانية .

والمتابع لتاريخ المملكة الحديث وبخاصة منذ أن وحدها المغفور له الملك عبدالعزيز في أوائل الثلاثينيات من هذا القرن نجد أنه نجح في تكوين صفوة متماسكة قادرة على إقامة إدارة فاعلة واتخاذ إجراءات سياسية منطقية مما يعد في حد ذاته تحديًا قاسيًا ، كما نجح في وضع المبادئ الأساسية للدولة السعودية وترسيخها ، فضمنت استمرارها واستقرارها وإحداث الهيكل الإداري القابل للبقاء والدمج الواسع النطاق للجماعات السعودية المتباينة ، تلك العمليات التي تعني التحول إلى دولة ملكية وتسارع الجهود لتوفير الحياة الكريمة وتنوعت بشكل غير مسبوق في كمه ونوعه وسرعته الأمر الذي حقق نتائج مذهلة ، كما أثار فضول كثير من علماء المجتمع للتعرف على أثر هذا التغير الاجتماعي السريع على الأفراد والمؤسسات المجتمعية لكونها حالة فريدة لم يسبق لأي مجتمع إنساني آخر أن عاشها .

كما أن المتابع لجهود تحسين الظروف المعيشية في المناطق المختلفة يمكنه أن يلحظ أن دور الحكومة في هذه الجهود قد تزايد تدريجيًا ، وبشكل ملحوظ مع تطور الجهاز الحكومي الإداري من جانب ، ومع توافر قدر معقول من الموارد المالية نتيجة لبدء إنتاج البترول إنتاجًا تجاريًا بعد الحرب العالمية الثانية من جانب آخر ، واستمر هذا التزايد التدرجي لدور الحكومة واضحًا إلى جانب استمرار المشاركة الأهلية أيضًا في تحمل نصيبها في الجهود الذاتية نحو توفير احتياجات مجتمعاتهم حتى أوائل التسعينيات ؛ أي حتى بدء المرحلة التي عرفت بمرحلة الطفرة .

ومع بدء المملكة في وضع خطط التنمية الوطنية منذ عام 1390هـ زادت الطموحات والاستثمارات ، وأدى هذا الكم الهائل والضخم من هذه الاستثمارات التي وظفت وفقًا لخطط مدروسة وتوقيت محكم إلى إحداث تغيير شامل ومذهل في مرافق المملكة ونشاطاتها الاقتصادية والحديثة كافة .

وفي الوقت الذي كانت تسعى فيه الدولة السعودية إلى استكمال خصائص الدولة وتدعيمها وبنائها وتطويرها وتنميتها فقد تم ذلك كله في إطار الركيزة الأساسية التي تحكم توجهات المملكة العربية السعودية ومقوماتها ، وهي شريعة الإسلام التي تضع الإطار المتكامل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا لمجتمع الرخاء والرفاه ، يعيش فيه المواطن قويًا قادرًا على العطاء ، يرعى مصلحته في إطار مصلحة المجتمع السعودي الذي يعيش فيه ، تنطلق فيه القوى الخلاقة للإنسان طبقًا لأصول وقواعد رسمها القرآن العظيم ، وطبقها الرسول عليه أفضل السلام ، ومن بعده الصحابة الحنفاء ، وقامت عليها دولة الإسلام في عصر النهضة ، فتحقق التوازن المنشود ، وتوافرت العزة والكرامة للإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ، وأمده بكل مقومات الحياة السعيدة .

وانطلاقًا من ذلك فإن للمملكة إيديولوجية إسلامية تعد من أهم ثوابت نظامها ، وسنعرض لهذه الإيديولوجية بشيء من التفصيل :

1 – إيديولوجية التشريع الإسلامي في المملكة :

تبني المملكة هذه الإيديولوجية على مجموعة المبادئ والأصول التي تضمنها التشريع الإسلامي والتي تنطلق منها الخطة العملية التي وصفها ذلك التشريع لإحالة تلك المبادئ والأصول إلى واقع مادي يعيش المجتمع في إطاره .

وتستمد المملكة توجيهاتها من هذه المبادئ ؛ إذ تؤكد على أن الإسلام لا يقتصر دوره على كونه عقيدة دينية وتوجيها خلقيا وروحيًا ، وإنما أيضًا شريعة ونظام سياسي وإداري وإجتماعي واقتصادي للمجتمع .

وتقتضي هذه الإيديولوجية الأخذ بالحقائق الآتية :

أ – الجمع بين المصالح المادية والحاجات الروحية .

ب – الجمع بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ، وموازنتها والتوفيق بينها عند تعارضها، وترجيح المصالح العامة إذا لزم الأمر .

ج – الجمع بين الثوابت والمتغيرات .

2 – القواعد التي يقوم عليها التشريع الإسلامي في المملكة :

من أهم هذه القواعد ما يأتي :

أ – التوفيق والموازنة بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع ، ومن هذا يتحقق العدل في نواحي الحياة كافة .

ب – أن المصلحة هي مقصد الشرع الإسلامي ؛ فحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله ، فجميع الأحكام إنما ترتبط بالمصالح ؛ لأن الغاية منها جلب المنافع ودرء المفاسد .

ج – أن ترتيب المصالح يقوم على حسب أهميتها ، فيقدم ما هو " ضروري " على ما هو "حاجي" ، ويقدم ما هو "حاجي" على ما هو "تحسيني" ، وكذلك الضروريات لا تكون في مرتبة واحدة ، فلا يراعى ضروري إذا كان في مراعاته إخلال بضروري أهم منه ، وبالمثل الحاجيات والتحسينات .

د – حفظ التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة دون إهدار لإحداهما.

هـ – الاجتهاد في شتى شؤون الحياة المتجددة والمتطورة متى لم يوجد نص من الكتاب والسنة ؛ لأن الإسلام يعد الاجتهاد هو المصدر الثالث للتشريع بعد الكتاب والسنة .

3 – الإطار الإستراتيجي لموجهات العمل في المجتمع السعودي :

يستمد هذا الإطار مقوماته من خلال مجموعة من الثوابت يأتي في مقدمتها التشريع الإسلامي – على نحو ما أسلفنا – ومقومات المجتمع السعودي وخصائصه وتقاليده وتراثه ، وأن يكون منسجمًا مع الخطط الوطنية الشاملة للجوانب المختلفة كالتعليم والصحة والتجارة والزراعة والصناعة وغيرها ، وتتمثل أهم موجهات هذا الإطار فيما يأتي :

– رفع معدلات الدخل الوطني بصورة مطردة وتحقيق أكبر قدر من العدالة في توزيع هذا الدخل .

– توفير فرص العمل لكل مواطن بما يتناسب مع استعداداته وقدراته ، وما حصل عليه من علم وخبرة وأن تتاح له حرية اختيار هذا العمل .

– توفير الحد الأدنى للمعيشة لكل مواطن بما يؤمن المطالب الأساسية للحياة .

– توفير المسكن الملائم بمقابل مناسب لكل مواطن ، وعلى الأخص لذوي الدخل المحدود وأصحاب الأسر الكبيرة الحجم .

– توفير الرعاية الصحية الكاملة من الناحيتين الوقائية والعلاجية لكل مواطن.

– توفير فرص التعليم بالمجان لكل مواطن في جميع المراحل حسب استعداداته، وتخليص المواطن السعودي من الأمية التي تعوق تقدمه ، وإتاحة فرص الثقافة والتعليم المستمر له .

– تأمين كل مواطن ضد البطالة ، والمرض ، وفقد العائل ، والعجز ، والشيخوخة .

– علاج الأطفال ذوي المشكلات النفسية والاجتماعية .

– توفير وسائل الرعاية والحماية للطفولة ، وحسن تنشئتها بالإيمان والعلم والخلق ، وتمكينها من تحمل مسئوليات الحياة في المستقبل .

– إتـاحة الفرص للشباب للمشاركة الإيجابيــة بالفكر والرأي ، والعمـل على تطوير مجتمعه بما يدعم إعداده مبكرًا لتحمل مسؤولياته المستقبلية في جميع المجالات .

– حسن استثمار أوقــات فراغ جميع أفـراد المجتمع السعودي ، وبخاصة الأطفال والشاب.

– تمكين المرأة من القيام بدور مثمر في بناء المجتمع في إطار الشريعة الإسلامية .

– الأخذ بوسائل الدفاع الاجتماعي في الوقاية من الجريمة والانحراف وعلاج المنحرفين .

– الاهتمام بالتنمية الريفية والحضرية وتحقيق النمو المتوازن في الخدمات والمرافق بالمناطق المختلفة لتوفير الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسكان .

– توطين التكنولوجيا المتقدمة واستنباتها بما يتفق واحتياجات المملكة وأوضاعها .

– توفير مراكز المعلومات التي تدعم الخطط والمشروعات التي تستهدفها المملكة وتحديثها وتطويرها .

– تشجيع البحوث والدراسات التي تسهم في حـل ما يواجه المجتمع من قضايـا ومشكلات .



وفي هذا السياق تؤمن المملــكة – بفضل ما لديها من إمكانات مادية جيدة – رأس المال البشـــري الذي يعد رأس الحربــــة في التنمية بجميع أبعادها، وطالمـــا أن التربية أساس التنمية البشريـــة فإن المملكة تهيئ شبابها وتعده ليصنع مستقبله بيده، وذلك عن طريــــق:

– الاهتمام بالتخطيط التربوي وربطه بالمتوقع من الحاجة إلى القوى العاملة المدربة في مختلف التخصصات ، كما تكشف عنها خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية .

– زرع حب العمل ونبذ التواكلة وتطوير مواقف الشباب من العمل المهني والفني واليدوي وتوجيههم نحو الأعمال المنتجة وفق سياسة محكمة للتشغيل ، قوامها الخبرة والكفاءة .

– توجيه النظام التربوي نحو تكوين الكفاءات اللازمة لاستيعاب العلم والتكنولوجيا .

– تطوير المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية وتطعيمها ببعض المواد التقنية تسهيلاً لدمج المتخرجين في الحياة العملية .

– التقليل من الاعتماد على العمالة الوافدة وتشجيع العمالة الوطنية ليحلوا محلها .

4 – المملكة ومؤشرات التقدم أو التخلف في ضوء الثوابت والمتغيرات :

إن التقدم كما يراه علماء الاجتماع هو تطور الحياة الفعلية للإنسان ، إنه تزايد قدرة الإنسان على التحكم في الطبيعة ، كما أنه يبني أنماطًا جديدة من الفكر والسلوك يتقبلها المجتمع ، ويرى فيها فرصة سانحة لتحقيق آماله في حياة أفضل ، وسواء كان هذا من الناحية الطبيعية المادية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية فإنه يهدف إلى تحقيق الحرية الاقتصادية من ناحية ، ثم توفير الرفاه من ناحية أخرى ، ثم ضمان استمرار الرقي من ناحية ثالثة .

أما التخلف فينشأ عن الفشل – أو القصور – في تبني مثل هذه الأنماط الجديدة من الفكر والسلوك التي من المفروض أن تقود المجتمع إلى وضع أفضل ، وينتج أيضًا من الجمود والتوقف عند نقاط بعينها قد لا تفيد المجتمع ، بل – طبقًا للتحركات والتغيرات الحادثة في مناطق أخرى من العالم – قد تضره ، كما أن التخلف أيضًا قصور في الإمكانات المادية والمعنوية والسياسية أو رأس المال المادي والبشري ، وهذا يؤدي بدوره إلى عدم إمكان توفير الخير الاجتماعي للمواطنين ، إنه الافتقار كذلك إلى الوسائل الكفيلة بالقضاء عليه ، وهو بهذا المعنى يتضمن عدم القدرة على ملاحقة الركب الحضاري التقدمي وسواء كان هذا لعدم القدرة على هذا أصلاً أو فقدان هذه القدرة بعد وجودها فعلاً .

ويمكن إجمــال سمــات التقدم والتخلف بعامــة ، وإبــراز أهم خصائصها طبقًا لما اتفـــق عليه معظم الكتابــــات التي تعاملت مع الموضوع ، وتتركز أهـم هذه السمات فيما يأتي(4):

– سمات ديمو جرافية .

– سمات اقتصادية .

– سمات اجتماعية .

– سمات ثقافية .

وسنطرح فيما يأتي تفاصيل هذه السمات ؛ ليمكن من خلالها التعرف على موقع المملكة منها في ضوء ثوابتها الأصيلة ، وفي الوقت نفسه تقبلها للأفكار الحديثة واستجابتها لها وتفاعلها معها في النواحي الاقتصادية والصحية والسلوكية والاجتماعية وغيرها كافة، وكذلك مدى تقبلها لما تأتي به التكنولوجيا الحديثة .

أ – السمات الديموجرافية :



م
سمات تقدم
سمات تخلف

1
انخفاض معدلات الوفيات العامة .
– ارتفاع معدلات الوفيات العامة .

2
انخفاض معدلات وفيات الأطفال .
– ارتفاع معدلات وفيات الأطفال

3
ارتفاع المستوى الغذائي .
– انخفاض المستوى الغذائي ، وانتشار أمراض سوء التغذية .

4
ارتفاع المستوى الصحي .
– انخفاض المستوى الصحي .




















ومما لا شك فيه أنه يمكن القول إن المعايير الأربعة من سمات التقدم تتوافر في المملكة العربية السعودية .

ب – السمات الاقتصادية :

م
سمات تقدم
سمات تخلف

1
كفاية الموارد الطبيعية واستغلالها الاستغلال الأمثل .
– عدم كفاية الموارد الطبيعية وعدم استغلالها الاستغلال الأمثل .

2
وفرة روؤس الأموال .
– نقص روؤس الأموال .

3
الاندماج في نشاطات صناعية ( ثقيلة متطورة ) .
– الاندماج في نشاطات زراعية ( وما يتعلق بها من نشاطات ) .

4
الأخذ بالأساليب الحديثة والمتطورة التي تعتمد على القوى العاملة .
الأخذ بالأساليب التقليدية البدائية أو المتأخرة في الإنتاج التي تعتمد على القوى العضلية .

5
الأخذ بأسلوب الاقتصاد المتوازن ( من كل القطاعات والاتجاهات ) .
– عدم – أو على الأقل قلة – الأخذ بأسلوب الاقتصاد المتوازن من القطاعات والاتجاهات .

6
انخفاض نسبة البطالة ( الكلية الفعلية أو الجزئية المقنعة ) .
ارتفاع نسبة البطالة – فعلية ومقنعة .

7
ارتفاع الدخل القومي .
انخفاض الدخل القومي .

8
ارتفاع مستوى الدخل الفردي – فوق 600 دولار أمريكي سنوياً – ووفاء هذا الدخل باحتياجات الفرد الكمالية فضلا عن الأساسية .
انخفاض مستوى الدخل الفردي عن هذه المعايير .

9
وفرة المدخرات وتعاظم الاتجاه نحو الاستثمار .
قلة المدخرات – أو حتى انعدامها – وتضاؤل الاتجاه نحو الاستثمار .

10
الاتجاه إلى أنماط الإنفاق غير الاستهلاكية ( السلع المعمرة ) .
الاتجاه إلى أنماط الإنفاق نحو السلع الاستهلاكية (المأكل والمشرب والملبس).

11
اتجاه الصادرات نحو المواد المصنعة (الصناعات الثقيلة بالذات ) إضافة إلى تصدير التكنولوجيا الحديثة .
اتجاه الصادرات نحو المواد الأولية والخام .

1
اتساع الأسواق ( الداخلية والخارجية ) والتصدير أكثر من الاستيراد أو على الأقل التوازن بينهما ( اعتدال الميزان التجاري ) .
ضيق الأسواق – داخلياً وخارجياً والاستيراد أكثر من التصدير أو عدم التوازن ( خلل الميزان التجاري ) .

2
تقدم النظم المصرفية وفاعليتها .
تأخر النظم المصرفية وعدم كفاءتها .

3
الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على النفس ، إضافة إلى تقديم معونات خارجية .
الاعتماد على الخارج اقتصادياً وطلب معلومات خارجية وقبولها .




ويبدو من هذه المعايير أن المملكة تتمتع بكثير من سمات التقدم الحاكمة في هذا المجال .

جـ – السمات الاجتماعية :



م
سمات تقدم
سمات تخلف

1
ارتفاع مستوى المعيشة .
– انخفاض مستوى المعيشة .

2
انخفاض نسبة الأمية وارتفاع نسبة التعليم والتدريب، إضافة إلى الأخذ بالأساليب الحديثة في التعليم والتدريب.
ارتفاع نسبة الأمية وانخفاض نسبة التعليم والتدريب، إضافة إلى الأخذ بالأساليب العتيقة في التعليم والتدريب .

3
اختفاء – أو حتى انعدام – ظاهرة تشغيل الأحداث .
انتشار ظاهرة تشغيل الأحداث .

4
سير الحراك الاجتماعي السير الطبيعي ( انسيابية لا جامدة ) .
تعثر سير الحراك الاجتماعي ( جامدة الانسيابية ) .

5
توفر الرعاية الاجتماعية بكل أبعادها من تعليم وصحة وإسكان ووسائل اتصال وترفيه وخلافه .
عدم توفر الرعاية الاجتماعية كلياً أو جزئياً .

6
كبر حجم الطبقة المتوسطة ( وبالتالي صغر حجم كل من الطبقتين العليا والدنيا ) .
صغر حجم الطبقة المتوسطة وكبر حجم الطبقة الدنيا .

7
تطبيق نتائج البحوث العلمية والفنية على نطاق واسع .
قلة – أو حتى عدم – تطبيق نتائج البحوث العلمية والفنية .


د – السمات الثقافية :





م
سمات تقدم
سمات تخلف

1
ارتفاع المركز الاجتماعي للمرأة .
– انخفاض المركز الاجتماعي للمرأة.

2
التحرر من تحكم العادات والتقاليد الموروثة– وبخاصة الضار منها– في السلوك .
– تحكم العادات والتقاليد الموروثة في السلوك .

3
سيادة العلاقات الاجتماعية المعقدة وامتدادها عادة خارج النسق ( الأسرة – العائلة – القبيلة – العشيرة ) .
سيادة العلاقات الاجتماعية الأولية البسيطة والمباشرة واقتصارها غالباً على داخل النسق .

4
القدرة على الانفتاح العقلي على الأفكار الجديدة والعالم الخارجي كذلك إمكان التعاطف مع الأدوار الاجتماعية الجديدة .
عدم القدرة على الانفتاح العقلي على الأفكار الجديدة والانغلاق على النفس والداخل وعدم إمكانية التعاطف مع الأدوار الاجتماعية الجديدة .

5
حراك الوحدات البنائية وعدم جمودها واندماجها في حياة المجتمع الكبير كلها .
جمود الوحدات البنائية التي تسودها عادة الحياة القبيلة وعدم تمكنها من الاندماج في حياة المجتمع الكبير .




ونجد أيضًا أن الكثير من معايير السمات الثقافية الإيجابية يصب في صالح المجتمع السعودي .

والخلاصة التي نستطيع الخروج بها في ضوء رصد معايير التقدم والتخلف أن المملكة العربية السعودية في وضع من الثوابت يصب الكثير منها في صالح التقدم ، كما أن اتجاهاتها نحو المتغيرات وقدرتها على الانفتاح الفعلي على الأفكار الجديدة والعالم الخارجي في ضوء هذه الثوابت ذات مردود إيجابي .



ثانيا – تنافسية المملكة في إطار النظام التكنولوجي الجديد :

أشارت معايير التقدم التي سبق رصدها أن مدى تقبل المجتمع لما تأتي به التكنولوجيا الحديثة ومستوى التقدم التكنولوجي في الصناعة والزراعة والإنتاج وتوطين التكنولوجيا واستنباتها وتصدير تكنولوجيا حديثة كل هذه الأمور تعد من سمات التقدم لأي مجتمع من المجتمعات .

ولأهمية هذا المعيار الإستراتيجي والحاكم سنفرد هذا الجزء من الدراسة عن أهمية هذا الموضوع وتنافسية المملكة العربية السعودية في السنوات القادمة في هذا المجال ، إن السياسة الاقتصادية الكلية للمملكة يمكن أن ترتكز في المرحلة القادمة على عناصر أساسية تحكمها متغيرات دولية اقتصادية واجتماعية ، ولعل أهمها :

– معدل منخفض للتضخم .

– معدل مرتفع للادخار المحلي والاستثمار الوطني .

– سد الفجوة في الميزان التجاري .

– معدل منخفض للبطالة .

– تشجيع الاستثمار المرتبط بالتكنولوجيا والإدارة والتسويق .

ويجب أن يتم ذلك كله في ضوء معطيات النظام التكنولوجي العالمي الجديد.



النظام التكنولوجي الجديد :

ولكن هل تلك العناصر المشار إليها آنفًا كافية لتمكن المنشآت الصناعية والحديثة السعودية من مواجهة المنافسة العالمية الشرسة؟ مما لا شك فيه أن تهيئة المناخ لنمو قدرتنا التنافسية من خلال العوامل الاقتصادية الكلية السابق ذكرها هو أساس لا غنى عنه ، ولكنه غير كاف في حد ذاته لتحقيق معدلات عالية لنمو الإنتاجية ، ومن هنا لا بد من التركيز على عوامل ثلاثة أصبحت تدخل في صلب القدرة التنافسية للأمم والمنشآت ؛ وهي التكنولوجيا ، والموارد البشرية ، والمعلومات التي تعد من العناصر الأساسية والحاكمة في المتغيرات الهادفة لأي مجتمع من المجتمعات .

1 – التكنولوجيا :

يعد التطور التكنولوجي الجذري مفتاح التقدم والأساس المحوري للمتغيرات في المملكة العربية السعودية بشرط أن يتكامل مع العناصر الأخرى في إطار سياسة اقتصادية كلية وجزئية فاعلة ؛ إذ تعد التكنولوجيا هي عامل السيطرة في النظام العالمي الجديد ، وهي أيضًا عامل التقدم الديناميكي في هذا النظام ، ويمكن إلقاء الضوء على ذلك من خلال عدة محاور ، من أهمها :

أ – التكنولوجيا : عامل سيطرة في النظام العالمي الجديد :

تشتد المنافسة في التكنولوجيا ؛ لأن الرهان ليس فقط على الناحية الاقتصادية، ولكنه أيضا سياسي وإستراتيجي ، ومن سيسيطر على التكنولوجيا فإنه سيسيطر على أي مجال آخر .

ب – التكنولوجيا كمحرك ديناميكي للتطور والتغير :

الدلائل تشير إلى أن العالم قد يكون في مرحلة انتقالية من عهدين تكنولوجيين، حيث ارتكزت اختراعات كثيرة في الخمسينيات والستينيات على استخدام الطاقة الرخيصة والموارد المتوفرة ، وتعد تكنولوجيا الإلكترونيات الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية من أهم التكنولوجيا الواعدة ، فكلتاهما تعد بمستقبل يتم فيه التغلب على قيود الطاقة والموارد .

2 – المعلومات :

نحن في عصر التكنولوجيات المتقدمة ، ومن أهم التكنولوجيات التي ستعتمد عليها كافة منشآتنا الصناعية والحديثة في المملكة هو التكنولوجيا الرقمية التي سيكون لها أكبر الأثر في ثلاثة مجالات محددة :

أ – قوة الحاسب الآلي .

ب – البرامج اللينة SOFT WARE .

ج – الاتصالات عن طريق الألياف الضوئية واللاسلكي والأقمار الصناعية .

3 – الموارد البشرية :

ويمثل التدريب والتعليم المستمر داخل المنشآت وخارجها عاملاً إضافيًا في تطوير القدرة التنافسية لمواردنا البشرية في المملكة ، ويتجه الاستثمار العالمي الآن إلى حيث تتوافر عوامل كفاءة الموارد وانضباطها علاوة على أجورها المقارنة .

ويأتي بناء مراكز التميز التكنولوجي بأنها أهم قاعدة للتنمية الاقتصادية بمشاركة بين الحكومة وقطاع الأعمال .

وعلينا ألا نعتقد أن التكنولوجيا المتقدمة ستؤدي إلى البطالة ؛ فقد أثبت تجارب التنمية كلها عكس ذلك ، فالصناعات الصغيرة والخدمات المتنوعة التي تنشأ حول صناعات التكنولوجيا العالية ستؤدي إلى تشغيل عدد لا يستهان به من العمالة .

الاختيارات السعودية :

في إطار هذا النظام التكنولوجي العالمي الجديد ومتغيراته يصبح السؤال هو كيف تستطيع المملكة العربية السعودية أن تضاعف قدراتها التنافسية ؟

نستطيع أن نتحدث عن ثلاث مجموعات من العوامل المحددة ، وهي نمط العلاقة مع الدول الصناعية المتقدمة ، ومعضلات العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع ، وأخيرًا الاعتبارات الاقتصادية السليمة .

1 – نمط العلاقة مع الدول الصناعية المتقدمة :

إن التطورات التكنولوجية كلها تحدث في حفنة من البلاد الصناعية تمتلك معظم مقدرة العالم على البحوث والتطوير ، وتستخدم معظم علمائه ومهندسيه.

إن الغالبية العظمى من تكنولوجيا العالم تبتكرها وتمتلكها الشركات الخاصة وهذه الملكية تحميها ترتيبات مثل براءة الاختراع واتفاقية حقوق الملكية الفكرية وغيرها ، وهي تحكم شروط نقل التكنولوجيا عبر العالم .

يتطلب حل المشكلات التي تواجه المملكة في هذا المجال لا مجرد الحصول على مزيد من التكنولوجيا الحديثة بشروط ميسرة ، بل يجب تنمية قدراتها على خلق التكنولوجيا وتطبيقها وعلى التعامل مع الشركات متعددة الجنسيات ، وذلك لدورها الرئيس في نشر التكنولوجيات التجارية حول العالم .

ويعني ذلك كله بالنسبة للمملكة العربية السعودية ضرورة تطبيق فلسفة جديدة في إدارة العلاقات مع الدول التكنولوجية المتقدمة بحيث يتحقق أمران :

الأول : توسيع مجال الاختيار التكنولوجي للمملكة وتمكينها من صنع القرار التكنولوجي السليم .

والثاني : تنمية القدرة الوظيفية على خلق التكنولوجيا وتطبيقها بما في ذلك دفع الشركات الأجنبية لتوطين أنشطة البحث والتطوير في المملكة ، وذلك في إطار سياسة تشجيع هذا النمـــط من الاستثـــمار الذي يحمل مكونات تكنولوجية وتنظيمية وتحفيزية عالميـــة .

2 – حول معضلات العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع :

تشتمل هذه العلاقة على معضلات وتعقيدات كبيرة في الحالة السعودية ، وسوف نناقش باختصـار أربعة جوانب أساسية لهـذه العلاقة ، وهي معادلة التكنولوجيـا والمجتمع، والمشكلات الاجتماعية المترتبة على التكنولوجيا ، والحاجة لهيكل مهاري جديد لقوة العمل في السعودية وأخيرًا دور الدولة .

أ – معادلة التكنولوجيا والمجتمع :

إن التكنولوجيا هي التي تحدد التغيرات الاجتماعية ، وبعبارة أخرى يتغير المجتمع نتاجًا لتكنولوجيته ، والقوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتفاعلة داخل المجتمع هي التي تحدد اتجاه التغير التكنولوجي .

ولا بد من لفت النظر إلى أن المملكة العربية السعودية تحتاج لتطوير قوة دفع اجتماعية للتطور التكنولوجي والعلمي والاقتصادي ، ويعني ذلك حاجتنا القوية إلى تثقيف علمي متنوع ، ويجب أن ينطلق ذلك بمزيد من الإصلاح التعليمي ومن دور أقوى للعلماء والمثقفين وإدارك القوى الرأسمالية الصاعدة لمسؤولياتها الاجتماعية ومصالحها المرتبطة بالتطور العلمي الاجتماعي .

ولا بد من تقرير دور العلماء والعناصر الماهـرة المحركة للتطور في التكوين الاجتماعي .

ب – مشكلات اجتماعية :

يجب الاعتراف بأن التكنولوجيا وحدها لا تستطيع حل المشكلات الاجتماعية ، فقد أثبتت المهارات التكنولوجيه عجزها أمام عدة مشكلات .

ومن هناك فإن فلسفــــة التطـــور التكنولوجي في المملكـــة العربيــة السعودية يجب أن تندرج في إطار حزمة كاملة من السياسات الهادفة لإنعاش البيئة واختيار التكنولوجيـــات "النظيفــــة" وعدم قبول الاستثمارات الملوثة للبيئة ، وبخاصة الأجنبية منها .

وعلى هذا يجب أن تخضع عملية الاختيار والقرار التكنولوجي لنوع من القرار الاجتماعي الذي يتخذ على ضوء مستوى الاستثمار وكفاءته مما يضمن مستوى مرتفعًا من العمالة مع التمتع في الوقت نفسه بمزايا التجديد .

ج – مهارات جديدة :

سيكون للتكنولوجيات الجديدة تأثير على أنماط الأعمال والمهارات المطلوبة من القوى العاملة وبخاصة في قطاع الخدمات الذي سوف يستمر في التوسع لاستيعاب النمو المتوقع في القوى العاملة ، ولكن التحول إلى الكمبيوتر ومجتمع المعلومات سوف يتطلب مجموعة لم يسبق لها مثيل من الوظائف والمهارات، ولهذا يجب أن نقوم بجهد قوي كبير لتغيير الهيكل المهاري لقوة العمل .

د – دور الدولــة :

يعد دور الدولة جوهريًا في توجيه التنمية الاقتصادية والتكنولوجية ، ففي معظم البلاد الصناعية نجد أن 40% إلى 50% من مجوع النفقات الوطنية الكلية على البحوث والتطويـــر تنبع مباشــرة أو بطريــق غير مباشر من الهيئات الحكومية(5) ، وإن كان ذلك لا يقلل من ضرورة الاعتماد على قوى السوق بقدر المستطاع ، ويجب إضافة جهود الدولة إليها .

يتطلب هذا من المملكة العربية السعودية أن تصل إلى نقطة التوازن الملائمة بين قوى السوق ودورها في توفير متطلبات التقدم التكنولوجي الذي يعجز القطاع الخاص وقوى السوق وحده عن توفيره .

والقطاع الخاص السعودي يعي هذه المسألة ، فهو يطلب دورًا إضافيًا وواسعًا، ولكنه يعارض انسحاب دور الدولة ، ويقترح في هذا السياق تركيز دور الدولة في المستقبل على دفع التطور التكنولوجي بوسائل وآليات مباشرة ؛ أي من خلال الإنفاق العام وإنشاء مراكز البحث والتطوير وغير المباشر بمعنى تعزيز الاتجاه للتطور التكنولوجي من خلال آليات الدعم وآليات السوق في المجتمع أجمع .

نخلص من ذلك إلى أنه قد برزت التكنولوجيا في وقتنا الحاضر على أنها متغير إستراتيجي حاكم من أجل التنمية السريعة التي تتم في وسط مناخ دولي شديد المنافسة؛ لذلك أصبح عند المملكة إدارك عام لأهمية اتباع النهج التكنولوجي الموجه في تخطيط التنمية على المستويات الوطنية والقطاعية .

ومن الأهداف المقررة التي تتطلع إلى استخدام التكنولوجيا على أنها متغير إستراتيجي للتنمية ما يتجسد في ضرورة التوجه إلى تكامل الاعتبارات التكنولوجية في عمليات تخطيط التنمية الاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن تعزيز القدرات الوطنية في استيراد التكنولوجيات وتوليدها واستخدامها بطريقة فاعلة .

لا يمكن الحديث عن الثوابت والمتغيرات في المملكة بمعزل عن التحديات التي تواجه الأمة العربية بعامة ، من هنا يتعين الحديث أولاً عن طبيعة التحديات من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ؛ لنلمس آثارها وانعكاسها على المتغيرات في المملكة ودول الخليج العربي الأخرى بخاصة والأمة العربية بعامة .



التحديـات وعلاقتها بالثوابـت والمتغيرات في المملكة :

أولا – التحديات التي تواجه الأمة العربية :

لم تقتصر محاولات الهيمنة الاستعمارية في بعض الدول العربية على تجزئة الأرض، بل تجاوزتها إلى تجزئة الإنسان العربي والحياة العربية وتمزيقهما ؛ فأمتنا التي حققت وحدتها باقتدار في كثير من الحقبات الماضية وجدت نفسها مجزأة إلى كيانات ، ولم تقتصر هذه المحاولات على تجزئة الأرض ، بل امتدت إلى تجزئة الإنسان العربي والحياة العربية وتمزيقهما من خلال إِثارة النعرات الطائفية والعنصرية والشعوبية ، إلى جانب العمل المنظم الذي استهدف تمزيق وحدة العرب الثقافية من خلال الانقضاض على اللغة العربية أداة الاتصال بين العرب وتراثهم الحضاري الزاخر ، أما محاولات التقليل من أهمية إضافات العرب إلى التراث الإنساني وما رافق ذلك من محاولات لرد الحضارة العربية إلى أصول يونانية أو هندية أو فارسية وما تبعه من هجوم على الأدب العربي ورميه بالجمود والعقم والتخلف والحركة المكشوفة لترسيخ الإيمان بالنتاجات ذات الأفق المحلي المتعصب فهي أيضا محاولات أريد بها تكريس الاتجاهات نحو التجزئة .



ثانيا – التحديات التي تواجه المملكة ودول الخليج الأخرى :

إذا كنا تحدثنا بشكل سريع وعمومية مطلقة عن التحديات التي تواجه أمتنا العربية مجتمعة فإن أقطارنا العربية ومنها المملكة ذات نوعية خاصة ، مما يوجب إبراز ملامحها الأساسية المتمثلة في ثوابتها رغم إيماننا المطلق بأنها جزء مكمل لتلك التي تواجهها أمتنا العربية ، وأهم هذه التحديات هي :

1 – التحديات الناجمة عن التنمية وتحديث المجتمع :

على الرغم من النجاحات الكبيرة التي أفرزتها التنمية الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع الخليجي ومنها المملكة فإن انعكاساتها السلبية على المجتمع يمكن رؤيتها بوضوح تام من خلال العديد من الظواهر .

والدراسات المستقاة من التجارب العالمية تؤكد أن التصدع القيمي واهتزاز العلاقات الاجتماعية والصراعات الحضارية المتعددة تمثل أبرز نتائج انتقال المجتمع من حالة التخلف إلى التقدم ، وإذا ما أردنا الوقوف على الوضع في أقطارنا العربية الخليجية التي تناضل من أجل تخطي حاجز التخلف فإن الدراسات العربية التي تناولت هذا الجانب كانت وما زالت تؤكد المحاور ذاتها ؛ ذلك لأن هذا الجزء من الوطن العربي كان قبل عملية التنمية والتحديث يتألف من تجمعات عشائرية ذات الأصول القبلية الواحدة أو المتقاربة وذات الأنمــاط السلوكية والقيم والعلاقات والنظم الاجتماعية المتشابهة رغم وجود الاختلافات الجزئية بينها .

أما عوامل التنشئة الاجتماعية فإن العائلة بتركيبتها القرابية ونظرتها العرفية كانت تشكل محورها الأساس ؛ فالمجتمع العربي كان قبل عملية التنمية والتحديث يقوم على أساس الأسرة التقليدية القائمة على الزواج القرابي والتي تقوم بالأساس على العلاقات الصحيحة والترابط المصيري ، والعائلة كانت وحدة اقتصادية متعاونة في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك وتقسيم العمل ، وكانت تمثل أيضا الأداة الرئيسة لإشباع الحاجات النفسية والاجتماعية فضلا عن أدوارها في تحديد الملامح الأساسية لشخصية الأبناء ، غير أن هذا النوع من التركيب الاجتماعي تعرض إلى الكثير من الاهتزاز بعد عملية التغيير التي شهدها المجتمع جراء التنميــة ؛ فالدور الذي كانت تنهض به العائلة لم يعد مؤثرًا بعد دخول الآباء والأمهات سوق العمل وبعد بروز قوى ومؤثرات تربوية بدأت تمارس أدوارا ومسؤوليات أكبر من تلك التي كانت منوطة بالأسرة .

ولقد كان من جراء اعتبار دور الأسرة ثانويًا والكم الهائل من المعارف والمعلومات والخبرات التي رافقت عملية التغيير الاجتماعي الناجم عن التنمية والتحديث وعجز المؤسسات التربوية المختلفة عن اللحاق بسرعة التغيير أن برزت على السطح بعض الظواهر وتباينت أحداثها من قطر لآخر ، أهمها :

أ – أن تعرض الأطفال والنشء الجديد إلى دائرة واسعة من التفاعلات كان وراء اتساع معارفهم وإكسابهم خبرات جديدة ، ولأن تلك الخبرات والمعارف كانت تختلف عن تلك التي ألفها الآباء والأمهات فإنها كانت وراء بروز ظاهرة الصراع بين الأجيال .

ب – ولأن القوى والمؤثرات التربوية القائمة في المجتمع لم تؤثر بمستوى واحد في الجيل الواحد ؛ لأن استيعاب الجيل الجديد غالبًا ما يتأثر بنوع البيئة المحيطة بالإنسان وبنمطها ، فإن ظاهرة الاختلافات الحضارية والقيمية بين الجيل الواحد يمكن تأثيرها في المجتمع الخليجي .

ج – ولأن القيم والعادات وأنماط السلوك المختلفة لا تتغير بنفس السرعة التي تشهدها المجالات المادية من الحضارة ، فإن ظاهرة الازدواج التي يعيشها المواطن في مجتمع الخليج يمكن رصدها بسهولة .

ومما لا شك فيه أن لهذه الظواهر انعكاساتها وتأثيراتها ، ومن أهم ذلك :

– انقطاع الأدوار الناجمة عن عدم الاتساق في مضمون التوجيه التربوي التي تمارسه القوى المختلفة القائمة في المجتمع .

– هناك بعض الأسر تميل عادة في نظرتها الزمانية إلى توكيد الماضي بدرجة كبيرة ، والحاضر بدرجة أقل، ولا تمنح المستقبل إلا درجة ضعيفة من الاهتمام، ولقد كان من جراء ذلك أن تركزت ظاهرة ضعف النظرة المستقبلية في صفوف نسبة عالية من المواطنين.

2 – التحديات الناجمة عن الوافدين :

إذا استثنينا الصراعات القيمية التي أفرزتها عملية التنمية والتحديث فإن الحاجة المستمرة إلى القوى الأجنبية والحاجة المستمرة إلى التنمية التكنولوجية تشكل مظهرًا آخر من مظاهر التحديات .

إن ظاهرة الازدواجية السكانية وارتفاع نسبة الأجانب تشكلان تهديدًا ثقافيًا على ثوابت المجتمع الثقافية والاقتصادية والسياسية ، فمعظم هذه التجمعات الوافدة غريبة بمعنى الكلمة ؛ لأنها غريبة على السكان في جوهرها، فهي بمعظمها تعود لمصدر نمطه الحضاري المادي المجرد ، وبعضها قد يكون وثنيًا أو ينتمي لديانات غير موجودة ، حتى تلك التي تشترك مع السكان في الدين غربتها قائمة ، والخطورة هي أن هذه التجمعات بدأت تدخل في مرافق حياتية مؤثرة من خلال أدوارها في المطبخ وتربية الطفل والخدمات العامة .

وعلى ذلك فإن النتائج الثقافية والاجتماعية للوافدين يمكن تلمس أخطارها وتحدياتها من بروز ظاهرة "اختلاف التجانس"في العادات والقيم والأنماط السلوكية وكل ثوابت المجتمع التي إن هي سادت بالاتجاهات ذاتها فإنها ستؤدي إلى إحساس المواطن العربي الخليجي بالغربــــة إزاء الوطن والتاريخ والتقاليد ثم إضعاف إحساسه بالانتماء مما يهدد عروبة المجتمع .

3 – تحديات الغزو الثقافي :

ولم تقتصر التحديات على الصورة المرئية لإفرازات السيطرة أو تلك التي أفرزها تحديث المجتمع ؛ ذلك لأن عملية الغزو الثقافي الأجنبي التي تستهدف تزوير هوية الإنسان العربي وتشويه قيمه ومعاييره الخلقية تمثل تحديًا لا يقل أهمية وخطورة عن تلك التي يواجهها مجتمعنا ، فهذه العملية المخططة لا تستهدف فقط هدم قيم المواطن ، بل تسعى أيضًا لزرع قيم جديدة محل القيم التي تم هدمها ، وإعادة تكوين المواطن أخلاقيًا ونفسيًا وتشكيل أسس وعيـــه وتوجهاتــه والوصول به إلى حالة الإحساس بالغربة في حياته ، ومن ثم كسر الحاجز النفسي بينه وبين الثقافة الأجنبية .

ومما يزيد في خطورة هذا التحدي النمو السريع في وسائل الاتصال المتنوعة والتوسع الكبير في استخدامها بلا ضوابط ؛ فوسائل الاتصال لما تنطوي عليه من علاقات رأسية موجهة بين المرسل والمستقبل أصبحت الآن إحدى أبرز وسائل الغزو الثقافي الموجه الذي يهدف إلى إعادة تكوين الإنسان من حيث عاداته واتجاهاته وأنماط سلوكه ومستوى تفكيره مما يسهم في الانسلاخ عن قيمه الأصيلة وميوله وثوابته ؛ ليتشرب قيماً مخالفة للمنهج السليم .

وضمن ما أفرزته تحديات الغزو الثقافي من ظواهر ظهرت مشكلة بارزة هي مشكلة التراث والمعاصرة ، وباستقراء سريع لمجمل الآراء التي تناولت موضوع التراث والمعاصرة يمكن تلمس ثلاثة اتجاهات رئيسة :

الأول سلفي محافط يرى في التمسك بالتراث بكل ما فيه أمرًا واجبًا ، والثاني راديكالي رافض لكل ما يحمله تراث الأمة من إشراق ، فيما يقف بين هذين الاتجاهين اتجاه توفيقي ينطلق من نقطة احترام التراث وتقديره ، ولكنه في الوقت ذاته يرى في الاتجاهات المعاصرة حالة لا بد من قبول استخداماتها في حياتنا المعاصرة .

وأيا تكن مسوغات الالتزام بهذا الاتجاه أو ذاك ودوافعه فإن الباحث في هذا الموضوع لا بد أن ينطلق من مسلمة أساسية ؛ هي أن التراث ليس مجرد مظاهر شاخصة في الحياة اليومية كما يتبادر إلى الذهن لأول مرة ، بل هو مظهر من مظاهر الإبداع الحضاري الذي يظهر درجة النضج النفسي والخلقي والذوقي لأمة من الأمم ويحدد اتجاهات حركتها الحضارية وكيفية استخدامها للمبتكرات دون الإخلال بهويتها وشخصيتها الحضارية ، وبمعنى أدق فإن التراث كما يجب أن يفهم هو المحصلة النهائية لمسيرة الأمم الحضارية بكل ما تحمله تلك المسيرة من حيوية وإبداع والتزام .

واستنادا إلى هذا الرأي فإن إخفاق بعض تفكيرنا في رؤية تاريخ المجتمع ودراسته كما ينبغي كان وراء عدم الدقة في الوقوف على مستوى البناء النفسي والخلقي والذهني لهذا المجتمع وممارساته المتنوعة للعمل الحضاري واتجاهات هذا العمل ومجالاته ، كما أن عدم دقة الرؤية كان وراء الفشل في دقة الوقوف على السمات الأساسية لتراث المجتمع ومستواه الإبداعي ومدى تأثيراته على مجمل الإنجازات الإنسانية .

لذا فإن النظرة إلى التراث وثوابته في سياقه التاريخي والتحديد الدقيق لمقاييس ومواصفات الإبداع فيه ثم مدى قدرته في المساهمة في الحفاظ على الخصائص الأساسية للمجتمع واستمراره في المساهمة في النهوض الحضاري للمجتمع البشري تمثل نقطة البداية لتجاوز مشكلات الفهم القاصر لمعنى التراث والمعاصرة ؛ فنظرة كهذه إنما تعني التعامل مع التراث والثوابت على أساس استلهام ما يحتويه من عناصر الدفع لقوة المجتمع المعاصر إلى الأمام وعلى أساس التمسك بمقومات الاعتزاز بالثقة في النفس والثقة بالمبادئ والقيم الإنسانية التي يزخر بها تراثنا ، وما يمكن أن يمنحه ذلك من نتائج على صعيد الحاضر والمستقبل .

ولقد كــان من جــراء عـــــدم الدقة في فهم التراث وعــدم الدقـــة في توضيح معانيـــه وبخاصة إلى الشباب أن شاعت في صفوف الكثيرين منهم ما يطلق عليه أزمة الثقة رغم تباين استجاباتهم ومشاعرهم لتلك الأزمة ، ففي الوقت الذي نجد فيه افتتان بعض الشباب بالحضارة الأوروبية وقيمها وإعلان نقمتهم على إنجازات الأمة المتخلفة وعدم إيمانهم بكل ما يمت لقيمها وأخلاقها وثوابتها بصلة فإن هناك فريقًا آخر متزمتًا ومنغلقًا ورافضا لكل جديد مهما تكن مسوغاته المنطقية مؤمنًا كليا حتى بالنتوءات الطارئة والدخيلة على تراث الأمة من خلال سيطرة الشعوبيين والقوى الحاقدة .

إن شيوع هذين الاتجاهين وما ينجم عنهما من مشكلات إنما يقود إلى "المستوى" التقليدي الذي تقوم به مؤسساتنا التربوية النظامية وغير النظامية لتوضيح معنى التراث للأبناء ، إن المستــــوى القائم في معظم أقطارنـــا الخليجية لا يواكب العصر لا في بنائه ولا في لغته ولا في طريقة محاكاته للأبناء ودوافعهم ونفسيتهم ، لذلك فهو غير مؤثر ، غير قادر على تحقيق الالتصاق المطلوب بحياة المجتمع من حيث البعد العمودي "تاريخ الأمة ولقاءاتها" ولا من حيث البعد الأفقي "العصر الراهن" ، ولم يصل بعد إلى الشمولية المطلوبة .

وفي هذا السياق يجب أن نبرز دائما ونوضح لأبنائنا أنه كان للمسلمين حضارة رجحت حضارة العالم ، وكانت أستاذا ورائدة في عالم لم يكن هناك غيرها يمنح الخير والرشد للإنسان ، وقد كانت حضارتنا سخية ومعطاء ، فقدمناها لشعوب الأرض طوعًا واستمتاعًا بالعطاء ، وشبت على يدنا أجيال وأجيال .

ولا ينبغي أن تشغلنا الحياة الدنيا عن رعاية هذه الحضارة التي هي ثوابتنا الأساسية حتى لا تضيع حضارتنا وتنتقل لسوانا ، كما حدث لمن شبوا وتربوا على هذه الحضارة، كانوا قد أخذوا من حضارتنا جانبها المادي ، ولم يأخذوا معارفنا الخلقية من سماحة وصفاء ، ولما وصلت حضارتهم الجديدة إلى الذروة استبدوا بالمجتمع البشري وهددوا الإنسانية .

إن صراع الحضارات في القرن الحادي والعشرين فرصة لنبني من جديد حضارتنا ، ونحن في المملكة العربية السعودية محور الارتكاز للزعامة والريادة في العالم الإسلامي ، وعلى صناع الخير من قادتنا أن يقودوا هذه المسيرة الجديدة والدعوة للود والتعاون ، وإن القرن الجديد هو قرن التعاون والتسامح والود لا قرنًا لصراع الحضارات كما يحلو للغرب وغيرهم أن يسموه ، كيف وقد كانت الحضارة العربية والإسلامية بجابنها المادي والروحي هي أقدم الحضارات في العالم وأرفعها شأنا ، وقد اقتبس الغرب بعض معارفنا في الحضارة المادية ، واعترف بذلك مفكروهم قديما وحديثا ، أما الحضارة الإسلامية الروحية التي تبدأ بالإيمان بالله وتمتد فتشكل الأخلاق ونظام الأسرة والسياسة والاقتصاد فقد عجز الغرب عن اقتباسها وتناسيناها نحن في عصور الظلام .

وارتقى الغرب بالحضارة المادية في كل اتجاه ، ووصل بها إلى وسائل صراع مدمر كالصاروخ والذرة ، ثم أدرك الغرب فشل الصراع العسكري ؛ إذ إن الدولتين اللتين انهزمتا في الحرب العالمية الثانية وسلمتا دون قيد ولا شرط وهما اليابان وألمانيا سرعان ما فاقتا المنتصرين في جوانب كثيرة ، ولا سيما الاقتصادية والفنية .

ومن هنا أدرك الغرب ضرورة اللجوء لصراع الحضارات ، بل عد المسلمين هم القوة التي تواجه الغرب في مجال هذا الصراع بعد سقوط الاتحاد السوفيتي .

ونحن - المسلمين- نقبل التحــدي ، ولكن السؤال هــو ماذا نفعل لنعد أنفسنا لهذه المواجهة ؟ هناك عدة وسائل ، في مقدمتها التمسك بثوابتنا وقيمنا الإسلامية الأصيلة والانفتاح بحذر على الثقافات الأخرى دون انغلاق إذا كان ذلك سيؤدي بنا إلى متغيرات تتفق وديننا الحنيف .

ونخص هنا من وسائل المواجهة أيضا ما يأتي :

– إحياء الحضارة المادية .

– القضاء على العلمانية .

– القضاء على الاختلافات الاجتماعية .

– القضاء على الإرهاب .

– الاهتمـــام الواسع بالتنمية في المجالات المختلفة في الصناعة والزراعة والاقتصاد بعامة ، واعتبار التكنولوجيا هي خيار المملكة للقرن الحادي والعشرين .

– الاستعداد لدخول القرن الجديد في مجال التعليم والتربية .

– إعداد مجتمعنا لاستقبال المهمة الكبرى في مجال العلاقات الدولية في قرن صراع الحضارات .

– أن نبني فكرنا على تعاون الحضارات وتبادل الخبرات في القرن الجديد ، ونستبعد كلمة " صراع " الذي هو امتداد للفكر الغربي الذي نشأ على الحروب والصدام .

– بذل المزيد من الجهود نحو تنوير بعض الزعامات الغربية الحديثة بحضارة الإسلام ، وبخاصة أن هناك بشائر من بعضهم بالاعتراف بمكانة الإسلام وفضل المسلمين ، وقد تحدث الكثير منهم بإجلال عن الشرق الإسلامي في مواقف متعددة لا بد أن يكون لها تأثيرها في جماهير الغربيين .



نظرة مستقبلية :

بعد رصدنا للثوابت والمتغيرات في المملكة العربية السعودية ، وتحليل هذه الثوابت والمتغيرات في إطار متطلبات العصر الذي يدعو إلى المعرفة الدقيقة بهذا العصر الذي نعيشه، وهو عصر هيمنة الحضارة والثقافة الغربية ، وهي حضارة لا مفر من معرفتها ، وهذه المعرفة ضرورية لكي نستطيع الاقتباس الواعي من الثمار الإيجابية للمجتمع المدني الغربي والحوار الحقيقي مع تلك الحضارة ، بشرط أن يكون حوار الأكفاء ؛ لأن حوار المقلد وفاقد الهوية لن يسفر عن خير أو إصلاح لمجتمعاتنا .

يأتي في مقدمة هذه الثمار الإيجابيــة الأخذ بأسباب التكنولوجيا المتقدمة Hi–Tech وبرسم صورة المستقبل التي نتمناها لوطننا في إطار منظومة العالم الجديد القائم على التعاون والتنافس .

وفي هذا السياق تحاول مؤتمرات كثيرة منها (تعاون الجنوب / الجنوب) أن تضع قواعد التعامل مع الشمال المتقدم بما يعود على البشرية كلها بالنفع ويساعد على حل المشكلات التي تعاني منها (البيئة – المياه والغذاء – الرعاية الصحية – السكان – وغيرها) ؛ ولأن رسم صورة المستقبل يعد عملا منهجيا جادا يأخذ في الاعتبار مجمل الأوضاع والإمكانات المحلية والإقليمية والعالمية في إطار ظروف تستحيل معها العزلة وتسمح للأمم التي تقوم بواجبها حيال مستقبلها بتفادي الذوبان أو التهميش فإني أدعو إلى إنشاء " مجلس أعلى للمستقبل" في المملكة يضطلع بهذا الدور ويكون تحت الرعاية المباشرة للمقام السامي الكريم، ويمكن استعراض هذه الفكرة وإمكانات تنفيذها على شكل عدد من التساؤلات ؛ لأن "تساؤلات المستقبل" يجب أن تكون أهم بنود "أجندة العصر" ، وبخاصة أننا رأينا أن ما حققته المملكة من نجاحات وما تملكه من طاقات يسمحان بالتفاؤل الموضوعي ، دون أن يعني ذلك أن لدينا لحظة واحدة للتراخي أو الكسل في هذا العالم اللاهث نحو المستقبل ومتغيراته .

1 – أول التساؤلات :

يتعلق بكيفية التعامل مع المستقبل : لقد تغير المفهوم المحدود الذي يرى أن الحاضر يحكم المستقبل ، وأدركت الدول المتقدمة أن المستقبل هو الذي يجب أن يحكم الحاضر ، فبرسم صورة المستقبل الذي نريده بشكل علمي وموضوعي يمكن أن نضع أيدينا على خيارات الحاضر التي تؤدي إليه ؛ فالأدبيات المستقبلية صارت تشكك في دقة صورة المستقبل القائمة على التوقع أو التنبؤ ، وتركز على الصورة القائمة على الاختيار ، ففي كل مرحلة ليس هناك مستقبل واحد ممكن بشكل محتم ، وإنما توجد دائمًا مستقبلات بديلة .

إن عمليات التنبؤ تفشل عادة في التعرف على نقاط التحول في مسيرة البشر، سواء أكانت سياسية أم علمية ، وأعتقد أن المثال الأكثر شهرة عن فشل التنبؤ والخاص بسقوط الكتلة الشرقية وهزيمة الشيوعية يساء تفسيره ، لقد وضع الغرب بقيادة الولايات المتحـــدة صورة للمستقبل ممكنة التحقيق ، وتبني الاختيارات التي تؤدي إلى هذه النتيجة ، وأوضح فروق الرفاه والإنتاجية والحوافز في حياة الأفراد ، وتم توظيف منجزات العلم والتكنولوجيا في إشعار الاتحاد السوفيتي بصعوبة الاستمرار في المنافسة ، كما ظهر بعد ذلك تهميش دور الكتلة الشرقية ومساحتها في التجارة العالمية باستخدام كل الأساليب السياسية والتنافسية وإخراجها من أسواقها المحدودة في العالم الثالث ، إن هذا المثال يعد نموذجًا لنجاح الاختيار دون الركون إلى التوقعات .

2 – والتساؤل الثاني :

يتعلق بالشروط الواجب توافرها لرسم صورة المستقبل ، ولعل أول هذه الشروط هو الإدارك الواعي غير الإنشائي للمتغيرات العالمية سياسيا وإيديولوجيا وعلميا وتكنولوجيًا ، واستيعاب الملامح المشتركة في مجتمعات ما بعد الصناعة ، والأبعاد الكوكبية للنشــاط البشري في عالم اليوم (الســـوق – ثورة الاتصـالات والمعلومات – الثورة البيولوجية – تغير التركيبة السكانية وزيادة متوسط العمر ، أو ما يسمى أحيانًا بموجة العمر – العنف والتوتر المجتمعي الذي يسود كثيرًا من المجتمعات ، وعودة بعض الأشكال غير المرغوبة من الأصولية المتطرفة ... ) .

وفي الوقت الذي ندعو فيه إلى إستيعاب "قواعد اللعبة" أو المباريات في هذا الزمن الكوكبي بصورة تبعد عن "نظرية المؤامرة" دون أن نسمح بأن تحل محلها "نظرية الغفلة" علينا أن ندرك أن صورة مستقبلنا يجب أن تكون في كثير من ملامحها مفصلة لتناسبنا وتواجه تحدياتنا .

ونحن وحدنا القادرون على أن نتقدم بناء على ثوابتنا ونجاحاتنا الحالية وإمكاناتنا المستقبلية وأن نختــار مستقبلاً مزدهرًا ومتقدمًا للمملكة العربية السعودية في هذا التاريخ، ولكي نقوم بذلك علينا أن نمتلك أدوات الدراسات المستقبلية الجادة وأساليبها التي يستخدم فيها الآن الكثير من قدرات الكمبيوتر والجديد في الرياضيات ، وأعمال الفكر الإبداعي ، وأساليب "النمذجة" وغير ذلك .

3 – ثم نأتي إلى التساؤل الأخير :

عن إمكانات المملكة العربية السعودية التي نعتمد عليها في رسم صورة مستقبلها ، لقد شهدت السنوات الأخيرة نجاحات حقيقية تقدم منظمومة مترابطة للتوجه المستقبلي، وهو خيار التنمية ، مع التمسك بالصيغة العادلة القابلة للاستمرار والانطلاق الاقتصادي مع عدم إغفال البعد الاجتماعي ، ثم تزايد المشروعات العملاقة ذات العائد المستقبلي المؤكد مثل التطور التكنولوجي للتعليم ، وزيادة فرص التعليم العالي المتنوع، وعدِّ التعليم بشكل عام مشروعًا قوميًا للمستقبل ، وزيادة استهلاك الكهرباء والمياه النظيفة وتحلية المياه، والتوسع في مشروعات الهيئة الملكية للجبيل وينبع وغيرها من المشروعات الكبرى التي غطت ربوع المملكة في إطار نهضة تنموية غير مسبوقة ، وإطلاق الحافز الفردي في كثير من المشروعات الاستثمارية .

لقد تطور مفهوم المشروع الوطني الشامل الذي أحببناه جميعا منذ توحيد المملكة على يد باني نهضتها "المغفور له الملك عبدالعزيز" حتى الخمسينيات والستينيات الميلادية، إنه الباني الذي مهد لهذه النقلة الحضارية التي تشهدها مملكتنا الحبيبة اليوم .

لقد جاء هذا التعبير انطلاقا من تغير العالم ، فصار الأمر يحتاج إلى العديد من المشروعات الكبرى ذات العائد الوطني المستقبلي ، أما ما نحتاجه اليوم فهو صورة شاملة للمستقبل يتبناها الشعب بكل طاقاته المادية والروحية ، إن المستقبل هو مشروعنا الوطني المطلوب .

هذا عن النجاحات ، فماذا عن الإمكانات ؟ إن عندنا طاقة فكرية هائلة متمثلة في العديد من المجالس العليـــا والقويـــة ( مجلس الوزراء ، مجلس الشورى ، مجالس الجامعات ، مجلس الخدمة المدنية ، مجلس القوى العاملة ... ) ، وكذلك المراكز البحثية والإستراتيجية ، لقد اهتمت بعض الجامعات أيضا بإنشاء مراكز للدراسات المستقبلية ، إضافة إلى المفكرين المهمومين بالمستقبل وصورته ترسمها الرؤية الثابتة والدراسات المنهجية ، ولا يرسمها الحل والتمني برغم مشروعيتها بالقدر الذي لا يؤثر على موضوعية الدراسات ومنهجيتها ، ولأن صورة المستقبل يجب أن تعتمد على المعلومات فمن الإيجابي انتشار مراكز المعلومات في كثير من مؤسساتنا .

ومن المفيد جدًا أن يلحق " بالمجلس الأعلى للمستقبل" المقترح وحدة بحثية ترسل إلى الشباب للإلمام بمناهج الدراسات المستقبلية ، مع الاهتمام بدراسة مستقبلنا في إطار المتغيرات والتطورات الإقليمية والعالمية بشكل عام .

إن صورة المستقبل الذي نرجو أن تصل إليه مملكتنا الحبيبة ليست عملاً تنفيذيًا فقط، بل هي عمل فكري وبحث منهجي مدعم بالمعلومات ومتسم بـالإبداع والديناميكية ، تقوم به دائرة فكرية متميزة متحررة من قيود المناصب والوظائف ومدعومة بذراع بحثية متقدمة مستوعبة للغة العصر ولغة المستقبل ، هذه الدائرة هي "المجلس الأعلى للمستقبل المقترح" ؛ ليتدارس خريطة الحاضر بثوابتها ومتغيراتها ، ويحدد صورة المستقبل الموضوعي والعقلاني للوطن ، وليقدم أفضل الاختيارات المؤدية إليه في ضوء استيعاب القدرات العلمية والتكنولوجية الممكنة وتجميع الطاقات المادية والبشرية المحدثة للتقدم المتسارع وصولاً إليه بإذن الله وتوفيقه .



المراجــــع



(1) الدكتور مصطفى الخشاب ، دراسة المجتمع ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة 1987م .

(2) المرجع السابق .

(3) نيقولا لا تيماشيف ، ترجمة محمود عودة وآخرون ، نظرية علم الاجتماع طبيعتها وتطورها، دار المعرفة ، الإسكندرية 1990م .

(4) دكتور عبدالهادي الجوهري وآخرون ، دراسات في التنمية الاجتماعية ، مدخل إسلامي ، مكتبة نهضة الشرق ، جامعة القاهرة 1986م .

(5) د. محمد السيد ، الثورة التكنولوجية ، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية للأهرام ، مطابع الأهرام التجارية ، جمهورية مصر العربية 1986م .

للدخول الموضوع الاساسي اضغط هنا

 

 

التوقيع













  رد مع اقتباس
قديم 21-04-2008, 12:04 PM   رقم المشاركة : 2
سلطان الصاعدي
مراقب على المنتديات الاجتماعية و مشرف على منتدى الانثربولوجيا والدراسات الانسانية






سلطان الصاعدي غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مشكوره على هذا المجهود ياخة ياسمين
والله يجعله في موازين حسناتك

من ابو خالد

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 21-04-2008, 01:09 PM   رقم المشاركة : 3
د.زهره الخضاب
المراقبة العامة و مستشارة اجتماعية







د.زهره الخضاب غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي

شكرا للزميلة ياسمين المجهود الجميل...............بارك الله فيك

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 21-04-2008, 06:00 PM   رقم المشاركة : 4
حروف اجتماعية
pg2007
 
الصورة الرمزية حروف اجتماعية






حروف اجتماعية غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

دوما تأتين بالمميز و المفيد ،
نحن نحتاج حقا لدراسات تخص مجتمعنا،
و ذلك له أكبر فائدة لطلاب الدراسات العليا و الباحثين عامة ،

تحياتي

 

 

التوقيع

«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
"إني جاعل في الأرض خليفة"


هذا هو "الدور الاجتماعي" الأساسي "للفرد" في المجتمع،
فياليت علم اجتماعـ"نـا" يجعله همّه و هدفه.
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
  رد مع اقتباس

إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:51 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009

جميع الحقوق محفوظة لـ : لمنتدى اجتماعي
المشاركات والردود تُعبر فقط عن رأي كتّابها
توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
عنوان الموقع : ص.ب 21922  الرياض   11485  المملكة العربية السعودية     فاكس 96612469977+

البحث عن رساله اجتماعيه  البحث عن كتاب اجتماعي  البحث عن مصطلح اجتماعي  البحث عن اجتماعي