اشترك معنا ليصلك كل جديد
فقط لدول الخليج في الوقت الحالى
استشارات اجتماعيه ارسل رسالة فارغة لهذا الايميل ejtemay@hotmail.com لتفعيل اشتراكك في الموقع في حالة عدم التفعيل
 شخصيات اجتماعية رسائل علمية اجتماعيه كتاب اجتماعي مصطلح اجتماعي 

إعلانات إجتماعي

( اجتماعي يدشن منتدى خاص بالوظائف في محاولة منه لحل مشكلة البطالة للمختصين ***التسجيل في موقع اجتماعي يكون بالاحرف العربية والاسماء العربية ولا تقبل الاحرف الانجليزية*** موقع اجتماعي يواصل تألقه ويتجاوز أكثر من عشرين الف موقع عالمياً وفقاً لإحصائية اليكسا (alexa.com) *** كما نزف لكم التهاني والتبريكات بمناسبة وصول الاعضاء في موقع اجتماعي الى 26000عضو وعضوة ... الف مبروك ...**** ***** )
العام السابع لانشاء موقع ومنتديات اجتماعي

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
قريبا «ساب» يرعى برنامج «عيدية يتيم»
بقلم : احمد الشريف
احمد الشريف
إعــــــلانات المنتدى

قال الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18

الإهداءات


 
العودة   موقع و منتديات اجتماعي > :: المنتديات الاجتماعية التعليمية :: > منتدى طلاب وطالبات الدراسات العليا في علم الاجتماع و الخدمة الاجتماعية


إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 20-05-2007, 09:12 PM   رقم المشاركة : 1
سعيد الزهراني
عضو مؤسس و اجتماعي بارز






سعيد الزهراني غير متواجد حالياً


إرسال رسالة عبر MSN إلى سعيد الزهراني إرسال رسالة عبر Yahoo إلى سعيد الزهراني

         

اخر مواضيعي


Thumbs up العولمة والشباب من منظور اجتماعي

مقدمة:
إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدّه الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنّ لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله... اما بعد:
ما يتردد علي ألسنة الجميع بأننا نعيش عصر العولمة أجج الجدل في كل مكان وجعل الناس يتساءلون…والعامة يتكلمون…والمثقفون يختلفون…والشباب حائرون... فبعضهم يبسط الأمور ويسطحها ، والبعض الآخر يؤججها أو يزج بها إلى غيابت الجب بالاتكاء علي إنكار العولمة ، أو الدعوة إلى التناطح معها ورفضها البتة. وأي كانت الآراء حول العولمة وأهدافها المعلن بعضها والتي لم يأت موعد إعلان بعضها الآخر ، فان التعامل معها بدون وعي وعمل بناء هو تخلف في التفكير ، ونقص في التدبير، وإنكار للواقع ، وقتل للمستقبل وموقف سلبي لا يلغى واقعا ولا يضيف جديدا ولا يُقّوم معوجا ولا يعمل علي التخطيط السليم لمواجهتها ولا حشد القدرات والخبرات والثروة البشرية اللازمة لعصر جديد .
وإننا نحن الشباب في معايشتنا لعصر العولمة لا ينبغي أن نتخذ موقفا مترددا ,ولا ينبغي أن نخشى شيئا، ونبذل قصارى جهدنا من أجل الاستعداد للدفاع عن النفس ,وهذا كما أننا لا نعيش في عزلة عن العالم أو في عزلة عن ثقافة ما سواء أكانت شرقية أو غربية أو أيا كان مصدرها ,كما أننا نؤمن بأهمية التفاعل الثقافي ,والأخذ عن الثقافات الأخرى لكنه بالقدْر الذي يثرى ثقافتنا ويدَّعم من عناصر قوتها ضمانا لاستمرارها وبقائها .
فالعديد من الدراسات والندوات والمقالات التي تناولت تأثير العولمة علي مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكا عام وعلى شبابنا الاسلامي بشكل خاص تتفق علي بعض الأمور من أهمها:
• إن العولمة تمثل تحديا للدول النامية والمتقدمة على السواء ، وكل طرف له تخوفاته وتوقعاته حيال ظاهرة العولمة.
• إن العولمة تجمع بين التهديدات والفرص وهذا يعني ضرورة التعامل النقدي معها ,لمعرفة عوامل ظهورها و انتشارها واهم الآليات التي تتم بها هذه الظاهرة في الوقت الحاضر، وأهم معطياتها الايجابية والسلبية.
• انه يقف وراء قيادة الغرب لهذه الظاهرة ما وصل إليه من تقدم علمي وتكنولوجي ,وما توافر من مناخ ثقافي واجتماعي وسياسي أفرز مجموعة من المفاهيم منها الإنسانية والليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان …وغيرها.
• إن التفاعل مع ظاهرة العولمة يقتضي ضرورة امتلاك أدواتها من علم وتكلنوجيا ,وأيضا توافر القاعدة الفكرية التي تهيئ المناخ المناسب لسيادة العقلانية في التفكير, والديمقراطية وحقوق الإنسان كقيم إنسانية ضرورية في عصر العولمة .ويقع امتلاك هذه الأدوات وتوافر القاعدة الفكرية الملائمة علي عاتق العديد من المؤسسات التربوية ومن أهمها الجامعات ,وذلك بحكم رسالتها الأساسية .
وإن أي نظام تعليمي مسؤول مسؤولية كاملة عن إعداد مواطن قادر علي أن يكون له إسهامه المباشر والمؤثر في عملية العولمة …ولابد أن تكون نظمنا التعليمية قادرة علي إعداد أجيال قادرة علي إنتاج المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة وتطويرهما باستمرار ..وان القيم الدينية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية هي الإطار الذي يجب أن يتحرك فيه المواطن فكرا وسلوكا ، وإذا أصبحت تلك القيم أساس العملية التربوية ساعد ذلك في إنجاز الأهداف المرغوب فيها في إطار فكر العولمة.
وإن عودة ثقافتنا إلى ما كانت عليه من قوة وازدهار في الماضي لا يمكن إن نصل إليه كهدف استراتيجي إلا من خلال الشباب، فالشباب لابد أن يدرسوا مناهج وأن يعيشوا ُمناخا يدعم عناصر ثقافتنا دائما ويبعث فيهم حب الوطن ، والولاء له ، والعطاء له بغير حدود وذلك بالمزاوجة بين الأصالة والمعاصرة الهادفة إلى استثمار طاقات المجتمع البشرية ,المسلحة بالقدرة علي الإنتاج الابتكارى الإبداعي ؛"فالإنسان المطلوب للعيش في هذا العصر هو الإنسان المبدع.
ولمن يريد أن يجد لنفسه موقعا متميزا في عالم اليوم لابد أن يتعهد الإبداع والمبدعين بالرعاية والتنمية …وذلك لان الإبداع في صميمه تجسيد للمستقبل. فعلى حد قول ليون فستنجر أننا نعيش في عالم نحتاج فيه لمعرفة قدراتنا وإمكانياتنا ,ونحتاج إلى تقييم أنفسنا ، كما نحتاج لمعرفة آرائنا وأحكامنا ومعتقداتنا واتجاهاتنا لذا فالإنسان الذي هو كائن اجتماعي لا يستطيع أن يحيا بمعزل عن الآخرين فهو نتاج التفاعلات الاجتماعية ,وعليه أن ينشغل بأنشطة اجتماعية إيجابية ليحيا حياه اجتماعية سوية تُظهر الولاء والانتماء ، هذا الانتماء ،الذي لا يتحقق إلا بالتفاعل الإيجابي مع الآخرين .
الشباب والانفتاح الاعلامي والحضاري واثر العولمة في ذلك:
أعتقد اننا بحاجة الى الارتقاء بالوعي لدى الشباب بصفة عامة في جميع مناشط الحياة وتأصيل وتفعيل العقيدة الاسلامية ومبادئها منذ نعومة الاظافر لدى النشء ثم تفعيل الجانب والحس الوطنى لدى الشباب واستشعار أهمية الوطن والحفاظ عليه والولاء له ثم استشعار أهمية الحفاظ والولاء لولاة الامر في الوطن وعدم الخروج عليهم وتأصيل اللحمة والتراحم والتواصل والتفاعل بين الراعي والرعية.
بعد ذلك يمكن للشباب عند تعاطيهم مع الاعلام أو الاطلاع على وسائل الاعلام سواءا المرئية أو المسموعة أو المقروءة بعد أن يكونوا متسلحين بالعقيدة والوطنية والولاء يستطيعوا تمييز الغث من السمين وبالتالي لاخوف عليهم من الانفتاح الاعلامي ولاشك اننا جميعا نتطلع الى أن تكون الحكومات في الوطن العربي عامة وفي وطننا خاصة أن تتعامل مع جميع القضايا المطروحة بشفافية عالية ومصداقية في الطرح طالما لم تتعارض مع مصالح عليا أو أمور استراتيجية تخص أمن الوطن أو نحو ذلك0
ونعلم أن معظم الفئات السكانية في الوطن العربي هم من فئة الشباب ولذا نحن محتاجون الى أن يكونوا هؤلاء الشباب في مستوى المسئولية والتحديات وآلامال منهم وبالتالي نحتاج من الأسر أن تتعامل مع الشباب وقضاياه بوعي وفكر مستنير وعالي ونحتاج من المجتمع سواءا من خلال المؤسسات التعليمية أو الاجتماعية أو الرياضية والثقافية أن تستقطب هؤلاء الشباب وتفتح لهم المجالات سواءا العلمية أو العملية أو الفكرية والثقافية أو الرياضية أو الابداعية أو مايتعلق بالاختراعات والتصنيع والابتكار ونحو ذلك0
ان الشباب عندما يتم تأهليهم وفق أسس صحيحة وسليمة ومبادىء وقيم وأخلاق ومثل وتربية منذ النشء يصبح شبابا مؤثرا وفاعلا بالمجتمع والمجتمعات الاخرى ومتفاعلا وبالتالي لاشك اننا محتاجون في الوطن العربي الى تصحيح في الاعلام المرئي وخاصة مايتعلق بالبث الفضائي عبر القنوات الفضائية فاللاسف نجد أن معظم القنوات الفضائية لم تخدم الشباب وقضاياه ولم تفعل دوره بالمجتمع ولم تقم بدور التثقيف والتوعية 0
بل نجد انها سطحية وذات تأثير سلبي جدا وماكثرة الانحلال الخلقي والاخلاقي وانتشار الجريمة بمختلف انواعها الا نتاج طبيعي لهذه القنوات الفضائية التي تتسابق في زيادة مساحة الترفيه والتسطيح للفكر والثقافة وحصرت الفكر والثقافة في برامج المنوعات والطرب والموسيقى والرياضة ولم تتعاطى كما ينبغي مع هموم وقضايا الوطن والامة والشباب 0
لذا فانها أشد مصيبة من تأثير شبكة الانترنت والتي للاسف تعتمد على الاشاعة والتطبيل وتزييف الحقائق أكثر من المصداقية والنقل السليم ولهذا نحن لايمكن أن نقف مكتوفي الايدي أمام العولمة والتقدم الهائل في التكنولوجيا وثورة الاتصالات حتى غدى الكون وكأنه غرفة صغيرة 0
يجب علينا أن نأخذ المفيد ونترك الغث والضار وعلينا القيام بتطويع تلك الوسائل لما يخدم أهدافنا وديننا ومبادئنا وقيمنا ومثلنا الخلاقة ولهذا هذه الوسائل تحتاج الى مؤسسات تؤهل شبابا قادرا على التعاطي والرد والتوضيح للحقائق من خلال التعامل مع هذه التقنيات المتطورة والمتقدمة وبالتالي نحتاج من الشباب أن يستشعروا الجوانب الدينية والاجتماعية والاخلاقية والوطنية ويتعاملوا مع هذه الوسائل بما يتفق مع هذه المعطيات والمسلمات 0
اذن نستطيع القول أن مسئولية الشباب يتشارك في تفعيل دوره وتأثيره بالمجتمع كل من( الاسرة – المجتمع- الحكومات) فان أراد الجميع للشباب أن يكون فاعلا ومؤثرا ومتفاعلا بنيت التربية والمناهج والتعليم سواءا المنهجي واللا منهجي والخطط والاهداف وفق تلك الارادة والمعطيات والعكس صحيح 0

الشباب المسلم والعولمة الثقافية :
نحاول ان نحدد نوعية الأزمة وطبيعة المشكلات التي يواجهها الشباب المسلم في العصر الراهن، ومدى انتشارها وبروز مظاهرها مع التركيز على التحديات الثقافية والفكرية والعقدية التي يواجهها شبابنا وفتياتنا والأخطار والفتن الأخلاقية التي تحيط بهم من كل جانب مع محاولة تقديم الحل الإسلامي السليم لهذه المشكلة والقادر على أخذ هذا الجيل المسلم إلى شاطئ النجاة وحمايته من الغرق في هذا البحر المتلاطم المليء بتيارات الفتن والشهوات وأمواج الشر والفساد ووقايتهم من هذا الجو الملوث بالأفكار المنحرفة والعقائد الباطلة والشبه الزائفة، بفعل قنوات الهدم المباشر التي لا تبث إلا كل ما يُمرض القلوب ويصيبها بالعلل، ويهدم القيم والأخلاق والمجتمعات ويجرها إلى التفسخ والانحلال، كما نحاول أن نشير إلى المعوقات التي تقف في طريق هذا الحل وكيفية التغلب عليها وتذليلها والدور المطلوب من مؤسسات التربية والتنشئة الاجتماعية والواجب عليها شرعاً اداؤه وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والمسجد والجامعة والإعلام بأجهزته ووسائله المختلفة.
نوعية الأزمة وسببها ان شباب المسلمين وفتياتهم هم الفئة الأكثر تضرراً من الجوانب السلبية والافرازات السيئة لهذا العصر، عصر العولمة والبث المباشر، فهم يعيشون اليوم أزمة نفسية وفكرية وسلوكية نتيجة للتناقض بين القيم الإسلامية التي يؤمنون بها والقيم الغربية المادية التي أصبحوا متأثرين بها ويمارسون كثيراً منها تحت ضغط وإلحاح وسائل الإعلام والقنوات الفضائية أو تحت تأثير عادات وتقاليد اجتماعية لا صلة لها بدينهم الإسلامي وشرائعه السمحة لقد أصبحوا جيلاً تائهاً ضائعاً ضعيف الايمان قليل المعرفة والالتزام بعقيدته الإسلامية فكانت النتيجة ان أصبح فريسة سهلة لأعداء الاسلام وأعداء الفضيلة والاخلاق من أصحاب الإعلام الفاسد والبث العفن المباشر وقنوات العبث الفاجر التي بات واضحاً لكل ذي عقل وبصيرة انها تفسد أكثر مما تصلح وضررها أكبر بكثير من نفعها، إذ لا هم لها ولا غاية سوى اثارة الغرائز والشهوات والترويج للفتن والمنكرات وتزيين الرذيلة والجريمة والمخدرات في أذهان الشباب والفتيات واغراقهم بأمور عبثية لا طائل من ورائها وشبهات فكرية وعقدية بليغ خطرها مدمر أثرها وجعلهم يعيشون حياة الغفلة والبعد عن الدين وتقليد كل ما هو آت ومستورد من بلاد الكفر من الفكر الضال والسلوك المشين الذي صور لهم على أنه حضارة انسانية وحرية فكرية وهو في حقيقته شر شيطاني وانحطاط أخلاقي وقع في أهل تلك البلاد وزينه في عقولهم القاصرة، ابليس اللعين وجنوده فقادهم إلى الهاوية وإلى مرتبة دون مرتبة البهائم، قال الله تعالى: (( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون فيها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)) الأعراف: 179 .
ففي هذه الآية اشارة إلى ان الغفلة عن آيات الله تقود إلى الضلال المستمر وإلى أن الآدمي يهبط إلى درك أهبط من درك الحيوان، وذلك عندما يكفر بربه ويعطل حواسه عن الانتفاع بها، ويقصر همه على الحياة الدنيا وشهواتها.

مظاهر ازمة الشباب وحجم انتشارها في ظل العولمة الثقافية:
مشكلة شبابنا المسلم وفتياتنا المسلمات اليوم أنهم وقعوا في الفخ فركنوا إلى الدنيا وابتعدوا عن الدين وشرعهم الإسلامي القويم، وهم يجرون دون أن يشعروا إلى النهاية نفسها التي يقود الشيطان اتباعه إليها والى المصير ذاته الذي بلغته المجتمعات الغربية في جانبها الأخلاقي والروحي من طغيان المادة واللهث وراء أهواء النفس وتلبية شهواتها دون ضابط من دين أو خلق فتفشت فيها العلل الاجتماعية والأمراض الجنسية والنفسية الخطيرة، والذين قادوا الغرب إلى هذا المصير المظلم هم ذاتهم الذين يدفعون الناس إليه اليوم بوسائل أشد خطورة وأبلغ تأثيراً انهم اليهود الصهاينة الذين بات معروفاً انهم يملكون معظم وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية ويتحكمون في البنوك والشركات العالمية الكبرى ويستخدمون كل ذلك في تنفيذ مخططاتهم لافساد الأمم والشعوب وإلهاء الناس وخصوصاً الشباب والفتيات بصغائر الأمور وترهات الأشياء مثل ما نشاهده من اهتمام بمباريات الكرة وأخبارها ولاعبيها إلى درجة الهوس الكروي وما نلحظه من شغف بالأزياء والموضة وأدوات التجميل المستوردة بأبهظ الأثمان، ومتابعة أفلام الفحش ومسلسلات الرذيلة وأشرطة الغناء وحفلاته، وما نراه من ارتياد الملاهي والمقاهي الليلية وتناول الدخان والشيشة ولعب الورقة والتحلق حول محطات البث الفساد المباشر دون حسيب أو رقيب,, وهكذا يعيش شبابنا في حلقة مستمرة من الضياع نتيجة الفراغ يمكن أن نطلق عليها حلقة الضياع فهي تبدأ بالضياع وتنتهي إليه وهو يشمل تبديد الوقت والجهد والمال واهدار الطاقات والمواهب والامكانات فيما لا طائل من ورائه سوى الخسران المبين في الدنيا والآخرة، إذ أقسم الله سبحانه ان كل انسان خاسر الا من توفرت فيه أربع صفات فقال سبحانه: (( والعصر ان الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر))، وقد أقسم سبحانه هنا بالعصر الذي هو الوقت أو الزمن دلالة على أهميته ووجوب ملئة بالأعمال الصالحة ولكن الشباب غافلون عن معنى هذه السورة العظيمة على الرغم من أنهم يقرأونها باستمرار وينطبق على كثير منهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ رواه البخاري والترمزي وابن ماجه.

إن ثمة مظاهر أخرى كثيرة بدأت تنتشر وسلوكيات شبابية عديدة أخذت تبرز إلى السطح تشير إلى أن الحرب الثقافية والفكرية التي يشنها الأعداء بدأت تغزو عقول شبابنا وفتياتنا وتفتك بها وأخطر هذه المظاهر والسلوكيات هو محاكاة وتقليد مالدى الغرب تقليداً أحمق غبياً يأخذ الغث ويترك السمين، وهو كذلك ببغاوياً يكرر ما يراه ويسمعه فيها من قبيح الأفعال ورديء السلوك دون تمعن أو تفكير وكأنهم لم يسمعوا حديث: من تشبه بقوم فهو منهم وما من شك في أن التقليد الأعمى مرض خطير وهزيمة نفسية أصابت الأمة عموماً وجيلها الشاب وبعض كتابها ومثقفيها على وجه الخصوص الذين درسوا في الغرب ورضعوا من ثدي الحضارة الغربية فأصبحوا مفتونين بحبها مخلصين لقيمها ومبادئها بارين بها وذلك ليس مستغرباً أليست أمهم... وما نراه اليوم من محاكاة للكفار وتقليد لثقافتهم وتتبع لطريقتهم في الحياة قد تنبأ به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حينما قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلو جحر ضب لدخلتموه وعندما سأله أصحابه رضي الله عنهم: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ وفي هذا الحديث وصف دقيق معجز لما آل إليه حال الأمة وكثير من أبنائها من تبعية للغرب والسير على خطاه في كثير من شؤون الحياة.
وهناك الشواهد والمظاهر التي نلاحظها في سلوك شبابنا تخبرنا عن المستوى الذي وصل إليه شبابنا وعن نوعية القضايا التي أصبحت تشغل بالهم وتستحوذ على اهتمامهم مما يشير إلى نمط شخصيتهم وحقيقة أوضاعهم النفسية والفكرية، إذ كما يصح اجتماعياً مقولة: قلي لي من تصاحب أقل لك من أنت، فإنه يصح كذلك نفسياً مقولة: قل لي في ماذا تفكر أقل لك من أنت, لقد بات واضحاً ان كثيرا من شباب الأمة وفتياتها اليوم تفكيرهم سطحي واهتماماتهم سطحية الأمر الذي جعل شخصياتهم مهزوزة ضعيفة وطموحاتهم محدودة متدنية. هذا فيما يتعلق بمظاهر الأزمة، أما فيما يتعلق بحجم انتشارها فمن الواضح ان ضحاياها كثيرون سواء من الشباب أو الفتيات وفي مختلف بلاد المسلمين والسبب أننا نعيش زمنا خطيرا كثرت فيه الفتن والمغريات أصبح المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر وقد تنبأ به المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما قال: ويل للعرب من شر قد اقترب فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً,, رواه أحمد والترمذي وابن ماجه فالعالم اليوم يموج بالفتن والفساد والفجور وأصبح ماثلاً أمام أعيننا قول الله سبحانه: (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)) الروم: 41.
أي انتشرت المعاصي في البر والبحر وفي الجو اليوم فعبد غير الله واستبيحت محارمه وأوذي الناس في أحوالهم وأبدانهم وأعراضهم وذلك نتيجة الإعراض عن دين الله واهمال شرائعه وعدم تنفيذ احكامه وبسبب ظلم الناس وكفرهم وفسقهم وفجورهم فالآية تشير إلى أن الفساد بالجدب والغلاء أو بالحروب والفتن والأمراض يسبقه حسب سنن الله تعالى ظهور فساد في العقائد بالشرك وفي الأعمال بالفسق والمعاصي.

العولمة حرب ثقافية على قيم ومبادئ شبابنا المسلم:
في خضم هذه الموجة العارمة من الشر والفساد البري والبحري والجوي يعيش الشباب المسلم والفتيات المسلمات مرحلة خطيرة للغاية يواجهون فيها تحديات عديدة ثقافية وفكرية وأخلاقية ويتعرضون لحرب ثقافية شرسة تستهدف الفتك بعقولهم وغسل أدمغتهم وتسميم أفكارهم وتلويث عقائدهم وزعزعة ثوابتهم الدينية وتقويض قيمهم وأخلاقهم الإسلامية وربطهم بقيم الغرب المادية وأخلاقه البهيمية، ومما يزيد من خطورة هذه الحرب وآثارها المدمرة أنها تستخدم أسلحة الدمار الشامل لكل القيم والمبادئ والأخلاق التي جاء بها الإسلام أعني اسلحة الاعلام والبث المباشر والغريب في الأمر أن الانسان نفسه يشتري هذه الأسلحة بماله ويركبها بيديه على سطح منزله وهو يعلم خطرها وضررها فظلم بفعله هذا نفسه وأهله وغشهم.
لما كانت الحرب ثقافية تستهدف تدمير قيم الشباب والفتيات وتلويث عقولهم بالأفكار والشبهات وجرهم الى مستنقع الرذيلة والشهوات,, ولما كانت الأزمة النفسية والفكرية والسلوكية التي يعانون منها سببها الأساسي الغفلة عن الدين وضعف الإيمان,, ولما كانت أوبئة العصر وأمراضه الاجتماعية والأخلاقية أصبحت سهلة الانتشار سريعة العدوى بالغة الخطورة، فإنه لا سبيل لمكافحتها وحماية الشباب والفتيات من آثارها الخطيرة الا بتحصينهم ضدها بارشادهم إلى الطريق الصحيح والسلوك الأمثل لتجنب أخطار هذا التلوث العقدي والفكري والأخلاقي الذي يسود العالم وتزويدهم بالسلاح الوحيد القادر على مواجهة كل أسلحة هذا العصر وهزيمتها انه سلاح الإيمان والتقوى قال الله سبحانه: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )) الطلاق : 2 3 وقال تعالى( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم)) الأنفال:29.
وقد تناول معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والارشاد الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ هذا الحل بتعمق في المحاضرة التي القاها بجامعة الملك سعود بعنوان تعميق الصلة بين الشباب والقيم الإسلامية وذلك ضمن فعاليات الجامعة بمناسبة اختيار الرياض عاصمة للثقافة العربية سنة 1421هـ، انه لا سبيل لوقاية شبابنا وفتياتنا من الآثار السلبية للعولمة الثقافية وملحقاتها الا بتحصينهم بعقيدتهم الإسلامية وتوثيق صلتهم بالقيم والأخلاق الإسلامية حيث ان الدين الإسلامي وما جاء به من قيم ومبادئ وتوجيهات، ضعفت صلتهم بها وخصوصاً في مجال التطبيق والممارسة نتيجة جهلهم بها وعدم تعويدهم على ممارستها منذ الصغر هذا بالاضافة إلى انخداع كثير منهم بقيم الثقافة الغربية الزائفة التي تعرض عليهم ليلاً ونهاراً بأساليب مؤثرة. يجب علينا جميعاً تحمل المسؤولية تجاه الشباب والوقوف إلى جانبهم وتبصيرهم باستمرار بما ينفعهم وما يضرهم, وتدريبهم على كيفية التعامل مع مستجدات الحياة ومتغيرات العصر بما يمكنهم من جلب ما فيها من المصالح والمنافع وتكثيرها والاستفادة منها ودرء ما فيها من المفاسد والمضار وتقليلها ان لم يتمكنوا من منعها فهذا حق من حقوقهم وهم في هذا الوقت في امس الحاجة اليه. وهم بحاجة كذلك الى من ينبههم من غفلتهم ويوقظهم من رقدتهم والى من يرشدهم الى طريق النجاة بعد ان تفرقت بهم السبل وتجاذبتهم التيارات قال الله عز وجل ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)) الانعام 39 .
فهذه الآية تضمنت الامر بالتزام الاسلام عقائد وعبادات واحكاما واخلاقا وآدابا كما تضمنت النهي عن اتباع غيره من سائر الملل والنحل المعبر عنها بالسبل . ولا يكفي التوجيه والارشاد فقط بل لابد كذلك من وضع خطط وبرامج لإعداد الشباب والفتيات إعدادا عقديا وعلميا وفكريا ونفسيا وسلوكيا يتناسب مع التحديات والمشكلات التي تواجههم في هذا العصر وتمكنهم من التمسك بثقافتهم وهيوتهم الاسلامية في عصر تداخلت فيه الثقافات وتشابكت الحضارات واختلطت الامور وانقلبت الموازين نتيجة للتطور الهائل والسريع الذي حدث في مجال المعلومات والاتصالات فأصبح العالم قرية كونية لا حدود ولا فواصل بين اجزائها غير حدود الجغرافيا.
وحينما يكتمل اعداد الشاب او الفتاة من هذه الجوانب كلها ويصبح قوي الايمان راسخ العقيدة ناضج العقل سليم التفكير فلن يجرفه تيار العولمة الثقافية ولن يتأثر بأي ثقافة وافدة مهما كانت براقة ومهما كانت وسائلها مؤثرة ومهما كانت قوة ونفوذ من يقفون خلفها ومهما كانت بلاغة من يروجون لها من الكتاب والمثقفين والصحفيين ليس هذا فحسب بل المتوقع ان يكون هو وامثاله هم المؤثرون فيها لا المتأثرين بها ويجب ان يكونوا كذلك لانهم يحملون رسالة عالمية صالحة لكل الامم والأزمنة والأمكنة قال الله سبحانه وتعالى (( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين))الانبياء، 107 وقال عز وجل : (( وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا )) سبأ : 28.
ففي هذا دليل على ان الاسلام دين عالمي ورسوله عالمي بعثه الله سبحانه الى كافة الناس ليدعوهم الى الدين الحق (الاسلام) ودعوته مستمرة الى يوم القيامة ولذا يجب ان ندعو الى عولمة اسلامية او اسلمة العالم من خلال الدعوة الى الاسلام بالحكمة والموعظة الحسنة وبالقدوة والخلق الرفيع وباستخدام كافة الوسائل المعاصرة والتقنيات الحديثة في مجال المعلومات والاتصالات وان في مقدمة ضروريات الدعوة واولوياتها الملحة اليوم ايجاد قنوات فضائية تدعو الى الاسلام بكافة اللغات العالمية تؤدي من خلالها واجب الدعوة الى دين الله. ونجد ان هناك شواهد من الكتاب والسنة تهتم بترسيخ العقيدة الاسلامية وما ينبثق عنها من قيم وأخلاق إسلامية في نفوس الشباب ومن أمثلة ذلك وصية لقمان الحكيم لابنه بالاخلاص والابتعاد عن الشرك واقامة الصلاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر وتجنب الكبر قال الله سبحانه (( واذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم)) وقال سبحانه: (( يا بني اقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الامور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا ان الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك ان انكر الاصوات لصوت الحمير)) لقمان : 13، 17، 19، وما احوج ابناءنا وبناتنا هذه الايام لمثل هذا الوعظ والتوجيه الرباني العظيم.
ومن التوجيهات النبوية الكريمة في ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي: يا غلام اني اعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، اذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله واعلم ان الأمة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشيء لم ينفعوك الا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على ان يضروك بشيء لن يضروك الا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الاقلام وجفت الصحف رواه الترمذي . وفي الكتاب والسنة غير ذلك كثير من التوجيهات السديدة التي تشير الى اهمية الاعتناء بالشباب والفتيات وحسن تأديبهم وتربيتهم وترسيخ الايمان في نفوسهم وتعويدهم على طاعة الله وحسن عبادته والابتعاد عن معصيته ليصبحوا بذلك قوة للأمة ومصدر لعزتها ونصرها بعد الله سبحانه. يقول محمد زناتي في كتابه الشباب ومشكلاته من منظور اسلامي : في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة توجيهات سديدة تجعل الشاب المسلم سليم العقيدة مؤمنا بربه ايمانا لا يتزلزل مراقبا في السر والعلن ثابتا على الحق ثبات الجبال الرواسي فعلينا ان نتخذ من الشرع الحنيف نبراسا للحياة ومنهاجا وشرعة لبلوغ الاهداف المبتغاة .
ويؤكد على اهمية غرس العقيدة الاسلامية الصحيحة في نفوس الشباب منذ الصغر باعتبارها الحل المناسب والوسيلة المثلى والفعالة لحمايتهم من اخطاء الثقافة الوافدة فيقول: ان حرص الآباء على غرس العقيدة الدينية الصحيحة التي تواجه الحياة في نفوس ابنائهم والتشجيع على اداء التكاليف الشرعية من عبادات ومعاملات واخلاقيات وتهيئة المناخ الصالح والصحبة الطيبة والقدوة الحسنة والرقابة المستمرة كل هذه العوامل مجتمعة تحصن الشباب ضد الانحراف الخلقي وتقيهم آثار الغزو الثقافي وتنقذهم من براثن التيه والضياع. ان هذا واجب شرعي على الآباء والامهات يجب عليهم أداؤه وحق من حقوقهم الابناء والبنات عليهم امرهم الله سبحانه به فقال( يا أيها الذين آمنوا قوا انفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة))التحريم : 6 . ضرورة تعاون مؤسسات التنشئة وتكاملها يواجه الآباء والأمهات الحريصون والحريصات على تنشئة اولادهم وبناتهم نشاة صالحة وتربيتهم وفق نهج الاسلام التربوي يواجهون مشكلة مستعصية تتمثل في ان ثمة عوامل وجهات اخرى تشاركهم في التربية والتوجيه دون ان يكون لهم قدرة على التحكم فيها مثل المدرسة والمسجد والشارع والجامعة والمحيط الاجتماعي والاعلام بوسائله المختلفة التي اصبحت من اخطر وسائل التأثير والتوجيه في حياة الناشئة والشباب لاسيما في ظل غياب او محدودية الدور التربوي لمؤسسات التنشئة بين انشطة واعمال هذه المؤسسات التربوية المختلفة وتكاملها بحيث تنطلق جميعها من اساس مشترك وتسعى لتحقيق غاية واحدة فيما يتعلق بتربية الاجيال ويكون ذلك وفق سياسات وبرامج محددة للجميع مبنية على اسس شرعية نابعة من الكتاب والسنة اللذين هما الاساس والمنطلق في كل شؤون حياتنا ومن المهم ان تتضمن تلك البرامج والسياسات ما يمنع ذلك التناقض الذي يحدث احيانا بين ما تدعو اليه وتقدمه مؤسسة من مؤسسات التنشئة في المجتمع وما تقدمه وتدعو اليه مؤسسة اخرى.
والقرآن الكريم يرشدنا الى التعاون والتكامل في مجال الخير قال الله سبحانه: (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )) المائدة 20 وما من شك في ان من ابواب التعاون على البر والتقوى المهمة اليوم التعاون على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل على نشر قيم الفضيلة والعفة وحراستها في المجتمع المسلم وتربية الشباب والفتيات على التمسك بها وفهم فوائدها في العاجل والآجل لتشكل لديهم جبهة مضادة وسلاحا واقيا من كل المفاسد والرذائل التي تتسلل إليهم عبر أجهزة الاتصال وشبكات المعلومات وقنوات البث المباشر.

التعامل مع العولمة في الوقت الحاضر:
يرى الدكتور محمد عبدالكريم بكار العولمة ليست فكرة ولا تياراً ولا أزمة ولا اتجاهاً، إنها وضعية كونية جديدة تخترق كل مجالات الحياة، وتترك بصماتها على مختلف جوانب العيش والتعامل؛ وما ذلك إلا لأنها نتائج لجملة من التطورات الكبرى التي حدثت على نحو جوهري في العالم الصناعي؛ فسقوط الشيوعية وإخفاق كثير من مشروعات التنمية في الدول النامية والفقيرة، والتقدم الباهر الذي يحرزه العلم وتطبيقاته التقنية والصناعية، وتغير نظرة كثير من الناس للكون والحياة، وغياب العديد من الأطر الأخلاقية والإنسانية....كل ذلك أسهم على نحو مؤثر في بزوغ العولمة واجتياحها للعالم على الصورة الماثلة اليوم. إن العولمة لم تأت بكل المشكلات والتحديات التي تحدثنا عنها، فالعالم يشكو من أزمات كثيرة توارثها عن أسلافه، وبعضها مضى عليه قرون عدة. ولذا فقد يصح القول: إن العولمة وليدة مشكلات، وهي من جهتها توجد مشكلات جديدة، مما أدخل العالم في دوامة أشبه بالدورة الرديئة التي يدخل فيها الجسم في بعض الحالات.
ويرى الدكتور محمد بكار ان النسيج العام لحياتنا المعاصرة معقد غاية التعقيد، وكل خيط فيها جاء من حيثية أو بيت أو مؤسسة...، ولذا فإن أي محاولة للتغيير في الأوضاع التي تحفز العولمة، والأوضاع التي تفرزها العولمة، تحتاج إلى أن يمتلك أصحابها من نفاذ البصيرة على مقدار ما يمتلكون من شمول العمل والحركة وقوة الاحتمال. إن كل ما يبذل من جهد في مقاومة العولمة وتصحيح ما أفسدته ستظل ثماره ونتائجه محتملة وغير مؤكدة، إذ إن كل الجهود في هذا السياق تخضع لعدد كبير من النظم المفتوحة التي يصعب التنبؤ بنتائج أي فعالية تجري في ظلها؛ بل يمكن القول: إن الحلول لكل مشكلات العولمة ستكون غير كاملة ولا كافية لأنها تجري في أوساط غير مشجعة ولا مواتية. أما الذي لاريب فيه فهو أن الاستسلام للعولمة، وإغماض العين عن التطورات التي تأتي بها سيؤديان إلى تفاقم الأوضاع الحالية وازدياد الأمر سوءاً.
التعامل الصحيح مع ظاهرة العولمة يعني تجديداً للذات في كل أبعادها، كما يعني تغييراً للكثير من الطروحات والمشروعات الحضارية القائمة، واستعداداً للتخلي عن أمور كثيرة كان يُظن أنه لا غنى للناس عنها. وهذا في الحقيقة يتسع للكثير من القول ولا أعتقد أن استيفاءه مما يتسع له هذا الكتاب؛ ولذا فإني سأشير إلى أهم ما أظن أنه يساعدنا في التعامل مع ظاهرة العولمة، وذلك من خلال النقاط التالية:

1. نشر الوعي بالعولمة:
إن أول خطوة على طريق التعامل مع العولمة يجب أن تتمثل في توعية الشباب بطبيعة العولمة؛ إذ إن هناك جهلاً عظيماً بهذه الظاهرة بين الخاصة والعامة. ونظراً لتشتت ردود فعل المثقفين عليها وحيث تجد المحبذ والخائف والمهاجم والمتفائل والمتشائم،فإن نوعاً من الارتباك ساد في صفوف الشباب حيال تنظيم موقف واضح من العولمة. إن مهاجمة العولمة أو الاستسلام لها من أسهل الأمور التي يمكن أن نقوم بها؛ لكن الشاق حقاً هو التحليل العميق لجوهر عمليات العولمة وجذورها وامتداداتها والآثار المترتبة عليها، وكيفية معالجتها. إن العولمة ظاهرة غير مكتملة؛ ولذا فإن من المتوقع أن تستمر إفرازاتها وتفاعلاتها مدة طويلة، ومن الواجب متابعة ذلك وتوضيحه للناس. أضف إلى هذا أن وقع العولمة على الأمم لن يكون واحداً فالشعوب الأوروبية ـ مثلاً ـ لن تتضرر كثيراً من هيمنة الثقافة الأمريكية لأن الجذور القيمية والأخلاقية للثقافات الأوروبية لا تبتعد كثيراً عما لدى الثقافة الأمريكية؛ ثم إنها مشاركة في قيادة العولمة، ومستفيدة اقتصادياً من أنشطتها. ولن يكون الشأن كذلك بالنسبة إلى الثقافة الإسلامية أو الاقتصاد الإسلامي؛ فالهوة الثقافية كبيرة، واقتصاد الدول الإسلامية هو اقتصاد دول نامية، يطلب منها أن تسهم في دفع تكاليف العولمة، وتحمل القسط الأكبر من تبعاتها. علينا أن نبدع في عرض هذه الظاهرة، ونبسِّط ما أمكن في حديثنا عنها، ونستخدم كل الأدوات المتوفرة في سبيل نشر الوعي بها بين فئات المجتمع كافة.

2. توفير إطار مرجعي للتعامل:
إن ردود فعلنا على مجمل التغييرات والتحديات التي تأتي بها العولمة ستظل مشتتة ومتناقضة وهزيلة إذا لم يتوفر لنا قدر من الإجماع على كيفية التعامل معها وتحديد الموقف منها. الإطار المرجعي يعني مجموعة من المسلمات التي انقطع حولها الجدل والمتعلقة بـ "تقييم" الأسس والمفاهيم والأفكار التي تقوم عليها العولمة من جهة، والسلوكات الإنسانية المختلفة من جهة أخرى. ليس من الممكن في أمة الإسلام تحقيق أي أرضية مشتركة لمواجهة العولمة بعيداً عن الإيمان بالله واليوم الآخر، وبعيداً عن القيم الإسلامية الأساسية، من نحو البذل والتضحية، والزهد في الدنيا، وإيثار الآخرة، وصلة الأرحام، واحترام حقوق الإنسان، والرحمة بالفقراء، والتعاون على الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعدل، والشورى،والتسامح، والاحتكام إلى الشريعة الغراء على نحو عام . في الكبيرة والصغيرة. والمطلوب ليس اعتراف الناس بهذه الأصول والقيم، وإنما تربية الناشئة عليها، وإبراز نماذج وقدوات تتجسد في حياتها وسلوكاتها.
إن مواجهة تحديات العولمة لن تكون بدون العمل الشاق، والإعراض عن الكثير من الملذات والمرفهات، وبدون العطاء المجاني غير المشروط من كل فئات المجتمع. وهذا كله مما لا يقدم عليه الإنسان إلا إذا كان مؤملاً في أكثر منه، وهذا ما يوفره الإيمان والالتزام الصحيح.
دعونا نضع النقاط على الحروف ـ وإن كان بعض الحروف ليس له نقاط ـ ونقول: إن البعد عن هذه الأسس والأخلاق التي ذكرناها جعلنا في أضعف موقف تجاه الهجمة الشرسة للعولمة، وبتنا كجيش فقد سلاحه، وبات هدفاً سهلاً للعدو، وإني أدعو كل أولئك الغيورين على كرامة الأمة ومستقبلها إلى أن يتأملوا ملياً في كل ما من شأنه تحقيق الإجماع، وتنظيم ردود الأفعال تجاه المتغيرات السريعة التي أخذت تجتاح شبابنا وأوطاننا، وتهدد قيمنا،ومصالحنا، ومستقبلنا.

3. رفض الاستسلام:
إن (العملقة) إحدى أهم الظواهر التي جاءت بها العولمة وأشكال الاندماج الذي يجري اليوم بين المصارف والشركات الكبرى، هو توكيد لظاهرة العملقة التي أملاها السعي إلى النجاح في التنافس الشرس الذي قامت عليه الرأسمالية. وإن من شأن الأشياء العملاقة أن تجعل الناس يشعرون تجاهها بالصغار واحتقار الذات، وهذا ما يسعى إليه مهندسو العولمة، والوالغون في أوحالها؛ إذ بمجرد الإحساس بالهزيمة وخسران المعركة ـ وهذا هو هدف الحرب النفسية ـ يلقي المرء سلاحه، ويتحول من المقاومة إلى الاستجداء وربما السير في ركاب أعداء الأمس، حتى يحصل على جزء من (الكعكة). واعتقادي أن العالم يشهد اليوم طوفاناً من مشاعر الإحباط والانكسار، وهذا الطوفان تصدِّره القلة القليلة الظافرة إلى الكثرة الكاثرة من الفقراء والمهمَّشين، والتائهين الذين وجدوا أن كل ما لديهم من أسلحة المقاومة لم يعد ينفع لأي شيء…وأعتقد أن تلك المشاعر لم تأت من فراغ، فالتحديات القاهرة ماثلة للعيان في كل مكان، لكن الذي يجعل تلك التحديات ذات معنى هم الناس الذين يشكون من جبروتها؛ فالانسياق الأعمى خلف الرغبات والمطامع غير المحدودة، وضيق الأفق، والارتباك الشخصي وما شاكل ذلك من أشكال القصور الذاتي، هو الذي مكَّن القلة القليلة من تخريب حياة الكثرة الكاثرة؛ لكننا تعودنا التنصل من مسؤولياتنا والبحث عن شماعة نعلق عليها أخطاءنا وخطايانا.
بعض الناس اختصر كل الأشكال الممكنة لمقاومة العولمة والاستفادة من فرصها في الدعوة إلى (العزلة) وإغلاق الأبواب في وجه تيارات العولمة ظانين أن ذلك يجدي، أو يكفي في صد الهجمة الهوجاء. نعم إن التحصن والعزلة، إنما ينفعان عندما يكون المتحاربان في حالة نسبية من تكافؤ القوى والقدرات.
أما عندما يتعلق الأمر بظاهرة عالمية، تدخل البيوت والمؤسسات من غير استئذان، وتفعل فعلها عن طريق الإغراء والعدوى والحاجة، فإن النتائج ستكون مخيبة للآمال. نعم إن قدراً من العزلة والتحكم سيظل مطلوباً؛ لكن من دون تغييرات جذرية في العديد من نظم حياتنا وعلاقاتنا لن نستطيع العثور على الأمان الذي ننشده. إن تاريخنا يشهد أننا طالما استخدمنا (الهبَّة) المؤقتة والسريعة في مواجهة المشكلات الكبرى. وهبّاتنا كلامية وانفعالية فوارة. وقد تعودنا أن نظل نكتب ونحاضر ونخطب وننظِّر في المشكلة التي تواجهنا إلى أن تأتي مشكلة أخرى ـ ربما كانت من عقابيل الأولى ـ فننصرف إلى المشكلة الجديدة؛ لنمارس معها الدور نفسه الذي مارسناه مع سابقتها وهكذا.. إن العولمة عبارة عن مجموعة آليات لإنتاج نظام هيمنة شامل، وإن التعامل معها يجب أن يكون أشبه بخوض معركة مستمرة، تحتاج إلى حشد الطاقات وتعبئة الموارد والتخطيط المتقن، والتنفيذ الجيد، والمتابعة الدائمة. وأتصور أن المطلوب هو عشرات المؤسسات التي تعالج المشكلات التي نحاضر عنها ونكتب فيها، وإلا فإن ردود فعلنا تتبخر، وتبقى المشكلات في تفاعل وتفاقم.
بعض الباحثين والمفكرين، نفض يديه من مقاومة العولمة؛ لأنه يرى أن كل شيء قد (تعولم) ولا فائدة من القيام بأي شيء؛ فانتصار العولمة هو أحد الحتميات الكبرى في عصرنا الحاضر (عصر العبيد) وكأنه بذلك يلغي الإرادة الإنسانية، ويغلق أبواب الأمل، وهو بذلك يلتقي ـ من غير قصد ـ مع فرانسيس فوكوياما في نظريته القائلة ببلوغ البشرية "نهايةالتاريخ. وهذا في الحقيقة إعلان للهزيمة قبل دخول المعركة، وتسليم للحصون المنيعة دون أي ثمن. نحن نرفض الاستسلام، ونرفض العزلة، كما نرفض سياسة الانتفاضات السريعة والمؤقتة، ونؤمن أن الله ـ جل وعلا ـ ما أنزل داء إلا أنزل له دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله؛ فإمكانات العمل ستظل موجودة ومتفتحة على آفاق واسعة، ما دام هناك ابتلاء وتكليف للعباد بأن يقولوا التي هي أحسن، وينحوا نحو التي هي أقوم. إن الإيمان يتزايد في كل أنحاء الأرض بضرورة المقاومة الضارية للعولمة، حتى داخل أمريكا التي تعد أكبر قائد للعولمة. وهذا سوف يعضد موقفنامنها.

4. تجذير الفروق الثقافية:
إن العولمة ـ كما أشرنا من قبل ـ تسعى إلى محو الفروق الثقافية من أجل تجنيس الأعراف والأذواق والتطلعات... وصولاً إلى السيطرة والإنتاج المستفيض الذي لا تعوقه التنوعات الثقافية والتحفظات العرقية والنزعات الإقليمية. والدعوة إلى الانفتاح التي نسمعها في كل مكان هي من قبيل: "الحق الذي يراد به باطل" حيث يطلب منا عند الخوض في التفاصيل أن نتخلى عن كل ما نعتقده في المحرمات والممنوعات، ونصير إلى تقبل ما يأتي به (الآخر) مهما كان مجافياً لما نعتقد أنه حق وصواب وذلك من باب التلاؤم ـ زعموا ـ مع روح العصر والاستفادة من خيرات التلاقي الكوني الذي تصنعه العولمة.
إن الثقافة هي الذات المعنوية، وهي السلاح الذي تستخدمه الأمم في خوض غمار الحياة، وفي الدفاع عن الوجود... وحين تندرس المعالم الأساسية لثقافة أي أمة فإن كل الأبواب تكون مشرعة على كل الاحتمالات، ولكل المتربصين خارج الأسوار. ثقافتنا العامة ترتكز على نحو أساسي على المنهج الرباني بقطعياته وثوابته وأدبياته، وإن أي تجذير للفروق الثقافية بيننا وبين ما تدعو إليه العولمة يجب أن يقوم على تحسين معرفة الناس بذلك المنهج. ولا يخفى أن أقنية البث وشبكات المعلومات قد فتحت كل النوافذ على كل ألوان المعارف والخبرات والتقاليد البشرية؛ ما هو حسن منها وما هو رديء، ومعظم ما يعرض ويُقدّم لا يشكل الاطلاع عليه أولوية لمعظم الناس، لكنه على كل حال يصرفهم عما ينبغي أن يطلعوا عليه ويعرفوه، كما أنه يربك وعيهم، ويوجد لديهم نوعاً من العكر في ذائقتهم الثقافية، وهذا في الحقيقة يمثل تحدياً قوياً أمام كل من يريد تقديم ثقافة إسلامية صافية للناس، لكن ليس أمامنا سبيل سوى بذل الجهد ونشر ما يجب أن ينشر. بالإضافة إلى ما ذكرناه قبل قليل عند الحديث عن الإطار المرجعي فإن من أهم ما ينبغي توضيحه للناس ما لدينا من خصوصية الرؤية للحياة والموت والدنيا والآخرة وعلاقتنا بالخالق ـ جل وعلا ـ، وما نؤمن به من وحدة أمة الإسلام، ورابطة الأخوة التي تربط بين المسلمين في أصقاع الأرض، حيث تسعى العولمة إلى توحيد رؤية البشر على أساس مادي إلحادي مصلحي حول هذه المسائل، وخلع المجتمع من أمته، وإنشاء روابط جديدة على أسس إقليمية وتجارية.. مما ينبغي تحسين معرفة الناس به مسائل الحلال والحرام، حيث قل الفقه فيها، ولا سيما في قضايا العقود والمعاملات والتي تعد في صلب مركز عمليات العولمة. وحبذا لو أن كل خطيب جمعة نبه الناس في الخطبة الثانية إلى حكم فقهي مما تمس حاجة الناس إليه، حتى تتكون لدى الناس حصيلة فقهية جيدة. كما أن بإمكان الوسائل الإعلامية المختلفة أن تقدم بأساليب مختلفة ما يساعد الناس على معرفةأمور دينهم. ولا ننسى أن نوضح للناس آثار التقنية فيهم والتغييرات السيئة التي أدخلتها على حياتهم واهتماماتهم وعلاقاتهم، مما لا يتسع المقام لشرحه.

5. الاستقلال والتميز:
ليس المقصود بالاستقلال إنشاء نظام معزول عن النظم السائدة بين الناس اليوم، وليس ذلك ـ لو أردنا ـ ممكناً. وليس المقصود بالتميز التعالي على الآخرين والانغماس في أوهام عظمة مدعاة. وإنما المقصود أن نملك إرادة التمنع على الذوبان في تيار العولمة الجارف. وإرادة التمنع هذه ترتكز على الاعتقاد بوجود خصوصية ثقافية وحضارية تتمتع بها أمة الإسلام، وتملي عليها مسؤوليات كونية خاصة، وتلزمها بسلوك مغاير لما عليه الأمم الأخرى. وإذا تأملنا في قول الله ـ جل وعلا ـ: ((كنتمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ تأمرونَ بالمعروفِ وَتَنْهَونَ عنِ المُنْكَرِ وتؤمنونَ بالله)) آل عمران: 110، لوجدنا أن أمة الإسلام لن تكون مسؤولة عن شؤونها الداخلية فحسب، وإنما يجب عليها أن تساعد على إصلاح الآخرين أيضاً، من خلال الدعوة وتقديم النموذج الإيماني الخاص الذي يجذب الناس إلى طريق الفلاح، ومن خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق الفهم الإسلامي الخاص والخالص. إن أمة الإسلام ليست مكلفة بإيصال صوت نبيها [ للعالمين فحسب، وإنما هي مؤتمنة على جميع مبادئ التوحيد وجميع القيم التي بلّغها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى أمم الأرض من قبل.التميز في نظرنا تكليف وليس تشريفاً، وهو ليس ترفعاً، وإنما هو مشاركة إيجابية، ومساهمة فعّالة في إصلاح شؤون الحياة كافة. إن اليهود ـ وهم أصحاب معتقدات ملفقة ومسيَّسَة ـ يقدمون نموذجاً واضحاً على أن العولمة لا تؤدي بالضرورة إلى التخلي عن الخصوصيات الثقافية ولا إلى زوال الحدود القومية، بل قد تؤدي إلى ردة فعل للحفاظ عليها، حيث يعمق اليهود البعد الإثني المرتكز على أساس ديني صريح؛ وهم يدعون إلى عولمة شرق أوسطية يتحكمون في مفاصل حركتها، ويتخذون منها سنداً في مواجهة العولمة الكونية. المسلمون ـ لأسباب عدة ـ يستطيعون مقاومة العولمة، وتثبيت نماذج استثنائية في سياقاتها العامة، بل التغيير في مفاهيمها، والتشجيع على التمرد عليها؛ لكن هذا مرتبط أولاً بتطلع قيادات الأمة وأصحاب القرار فيها إلى ممارسة دور متميز عما عليه الآخرون في الغرب والشرق، بالإضافة إلى امتلاك بعض المعطيات التي تمكن من النهوض بذلك الدور. إن العولمة تجعل الأمم تفقد ميزاتها وخصائصها الثقافية لحساب ركائز الأمم المؤثّرة في حركة العولمة، والتي تتلخص في القوة والمال والتقنية المتقدمة والتنظيم الفائق من أجل المزيد من الهيمنة والاستعباد؛ ومن واجبنا أن ندرك ذلك قبل فوات الأوان، ونقاومه بالمزيد من البلورة لعناصر الاستقلال والتميز من غير مبالغة ولا استغفال لأحد، وهذا هو معنى الريادة الأممية، وهذا هو بعض استحقاقها.

6. التخفيف من غلواء العولمة:
بدأ الشعور بالمشكلات التي جاءت بها العولمة يتجاوز نطاق المؤتمرات ومراكز البحوث إلى الساحات الشعبية، وصار الناس في كل مكان يشعرون بمخاطر الانسياق الأعمى خلف الشركات المتعدية الجنسية، والسير في ركاب الدول المستفيدة من العولمة؛ مما يعني أن جهداً دولياً مشتركاً وعلى المستويات كافة يجب أن يتأسس للتخفيف من غلواء العولمة والبحث عن طريق جديد غير طريقها. ومهما تكن نتائج هذا الجهد فإنها ستكون أفضل من الأوضاع التي ينغمس فيها الناس الآن. وحدة الجوهر الإنساني والقيم العالمية المشتركة وهموم العيش في عالم واحد، ومستخلصات الخبرة البشرية،تمكننا جميعاً من التلاقي على أرض واحدة من أجل إيقاف التدهور الذي تشهده البشرية من جراء سيطرة الروح المادية، وسحق الضعفاء، وانتشار الظلم والأنانية.

7. تجديد الثقافة:
يجب أن نفرِّق في البداية بين مستويين للثقافة الإسلامية:المستوى التجريدي: الذي نجده في المراجع الثقافية والكتب والمناهج المدرسية...والمستوى المعيشي: الذي يتجسّد في مجمل القيم والمفاهيم والسلوكات التي يتشبع بها الإنسان المسلم، وتشكل ذاته في الوقت الحاضر. ونحن هنا لا نعني بالتجديد إلا المستوى الثاني، إذ إن المشكلة الجوهرية تكمن في أن الوعي البشري، لا يستطيع دائماً ملاحظة التغيرات التي تبعد الثقافة عن أصولها، كما لا يدرك في كل الأوقات العطب الذي يصيب الثقافة فيحولها من أداة ارتقاء وتقدم إلى هيكل معوِّقومثبط.
إن الثقافة على المستوى التجريدي تشكل الإطار المرجعي للحكم على مدى صحة الثقافة المعيشة، ومدى ملاءمتها للنهوض الشامل؛ ولذا فإن التجديد لا يطولها؛ لكن خبرتنا البشرية قد تكشف عن بعض أسرارها ومكنوناتها، وقد توجد لبعض أصولها ومنطلقاتها بعض التوظيفات الجديدة ويظيف الدكتوريمكن ان نحسِّن من قدرة ثقافتنا على الصمود في وجه العولمة، ويساعد على توفير آليات التقدم في ظلها؛ وذلك في المفردات الآتية:
أ ـ إغناء القاعدة الروحية، حيث إن كل ما هو من قبيل المعنى والروح يلقى المزيد من الإهمال والتهميش في ظل العولمة،كما أن تيارات شهوات الجنس والشهرة والسيطرة والاقتناء وحب الدنيا.. لا تمكن مقاومتها بالأنشطة الفكرية والعقلانية، وإنما بتيار روحي متدفق من المشاعر والأحاسيس الإيمانية والذي لا يتولد إلا عن طريق المزيد من الأعمال التعبدية الملتزمة بالأطر والآداب الشرعية.إن طابع الرقي الحقيقي هو طابع روحي أخلاقي أكثر من أن يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً؛ والجاذبية التي تتمتع بها أجيال القرون الأولى من تاريخ الإسلام، تنبع على نحو أساسي من منابع الروح والالتزام والنزاهة والسعي نحو الآخرة، وليس من التفوق في الحروب أو العلوم أو العمران. وأعتقد جازماً أن كل تنظيراتنا لمآسي العولمة، وكل تنظيراتنا للتعامل معها ستكون بمثابة صرخة في واد ما لم نتمكن من إعادة التوازن إلى اهتماماتنا وسلوكاتنا من خلال تنمية الجانب الروحي والخلقي في حياتنا اليومية؛ حيث إن هذا الجانب هو الذي يمدنا بطاقة المقاومة والصمود في وجه المغريات، وهو الذي يمدنا بطاقة العطاء المجاني وطاقة الإبداع والعمل الدؤوب.
ب ـ بناء حساسية جديدة نحو العدل بكل صوره وأشكاله ومستوياته؛ وتكوين شفافية عالية نحو قضية مراقبة استثمار التفوق، حيث إن من طبيعة التقدم الحضاري أن يزيد في الفوارق بين الناس في المهارات والإمكانات والملكيات؛ والعولمة بتركيبتها الخاصة تتيح فرصاً متزايدة للمتفوقين في المجالات الاقتصادية ـ على وجه أخص ـ أن يقيموا فيما بينهم تحالفات خفية لاستثمار تفوقهم المالي. ومن الواجب أن تتوفر البيئة التي لا تسمح لذلك الاستثمار بالخروج عن الطرق المشروعة. وتحريم الشريعة الغراء للرشوة ـ مثلاً ـ كان إجراء في هذه السبيل. وإذا تأملنا في حياة الشعوب التي تضاءل فيها الفساد وأشكال الدخل غير المشروع، وجدنا أنها تملك حساً مرهفاً في هذه المسائل، كما تملك الآليات التي تعرِّي أولئك الذين يترعرعون في الكسب الحرام، كما تترعرع الجرذان في مياه المجاري. وهكذا كنا أيام إقبال الحضارة الإسلامية. وقصة الصحابي الذي حاسب عمر وهو على المنبر على الثوب الذي يلبسه معروفة مشهورة.
جـ ـ ما كان للعولمة أن تفتك بالناس عندنا على هذا النحو المخيف لولا أنهم يعانون من أشكال عديدة من الخواء الثقافي؛ حيث إن أحوالنا الحضارية، تتطور خارج مدلولات ثقافتنا، أي إن أنماط العيش الجديدة وأنماط العلاقات التي نقيمها، لا تتشكل على هدي القيم الكبرى التي نؤمن بها، وإنما تتم تحت ضغوط مقتضيات ظروف العمل وضرورات تلبية الحاجات الأساسية، وهذا أوجد لدينا مشكلة كبرى؛ إذ صار كثير من الناس مكشوفين ثقافياً، ومجردين ـ إلى حد كبير ـ من البعد القيمي الذي يعطي للأنشطة الحياتية معنىً خاصاً وهدفاً وغايةً. ويكشف لك عن مدى ذلك الانكشاف الثقافي ما تلاحظه من ازدياد المسافة بين عقائدنا النظرية وعقائدنا المجتمعية. ومن المعلوم أن العقيدة الاجتماعية هي جماع المبادئ والمصالح،على حين تتشكل العقائد النظرية على أرضية ما هو سامٍ ومتعالٍ ومثالي. وهذه المسافة المتسعة بين العقيدتين هي ناتج ضغط المصالح على المبادئ وناتج ضعف الغطاء الثقافي للسلوكات اليومية.
إن العولمة تسوّق القيم الغربية وتفاصيل الحياة اليومية للإنسان الغربي من خلال الأخبار والأفلام والإنتاجات الثقافية المتنوعة. وقد فُتن بذلك الكثير من الناس بسبب بعض الإيجابيات في الثقافة الغربية، وبسبب تهميش بعض المكونات الثقافية المهمة لدينا من خلال حرمانها من التجسد العملي في الحياة المعاصرة.إذا ما أردنا أن نكسر هجمة العولمة في المجال الثقافي، فإن علينا أن نقلِّب النظر في الأوراق الذابلة من ثقافتنا، ونعيد لها الحيوية والتألق من جديد. وأعتقد أن على المسلمين اليوم إذا ما أرادوا إضفاء الجاذبية على ثقافتهم المعيشة أن يحاولوا إنعاش القيم التي تسبب لهم الافتتان بالثقافات الغربية وثقافات الأمم الصناعية عامة، وتلك القيم توجه الواقع العملي أكثر من كونها معتقدات تُستبطن، وذلك مثل قيم العدل والنزاهة والتطوع والعملية والدقة والشورى والجدية والنقد الاجتماعي والتواضع والشغف بالحقيقة، وما كان من هذا القبيل؛ مما يوفر الغطاء الثقافي لأبنائهم، ويصحح أوضاعهم العامة. وبذلك وحده يمكن إيقاف التدهور في حياتنا الاجتماعية، واسترداد زمام المبادرة على صعيد الصراع الحضاري الذي يفرضه علينا الغرب الظافر، وكل أولئك الذين يدورون في فلكه.

8. التربية الأسرية:
في ظل العولمة تتقلص سلطات كثيرة: سلطة الدولة والأسرة والمدرسة والمجتمع، وتتمدد سلطة المال وأربابه وسلطة الشهوة والمتعة والمصلحة وفي وضعية كهذه تبرز أهمية التربية الأسرية في تحصين الناشئة وتوجيههم وتهيئتهم للدخول في معترك الحياة الصاخبة التي نعيشها اليوم. إن التربية تبني الكيان الإنساني من الداخل، على حين أن السلطات الأخرى تحكم السلوك الظاهري. في الأسرة وخلال السنوات الخمس الأولى تحفر الخطوط العميقة في شخصية الطفل؛ وما تقدمه المدرسة والمجتمع والثقافة العامة بعد ذلك لا يعدو أن يكون تكميلاً وتفصيلاً لما فعلته الأسرة. التربية بوصفها مجموعة من الجهود المربية والمتابعة، تحتاج إلى انتظار وصبر لا يعرف النفاد. وقد قال الله ـ جل وعلا ـ : {وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصلاةِ واصطبرْ عليها} [طه: 132]. وينبغي أن نكون واضحين في هذا الباب؛ إذ من غير المتوقع أن ننشئ أجيالاً بعيدة في أحوالها وأوضاعها عما نحن عليه مهما أتقنا من فنون التربية، وحفظنا من الحكم والأقوال المنمقة؛ ولذا قال أحد الحكماء: "كما تكونون تكون تربيتكم". فإذا أراد الكبار جيلاً قادراً على تحقيق أفضل مما حققوه، فليحسِّنوا من ذواتهم، وليجعلوا الجهد التربوي عبارة عن إشعاع يصدر من ذات فاضلة. ويؤسفني القول: إن معظم الأسر لدينا ليست مؤهلة لأن تربي أطفالها التربية الإسلامية الجيدة والمطلوبة في هذا الزمان. إذا أردنا أن يتلقى أطفالنا تربية أفضل من التربية التي تلقيناها، فإن علينا أن نجاهد أنفسنا في ذات الله ـ تعالى ـ من أجل تغيير بعض سلوكاتنا الشخصية والتي يلمحها أولادنا في حياتنا ويتأثرونها. وإذا قلنا لهم ما يناقضها قالوا في أنفسهم: ألا تنظرون في المرآة قبل أن تأمرواوتنهوا... وقد عددنا القيم التي يجب أن نجذرها في ثقافتنا؛ وتجذيرها سيكون عن طريق التربية عليها مع أكبر قدر ممكن من السياج القانوني والتنظيمي لها. ويمكن أن نضيف إليها أيضاً احترام الكبير، والعطف على الصغير، ورعاية حقوق الجار، وصلة الأرحام، وبر الصديق، وتحمل الأذى، والمثابرة، والحرص على الوقت، وتنظيم الشؤون الخاصة، وتوطين النفس على العمل ضمن فريق، والنقد الذاتي، واحترام العمل، والاقتصاد في الإنفاق، والاعتدال في الشأن كله. وبإمكان الآباء والأمهات والمربين كافة أن يكتسبوا المزيد من الخبرة في غرس هذه القيم وتوضيحها للناشئة عن طريق القراءة المركزة والاطلاع على تجارب الآخرين في هذه القضية.

9. تشجيع الأعمال الصغيرة:
بما أن أكبر نشاطات العولمة هي إنجازات الشركات العملاقة والشركات المرتبطة بها، فإن ما نشاهده اليوم في كل مكان هو اضمحلال الورش والمشروعات وأماكن التسوق الصغيرة لصالح المشروعات الكبرى والمصانع والأسواق المركزية. وهذا يعني تراجع الفرص المتاحة للنشاط البشري الفردي لصالح رؤوس الأموال الكبيرة. في داخل المشروعات الكبيرة ذات الوزن والبريق والإغراء تمارس أشكال من العبودية والضغوط النفسية، حيث يتحول البشر إلى آلات صماء يطلب منها العمل حسب مصلحة السادة الملاك دون السماح بالنقد أو الاعتراض أو المطالبة بالحقوق البدهية. وعلى الذي يخرج عن تقاليد العبودية الجديدة أن يبحث عن عمل آخر من تلك المشروعات العملاقة تنبعث أكثر ملوثات البيئة كثافة وخطورة. العملقة المتنامية في كل مكان يصاحبها احتقار للإنسان مغلّف بأناقة عصرنا الزاهر حيث يتم في الشركات الكبرى توظيف الناس عن طريق الحاسوب، ويتم طردهم أيضاً عن طريقه؛ فالإنسان الذي قضى زهرة أيام حياته في بناء ثروة أصحاب المصنع ليس أكثر من رقم، ولن يترتب على شطبه ما يستحق التفكير... لهذا فإن من جملة الأسس العريضة لإعادة بناء ما دمرته العولمة السعي إلى إقامة المشروعات وأماكن التسوق والورش والمزارع والأنشطة الصغيرة، والتي ظلت على مدار التاريخ أبواب رزق مُرضية ومقنعة للشريحة الأضعف في المجتمع ولذوي العاهات وذوي الظروف الصعبة. وحين مسحت المشروعات العملاقة كل ذلك مسح معها جيوش هائلة من الذين كانوا يرتزقون منها؛ وما زال الأمر في اتساع مستمر.
تستطيع الدولة أن تشجع الأعمال الصغيرة من خلال منح قطع الأراضي لذوي الدخل المحدود، ولراغبي القيام بأعمال لا تضر بالبيئة، ولا تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة؛ كما تستطيع مساعدتهم عن طريق القروض غير الربوية والمساعدات المالية، وعن طريق سن القوانين التي تساعدهم على الصمود في وجه طغيان رأس المال الكثيف الذي تستخدمه المؤسسات والشركات الكبرى. ويمكن للدولة أن تشترط عند ترسية مشروعاتها تخصيص تنفيذ جزء منها لأصحاب الأعمال الصغيرة مساعدة لهم على الاستمرار. وإن كل إنجازاتهم في هذا الاتجاه تشكل إجهاضاً لخطوة من خطى العولمة، وعملاً يعوق تقدمها. العولمة عمل، ولن تقاوم إلا بالعمل.

10. المشروع الحضاري الشخصي:
الشعوب التي تغزو بثقافاتها وتقنياتها في ظلال العولمة، هي شعوب قوية ومتنفذة، ومصدر قوتها الأساسي لا يكمن في دهاء حكوماتها ولا في عظم ثرواتها وإنما في نوعية أفرادها، حيث إنك تجد الناس هناك أكثر فاعلية وأحسن أداء وتنظيماً، ويملكون من روح المثابرة والجدية ما لا يملكه غيرهم. إن هناك حقيقة كثيراً ما تغيب عن أذهاننا، هي أننا لا نستطيع أن نوجد مجتمعاً أقوى من مجموع أفراده. والذين يحلمون بأمة قوية دون أن يروا مستوى الفرد فيها يتحسَّن ويترقى، سيظلون يحلمون ويحلمون في ظل أوضاع تزداد سوءاً. وعْيُنا مفتون بالإنجازات الكبيرة دون أن يكون هناك تساؤل عن كيفية تحقيق تلك الإنجازات، وعن مدى امتلاكنا الإمكانات والأدوات التي يتطلبها ذلك. قد يعود ذلك إلى هيمنة (الثقافة الشعبية) علينا، فنظراً لضآلة الرواد فينا وقلة المثقفين ثقافة راقية، فإن الناس يخضعون لإيحاءات الثقافة الشعبية وإحالاتها، فيظلون محكومين بما هو سائد، ويكون مدى الرؤية لديهم ضيقاً، وطموحاتهم محدودة؛ ولهذا فإن فكرة المشروع الشخصي ما زالت غريبة في معظم مجتمعاتنا، ولدى معظم الناس، مع أنه قد يكون هو المدخل الأكثر يسراً والأقل تكلفة والأكثر نجاعة في إنقاذ الأمة من الحالة الحرجة التي صارت إليها في ظل تكالب الأعداء عليها.المشروع الحضاري التزام شخصي بشيء يكرس له المرء عمره كله أو جزءاً منه، وهو في سبيله يتنازل عن بعض الرغبات وعن بعض المصالح، ويذوق طعم العناء. المشروع الحضاري الشخصي رؤية تتكون من الهدف والطاقة والإمكانية والبعد الزمني، ويتجسد ذلك كله في خطة منطقية وعملية واحدة. ومهما كانت نوعية مشروع الواحد منا، فينبغي أن يكون شيئاً يستحق التضحية، وأن يكون على صلة بمشروعنا الأساسي، وهو الفوز برضوان الله ـ تعالى ـ والنجاح في الابتلاء الذي كتب علينا. ويجب إلى جانب هذا وذاك أن نبرمج حياتنا، ونرسم أهدافنا من أفق حاجات مجتمعنا المسلم، أي أن نتوقع من مشروعنا الشخصي المساهمة في تحقيق أولويةاجتماعية أو سد ثغرة ملحّة ومهمة. الشعور بالتفاهة والفراغ والسأم الذي بات يجتاح كثيراً من الناس، ما هو إلا نتيجة حتمية لعدم وجود شيء في حياتهم يستحق الاهتمام. ومن غير المتوقع أن نشغل أوقاتنا على الوجه المطلوب، وأن نستغل طاقاتنا وإمكاناتنا الاستغلال الأمثل من غير ذلك المشروع.
آفاق المشروع الشخصي في حالة من الاتساع والتنوع المستمرين، وبمجرد أن ينفتح الواحد منا على الواقع بما يتيحه من فرص وتحديات ومطالب متجددة، فإنه سيجد أن أمامه الكثير الكثير مما يمكن له أن يهتم به. وعلى سبيل المثال فقد يتفرغ إنسان لبلورة أفكار حول تفجير طاقات الشباب وإجراء بحوث حول الأساليب التي تساعد على ذلك، ويبحث عن طريق لإيصالها إليهم.وقد يتفرغ للرد على أفكار خاطئة تجتاح المجتمع في مجال من المجالات. وقد يتفرغ لرعاية جمعية، أو مؤسسة، أو كلية تقدم للناس ما ينفعهم. المشروع الحضاري قد يكون تطويراً لآلة يعمل عليها مهندس أو تقني، وقد يكون تطويراً لمعدَّة، أو اكتشافاً لأسلوب في الإدارة أكثر نجاعة مما هو سائد. وقد يكون المشروع الشخصي عبارة عن تقديم نماذج متفوقة في مجال الالتزام، أو رقي السلوك، أو حسن التدبير، أو المحافظة على الوقت.. ولننظر إلى الخير العظيم الذي نتج عن تخصص بعض علمائنا بمعالجة بعض المسائل أو التبحر في بعض التخصصات.
إن على كل واحد منا أن يبحث عن دوره الأمثل في هذه الحياة المحدودة، وأن يتساءل باستمرار: ما هو الشيء الذي أستطيع أن أفعله ولكنني لا أفعله، وما هو العمل الذي إن أديته بطريقة جديدة تكون نتائجه أفضل. المطلوب دائماً التخصص في مسألة حية نافعة وامتلاك مثابرة وإصرار كإصرار الأرضة على بذل الجهد المتواصل؛ فالثابت اليوم أن كل الإبداعات الكبرى لم تكن وليدة ومضات ذهنية فحسب، وإنما نتيجة الدأب والاستمرار في المتابعة الطويلة الأمد، وتخطي العقبات واختراق الأفكار القديمة. وإني أعتقد أنه لو عمل بهذه الفكرة 5% من أمة الإسلام لاختلف الكثير من ملامح حياتنافهل من مجرّب.

11. التقدم التقني:
ستظل كل جهود مواجهة العولمة منقوصة وضعيفة الجدوى إذا لم يحسِّن العالم الإسلامي من موقعه على صعيد التقنية والصناعة. وحتى نكون أكثر دقة نقول إننا لا نحتاج إلى هذا الأمر من أجل مواجهة العولمة بقدر حاجتنا إليه في تأمين الحاجات الضرورية للأجيال الحاضرة والقادمة. التقدم التقني المذهل الذي يحدث في كل دقيقة اليوم سيقلب موازين كثيرة، وسيهمش عناصر كثيرة، وسيكون له آثار هائلة على العقائد والأفكار والأخلاق والسلوك والعلاقات. ومهما يكن الأمر فليس أمامنا أي هامش للمناورة؛ فإما أن نحزم أمرنا، ونغيّر أسلوبنا في التعامل مع مسائل البحث العلمي والتقنية والصناعة، وإما أن نعد أنفسنا لمواجهة المزيد من المشاق والتحديات. ويرى الدكتور باكر الملاحظات التالية:
أ ـ لا نستطيع أن نتقدم تقنياً إذا لم نحسِّن أوضاع البحث العلمي لدينا؛ ومن الصعب أن نحسِّن أوضاعه ما لم نغيّر في مناهجنا الدراسية، ونتحول من التلقين والحفظ ـ ثم النسيان ـ إلى الفهم والبحث والربط بين الظواهر وإجراء التجارب. لا يعني هذا أننا لسنا بحاجة إلى شيء من الحفظ ـ في بعض المواد على الأقل ـ وإنما يعني أن ننشط حركة البحث العلمي في المدارس والجامعات، وننمي ملكة النقد لدى الطلاب،إلى جانب تزويد المدارس بالورش والمعامل والمختبرات التي تمكن الطلاب من إجراء التجارب العلمية وتنمية مهاراتهم اليدوية. وإذا كانت الحكومات عاجزة عن تمويل ما ذكرنا، فإنه يمكن لأهالي الطلاب أن يقدموا بعض التبرعات، ويدفعوا بعض الرسوم التي تخصص لهذه التجهيزات والنفقات.
ب ـ وضع البحث العلمي في عالمنا الإسلامي محبط بأي مقياس قسته، ومن أي جانب نظرت إليه. وعلى سبيل المثال فقد كان عدد المنشورات لكل مليون شخص في الوطن العربي عام (1995) 26 منشوراً؛ على حين أنه كان في البرازيل 42 منشوراً، وفي فرنسا 840، وفي سويسرا 1878. وقد استطاعت كوريا الجنوبية أن ترفع ناتجها من البحوث من 15 بحثاً لكل مليون شخص عام 1985م إلى 144 في عام 1995م. وقد كان ناتج الوطن العربي في عام1985م مساوياً لناتج كوريا الجنوبية.
هذه الوضعية ليست من غير أسباب، فالوسائل المعينة على البحث شبه معدومة؛ وكون البحوث لا تجد من ينتفع بها، ولا من يقوم بإيجاد تطبيقات لها، ولا من ينشرها ـ في كثير من الأحيان ـ أضعف الحافز على القيام بها. ثم إن كثيراً من تلك البحوث ذو طبيعة نظرية، أي ليس له إسهام في تقدم التقنية والصناعة. لن يكون هناك حل جيد إلا بوضع قيود صارمة على استيراد السلع الكمالية، وتشجيع الإنتاج الوطني، وإيجاد صيغ تنظيمية للعلاقة بين مراكز البحوث وبين المصانع والشركات، حتى يتم إجراء البحوث التطبيقية في حدود التطوير القائم في المصانع. ولا بد من زيادة الإنفاق على البحث العلمي حتى يمكن تنشيطه وتفعيله. وهذا في البداية سيرهق ميزانيات كثير من الدول الإسلامية، لكن حين يبرمج ويستثمر على وجه جيد، فإن ثماره ستكون مدهشة، وسيستفيد منها جميع أبناء المجتمع.
جـ ـ لا بد أن نختار بدقة نوعية التقنية التي تناسبنا؛ إذ إن بيننا وبين الغرب خلافات جوهرية في أشياء عديدة، وما يصلح له لا يصلح بالضرورة لنا. ومن الواضح على هذا الصعيد أن الزيادة السكانية الموجودة في العالم الإسلامي ليست موجودة في أي بلد صناعي اليوم، كما أن المال الهائل الموجود اليوم لدى الدول الصناعية وشركاتها الكبرى ليس له ما يناظره أو يقاربه. أضف إلى ذلك التفاوت الكبير في المستوى العلمي والتقني والخبرة والقاعدة الصناعية. وهذا كله يعني أن علينا أن نشق طريقنا الخاص بنا، وهذا ما دعا بعض الباحثين والمختصين إلى البحث عن التقنية التي تناسبنا، وتوصلوا إلى أن تلك التقنية هي التي تشغِّل أكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة، وتوفر الستر والأمان وأسباب البقاء لأسر كثيرة محرومة بسبب عدم تمكن من يعولها من العمل الشريف المنتج. وهذا يعني أن الآلات والمعدات المتطورة جداً لا تناسب معظم الدول الإسلامية، حيث إن من الثابت أن هناك علاقة عكسية بين درجة تطور المعدات والآلات وبين مدى استيعابها للأيدي العاملة؛ فكلما كانت الآلات المستخدمة في المصانع أكثر تقدماً كانت حاجتها إلى الأيدي العاملة أقل. أضف إلى هذا أن الآلات المتقدمة مرتفعة الثمن، فهي ترهق الميزانيات بما تتطلبه من عملات نادرة.
وهي من وجه ثالث تتطلب أن يكون في البلد المستورد لها كفاءات تقنية عالية، وإلا فإنه سيكون محتاجاً إلى الدولة الصانعة في صيانتها وتشغيلها.
مما يفيد في دفع التقنية إلى الأمام اعتماد أسلوب فك الحزمة التقنية من خلال تحليل المشاريع التي يتم التعاقد عليها مع شركات أجنبية إلى عناصرها ومكوناتها الأساسية، وقيام الشركات الوطنية بتنفيذ أجزاء من تلك المشروعات، وتصنيع بعض معداتها. وهذا قد يؤدي إلى بطء تنفيذ بعض المشروعات الكبرى لكنه على المدى البعيد قد يكون الأسلوب الأمثل لامتلاك التقنية العالية وتأسيس الاعتماد على الذات. كان آباؤنا وأجدادنا يملكون استقلال الإرادة وحرية القرار؛ لأنهم كانوا مندمجين في بيئتهم على نحو تام. ومع الظروف الصعبة التي عاشوا فيها إلا أنهم كانوا يأكلون مما يزرعون، ويلبسون مما ينسجون، ولا يستدينون الأموال الطائلة من أجل الرفاهية؛ فهل نحن قادرون على أن نتعلم منهم شيئاً ينفعنا في أيامنا هذه.

12. العمل الإسلامي المشترك:
لا تستطيع العولمة أن تعمل عملها على الوجه الأمثل إلا في عالم مفكَّك مبعثر، تتولى هي صياغته على نحو جديد يخدم مصالحها؛ ولذا فالدول الصغيرة والشعوب الفاقدة لهويتها هي مجال العمل المفضل لقوى العولمة العاتية. المستفيدون من العولمة ينتجون نظم الهيمنة والسيطرة من أجل تحقيق المزيد من المكاسب، والشعوب الممزقة تهيِّئ الفرص، وتقدم التسهيلات لوقوع ذلك. العملية على كل حال معقدة؛ فقد تخدم عدوك دون أن تدري، وقد تخدمه لأن أوضاعك لا تمكنك من غير ذلك؛ وقد تخدمه لأنك لا تفعل ما ينبغي عليك أن تفعله. وحدة أمة الإسلام ـ على أي مستوى ـ قضية مبدأ وواجب . إن التعاون بين شعـوب العالـم الإسلامـي ممتـد الآفــاق، واســع الخيارات والإمكانات حين تتوفر النية الحسنة، والعزيمة الصادقة ويمكن أن نعد منها الآتي:
 تفعيل المؤسسات الإسلامية القائمة؛ لتقوم بالوظائف التي يجب أن تقوم بها، والتي أنشئت في الأصل من أجلها، وإنشاء روابط واتحادات ومؤتمرات ومؤسسات جديدة ذات بعد شعبي، تهدف إلى زيادة توحيد الرؤى والقوى بين أصحاب الاختصاصات والفعاليات المهنية والتجارية والإسلامية.
 بلورة مشروع دعوي لعرض الإسلام على المستوى العالمي، وتنسيق المواقف السياسية والثقافية في الدفاع عن قضايا الأمةوالذب عن حياضها.
 تنسيق السياسات التجارية بين الدول الإسلامية، ولا سيما في السلع ذات الأهمية الفائقة مثل الغاز والنفط وبعض المعادن والمنتوجات الأخرى؛ وذلك من أجل تحقيق تجمع ضاغط، يضمن تبادلاً تجارياً عادلاً.
 اعتماد مبدأ الإنماء التكاملي بين الدول الإسلامية، على أساس استغلال كل بلد إسلامي للميزات والخبرات النسبية التي يتمتع بها، ودعم الدول الأخرى له في ذلك مقابل استفادة الجميع منه، وعلى سبيل المثال فإن (أندونيسيا) (وماليزيا) من الدول التي تستطيع تنمية صناعات مهمة، مثل صناعة الورق والطائرات والإلكترونيات والأثاث المكتبي والمنزلي، إذا وجدتا المؤازرة من قبل الدول الإسلامية الأخرى، عن طريق الدعم والتمويل لأعمال الإنشاء والتطوير، وعن طريق استهلاك المنتجات، وإعطائها نوعاً من الأولوية. ومن الممكن جعل (السودان) مصدراً لتغذية العديد من الشعوب الإسلامية إذا توفرت المعونة الفنية والمالية لاستثمار الإمكانات الهائلة لديه. وإن بإمكان دول الخليج أن تقدم خبرات ممتازة، وتقود مشاريع عملاقة في مجال صناعة النفط وتسويقه، كما يمكن لبعضها أن يساهم في تمويل مشروعات إنمائية في دول إسلامية أخرى.
 في مجال العلم والتقنية، التعاون الإسلامي أيسر إذا توفرت الإرادة الصلبة، حيث يمكن لبلد إسلامي أن يقيم ـ بدعم من دول أخرى ـ جامعة كبرى في فرع من فروع المعرفة الأساسية مثل الطب والهندسة والكيمياء واللغات والعلوم الإنسانية.. ويتوافد إليها الطلاب من الدول الإسلامية الأخرى، وذلك في سبيل توطين المعرفة المتقدمة، والإبقاء على الأموال الضخمة التي ينفقها الطلبة المسلمون ـ وهي بالمليارات ـ في الدول الصناعية داخل البلدان الإسلامية.

احتياجات الشباب في ظل العولمة:
كان هناك في الفترة الممتدة بين عام 1990م وعام 2001م سبعة وخمسون نزاعا مسلحا في 45 مكانا في العالم وما برح العنف والرغبة في الهروب ينتشران بصورة متزايدة داخل المجتمعات، وحل الحاضر وحده، بوصفه اطارا زمنيا لنشاط البشر، محل مرجعية الماضي الذي تتمسك به المجتمعات التقليدية ومحل مرجعية المستقبل الذي تتمسك به المجتمعات الحديثة واصبحنا نصادف اكثر فاكثر، جماعات من الشباب لا يولون اهمية كبيرة لحياتهم ولمستقبلهم جنبا الى جنب مع جماعات تسعى الى تقليص اوجه التفاوت وحماية وتعزيز التنوع الثقافي دون الركون الى نماذج مسبقه واضحى بعض الشباب مهيئين، بسبب قوة ظروفهم الاجتماعية او الاضطراب الناشئ عن انعدام الامل، للانخراط في الحروب الداخلية والاشكال الجديدة من الارهاب العالمي. وفي هذا الاطار اصبح العالم يشهد اكثر من اي وقت مضى صدامات بين الثقافات، ومحاولات لاستيعاب الحداثة واعادة تفسيرها، كما يشهد في الوقت نفسه رفضا صارخا وعنيفا لهذه الحداثة نتيجة لما تستتبعه بالضرورة ايضا من تنازلات وتحولات وتكيفات وانقطاعات ولئن كان بالوسع ملاحظة اتجاهات معينة للتنميط في كل ارجاء المعمورة، فمن المؤكد بنفس القدر ان المستقبل سينتج اشكالا متعددة من النهجين الثقافي وصورا متنوعة من التألف والتفاعل بين الثقافات والحضارات من جهة، وبينها وبين الحداثة من جهة اخرى، ولاشك في ان هذه العملية تنطوي على مخاطر كبيرة اذ لا يمكن لاحد، للاسف الشديد، ان يضمن الا تجلب الحداثة التي تكتسي طابع العولمة، او العولمة التي تكتسي طابع الحداثة، للعالم الحروب والاهوال التي اقترن بها تاريخ القرن العشرين. ان الاضطراب العظيم الراهن يدفع حتى الى التساؤل عن مغزى التعليم النظامي للشباب وقيمته بوصفه وسيلة للالتحاق بعالم العمل والمساهمة في التنمية المستدامة، ولتحقيق التماسك الاجتماعي وبناء السلام، بل يتساءل بعض الباحثين عما اذا كانت الجهود المالية والتنظيمية والاسرية المبذولة لتعميم الانتفاع بالتعليم المدرسي بصورته الحالية، ولاسيما التعليم بعد الابتدائي، تستحق الغناء ويظل تعلم الرغبة في العيش معا، وبوجه خاص، مقترنا بصعوبات كبيرة ويتزايد انتشار العنف البدني في المدارس، حتى في صفوف الفتيات وفي ظروف متنوعة للغاية وينبغي التساؤل عما اذا كانت هذه الظاهرة لا تعد في حالات معينة ردا على تعليم يبدو للنشء والشباب بعيدا كل البعد عما لديهم من احتياجات، من جهة، وبعيدا عن ان يضمن لهم مكانا في اكثر القطاعات دينامية في الاقتصاد العالمي والاقتصادات المحلية، من جهة اخرى، وفي كثير من الاحيان يبدو التعليم، وخاصة في اكثر المناطق فقرا، بعيدا كل البعد عن توفير الامكانيات التي يمكن الارتكاز عليها لتحقيق التنمية المحلية والتكامل العالمي. ان الحد من الاثار المجحفة المترتبة على العولمة، يتطلب، فيما يبدو، امتلاك قدرات جديدة الى جانب القديمة، وتشاطر المضامين والقيم المشتركة كالتضامن واحترام حقوق الانسان والتنوع، والرغبة في العيش معا. ولكن كيف يمكن الانتقال من التعريف البلاغي للمضامين والقيم الى تعريف عملي بوجه العمل السياسي التربوي، والحياة في المؤسسات المدرسية، وتطويع المناهج الدراسية.

بناء هوية الشباب في ظل العولمة:
ان نوعية تعليم الشباب مرتهن بنوعية تعليم الاطفال وتمثل القدرة على التعلم والدوافع من اجل التعليم واكتساب القدرة على التعلم المستقل، والبحث عن المعلومات واستخدامها، والاستيعاب الجيد للمعارف الاساسية، واتخاذ موقف التسامح والاحترام ازاء الاخرين، بعض الاهداف المنشودة من تعليم الاطفال في الاسر والمدارس والمجتمعات المحلية، غير ان تعليم الاطفال يمكن ان يوفر، بعد المرحلة الابتدائية، فرصة ثانية ليس فقط لتعلم المزيد من المعارف ولكن ايضا لتعلم بصورة افضل او لتعلمها مجددا او لتعلمها بطريقة مختلفة. ويتسم تعليم الشباب بعدة خصائص متميزة فالى جانب التدريب اللازم لتحقيق الاندماج الاقتصادي والتماسك الاجتماعي والسلام تطرح في هذا السن مسألة بناء الهوية طرحا قويا بوجه خاص وفي اطار جديد.
ويمكن وصف الفئة العمرية من 12 إلى 20 سنة بانها فترة انتقالية طويلة نسبيا يمتد ما بين مرحلة الطفولة، المرادفة للتبعية، ومرحلة الرشد، المفترض ان تكون هي ايضا بالنسبة للنشء أو الشباب مرحلة النضوج واكتمال التنشئة الاجتماعية وتأكيد الهوية والشخصية المتميزة، ورغم اننا نصادف بعض السمات المشتركة لدى الشباب جميعا، فانهم لا يندرجون في فئة واحدة بل يتوزعون على فئات شتى تفصل بينها ظروف معيشية متنوعة، فهم يعارضون الكبار بشكل فطري، ولكنهم يعارضون بعضهم بعضا ايضا بحسب الوسط الذي يسعون الى التحرر منه او الذي يصبون الى الاندماج فيه. ومن خلال وسائل الاعلام بوجه خاص اصبحت مختلف المجتمعات والثقافات البشرية اوضح صورة واقوى حضورا بالنسبة لبعضها بعضا وفي سياق مكاني زماني يتزايد اتساعه وتقلصه في ان واحد، باتت الاحداث النائية في الظاهر تروج انباؤها المحلية والوطنية والاقليمية ويؤدي تقلص القيود المكانية وادراك العالم كوحدة واحدة الى اضفاء قدر من النسبية على الركائز المرجعية الفردية والاثنية والعرقية والوطنية، وفي الوقت الذي مازال فيه نظام المجتمعات الوطنية قائما تنامى ايضا الوعي كما يعبر عن ذلك اعلان حقوق الانسان، وبوصفها جماعية تتشاطر نفس المصير كما يعبر عن ذلك الوصف الايكولوجي المجازي للمعمورة بانها سفينة فضاء البشرية ويرتكز هذا الوعي على استحداث العديد من المنظمات غير الحكومية والحركات الانسانية المناهضة للعولمة والداعية الى عولمة بديلة، ويعبر عن نفسه من خلالها وهكذا تتبلور ملامح مجتمع مدني عالمي يعتمد على شبكات متداخلة ومتراكبة وبعد حليفا موضوعيا لنظام المجتمعات. وفي خضم هذه العملية، تتسع علاقة الفرد مع المجتمع الوطني والبشرية، وتزداد تعقدا، ويؤدي هذا التطور بدوره الى انتشار النزعة النسبية والى اعادة تشكل الركائز المرجعية التي تكونت على اساسها الهويات وانماط الولاء وعناصر المواطنة، والتي تواجهها بطريقة محددة جميع اشكال العمل التربوي ولاسيما المؤسسات المدرسية في كل بلد. وتفيد بعض الدراسات الاجتماعية ان الشباب يتجهون اكثر واكثر نحو ثقافة الاستهلاك وتبني انماط من الحياة وافدة من خارج الحدود الوطنية ويساهم ذلك في جعلهم منفتحين على العالم، ولكنه يؤدي في الوقت ذاته الى فصلهم عن تراثهم وثقافتهم التقليديين، وفقدان الاتجاه هذا فيما يخص الجذور التاريخية ينطوي على خط الانفجار في مناطق عديدة في العالم، وهكذا فان استخدام اللغة الانجليزية بصورة متزايدة كلغة عالمية ييسر الاتصال في جميع انحاء العالم ولكنه يمكن ان يساهم ايضا في تهميش اللغات المحلية لدى الشباب، وعليه، فان احد التحديات الرئيسية للتعليم للجميع يتمثل في تنمية القدرات الفردية، وامكانيات الاختيار وفي حالة الشباب، ترتبط التنمية هذه القدرات والامكانيات ارتباطا وثيقا بتعزيز هوية كل شاب وشابه، علما بان جانبا كبيرا من عملية بناء هذه الهوية يحدث خارج نطاق المؤسسات التربوية.

خاتمة:
اختم ورقة العمل هذه بما قالة فضيلة الشيخ الدكتور عائض القرني في احدى محاضراته... حيث قال نحن لا نحارب العولمة إلا إذا حاربت رب العالمين، وأقصت الدين، وأهملت المرسلين، وأهانت المؤمنين، وشطبت من قاموسها (إياك نعبد وإياك نستعين). نريد عولمة بالإيمان، والقرآن، وطاعة الرحمن، ومحاربة الطغيان، نريد عولمة ترفع الحيف، وتكرم الضيف، وتغمد السيف، وتعطي الرغيف الضعيف، وتحافظ على الخلق الشريف، والأدب اللطيف، والسلوك العفيف. نريد عولمة تحترم المساجد، وتحافظ على كل عابد زاهد، وتعلن أن الله واحد.
أنا أحب العولمة لأبلغ رسالتي للعالمين، وأبعث دعوتي للخافقين، وأنشر ديني للناس أجمعين، وأقدم بطاقة ((لا إله إلا الله)) في مهرجان الحياة، وأعرض ميراثي في سوق البشرية، وأخبرهم بقصة الغار والكعبة وزمزم، وأنا لا أريد العولمة هيمنة لغير المسلمين، وسوطاً في يد الظالمين، ونافذة للمُلحدين، وقتلاً للأبرياء،ونكراناً للحقيقة، وجحودًا للميثاق وأنا أحب العولمة نتاج حضارات وثمار اختراعات، وخلاصة اكتشافات، وجهود دراسات، أرحب بها جامعة ومستشفى وصيدلية وشركة وعقاقير وغذاء وكساء ودواء، لا أريد العولمة دعاية للفاتنات، وشاشة للساقطات، ومسرحًا للمنكرات، وخشبة للراقصات، وإعلانًا للمخالفات والضلالات والمُغريات

 

 

التوقيع

<****** type="****/**********">doPoem(0)
  رد مع اقتباس
قديم 20-05-2007, 11:35 PM   رقم المشاركة : 2
محمد الدعيجان
عضو مؤسس ومستشار في تطوير الذات
 
الصورة الرمزية محمد الدعيجان







محمد الدعيجان غير متواجد حالياً


إرسال رسالة عبر MSN إلى محمد الدعيجان

         

اخر مواضيعي


افتراضي

مشكور ياسعيد وانا اتوقع لو نفتك من المصطلحات الكبيره نصير بخير

أي عولمه في زمن العصرنه


الله يهديهم ويحمينا من عولمتهم


تقبل خالص محبتي
اخوك ابو ناصر

 

 

التوقيع


الأسم : محمد ناصر الدعيجان
إنسان بسيط يأسف على أمسه ويتأمل في مستقبله
المؤهل : لا زلت طالب في مدرسة الحياة الغير نموذجية
المبدئ : من ظن انه قد علم فقد جهل
الـــوظـــيـــفــــه
أبن لكل من هم اكبر مني
وأخ لمن هم في سني
وأب لمن هم اصغر مني
تابعوني على تويتر
https://twitter.com/mdajan
  رد مع اقتباس
قديم 21-05-2007, 09:19 AM   رقم المشاركة : 3
رقيه العلي
عضو مؤسس و اجتماعية من البحرين
 
الصورة الرمزية رقيه العلي







رقيه العلي غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي

مقدمة:


إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدّه الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنّ لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله...

اما بعد:

ما يتردد علي ألسنة الجميع بأننا نعيش عصر العولمة أجج الجدل في كل مكان وجعل الناس يتساءلون…والعامة يتكلمون…والمثقفون يختلفون…والشباب حائرون... فبعضهم يبسط الأمور ويسطحها ، والبعض الآخر يؤججها أو يزج بها إلى غيابت الجب بالاتكاء علي إنكار العولمة ، أو الدعوة إلى التناطح معها ورفضها البتة. وأي كانت الآراء حول العولمة وأهدافها المعلن بعضها والتي لم يأت موعد إعلان بعضها الآخر ، فان التعامل معها بدون وعي وعمل بناء هو تخلف في التفكير ، ونقص في التدبير، وإنكار للواقع ، وقتل للمستقبل وموقف سلبي لا يلغى واقعا ولا يضيف جديدا ولا يُقّوم معوجا ولا يعمل علي التخطيط السليم لمواجهتها ولا حشد القدرات والخبرات والثروة البشرية اللازمة لعصر جديد .


وإننا نحن الشباب في معايشتنا لعصر العولمة لا ينبغي أن نتخذ موقفا مترددا ,ولا ينبغي أن نخشى شيئا، ونبذل قصارى جهدنا من أجل الاستعداد للدفاع عن النفس ,وهذا كما أننا لا نعيش في عزلة عن العالم أو في عزلة عن ثقافة ما سواء أكانت شرقية أو غربية أو أيا كان مصدرها ,كما أننا نؤمن بأهمية التفاعل الثقافي ,والأخذ عن الثقافات الأخرى لكنه بالقدْر الذي يثرى ثقافتنا ويدَّعم من عناصر قوتها ضمانا لاستمرارها وبقائها .


فالعديد من الدراسات والندوات والمقالات التي تناولت تأثير العولمة علي مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكا عام وعلى شبابنا الاسلامي بشكل خاص تتفق علي بعض الأمور من أهمها:


• إن العولمة تمثل تحديا للدول النامية والمتقدمة على السواء ، وكل طرف له تخوفاته وتوقعاته حيال ظاهرة العولمة.

• إن العولمة تجمع بين التهديدات والفرص وهذا يعني ضرورة التعامل النقدي معها ,لمعرفة عوامل ظهورها و انتشارها واهم الآليات التي تتم بها هذه الظاهرة في الوقت الحاضر، وأهم معطياتها الايجابية والسلبية.

• انه يقف وراء قيادة الغرب لهذه الظاهرة ما وصل إليه من تقدم علمي وتكنولوجي ,وما توافر من مناخ ثقافي واجتماعي وسياسي أفرز مجموعة من المفاهيم منها الإنسانية والليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان …وغيرها.

• إن التفاعل مع ظاهرة العولمة يقتضي ضرورة امتلاك أدواتها من علم وتكلنوجيا ,وأيضا توافر القاعدة الفكرية التي تهيئ المناخ المناسب لسيادة العقلانية في التفكير, والديمقراطية وحقوق الإنسان كقيم إنسانية ضرورية في عصر العولمة .ويقع امتلاك هذه الأدوات وتوافر القاعدة الفكرية الملائمة علي عاتق العديد من المؤسسات التربوية ومن أهمها الجامعات ,وذلك بحكم رسالتها الأساسية .

وإن أي نظام تعليمي مسؤول مسؤولية كاملة عن إعداد مواطن قادر علي أن يكون له إسهامه المباشر والمؤثر في عملية العولمة …ولابد أن تكون نظمنا التعليمية قادرة علي إعداد أجيال قادرة علي إنتاج المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة وتطويرهما باستمرار ..وان القيم الدينية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية هي الإطار الذي يجب أن يتحرك فيه المواطن فكرا وسلوكا ، وإذا أصبحت تلك القيم أساس العملية التربوية ساعد ذلك في إنجاز الأهداف المرغوب فيها في إطار فكر العولمة.
وإن عودة ثقافتنا إلى ما كانت عليه من قوة وازدهار في الماضي لا يمكن إن نصل إليه كهدف استراتيجي إلا من خلال الشباب، فالشباب لابد أن يدرسوا مناهج وأن يعيشوا ُمناخا يدعم عناصر ثقافتنا دائما ويبعث فيهم حب الوطن ، والولاء له ، والعطاء له بغير حدود وذلك بالمزاوجة بين الأصالة والمعاصرة الهادفة إلى استثمار طاقات المجتمع البشرية ,المسلحة بالقدرة علي الإنتاج الابتكارى الإبداعي ؛"فالإنسان المطلوب للعيش في هذا العصر هو الإنسان المبدع.

ولمن يريد أن يجد لنفسه موقعا متميزا في عالم اليوم لابد أن يتعهد الإبداع والمبدعين بالرعاية والتنمية …وذلك لان الإبداع في صميمه تجسيد للمستقبل. فعلى حد قول ليون فستنجر أننا نعيش في عالم نحتاج فيه لمعرفة قدراتنا وإمكانياتنا ,ونحتاج إلى تقييم أنفسنا ، كما نحتاج لمعرفة آرائنا وأحكامنا ومعتقداتنا واتجاهاتنا لذا فالإنسان الذي هو كائن اجتماعي لا يستطيع أن يحيا بمعزل عن الآخرين فهو نتاج التفاعلات الاجتماعية ,وعليه أن ينشغل بأنشطة اجتماعية إيجابية ليحيا حياه اجتماعية سوية تُظهر الولاء والانتماء ، هذا الانتماء ،الذي لا يتحقق إلا بالتفاعل الإيجابي مع الآخرين .

الشباب والانفتاح الاعلامي والحضاري واثر العولمة في ذلك:


أعتقد اننا بحاجة الى الارتقاء بالوعي لدى الشباب بصفة عامة في جميع مناشط الحياة وتأصيل وتفعيل العقيدة الاسلامية ومبادئها منذ نعومة الاظافر لدى النشء ثم تفعيل الجانب والحس الوطنى لدى الشباب واستشعار أهمية الوطن والحفاظ عليه والولاء له ثم استشعار أهمية الحفاظ والولاء لولاة الامر في الوطن وعدم الخروج عليهم وتأصيل اللحمة والتراحم والتواصل والتفاعل بين الراعي والرعية.


بعد ذلك يمكن للشباب عند تعاطيهم مع الاعلام أو الاطلاع على وسائل الاعلام سواءا المرئية أو المسموعة أو المقروءة بعد أن يكونوا متسلحين بالعقيدة والوطنية والولاء يستطيعوا تمييز الغث من السمين وبالتالي لاخوف عليهم من الانفتاح الاعلامي ولاشك اننا جميعا نتطلع الى أن تكون الحكومات في الوطن العربي عامة وفي وطننا خاصة أن تتعامل مع جميع القضايا المطروحة بشفافية عالية ومصداقية في الطرح طالما لم تتعارض مع مصالح عليا أو أمور استراتيجية تخص أمن الوطن أو نحو ذلك0
ونعلم أن معظم الفئات السكانية في الوطن العربي هم من فئة الشباب ولذا نحن محتاجون الى أن يكونوا هؤلاء الشباب في مستوى المسئولية والتحديات وآلامال منهم وبالتالي نحتاج من الأسر أن تتعامل مع الشباب وقضاياه بوعي وفكر مستنير وعالي ونحتاج من المجتمع سواءا من خلال المؤسسات التعليمية أو الاجتماعية أو الرياضية والثقافية أن تستقطب هؤلاء الشباب وتفتح لهم المجالات سواءا العلمية أو العملية أو الفكرية والثقافية أو الرياضية أو الابداعية أو مايتعلق بالاختراعات والتصنيع والابتكار ونحو ذلك0

ان الشباب عندما يتم تأهليهم وفق أسس صحيحة وسليمة ومبادىء وقيم وأخلاق ومثل وتربية منذ النشء يصبح شبابا مؤثرا وفاعلا بالمجتمع والمجتمعات الاخرى ومتفاعلا وبالتالي لاشك اننا محتاجون في الوطن العربي الى تصحيح في الاعلام المرئي وخاصة مايتعلق بالبث الفضائي عبر القنوات الفضائية فاللاسف نجد أن معظم القنوات الفضائية لم تخدم الشباب وقضاياه ولم تفعل دوره بالمجتمع ولم تقم بدور التثقيف والتوعية 0


بل نجد انها سطحية وذات تأثير سلبي جدا وماكثرة الانحلال الخلقي والاخلاقي وانتشار الجريمة بمختلف انواعها الا نتاج طبيعي لهذه القنوات الفضائية التي تتسابق في زيادة مساحة الترفيه والتسطيح للفكر والثقافة وحصرت الفكر والثقافة في برامج المنوعات والطرب والموسيقى والرياضة ولم تتعاطى كما ينبغي مع هموم وقضايا الوطن والامة والشباب 0


لذا فانها أشد مصيبة من تأثير شبكة الانترنت والتي للاسف تعتمد على الاشاعة والتطبيل وتزييف الحقائق أكثر من المصداقية والنقل السليم ولهذا نحن لايمكن أن نقف مكتوفي الايدي أمام العولمة والتقدم الهائل في التكنولوجيا وثورة الاتصالات حتى غدى الكون وكأنه غرفة صغيرة 0


يجب علينا أن نأخذ المفيد ونترك الغث والضار وعلينا القيام بتطويع تلك الوسائل لما يخدم أهدافنا وديننا ومبادئنا وقيمنا ومثلنا الخلاقة ولهذا هذه الوسائل تحتاج الى مؤسسات تؤهل شبابا قادرا على التعاطي والرد والتوضيح للحقائق من خلال التعامل مع هذه التقنيات المتطورة والمتقدمة وبالتالي نحتاج من الشباب أن يستشعروا الجوانب الدينية والاجتماعية والاخلاقية والوطنية ويتعاملوا مع هذه الوسائل بما يتفق مع هذه المعطيات والمسلمات 0


اذن نستطيع القول أن مسئولية الشباب يتشارك في تفعيل دوره وتأثيره بالمجتمع كل من( الاسرة – المجتمع- الحكومات) فان أراد الجميع للشباب أن يكون فاعلا ومؤثرا ومتفاعلا بنيت التربية والمناهج والتعليم سواءا المنهجي واللا منهجي والخطط والاهداف وفق تلك الارادة والمعطيات والعكس صحيح 0



الشباب المسلم والعولمة الثقافية :


نحاول ان نحدد نوعية الأزمة وطبيعة المشكلات التي يواجهها الشباب المسلم في العصر الراهن، ومدى انتشارها وبروز مظاهرها مع التركيز على التحديات الثقافية والفكرية والعقدية التي يواجهها شبابنا وفتياتنا والأخطار والفتن الأخلاقية التي تحيط بهم من كل جانب مع محاولة تقديم الحل الإسلامي السليم لهذه المشكلة والقادر على أخذ هذا الجيل المسلم إلى شاطئ النجاة وحمايته من الغرق في هذا البحر المتلاطم المليء بتيارات الفتن والشهوات وأمواج الشر والفساد ووقايتهم من هذا الجو الملوث بالأفكار المنحرفة والعقائد الباطلة والشبه الزائفة، بفعل قنوات الهدم المباشر التي لا تبث إلا كل ما يُمرض القلوب ويصيبها بالعلل، ويهدم القيم والأخلاق والمجتمعات ويجرها إلى التفسخ والانحلال، كما نحاول أن نشير إلى المعوقات التي تقف في طريق هذا الحل وكيفية التغلب عليها وتذليلها والدور المطلوب من مؤسسات التربية والتنشئة الاجتماعية والواجب عليها شرعاً اداؤه وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والمسجد والجامعة والإعلام بأجهزته ووسائله المختلفة.


نوعية الأزمة وسببها ان شباب المسلمين وفتياتهم هم الفئة الأكثر تضرراً من الجوانب السلبية والافرازات السيئة لهذا العصر، عصر العولمة والبث المباشر، فهم يعيشون اليوم أزمة نفسية وفكرية وسلوكية نتيجة للتناقض بين القيم الإسلامية التي يؤمنون بها والقيم الغربية المادية التي أصبحوا متأثرين بها ويمارسون كثيراً منها تحت ضغط وإلحاح وسائل الإعلام والقنوات الفضائية أو تحت تأثير عادات وتقاليد اجتماعية لا صلة لها بدينهم الإسلامي وشرائعه السمحة لقد أصبحوا جيلاً تائهاً ضائعاً ضعيف الايمان قليل المعرفة والالتزام بعقيدته الإسلامية فكانت النتيجة ان أصبح فريسة سهلة لأعداء الاسلام وأعداء الفضيلة والاخلاق من أصحاب الإعلام الفاسد والبث العفن المباشر وقنوات العبث الفاجر التي بات واضحاً لكل ذي عقل وبصيرة انها تفسد أكثر مما تصلح وضررها أكبر بكثير من نفعها، إذ لا هم لها ولا غاية سوى اثارة الغرائز والشهوات والترويج للفتن والمنكرات وتزيين الرذيلة والجريمة والمخدرات في أذهان الشباب والفتيات واغراقهم بأمور عبثية لا طائل من ورائها وشبهات فكرية وعقدية بليغ خطرها مدمر أثرها وجعلهم يعيشون حياة الغفلة والبعد عن الدين وتقليد كل ما هو آت ومستورد من بلاد الكفر من الفكر الضال والسلوك المشين الذي صور لهم على أنه حضارة انسانية وحرية فكرية وهو في حقيقته شر شيطاني وانحطاط أخلاقي وقع في أهل تلك البلاد وزينه في عقولهم القاصرة، ابليس اللعين وجنوده فقادهم إلى الهاوية وإلى مرتبة دون مرتبة البهائم، قال الله تعالى: (( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون فيها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)) الأعراف: 179 .


ففي هذه الآية اشارة إلى ان الغفلة عن آيات الله تقود إلى الضلال المستمر وإلى أن الآدمي يهبط إلى درك أهبط من درك الحيوان، وذلك عندما يكفر بربه ويعطل حواسه عن الانتفاع بها، ويقصر همه على الحياة الدنيا وشهواتها.

مظاهر ازمة الشباب وحجم انتشارها في ظل العولمة الثقافية:


مشكلة شبابنا المسلم وفتياتنا المسلمات اليوم أنهم وقعوا في الفخ فركنوا إلى الدنيا وابتعدوا عن الدين وشرعهم الإسلامي القويم، وهم يجرون دون أن يشعروا إلى النهاية نفسها التي يقود الشيطان اتباعه إليها والى المصير ذاته الذي بلغته المجتمعات الغربية في جانبها الأخلاقي والروحي من طغيان المادة واللهث وراء أهواء النفس وتلبية شهواتها دون ضابط من دين أو خلق فتفشت فيها العلل الاجتماعية والأمراض الجنسية والنفسية الخطيرة، والذين قادوا الغرب إلى هذا المصير المظلم هم ذاتهم الذين يدفعون الناس إليه اليوم بوسائل أشد خطورة وأبلغ تأثيراً انهم اليهود الصهاينة الذين بات معروفاً انهم يملكون معظم وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية ويتحكمون في البنوك والشركات العالمية الكبرى ويستخدمون كل ذلك في تنفيذ مخططاتهم لافساد الأمم والشعوب وإلهاء الناس وخصوصاً الشباب والفتيات بصغائر الأمور وترهات الأشياء مثل ما نشاهده من اهتمام بمباريات الكرة وأخبارها ولاعبيها إلى درجة الهوس الكروي وما نلحظه من شغف بالأزياء والموضة وأدوات التجميل المستوردة بأبهظ الأثمان، ومتابعة أفلام الفحش ومسلسلات الرذيلة وأشرطة الغناء وحفلاته، وما نراه من ارتياد الملاهي والمقاهي الليلية وتناول الدخان والشيشة ولعب الورقة والتحلق حول محطات البث الفساد المباشر دون حسيب أو رقيب,, وهكذا يعيش شبابنا في حلقة مستمرة من الضياع نتيجة الفراغ يمكن أن نطلق عليها حلقة الضياع فهي تبدأ بالضياع وتنتهي إليه وهو يشمل تبديد الوقت والجهد والمال واهدار الطاقات والمواهب والامكانات فيما لا طائل من ورائه سوى الخسران المبين في الدنيا والآخرة، إذ أقسم الله سبحانه ان كل انسان خاسر الا من توفرت فيه أربع صفات فقال سبحانه: (( والعصر ان الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر))، وقد أقسم سبحانه هنا بالعصر الذي هو الوقت أو الزمن دلالة على أهميته ووجوب ملئة بالأعمال الصالحة ولكن الشباب غافلون عن معنى هذه السورة العظيمة على الرغم من أنهم يقرأونها باستمرار وينطبق على كثير منهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ رواه البخاري والترمزي وابن ماجه.



إن ثمة مظاهر أخرى كثيرة بدأت تنتشر وسلوكيات شبابية عديدة أخذت تبرز إلى السطح تشير إلى أن الحرب الثقافية والفكرية التي يشنها الأعداء بدأت تغزو عقول شبابنا وفتياتنا وتفتك بها وأخطر هذه المظاهر والسلوكيات هو محاكاة وتقليد مالدى الغرب تقليداً أحمق غبياً يأخذ الغث ويترك السمين، وهو كذلك ببغاوياً يكرر ما يراه ويسمعه فيها من قبيح الأفعال ورديء السلوك دون تمعن أو تفكير وكأنهم لم يسمعوا حديث: من تشبه بقوم فهو منهم وما من شك في أن التقليد الأعمى مرض خطير وهزيمة نفسية أصابت الأمة عموماً وجيلها الشاب وبعض كتابها ومثقفيها على وجه الخصوص الذين درسوا في الغرب ورضعوا من ثدي الحضارة الغربية فأصبحوا مفتونين بحبها مخلصين لقيمها ومبادئها بارين بها وذلك ليس مستغرباً أليست أمهم... وما نراه اليوم من محاكاة للكفار وتقليد لثقافتهم وتتبع لطريقتهم في الحياة قد تنبأ به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حينما قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلو جحر ضب لدخلتموه وعندما سأله أصحابه رضي الله عنهم: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ وفي هذا الحديث وصف دقيق معجز لما آل إليه حال الأمة وكثير من أبنائها من تبعية للغرب والسير على خطاه في كثير من شؤون الحياة.


وهناك الشواهد والمظاهر التي نلاحظها في سلوك شبابنا تخبرنا عن المستوى الذي وصل إليه شبابنا وعن نوعية القضايا التي أصبحت تشغل بالهم وتستحوذ على اهتمامهم مما يشير إلى نمط شخصيتهم وحقيقة أوضاعهم النفسية والفكرية، إذ كما يصح اجتماعياً مقولة: قلي لي من تصاحب أقل لك من أنت، فإنه يصح كذلك نفسياً مقولة: قل لي في ماذا تفكر أقل لك من أنت, لقد بات واضحاً ان كثيرا من شباب الأمة وفتياتها اليوم تفكيرهم سطحي واهتماماتهم سطحية الأمر الذي جعل شخصياتهم مهزوزة ضعيفة وطموحاتهم محدودة متدنية. هذا فيما يتعلق بمظاهر الأزمة، أما فيما يتعلق بحجم انتشارها فمن الواضح ان ضحاياها كثيرون سواء من الشباب أو الفتيات وفي مختلف بلاد المسلمين والسبب أننا نعيش زمنا خطيرا كثرت فيه الفتن والمغريات أصبح المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر وقد تنبأ به المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما قال: ويل للعرب من شر قد اقترب فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً,, رواه أحمد والترمذي وابن ماجه فالعالم اليوم يموج بالفتن والفساد والفجور وأصبح ماثلاً أمام أعيننا قول الله سبحانه: (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)) الروم: 41.


أي انتشرت المعاصي في البر والبحر وفي الجو اليوم فعبد غير الله واستبيحت محارمه وأوذي الناس في أحوالهم وأبدانهم وأعراضهم وذلك نتيجة الإعراض عن دين الله واهمال شرائعه وعدم تنفيذ احكامه وبسبب ظلم الناس وكفرهم وفسقهم وفجورهم فالآية تشير إلى أن الفساد بالجدب والغلاء أو بالحروب والفتن والأمراض يسبقه حسب سنن الله تعالى ظهور فساد في العقائد بالشرك وفي الأعمال بالفسق والمعاصي.

العولمة حرب ثقافية على قيم ومبادئ شبابنا المسلم:


في خضم هذه الموجة العارمة من الشر والفساد البري والبحري والجوي يعيش الشباب المسلم والفتيات المسلمات مرحلة خطيرة للغاية يواجهون فيها تحديات عديدة ثقافية وفكرية وأخلاقية ويتعرضون لحرب ثقافية شرسة تستهدف الفتك بعقولهم وغسل أدمغتهم وتسميم أفكارهم وتلويث عقائدهم وزعزعة ثوابتهم الدينية وتقويض قيمهم وأخلاقهم الإسلامية وربطهم بقيم الغرب المادية وأخلاقه البهيمية، ومما يزيد من خطورة هذه الحرب وآثارها المدمرة أنها تستخدم أسلحة الدمار الشامل لكل القيم والمبادئ والأخلاق التي جاء بها الإسلام أعني اسلحة الاعلام والبث المباشر والغريب في الأمر أن الانسان نفسه يشتري هذه الأسلحة بماله ويركبها بيديه على سطح منزله وهو يعلم خطرها وضررها فظلم بفعله هذا نفسه وأهله وغشهم.


لما كانت الحرب ثقافية تستهدف تدمير قيم الشباب والفتيات وتلويث عقولهم بالأفكار والشبهات وجرهم الى مستنقع الرذيلة والشهوات,, ولما كانت الأزمة النفسية والفكرية والسلوكية التي يعانون منها سببها الأساسي الغفلة عن الدين وضعف الإيمان,, ولما كانت أوبئة العصر وأمراضه الاجتماعية والأخلاقية أصبحت سهلة الانتشار سريعة العدوى بالغة الخطورة، فإنه لا سبيل لمكافحتها وحماية الشباب والفتيات من آثارها الخطيرة الا بتحصينهم ضدها بارشادهم إلى الطريق الصحيح والسلوك الأمثل لتجنب أخطار هذا التلوث العقدي والفكري والأخلاقي الذي يسود العالم وتزويدهم بالسلاح الوحيد القادر على مواجهة كل أسلحة هذا العصر وهزيمتها انه سلاح الإيمان والتقوى قال الله سبحانه: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )) الطلاق : 2 3 وقال تعالى( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم)) الأنفال:29.
وقد تناول معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والارشاد الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ هذا الحل بتعمق في المحاضرة التي القاها بجامعة الملك سعود بعنوان تعميق الصلة بين الشباب والقيم الإسلامية وذلك ضمن فعاليات الجامعة بمناسبة اختيار الرياض عاصمة للثقافة العربية سنة 1421هـ، انه لا سبيل لوقاية شبابنا وفتياتنا من الآثار السلبية للعولمة الثقافية وملحقاتها الا بتحصينهم بعقيدتهم الإسلامية وتوثيق صلتهم بالقيم والأخلاق الإسلامية حيث ان الدين الإسلامي وما جاء به من قيم ومبادئ وتوجيهات، ضعفت صلتهم بها وخصوصاً في مجال التطبيق والممارسة نتيجة جهلهم بها وعدم تعويدهم على ممارستها منذ الصغر هذا بالاضافة إلى انخداع كثير منهم بقيم الثقافة الغربية الزائفة التي تعرض عليهم ليلاً ونهاراً بأساليب مؤثرة. يجب علينا جميعاً تحمل المسؤولية تجاه الشباب والوقوف إلى جانبهم وتبصيرهم باستمرار بما ينفعهم وما يضرهم, وتدريبهم على كيفية التعامل مع مستجدات الحياة ومتغيرات العصر بما يمكنهم من جلب ما فيها من المصالح والمنافع وتكثيرها والاستفادة منها ودرء ما فيها من المفاسد والمضار وتقليلها ان لم يتمكنوا من منعها فهذا حق من حقوقهم وهم في هذا الوقت في امس الحاجة اليه. وهم بحاجة كذلك الى من ينبههم من غفلتهم ويوقظهم من رقدتهم والى من يرشدهم الى طريق النجاة بعد ان تفرقت بهم السبل وتجاذبتهم التيارات قال الله عز وجل ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)) الانعام 39 .


فهذه الآية تضمنت الامر بالتزام الاسلام عقائد وعبادات واحكاما واخلاقا وآدابا كما تضمنت النهي عن اتباع غيره من سائر الملل والنحل المعبر عنها بالسبل . ولا يكفي التوجيه والارشاد فقط بل لابد كذلك من وضع خطط وبرامج لإعداد الشباب والفتيات إعدادا عقديا وعلميا وفكريا ونفسيا وسلوكيا يتناسب مع التحديات والمشكلات التي تواجههم في هذا العصر وتمكنهم من التمسك بثقافتهم وهيوتهم الاسلامية في عصر تداخلت فيه الثقافات وتشابكت الحضارات واختلطت الامور وانقلبت الموازين نتيجة للتطور الهائل والسريع الذي حدث في مجال المعلومات والاتصالات فأصبح العالم قرية كونية لا حدود ولا فواصل بين اجزائها غير حدود الجغرافيا.



وحينما يكتمل اعداد الشاب او الفتاة من هذه الجوانب كلها ويصبح قوي الايمان راسخ العقيدة ناضج العقل سليم التفكير فلن يجرفه تيار العولمة الثقافية ولن يتأثر بأي ثقافة وافدة مهما كانت براقة ومهما كانت وسائلها مؤثرة ومهما كانت قوة ونفوذ من يقفون خلفها ومهما كانت بلاغة من يروجون لها من الكتاب والمثقفين والصحفيين ليس هذا فحسب بل المتوقع ان يكون هو وامثاله هم المؤثرون فيها لا المتأثرين بها ويجب ان يكونوا كذلك لانهم يحملون رسالة عالمية صالحة لكل الامم والأزمنة والأمكنة قال الله سبحانه وتعالى (( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين))الانبياء، 107 وقال عز وجل : (( وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا )) سبأ : 28.


ففي هذا دليل على ان الاسلام دين عالمي ورسوله عالمي بعثه الله سبحانه الى كافة الناس ليدعوهم الى الدين الحق (الاسلام) ودعوته مستمرة الى يوم القيامة ولذا يجب ان ندعو الى عولمة اسلامية او اسلمة العالم من خلال الدعوة الى الاسلام بالحكمة والموعظة الحسنة وبالقدوة والخلق الرفيع وباستخدام كافة الوسائل المعاصرة والتقنيات الحديثة في مجال المعلومات والاتصالات وان في مقدمة ضروريات الدعوة واولوياتها الملحة اليوم ايجاد قنوات فضائية تدعو الى الاسلام بكافة اللغات العالمية تؤدي من خلالها واجب الدعوة الى دين الله. ونجد ان هناك شواهد من الكتاب والسنة تهتم بترسيخ العقيدة الاسلامية وما ينبثق عنها من قيم وأخلاق إسلامية في نفوس الشباب ومن أمثلة ذلك وصية لقمان الحكيم لابنه بالاخلاص والابتعاد عن الشرك واقامة الصلاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر وتجنب الكبر قال الله سبحانه (( واذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم)) وقال سبحانه: (( يا بني اقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الامور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا ان الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك ان انكر الاصوات لصوت الحمير)) لقمان : 13، 17، 19، وما احوج ابناءنا وبناتنا هذه الايام لمثل هذا الوعظ والتوجيه الرباني العظيم.


ومن التوجيهات النبوية الكريمة في ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي: يا غلام اني اعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، اذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله واعلم ان الأمة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشيء لم ينفعوك الا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على ان يضروك بشيء لن يضروك الا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الاقلام وجفت الصحف رواه الترمذي . وفي الكتاب والسنة غير ذلك كثير من التوجيهات السديدة التي تشير الى اهمية الاعتناء بالشباب والفتيات وحسن تأديبهم وتربيتهم وترسيخ الايمان في نفوسهم وتعويدهم على طاعة الله وحسن عبادته والابتعاد عن معصيته ليصبحوا بذلك قوة للأمة ومصدر لعزتها ونصرها بعد الله سبحانه. يقول محمد زناتي في كتابه الشباب ومشكلاته من منظور اسلامي : في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة توجيهات سديدة تجعل الشاب المسلم سليم العقيدة مؤمنا بربه ايمانا لا يتزلزل مراقبا في السر والعلن ثابتا على الحق ثبات الجبال الرواسي فعلينا ان نتخذ من الشرع الحنيف نبراسا للحياة ومنهاجا وشرعة لبلوغ الاهداف المبتغاة .
ويؤكد على اهمية غرس العقيدة الاسلامية الصحيحة في نفوس الشباب منذ الصغر باعتبارها الحل المناسب والوسيلة المثلى والفعالة لحمايتهم من اخطاء الثقافة الوافدة فيقول: ان حرص الآباء على غرس العقيدة الدينية الصحيحة التي تواجه الحياة في نفوس ابنائهم والتشجيع على اداء التكاليف الشرعية من عبادات ومعاملات واخلاقيات وتهيئة المناخ الصالح والصحبة الطيبة والقدوة الحسنة والرقابة المستمرة كل هذه العوامل مجتمعة تحصن الشباب ضد الانحراف الخلقي وتقيهم آثار الغزو الثقافي وتنقذهم من براثن التيه والضياع. ان هذا واجب شرعي على الآباء والامهات يجب عليهم أداؤه وحق من حقوقهم الابناء والبنات عليهم امرهم الله سبحانه به فقال( يا أيها الذين آمنوا قوا انفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة))التحريم : 6 . ضرورة تعاون مؤسسات التنشئة وتكاملها يواجه الآباء والأمهات الحريصون والحريصات على تنشئة اولادهم وبناتهم نشاة صالحة وتربيتهم وفق نهج الاسلام التربوي يواجهون مشكلة مستعصية تتمثل في ان ثمة عوامل وجهات اخرى تشاركهم في التربية والتوجيه دون ان يكون لهم قدرة على التحكم فيها مثل المدرسة والمسجد والشارع والجامعة والمحيط الاجتماعي والاعلام بوسائله المختلفة التي اصبحت من اخطر وسائل التأثير والتوجيه في حياة الناشئة والشباب لاسيما في ظل غياب او محدودية الدور التربوي لمؤسسات التنشئة بين انشطة واعمال هذه المؤسسات التربوية المختلفة وتكاملها بحيث تنطلق جميعها من اساس مشترك وتسعى لتحقيق غاية واحدة فيما يتعلق بتربية الاجيال ويكون ذلك وفق سياسات وبرامج محددة للجميع مبنية على اسس شرعية نابعة من الكتاب والسنة اللذين هما الاساس والمنطلق في كل شؤون حياتنا ومن المهم ان تتضمن تلك البرامج والسياسات ما يمنع ذلك التناقض الذي يحدث احيانا بين ما تدعو اليه وتقدمه مؤسسة من مؤسسات التنشئة في المجتمع وما تقدمه وتدعو اليه مؤسسة اخرى.


والقرآن الكريم يرشدنا الى التعاون والتكامل في مجال الخير قال الله سبحانه: (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )) المائدة 20 وما من شك في ان من ابواب التعاون على البر والتقوى المهمة اليوم التعاون على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل على نشر قيم الفضيلة والعفة وحراستها في المجتمع المسلم وتربية الشباب والفتيات على التمسك بها وفهم فوائدها في العاجل والآجل لتشكل لديهم جبهة مضادة وسلاحا واقيا من كل المفاسد والرذائل التي تتسلل إليهم عبر أجهزة الاتصال وشبكات المعلومات وقنوات البث المباشر.

التعامل مع العولمة في الوقت الحاضر:


يرى الدكتور محمد عبدالكريم بكار العولمة ليست فكرة ولا تياراً ولا أزمة ولا اتجاهاً، إنها وضعية كونية جديدة تخترق كل مجالات الحياة، وتترك بصماتها على مختلف جوانب العيش والتعامل؛ وما ذلك إلا لأنها نتائج لجملة من التطورات الكبرى التي حدثت على نحو جوهري في العالم الصناعي؛ فسقوط الشيوعية وإخفاق كثير من مشروعات التنمية في الدول النامية والفقيرة، والتقدم الباهر الذي يحرزه العلم وتطبيقاته التقنية والصناعية، وتغير نظرة كثير من الناس للكون والحياة، وغياب العديد من الأطر الأخلاقية والإنسانية....كل ذلك أسهم على نحو مؤثر في بزوغ العولمة واجتياحها للعالم على الصورة الماثلة اليوم. إن العولمة لم تأت بكل المشكلات والتحديات التي تحدثنا عنها، فالعالم يشكو من أزمات كثيرة توارثها عن أسلافه، وبعضها مضى عليه قرون عدة. ولذا فقد يصح القول: إن العولمة وليدة مشكلات، وهي من جهتها توجد مشكلات جديدة، مما أدخل العالم في دوامة أشبه بالدورة الرديئة التي يدخل فيها الجسم في بعض الحالات.


ويرى الدكتور محمد بكار ان النسيج العام لحياتنا المعاصرة معقد غاية التعقيد، وكل خيط فيها جاء من حيثية أو بيت أو مؤسسة...، ولذا فإن أي محاولة للتغيير في الأوضاع التي تحفز العولمة، والأوضاع التي تفرزها العولمة، تحتاج إلى أن يمتلك أصحابها من نفاذ البصيرة على مقدار ما يمتلكون من شمول العمل والحركة وقوة الاحتمال. إن كل ما يبذل من جهد في مقاومة العولمة وتصحيح ما أفسدته ستظل ثماره ونتائجه محتملة وغير مؤكدة، إذ إن كل الجهود في هذا السياق تخضع لعدد كبير من النظم المفتوحة التي يصعب التنبؤ بنتائج أي فعالية تجري في ظلها؛ بل يمكن القول: إن الحلول لكل مشكلات العولمة ستكون غير كاملة ولا كافية لأنها تجري في أوساط غير مشجعة ولا مواتية. أما الذي لاريب فيه فهو أن الاستسلام للعولمة، وإغماض العين عن التطورات التي تأتي بها سيؤديان إلى تفاقم الأوضاع الحالية وازدياد الأمر سوءاً.
التعامل الصحيح مع ظاهرة العولمة يعني تجديداً للذات في كل أبعادها، كما يعني تغييراً للكثير من الطروحات والمشروعات الحضارية القائمة، واستعداداً للتخلي عن أمور كثيرة كان يُظن أنه لا غنى للناس عنها. وهذا في الحقيقة يتسع للكثير من القول ولا أعتقد أن استيفاءه مما يتسع له هذا الكتاب؛ ولذا فإني سأشير إلى أهم ما أظن أنه يساعدنا في التعامل مع ظاهرة العولمة، وذلك من خلال النقاط التالية:

1. نشر الوعي بالعولمة:إن أول خطوة على طريق التعامل مع العولمة يجب أن تتمثل في توعية الشباب بطبيعة العولمة؛ إذ إن هناك جهلاً عظيماً بهذه الظاهرة بين الخاصة والعامة. ونظراً لتشتت ردود فعل المثقفين عليها وحيث تجد المحبذ والخائف والمهاجم والمتفائل والمتشائم،فإن نوعاً من الارتباك ساد في صفوف الشباب حيال تنظيم موقف واضح من العولمة. إن مهاجمة العولمة أو الاستسلام لها من أسهل الأمور التي يمكن أن نقوم بها؛ لكن الشاق حقاً هو التحليل العميق لجوهر عمليات العولمة وجذورها وامتداداتها والآثار المترتبة عليها، وكيفية معالجتها. إن العولمة ظاهرة غير مكتملة؛ ولذا فإن من المتوقع أن تستمر إفرازاتها وتفاعلاتها مدة طويلة، ومن الواجب متابعة ذلك وتوضيحه للناس. أضف إلى هذا أن وقع العولمة على الأمم لن يكون واحداً فالشعوب الأوروبية ـ مثلاً ـ لن تتضرر كثيراً من هيمنة الثقافة الأمريكية لأن الجذور القيمية والأخلاقية للثقافات الأوروبية لا تبتعد كثيراً عما لدى الثقافة الأمريكية؛ ثم إنها مشاركة في قيادة العولمة، ومستفيدة اقتصادياً من أنشطتها. ولن يكون الشأن كذلك بالنسبة إلى الثقافة الإسلامية أو الاقتصاد الإسلامي؛ فالهوة الثقافية كبيرة، واقتصاد الدول الإسلامية هو اقتصاد دول نامية، يطلب منها أن تسهم في دفع تكاليف العولمة، وتحمل القسط الأكبر من تبعاتها. علينا أن نبدع في عرض هذه الظاهرة، ونبسِّط ما أمكن في حديثنا عنها، ونستخدم كل الأدوات المتوفرة في سبيل نشر الوعي بها بين فئات المجتمع كافة.



2. توفير إطار مرجعي للتعامل:إن ردود فعلنا على مجمل التغييرات والتحديات التي تأتي بها العولمة ستظل مشتتة ومتناقضة وهزيلة إذا لم يتوفر لنا قدر من الإجماع على كيفية التعامل معها وتحديد الموقف منها. الإطار المرجعي يعني مجموعة من المسلمات التي انقطع حولها الجدل والمتعلقة بـ "تقييم" الأسس والمفاهيم والأفكار التي تقوم عليها العولمة من جهة، والسلوكات الإنسانية المختلفة من جهة أخرى. ليس من الممكن في أمة الإسلام تحقيق أي أرضية مشتركة لمواجهة العولمة بعيداً عن الإيمان بالله واليوم الآخر، وبعيداً عن القيم الإسلامية الأساسية، من نحو البذل والتضحية، والزهد في الدنيا، وإيثار الآخرة، وصلة الأرحام، واحترام حقوق الإنسان، والرحمة بالفقراء، والتعاون على الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعدل، والشورى،والتسامح، والاحتكام إلى الشريعة الغراء على نحو عام . في الكبيرة والصغيرة. والمطلوب ليس اعتراف الناس بهذه الأصول والقيم، وإنما تربية الناشئة عليها، وإبراز نماذج وقدوات تتجسد في حياتها وسلوكاتها.


إن مواجهة تحديات العولمة لن تكون بدون العمل الشاق، والإعراض عن الكثير من الملذات والمرفهات، وبدون العطاء المجاني غير المشروط من كل فئات المجتمع. وهذا كله مما لا يقدم عليه الإنسان إلا إذا كان مؤملاً في أكثر منه، وهذا ما يوفره الإيمان والالتزام الصحيح.


دعونا نضع النقاط على الحروف ـ وإن كان بعض الحروف ليس له نقاط ـ ونقول: إن البعد عن هذه الأسس والأخلاق التي ذكرناها جعلنا في أضعف موقف تجاه الهجمة الشرسة للعولمة، وبتنا كجيش فقد سلاحه، وبات هدفاً سهلاً للعدو، وإني أدعو كل أولئك الغيورين على كرامة الأمة ومستقبلها إلى أن يتأملوا ملياً في كل ما من شأنه تحقيق الإجماع، وتنظيم ردود الأفعال تجاه المتغيرات السريعة التي أخذت تجتاح شبابنا وأوطاننا، وتهدد قيمنا،ومصالحنا، ومستقبلنا.


3. رفض الاستسلام:إن (العملقة) إحدى أهم الظواهر التي جاءت بها العولمة وأشكال الاندماج الذي يجري اليوم بين المصارف والشركات الكبرى، هو توكيد لظاهرة العملقة التي أملاها السعي إلى النجاح في التنافس الشرس الذي قامت عليه الرأسمالية. وإن من شأن الأشياء العملاقة أن تجعل الناس يشعرون تجاهها بالصغار واحتقار الذات، وهذا ما يسعى إليه مهندسو العولمة، والوالغون في أوحالها؛ إذ بمجرد الإحساس بالهزيمة وخسران المعركة ـ وهذا هو هدف الحرب النفسية ـ يلقي المرء سلاحه، ويتحول من المقاومة إلى الاستجداء وربما السير في ركاب أعداء الأمس، حتى يحصل على جزء من (الكعكة). واعتقادي أن العالم يشهد اليوم طوفاناً من مشاعر الإحباط والانكسار، وهذا الطوفان تصدِّره القلة القليلة الظافرة إلى الكثرة الكاثرة من الفقراء والمهمَّشين، والتائهين الذين وجدوا أن كل ما لديهم من أسلحة المقاومة لم يعد ينفع لأي شيء…وأعتقد أن تلك المشاعر لم تأت من فراغ، فالتحديات القاهرة ماثلة للعيان في كل مكان، لكن الذي يجعل تلك التحديات ذات معنى هم الناس الذين يشكون من جبروتها؛ فالانسياق الأعمى خلف الرغبات والمطامع غير المحدودة، وضيق الأفق، والارتباك الشخصي وما شاكل ذلك من أشكال القصور الذاتي، هو الذي مكَّن القلة القليلة من تخريب حياة الكثرة الكاثرة؛ لكننا تعودنا التنصل من مسؤولياتنا والبحث عن شماعة نعلق عليها أخطاءنا وخطايانا.
بعض الناس اختصر كل الأشكال الممكنة لمقاومة العولمة والاستفادة من فرصها في الدعوة إلى (العزلة) وإغلاق الأبواب في وجه تيارات العولمة ظانين أن ذلك يجدي، أو يكفي في صد الهجمة الهوجاء. نعم إن التحصن والعزلة، إنما ينفعان عندما يكون المتحاربان في حالة نسبية من تكافؤ القوى والقدرات.


أما عندما يتعلق الأمر بظاهرة عالمية، تدخل البيوت والمؤسسات من غير استئذان، وتفعل فعلها عن طريق الإغراء والعدوى والحاجة، فإن النتائج ستكون مخيبة للآمال. نعم إن قدراً من العزلة والتحكم سيظل مطلوباً؛ لكن من دون تغييرات جذرية في العديد من نظم حياتنا وعلاقاتنا لن نستطيع العثور على الأمان الذي ننشده. إن تاريخنا يشهد أننا طالما استخدمنا (الهبَّة) المؤقتة والسريعة في مواجهة المشكلات الكبرى. وهبّاتنا كلامية وانفعالية فوارة. وقد تعودنا أن نظل نكتب ونحاضر ونخطب وننظِّر في المشكلة التي تواجهنا إلى أن تأتي مشكلة أخرى ـ ربما كانت من عقابيل الأولى ـ فننصرف إلى المشكلة الجديدة؛ لنمارس معها الدور نفسه الذي مارسناه مع سابقتها وهكذا.. إن العولمة عبارة عن مجموعة آليات لإنتاج نظام هيمنة شامل، وإن التعامل معها يجب أن يكون أشبه بخوض معركة مستمرة، تحتاج إلى حشد الطاقات وتعبئة الموارد والتخطيط المتقن، والتنفيذ الجيد، والمتابعة الدائمة. وأتصور أن المطلوب هو عشرات المؤسسات التي تعالج المشكلات التي نحاضر عنها ونكتب فيها، وإلا فإن ردود فعلنا تتبخر، وتبقى المشكلات في تفاعل وتفاقم.


بعض الباحثين والمفكرين، نفض يديه من مقاومة العولمة؛ لأنه يرى أن كل شيء قد (تعولم) ولا فائدة من القيام بأي شيء؛ فانتصار العولمة هو أحد الحتميات الكبرى في عصرنا الحاضر (عصر العبيد) وكأنه بذلك يلغي الإرادة الإنسانية، ويغلق أبواب الأمل، وهو بذلك يلتقي ـ من غير قصد ـ مع فرانسيس فوكوياما في نظريته القائلة ببلوغ البشرية "نهايةالتاريخ. وهذا في الحقيقة إعلان للهزيمة قبل دخول المعركة، وتسليم للحصون المنيعة دون أي ثمن. نحن نرفض الاستسلام، ونرفض العزلة، كما نرفض سياسة الانتفاضات السريعة والمؤقتة، ونؤمن أن الله ـ جل وعلا ـ ما أنزل داء إلا أنزل له دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله؛ فإمكانات العمل ستظل موجودة ومتفتحة على آفاق واسعة، ما دام هناك ابتلاء وتكليف للعباد بأن يقولوا التي هي أحسن، وينحوا نحو التي هي أقوم. إن الإيمان يتزايد في كل أنحاء الأرض بضرورة المقاومة الضارية للعولمة، حتى داخل أمريكا التي تعد أكبر قائد للعولمة. وهذا سوف يعضد موقفنامنها.



4. تجذير الفروق الثقافية:إن العولمة ـ كما أشرنا من قبل ـ تسعى إلى محو الفروق الثقافية من أجل تجنيس الأعراف والأذواق والتطلعات... وصولاً إلى السيطرة والإنتاج المستفيض الذي لا تعوقه التنوعات الثقافية والتحفظات العرقية والنزعات الإقليمية. والدعوة إلى الانفتاح التي نسمعها في كل مكان هي من قبيل: "الحق الذي يراد به باطل" حيث يطلب منا عند الخوض في التفاصيل أن نتخلى عن كل ما نعتقده في المحرمات والممنوعات، ونصير إلى تقبل ما يأتي به (الآخر) مهما كان مجافياً لما نعتقد أنه حق وصواب وذلك من باب التلاؤم ـ زعموا ـ مع روح العصر والاستفادة من خيرات التلاقي الكوني الذي تصنعه العولمة.


إن الثقافة هي الذات المعنوية، وهي السلاح الذي تستخدمه الأمم في خوض غمار الحياة، وفي الدفاع عن الوجود... وحين تندرس المعالم الأساسية لثقافة أي أمة فإن كل الأبواب تكون مشرعة على كل الاحتمالات، ولكل المتربصين خارج الأسوار. ثقافتنا العامة ترتكز على نحو أساسي على المنهج الرباني بقطعياته وثوابته وأدبياته، وإن أي تجذير للفروق الثقافية بيننا وبين ما تدعو إليه العولمة يجب أن يقوم على تحسين معرفة الناس بذلك المنهج. ولا يخفى أن أقنية البث وشبكات المعلومات قد فتحت كل النوافذ على كل ألوان المعارف والخبرات والتقاليد البشرية؛ ما هو حسن منها وما هو رديء، ومعظم ما يعرض ويُقدّم لا يشكل الاطلاع عليه أولوية لمعظم الناس، لكنه على كل حال يصرفهم عما ينبغي أن يطلعوا عليه ويعرفوه، كما أنه يربك وعيهم، ويوجد لديهم نوعاً من العكر في ذائقتهم الثقافية، وهذا في الحقيقة يمثل تحدياً قوياً أمام كل من يريد تقديم ثقافة إسلامية صافية للناس، لكن ليس أمامنا سبيل سوى بذل الجهد ونشر ما يجب أن ينشر. بالإضافة إلى ما ذكرناه قبل قليل عند الحديث عن الإطار المرجعي فإن من أهم ما ينبغي توضيحه للناس ما لدينا من خصوصية الرؤية للحياة والموت والدنيا والآخرة وعلاقتنا بالخالق ـ جل وعلا ـ، وما نؤمن به من وحدة أمة الإسلام، ورابطة الأخوة التي تربط بين المسلمين في أصقاع الأرض، حيث تسعى العولمة إلى توحيد رؤية البشر على أساس مادي إلحادي مصلحي حول هذه المسائل، وخلع المجتمع من أمته، وإنشاء روابط جديدة على أسس إقليمية وتجارية.. مما ينبغي تحسين معرفة الناس به مسائل الحلال والحرام، حيث قل الفقه فيها، ولا سيما في قضايا العقود والمعاملات والتي تعد في صلب مركز عمليات العولمة. وحبذا لو أن كل خطيب جمعة نبه الناس في الخطبة الثانية إلى حكم فقهي مما تمس حاجة الناس إليه، حتى تتكون لدى الناس حصيلة فقهية جيدة. كما أن بإمكان الوسائل الإعلامية المختلفة أن تقدم بأساليب مختلفة ما يساعد الناس على معرفةأمور دينهم. ولا ننسى أن نوضح للناس آثار التقنية فيهم والتغييرات السيئة التي أدخلتها على حياتهم واهتماماتهم وعلاقاتهم، مما لا يتسع المقام لشرحه.

5. الاستقلال والتميز:ليس المقصود بالاستقلال إنشاء نظام معزول عن النظم السائدة بين الناس اليوم، وليس ذلك ـ لو أردنا ـ ممكناً. وليس المقصود بالتميز التعالي على الآخرين والانغماس في أوهام عظمة مدعاة. وإنما المقصود أن نملك إرادة التمنع على الذوبان في تيار العولمة الجارف. وإرادة التمنع هذه ترتكز على الاعتقاد بوجود خصوصية ثقافية وحضارية تتمتع بها أمة الإسلام، وتملي عليها مسؤوليات كونية خاصة، وتلزمها بسلوك مغاير لما عليه الأمم الأخرى. وإذا تأملنا في قول الله ـ جل وعلا ـ: ((كنتمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ تأمرونَ بالمعروفِ وَتَنْهَونَ عنِ المُنْكَرِ وتؤمنونَ بالله)) آل عمران: 110، لوجدنا أن أمة الإسلام لن تكون مسؤولة عن شؤونها الداخلية فحسب، وإنما يجب عليها أن تساعد على إصلاح الآخرين أيضاً، من خلال الدعوة وتقديم النموذج الإيماني الخاص الذي يجذب الناس إلى طريق الفلاح، ومن خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق الفهم الإسلامي الخاص والخالص. إن أمة الإسلام ليست مكلفة بإيصال صوت نبيها [ للعالمين فحسب، وإنما هي مؤتمنة على جميع مبادئ التوحيد وجميع القيم التي بلّغها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى أمم الأرض من قبل.التميز في نظرنا تكليف وليس تشريفاً، وهو ليس ترفعاً، وإنما هو مشاركة إيجابية، ومساهمة فعّالة في إصلاح شؤون الحياة كافة. إن اليهود ـ وهم أصحاب معتقدات ملفقة ومسيَّسَة ـ يقدمون نموذجاً واضحاً على أن العولمة لا تؤدي بالضرورة إلى التخلي عن الخصوصيات الثقافية ولا إلى زوال الحدود القومية، بل قد تؤدي إلى ردة فعل للحفاظ عليها، حيث يعمق اليهود البعد الإثني المرتكز على أساس ديني صريح؛ وهم يدعون إلى عولمة شرق أوسطية يتحكمون في مفاصل حركتها، ويتخذون منها سنداً في مواجهة العولمة الكونية. المسلمون ـ لأسباب عدة ـ يستطيعون مقاومة العولمة، وتثبيت نماذج استثنائية في سياقاتها العامة، بل التغيير في مفاهيمها، والتشجيع على التمرد عليها؛ لكن هذا مرتبط أولاً بتطلع قيادات الأمة وأصحاب القرار فيها إلى ممارسة دور متميز عما عليه الآخرون في الغرب والشرق، بالإضافة إلى امتلاك بعض المعطيات التي تمكن من النهوض بذلك الدور. إن العولمة تجعل الأمم تفقد ميزاتها وخصائصها الثقافية لحساب ركائز الأمم المؤثّرة في حركة العولمة، والتي تتلخص في القوة والمال والتقنية المتقدمة والتنظيم الفائق من أجل المزيد من الهيمنة والاستعباد؛ ومن واجبنا أن ندرك ذلك قبل فوات الأوان، ونقاومه بالمزيد من البلورة لعناصر الاستقلال والتميز من غير مبالغة ولا استغفال لأحد، وهذا هو معنى الريادة الأممية، وهذا هو بعض استحقاقها.

6. التخفيف من غلواء العولمة:بدأ الشعور بالمشكلات التي جاءت بها العولمة يتجاوز نطاق المؤتمرات ومراكز البحوث إلى الساحات الشعبية، وصار الناس في كل مكان يشعرون بمخاطر الانسياق الأعمى خلف الشركات المتعدية الجنسية، والسير في ركاب الدول المستفيدة من العولمة؛ مما يعني أن جهداً دولياً مشتركاً وعلى المستويات كافة يجب أن يتأسس للتخفيف من غلواء العولمة والبحث عن طريق جديد غير طريقها. ومهما تكن نتائج هذا الجهد فإنها ستكون أفضل من الأوضاع التي ينغمس فيها الناس الآن. وحدة الجوهر الإنساني والقيم العالمية المشتركة وهموم العيش في عالم واحد، ومستخلصات الخبرة البشرية،تمكننا جميعاً من التلاقي على أرض واحدة من أجل إيقاف التدهور الذي تشهده البشرية من جراء سيطرة الروح المادية، وسحق الضعفاء، وانتشار الظلم والأنانية.

7. تجديد الثقافة:يجب أن نفرِّق في البداية بين مستويين للثقافة الإسلامية:المستوى التجريدي: الذي نجده في المراجع الثقافية والكتب والمناهج المدرسية...والمستوى المعيشي: الذي يتجسّد في مجمل القيم والمفاهيم والسلوكات التي يتشبع بها الإنسان المسلم، وتشكل ذاته في الوقت الحاضر. ونحن هنا لا نعني بالتجديد إلا المستوى الثاني، إذ إن المشكلة الجوهرية تكمن في أن الوعي البشري، لا يستطيع دائماً ملاحظة التغيرات التي تبعد الثقافة عن أصولها، كما لا يدرك في كل الأوقات العطب الذي يصيب الثقافة فيحولها من أداة ارتقاء وتقدم إلى هيكل معوِّقومثبط.
إن الثقافة على المستوى التجريدي تشكل الإطار المرجعي للحكم على مدى صحة الثقافة المعيشة، ومدى ملاءمتها للنهوض الشامل؛ ولذا فإن التجديد لا يطولها؛ لكن خبرتنا البشرية قد تكشف عن بعض أسرارها ومكنوناتها، وقد توجد لبعض أصولها ومنطلقاتها بعض التوظيفات الجديدة ويظيف الدكتوريمكن ان نحسِّن من قدرة ثقافتنا على الصمود في وجه العولمة، ويساعد على توفير آليات التقدم في ظلها؛ وذلك في المفردات الآتية:

أ ـ إغناء القاعدة الروحية، حيث إن كل ما هو من قبيل المعنى والروح يلقى المزيد من الإهمال والتهميش في ظل العولمة،كما أن تيارات شهوات الجنس والشهرة والسيطرة والاقتناء وحب الدنيا.. لا تمكن مقاومتها بالأنشطة الفكرية والعقلانية، وإنما بتيار روحي متدفق من المشاعر والأحاسيس الإيمانية والذي لا يتولد إلا عن طريق المزيد من الأعمال التعبدية الملتزمة بالأطر والآداب الشرعية.إن طابع الرقي الحقيقي هو طابع روحي أخلاقي أكثر من أن يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً؛ والجاذبية التي تتمتع بها أجيال القرون الأولى من تاريخ الإسلام، تنبع على نحو أساسي من منابع الروح والالتزام والنزاهة والسعي نحو الآخرة، وليس من التفوق في الحروب أو العلوم أو العمران. وأعتقد جازماً أن كل تنظيراتنا لمآسي العولمة، وكل تنظيراتنا للتعامل معها ستكون بمثابة صرخة في واد ما لم نتمكن من إعادة التوازن إلى اهتماماتنا وسلوكاتنا من خلال تنمية الجانب الروحي والخلقي في حياتنا اليومية؛ حيث إن هذا الجانب هو الذي يمدنا بطاقة المقاومة والصمود في وجه المغريات، وهو الذي يمدنا بطاقة العطاء المجاني وطاقة الإبداع والعمل الدؤوب.


ب ـ بناء حساسية جديدة نحو العدل بكل صوره وأشكاله ومستوياته؛ وتكوين شفافية عالية نحو قضية مراقبة استثمار التفوق، حيث إن من طبيعة التقدم الحضاري أن يزيد في الفوارق بين الناس في المهارات والإمكانات والملكيات؛ والعولمة بتركيبتها الخاصة تتيح فرصاً متزايدة للمتفوقين في المجالات الاقتصادية ـ على وجه أخص ـ أن يقيموا فيما بينهم تحالفات خفية لاستثمار تفوقهم المالي. ومن الواجب أن تتوفر البيئة التي لا تسمح لذلك الاستثمار بالخروج عن الطرق المشروعة. وتحريم الشريعة الغراء للرشوة ـ مثلاً ـ كان إجراء في هذه السبيل. وإذا تأملنا في حياة الشعوب التي تضاءل فيها الفساد وأشكال الدخل غير المشروع، وجدنا أنها تملك حساً مرهفاً في هذه المسائل، كما تملك الآليات التي تعرِّي أولئك الذين يترعرعون في الكسب الحرام، كما تترعرع الجرذان في مياه المجاري. وهكذا كنا أيام إقبال الحضارة الإسلامية. وقصة الصحابي الذي حاسب عمر وهو على المنبر على الثوب الذي يلبسه معروفة مشهورة.


جـ ـ ما كان للعولمة أن تفتك بالناس عندنا على هذا النحو المخيف لولا أنهم يعانون من أشكال عديدة من الخواء الثقافي؛ حيث إن أحوالنا الحضارية، تتطور خارج مدلولات ثقافتنا، أي إن أنماط العيش الجديدة وأنماط العلاقات التي نقيمها، لا تتشكل على هدي القيم الكبرى التي نؤمن بها، وإنما تتم تحت ضغوط مقتضيات ظروف العمل وضرورات تلبية الحاجات الأساسية، وهذا أوجد لدينا مشكلة كبرى؛ إذ صار كثير من الناس مكشوفين ثقافياً، ومجردين ـ إلى حد كبير ـ من البعد القيمي الذي يعطي للأنشطة الحياتية معنىً خاصاً وهدفاً وغايةً. ويكشف لك عن مدى ذلك الانكشاف الثقافي ما تلاحظه من ازدياد المسافة بين عقائدنا النظرية وعقائدنا المجتمعية. ومن المعلوم أن العقيدة الاجتماعية هي جماع المبادئ والمصالح،على حين تتشكل العقائد النظرية على أرضية ما هو سامٍ ومتعالٍ ومثالي. وهذه المسافة المتسعة بين العقيدتين هي ناتج ضغط المصالح على المبادئ وناتج ضعف الغطاء الثقافي للسلوكات اليومية.


إن العولمة تسوّق القيم الغربية وتفاصيل الحياة اليومية للإنسان الغربي من خلال الأخبار والأفلام والإنتاجات الثقافية المتنوعة. وقد فُتن بذلك الكثير من الناس بسبب بعض الإيجابيات في الثقافة الغربية، وبسبب تهميش بعض المكونات الثقافية المهمة لدينا من خلال حرمانها من التجسد العملي في الحياة المعاصرة.إذا ما أردنا أن نكسر هجمة العولمة في المجال الثقافي، فإن علينا أن نقلِّب النظر في الأوراق الذابلة من ثقافتنا، ونعيد لها الحيوية والتألق من جديد. وأعتقد أن على المسلمين اليوم إذا ما أرادوا إضفاء الجاذبية على ثقافتهم المعيشة أن يحاولوا إنعاش القيم التي تسبب لهم الافتتان بالثقافات الغربية وثقافات الأمم الصناعية عامة، وتلك القيم توجه الواقع العملي أكثر من كونها معتقدات تُستبطن، وذلك مثل قيم العدل والنزاهة والتطوع والعملية والدقة والشورى والجدية والنقد الاجتماعي والتواضع والشغف بالحقيقة، وما كان من هذا القبيل؛ مما يوفر الغطاء الثقافي لأبنائهم، ويصحح أوضاعهم العامة. وبذلك وحده يمكن إيقاف التدهور في حياتنا الاجتماعية، واسترداد زمام المبادرة على صعيد الصراع الحضاري الذي يفرضه علينا الغرب الظافر، وكل أولئك الذين يدورون في فلكه.

8. التربية الأسرية:في ظل العولمة تتقلص سلطات كثيرة: سلطة الدولة والأسرة والمدرسة والمجتمع، وتتمدد سلطة المال وأربابه وسلطة الشهوة والمتعة والمصلحة وفي وضعية كهذه تبرز أهمية التربية الأسرية في تحصين الناشئة وتوجيههم وتهيئتهم للدخول في معترك الحياة الصاخبة التي نعيشها اليوم. إن التربية تبني الكيان الإنساني من الداخل، على حين أن السلطات الأخرى تحكم السلوك الظاهري. في الأسرة وخلال السنوات الخمس الأولى تحفر الخطوط العميقة في شخصية الطفل؛ وما تقدمه المدرسة والمجتمع والثقافة العامة بعد ذلك لا يعدو أن يكون تكميلاً وتفصيلاً لما فعلته الأسرة. التربية بوصفها مجموعة من الجهود المربية والمتابعة، تحتاج إلى انتظار وصبر لا يعرف النفاد. وقد قال الله ـ جل وعلا ـ : {وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصلاةِ واصطبرْ عليها} [طه: 132]. وينبغي أن نكون واضحين في هذا الباب؛ إذ من غير المتوقع أن ننشئ أجيالاً بعيدة في أحوالها وأوضاعها عما نحن عليه مهما أتقنا من فنون التربية، وحفظنا من الحكم والأقوال المنمقة؛ ولذا قال أحد الحكماء: "كما تكونون تكون تربيتكم". فإذا أراد الكبار جيلاً قادراً على تحقيق أفضل مما حققوه، فليحسِّنوا من ذواتهم، وليجعلوا الجهد التربوي عبارة عن إشعاع يصدر من ذات فاضلة. ويؤسفني القول: إن معظم الأسر لدينا ليست مؤهلة لأن تربي أطفالها التربية الإسلامية الجيدة والمطلوبة في هذا الزمان. إذا أردنا أن يتلقى أطفالنا تربية أفضل من التربية التي تلقيناها، فإن علينا أن نجاهد أنفسنا في ذات الله ـ تعالى ـ من أجل تغيير بعض سلوكاتنا الشخصية والتي يلمحها أولادنا في حياتنا ويتأثرونها. وإذا قلنا لهم ما يناقضها قالوا في أنفسهم: ألا تنظرون في المرآة قبل أن تأمرواوتنهوا... وقد عددنا القيم التي يجب أن نجذرها في ثقافتنا؛ وتجذيرها سيكون عن طريق التربية عليها مع أكبر قدر ممكن من السياج القانوني والتنظيمي لها. ويمكن أن نضيف إليها أيضاً احترام الكبير، والعطف على الصغير، ورعاية حقوق الجار، وصلة الأرحام، وبر الصديق، وتحمل الأذى، والمثابرة، والحرص على الوقت، وتنظيم الشؤون الخاصة، وتوطين النفس على العمل ضمن فريق، والنقد الذاتي، واحترام العمل، والاقتصاد في الإنفاق، والاعتدال في الشأن كله. وبإمكان الآباء والأمهات والمربين كافة أن يكتسبوا المزيد من الخبرة في غرس هذه القيم وتوضيحها للناشئة عن طريق القراءة المركزة والاطلاع على تجارب الآخرين في هذه القضية.



9. تشجيع الأعمال الصغيرة:بما أن أكبر نشاطات العولمة هي إنجازات الشركات العملاقة والشركات المرتبطة بها، فإن ما نشاهده اليوم في كل مكان هو اضمحلال الورش والمشروعات وأماكن التسوق الصغيرة لصالح المشروعات الكبرى والمصانع والأسواق المركزية. وهذا يعني تراجع الفرص المتاحة للنشاط البشري الفردي لصالح رؤوس الأموال الكبيرة. في داخل المشروعات الكبيرة ذات الوزن والبريق والإغراء تمارس أشكال من العبودية والضغوط النفسية، حيث يتحول البشر إلى آلات صماء يطلب منها العمل حسب مصلحة السادة الملاك دون السماح بالنقد أو الاعتراض أو المطالبة بالحقوق البدهية. وعلى الذي يخرج عن تقاليد العبودية الجديدة أن يبحث عن عمل آخر من تلك المشروعات العملاقة تنبعث أكثر ملوثات البيئة كثافة وخطورة. العملقة المتنامية في كل مكان يصاحبها احتقار للإنسان مغلّف بأناقة عصرنا الزاهر حيث يتم في الشركات الكبرى توظيف الناس عن طريق الحاسوب، ويتم طردهم أيضاً عن طريقه؛ فالإنسان الذي قضى زهرة أيام حياته في بناء ثروة أصحاب المصنع ليس أكثر من رقم، ولن يترتب على شطبه ما يستحق التفكير... لهذا فإن من جملة الأسس العريضة لإعادة بناء ما دمرته العولمة السعي إلى إقامة المشروعات وأماكن التسوق والورش والمزارع والأنشطة الصغيرة، والتي ظلت على مدار التاريخ أبواب رزق مُرضية ومقنعة للشريحة الأضعف في المجتمع ولذوي العاهات وذوي الظروف الصعبة. وحين مسحت المشروعات العملاقة كل ذلك مسح معها جيوش هائلة من الذين كانوا يرتزقون منها؛ وما زال الأمر في اتساع مستمر.
تستطيع الدولة أن تشجع الأعمال الصغيرة من خلال منح قطع الأراضي لذوي الدخل المحدود، ولراغبي القيام بأعمال لا تضر بالبيئة، ولا تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة؛ كما تستطيع مساعدتهم عن طريق القروض غير الربوية والمساعدات المالية، وعن طريق سن القوانين التي تساعدهم على الصمود في وجه طغيان رأس المال الكثيف الذي تستخدمه المؤسسات والشركات الكبرى. ويمكن للدولة أن تشترط عند ترسية مشروعاتها تخصيص تنفيذ جزء منها لأصحاب الأعمال الصغيرة مساعدة لهم على الاستمرار. وإن كل إنجازاتهم في هذا الاتجاه تشكل إجهاضاً لخطوة من خطى العولمة، وعملاً يعوق تقدمها. العولمة عمل، ولن تقاوم إلا بالعمل.

10. المشروع الحضاري الشخصي:الشعوب التي تغزو بثقافاتها وتقنياتها في ظلال العولمة، هي شعوب قوية ومتنفذة، ومصدر قوتها الأساسي لا يكمن في دهاء حكوماتها ولا في عظم ثرواتها وإنما في نوعية أفرادها، حيث إنك تجد الناس هناك أكثر فاعلية وأحسن أداء وتنظيماً، ويملكون من روح المثابرة والجدية ما لا يملكه غيرهم. إن هناك حقيقة كثيراً ما تغيب عن أذهاننا، هي أننا لا نستطيع أن نوجد مجتمعاً أقوى من مجموع أفراده. والذين يحلمون بأمة قوية دون أن يروا مستوى الفرد فيها يتحسَّن ويترقى، سيظلون يحلمون ويحلمون في ظل أوضاع تزداد سوءاً. وعْيُنا مفتون بالإنجازات الكبيرة دون أن يكون هناك تساؤل عن كيفية تحقيق تلك الإنجازات، وعن مدى امتلاكنا الإمكانات والأدوات التي يتطلبها ذلك. قد يعود ذلك إلى هيمنة (الثقافة الشعبية) علينا، فنظراً لضآلة الرواد فينا وقلة المثقفين ثقافة راقية، فإن الناس يخضعون لإيحاءات الثقافة الشعبية وإحالاتها، فيظلون محكومين بما هو سائد، ويكون مدى الرؤية لديهم ضيقاً، وطموحاتهم محدودة؛ ولهذا فإن فكرة المشروع الشخصي ما زالت غريبة في معظم مجتمعاتنا، ولدى معظم الناس، مع أنه قد يكون هو المدخل الأكثر يسراً والأقل تكلفة والأكثر نجاعة في إنقاذ الأمة من الحالة الحرجة التي صارت إليها في ظل تكالب الأعداء عليها.المشروع الحضاري التزام شخصي بشيء يكرس له المرء عمره كله أو جزءاً منه، وهو في سبيله يتنازل عن بعض الرغبات وعن بعض المصالح، ويذوق طعم العناء. المشروع الحضاري الشخصي رؤية تتكون من الهدف والطاقة والإمكانية والبعد الزمني، ويتجسد ذلك كله في خطة منطقية وعملية واحدة. ومهما كانت نوعية مشروع الواحد منا، فينبغي أن يكون شيئاً يستحق التضحية، وأن يكون على صلة بمشروعنا الأساسي، وهو الفوز برضوان الله ـ تعالى ـ والنجاح في الابتلاء الذي كتب علينا. ويجب إلى جانب هذا وذاك أن نبرمج حياتنا، ونرسم أهدافنا من أفق حاجات مجتمعنا المسلم، أي أن نتوقع من مشروعنا الشخصي المساهمة في تحقيق أولويةاجتماعية أو سد ثغرة ملحّة ومهمة. الشعور بالتفاهة والفراغ والسأم الذي بات يجتاح كثيراً من الناس، ما هو إلا نتيجة حتمية لعدم وجود شيء في حياتهم يستحق الاهتمام. ومن غير المتوقع أن نشغل أوقاتنا على الوجه المطلوب، وأن نستغل طاقاتنا وإمكاناتنا الاستغلال الأمثل من غير ذلك المشروع.


آفاق المشروع الشخصي في حالة من الاتساع والتنوع المستمرين، وبمجرد أن ينفتح الواحد منا على الواقع بما يتيحه من فرص وتحديات ومطالب متجددة، فإنه سيجد أن أمامه الكثير الكثير مما يمكن له أن يهتم به. وعلى سبيل المثال فقد يتفرغ إنسان لبلورة أفكار حول تفجير طاقات الشباب وإجراء بحوث حول الأساليب التي تساعد على ذلك، ويبحث عن طريق لإيصالها إليهم.وقد يتفرغ للرد على أفكار خاطئة تجتاح المجتمع في مجال من المجالات. وقد يتفرغ لرعاية جمعية، أو مؤسسة، أو كلية تقدم للناس ما ينفعهم. المشروع الحضاري قد يكون تطويراً لآلة يعمل عليها مهندس أو تقني، وقد يكون تطويراً لمعدَّة، أو اكتشافاً لأسلوب في الإدارة أكثر نجاعة مما هو سائد. وقد يكون المشروع الشخصي عبارة عن تقديم نماذج متفوقة في مجال الالتزام، أو رقي السلوك، أو حسن التدبير، أو المحافظة على الوقت.. ولننظر إلى الخير العظيم الذي نتج عن تخصص بعض علمائنا بمعالجة بعض المسائل أو التبحر في بعض التخصصات.



إن على كل واحد منا أن يبحث عن دوره الأمثل في هذه الحياة المحدودة، وأن يتساءل باستمرار: ما هو الشيء الذي أستطيع أن أفعله ولكنني لا أفعله، وما هو العمل الذي إن أديته بطريقة جديدة تكون نتائجه أفضل. المطلوب دائماً التخصص في مسألة حية نافعة وامتلاك مثابرة وإصرار كإصرار الأرضة على بذل الجهد المتواصل؛ فالثابت اليوم أن كل الإبداعات الكبرى لم تكن وليدة ومضات ذهنية فحسب، وإنما نتيجة الدأب والاستمرار في المتابعة الطويلة الأمد، وتخطي العقبات واختراق الأفكار القديمة. وإني أعتقد أنه لو عمل بهذه الفكرة 5&#37; من أمة الإسلام لاختلف الكثير من ملامح حياتنافهل من مجرّب.

11. التقدم التقني:ستظل كل جهود مواجهة العولمة منقوصة وضعيفة الجدوى إذا لم يحسِّن العالم الإسلامي من موقعه على صعيد التقنية والصناعة. وحتى نكون أكثر دقة نقول إننا لا نحتاج إلى هذا الأمر من أجل مواجهة العولمة بقدر حاجتنا إليه في تأمين الحاجات الضرورية للأجيال الحاضرة والقادمة. التقدم التقني المذهل الذي يحدث في كل دقيقة اليوم سيقلب موازين كثيرة، وسيهمش عناصر كثيرة، وسيكون له آثار هائلة على العقائد والأفكار والأخلاق والسلوك والعلاقات. ومهما يكن الأمر فليس أمامنا أي هامش للمناورة؛ فإما أن نحزم أمرنا، ونغيّر أسلوبنا في التعامل مع مسائل البحث العلمي والتقنية والصناعة، وإما أن نعد أنفسنا لمواجهة المزيد من المشاق والتحديات. ويرى الدكتور باكر الملاحظات التالية:
أ ـ لا نستطيع أن نتقدم تقنياً إذا لم نحسِّن أوضاع البحث العلمي لدينا؛ ومن الصعب أن نحسِّن أوضاعه ما لم نغيّر في مناهجنا الدراسية، ونتحول من التلقين والحفظ ـ ثم النسيان ـ إلى الفهم والبحث والربط بين الظواهر وإجراء التجارب. لا يعني هذا أننا لسنا بحاجة إلى شيء من الحفظ ـ في بعض المواد على الأقل ـ وإنما يعني أن ننشط حركة البحث العلمي في المدارس والجامعات، وننمي ملكة النقد لدى الطلاب،إلى جانب تزويد المدارس بالورش والمعامل والمختبرات التي تمكن الطلاب من إجراء التجارب العلمية وتنمية مهاراتهم اليدوية. وإذا كانت الحكومات عاجزة عن تمويل ما ذكرنا، فإنه يمكن لأهالي الطلاب أن يقدموا بعض التبرعات، ويدفعوا بعض الرسوم التي تخصص لهذه التجهيزات والنفقات.



ب ـ وضع البحث العلمي في عالمنا الإسلامي محبط بأي مقياس قسته، ومن أي جانب نظرت إليه. وعلى سبيل المثال فقد كان عدد المنشورات لكل مليون شخص في الوطن العربي عام (1995) 26 منشوراً؛ على حين أنه كان في البرازيل 42 منشوراً، وفي فرنسا 840، وفي سويسرا 1878. وقد استطاعت كوريا الجنوبية أن ترفع ناتجها من البحوث من 15 بحثاً لكل مليون شخص عام 1985م إلى 144 في عام 1995م. وقد كان ناتج الوطن العربي في عام1985م مساوياً لناتج كوريا الجنوبية.


هذه الوضعية ليست من غير أسباب، فالوسائل المعينة على البحث شبه معدومة؛ وكون البحوث لا تجد من ينتفع بها، ولا من يقوم بإيجاد تطبيقات لها، ولا من ينشرها ـ في كثير من الأحيان ـ أضعف الحافز على القيام بها. ثم إن كثيراً من تلك البحوث ذو طبيعة نظرية، أي ليس له إسهام في تقدم التقنية والصناعة. لن يكون هناك حل جيد إلا بوضع قيود صارمة على استيراد السلع الكمالية، وتشجيع الإنتاج الوطني، وإيجاد صيغ تنظيمية للعلاقة بين مراكز البحوث وبين المصانع والشركات، حتى يتم إجراء البحوث التطبيقية في حدود التطوير القائم في المصانع. ولا بد من زيادة الإنفاق على البحث العلمي حتى يمكن تنشيطه وتفعيله. وهذا في البداية سيرهق ميزانيات كثير من الدول الإسلامية، لكن حين يبرمج ويستثمر على وجه جيد، فإن ثماره ستكون مدهشة، وسيستفيد منها جميع أبناء المجتمع.


جـ ـ لا بد أن نختار بدقة نوعية التقنية التي تناسبنا؛ إذ إن بيننا وبين الغرب خلافات جوهرية في أشياء عديدة، وما يصلح له لا يصلح بالضرورة لنا. ومن الواضح على هذا الصعيد أن الزيادة السكانية الموجودة في العالم الإسلامي ليست موجودة في أي بلد صناعي اليوم، كما أن المال الهائل الموجود اليوم لدى الدول الصناعية وشركاتها الكبرى ليس له ما يناظره أو يقاربه. أضف إلى ذلك التفاوت الكبير في المستوى العلمي والتقني والخبرة والقاعدة الصناعية. وهذا كله يعني أن علينا أن نشق طريقنا الخاص بنا، وهذا ما دعا بعض الباحثين والمختصين إلى البحث عن التقنية التي تناسبنا، وتوصلوا إلى أن تلك التقنية هي التي تشغِّل أكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة، وتوفر الستر والأمان وأسباب البقاء لأسر كثيرة محرومة بسبب عدم تمكن من يعولها من العمل الشريف المنتج. وهذا يعني أن الآلات والمعدات المتطورة جداً لا تناسب معظم الدول الإسلامية، حيث إن من الثابت أن هناك علاقة عكسية بين درجة تطور المعدات والآلات وبين مدى استيعابها للأيدي العاملة؛ فكلما كانت الآلات المستخدمة في المصانع أكثر تقدماً كانت حاجتها إلى الأيدي العاملة أقل. أضف إلى هذا أن الآلات المتقدمة مرتفعة الثمن، فهي ترهق الميزانيات بما تتطلبه من عملات نادرة.


وهي من وجه ثالث تتطلب أن يكون في البلد المستورد لها كفاءات تقنية عالية، وإلا فإنه سيكون محتاجاً إلى الدولة الصانعة في صيانتها وتشغيلها.


مما يفيد في دفع التقنية إلى الأمام اعتماد أسلوب فك الحزمة التقنية من خلال تحليل المشاريع التي يتم التعاقد عليها مع شركات أجنبية إلى عناصرها ومكوناتها الأساسية، وقيام الشركات الوطنية بتنفيذ أجزاء من تلك المشروعات، وتصنيع بعض معداتها. وهذا قد يؤدي إلى بطء تنفيذ بعض المشروعات الكبرى لكنه على المدى البعيد قد يكون الأسلوب الأمثل لامتلاك التقنية العالية وتأسيس الاعتماد على الذات. كان آباؤنا وأجدادنا يملكون استقلال الإرادة وحرية القرار؛ لأنهم كانوا مندمجين في بيئتهم على نحو تام. ومع الظروف الصعبة التي عاشوا فيها إلا أنهم كانوا يأكلون مما يزرعون، ويلبسون مما ينسجون، ولا يستدينون الأموال الطائلة من أجل الرفاهية؛ فهل نحن قادرون على أن نتعلم منهم شيئاً ينفعنا في أيامنا هذه.

12. العمل الإسلامي المشترك:لا تستطيع العولمة أن تعمل عملها على الوجه الأمثل إلا في عالم مفكَّك مبعثر، تتولى هي صياغته على نحو جديد يخدم مصالحها؛ ولذا فالدول الصغيرة والشعوب الفاقدة لهويتها هي مجال العمل المفضل لقوى العولمة العاتية. المستفيدون من العولمة ينتجون نظم الهيمنة والسيطرة من أجل تحقيق المزيد من المكاسب، والشعوب الممزقة تهيِّئ الفرص، وتقدم التسهيلات لوقوع ذلك. العملية على كل حال معقدة؛ فقد تخدم عدوك دون أن تدري، وقد تخدمه لأن أوضاعك لا تمكنك من غير ذلك؛ وقد تخدمه لأنك لا تفعل ما ينبغي عليك أن تفعله. وحدة أمة الإسلام ـ على أي مستوى ـ قضية مبدأ وواجب . إن التعاون بين شعـوب العالـم الإسلامـي ممتـد الآفــاق، واســع الخيارات والإمكانات حين تتوفر النية الحسنة، والعزيمة الصادقة ويمكن أن نعد منها الآتي:


 تفعيل المؤسسات الإسلامية القائمة؛ لتقوم بالوظائف التي يجب أن تقوم بها، والتي أنشئت في الأصل من أجلها، وإنشاء روابط واتحادات ومؤتمرات ومؤسسات جديدة ذات بعد شعبي، تهدف إلى زيادة توحيد الرؤى والقوى بين أصحاب الاختصاصات والفعاليات المهنية والتجارية والإسلامية.

 بلورة مشروع دعوي لعرض الإسلام على المستوى العالمي، وتنسيق المواقف السياسية والثقافية في الدفاع عن قضايا الأمةوالذب عن حياضها.

 تنسيق السياسات التجارية بين الدول الإسلامية، ولا سيما في السلع ذات الأهمية الفائقة مثل الغاز والنفط وبعض المعادن والمنتوجات الأخرى؛ وذلك من أجل تحقيق تجمع ضاغط، يضمن تبادلاً تجارياً عادلاً.

 اعتماد مبدأ الإنماء التكاملي بين الدول الإسلامية، على أساس استغلال كل بلد إسلامي للميزات والخبرات النسبية التي يتمتع بها، ودعم الدول الأخرى له في ذلك مقابل استفادة الجميع منه، وعلى سبيل المثال فإن (أندونيسيا) (وماليزيا) من الدول التي تستطيع تنمية صناعات مهمة، مثل صناعة الورق والطائرات والإلكترونيات والأثاث المكتبي والمنزلي، إذا وجدتا المؤازرة من قبل الدول الإسلامية الأخرى، عن طريق الدعم والتمويل لأعمال الإنشاء والتطوير، وعن طريق استهلاك المنتجات، وإعطائها نوعاً من الأولوية. ومن الممكن جعل (السودان) مصدراً لتغذية العديد من الشعوب الإسلامية إذا توفرت المعونة الفنية والمالية لاستثمار الإمكانات الهائلة لديه. وإن بإمكان دول الخليج أن تقدم خبرات ممتازة، وتقود مشاريع عملاقة في مجال صناعة النفط وتسويقه، كما يمكن لبعضها أن يساهم في تمويل مشروعات إنمائية في دول إسلامية أخرى.

 في مجال العلم والتقنية، التعاون الإسلامي أيسر إذا توفرت الإرادة الصلبة، حيث يمكن لبلد إسلامي أن يقيم ـ بدعم من دول أخرى ـ جامعة كبرى في فرع من فروع المعرفة الأساسية مثل الطب والهندسة والكيمياء واللغات والعلوم الإنسانية.. ويتوافد إليها الطلاب من الدول الإسلامية الأخرى، وذلك في سبيل توطين المعرفة المتقدمة، والإبقاء على الأموال الضخمة التي ينفقها الطلبة المسلمون ـ وهي بالمليارات ـ في الدول الصناعية داخل البلدان الإسلامية.


احتياجات الشباب في ظل العولمة:كان هناك في الفترة الممتدة بين عام 1990م وعام 2001م سبعة وخمسون نزاعا مسلحا في 45 مكانا في العالم وما برح العنف والرغبة في الهروب ينتشران بصورة متزايدة داخل المجتمعات، وحل الحاضر وحده، بوصفه اطارا زمنيا لنشاط البشر، محل مرجعية الماضي الذي تتمسك به المجتمعات التقليدية ومحل مرجعية المستقبل الذي تتمسك به المجتمعات الحديثة واصبحنا نصادف اكثر فاكثر، جماعات من الشباب لا يولون اهمية كبيرة لحياتهم ولمستقبلهم جنبا الى جنب مع جماعات تسعى الى تقليص اوجه التفاوت وحماية وتعزيز التنوع الثقافي دون الركون الى نماذج مسبقه واضحى بعض الشباب مهيئين، بسبب قوة ظروفهم الاجتماعية او الاضطراب الناشئ عن انعدام الامل، للانخراط في الحروب الداخلية والاشكال الجديدة من الارهاب العالمي. وفي هذا الاطار اصبح العالم يشهد اكثر من اي وقت مضى صدامات بين الثقافات، ومحاولات لاستيعاب الحداثة واعادة تفسيرها، كما يشهد في الوقت نفسه رفضا صارخا وعنيفا لهذه الحداثة نتيجة لما تستتبعه بالضرورة ايضا من تنازلات وتحولات وتكيفات وانقطاعات ولئن كان بالوسع ملاحظة اتجاهات معينة للتنميط في كل ارجاء المعمورة، فمن المؤكد بنفس القدر ان المستقبل سينتج اشكالا متعددة من النهجين الثقافي وصورا متنوعة من التألف والتفاعل بين الثقافات والحضارات من جهة، وبينها وبين الحداثة من جهة اخرى، ولاشك في ان هذه العملية تنطوي على مخاطر كبيرة اذ لا يمكن لاحد، للاسف الشديد، ان يضمن الا تجلب الحداثة التي تكتسي طابع العولمة، او العولمة التي تكتسي طابع الحداثة، للعالم الحروب والاهوال التي اقترن بها تاريخ القرن العشرين. ان الاضطراب العظيم الراهن يدفع حتى الى التساؤل عن مغزى التعليم النظامي للشباب وقيمته بوصفه وسيلة للالتحاق بعالم العمل والمساهمة في التنمية المستدامة، ولتحقيق التماسك الاجتماعي وبناء السلام، بل يتساءل بعض الباحثين عما اذا كانت الجهود المالية والتنظيمية والاسرية المبذولة لتعميم الانتفاع بالتعليم المدرسي بصورته الحالية، ولاسيما التعليم بعد الابتدائي، تستحق الغناء ويظل تعلم الرغبة في العيش معا، وبوجه خاص، مقترنا بصعوبات كبيرة ويتزايد انتشار العنف البدني في المدارس، حتى في صفوف الفتيات وفي ظروف متنوعة للغاية وينبغي التساؤل عما اذا كانت هذه الظاهرة لا تعد في حالات معينة ردا على تعليم يبدو للنشء والشباب بعيدا كل البعد عما لديهم من احتياجات، من جهة، وبعيدا عن ان يضمن لهم مكانا في اكثر القطاعات دينامية في الاقتصاد العالمي والاقتصادات المحلية، من جهة اخرى، وفي كثير من الاحيان يبدو التعليم، وخاصة في اكثر المناطق فقرا، بعيدا كل البعد عن توفير الامكانيات التي يمكن الارتكاز عليها لتحقيق التنمية المحلية والتكامل العالمي. ان الحد من الاثار المجحفة المترتبة على العولمة، يتطلب، فيما يبدو، امتلاك قدرات جديدة الى جانب القديمة، وتشاطر المضامين والقيم المشتركة كالتضامن واحترام حقوق الانسان والتنوع، والرغبة في العيش معا. ولكن كيف يمكن الانتقال من التعريف البلاغي للمضامين والقيم الى تعريف عملي بوجه العمل السياسي التربوي، والحياة في المؤسسات المدرسية، وتطويع المناهج الدراسية.


بناء هوية الشباب في ظل العولمة:ان نوعية تعليم الشباب مرتهن بنوعية تعليم الاطفال وتمثل القدرة على التعلم والدوافع من اجل التعليم واكتساب القدرة على التعلم المستقل، والبحث عن المعلومات واستخدامها، والاستيعاب الجيد للمعارف الاساسية، واتخاذ موقف التسامح والاحترام ازاء الاخرين، بعض الاهداف المنشودة من تعليم الاطفال في الاسر والمدارس والمجتمعات المحلية، غير ان تعليم الاطفال يمكن ان يوفر، بعد المرحلة الابتدائية، فرصة ثانية ليس فقط لتعلم المزيد من المعارف ولكن ايضا لتعلم بصورة افضل او لتعلمها مجددا او لتعلمها بطريقة مختلفة. ويتسم تعليم الشباب بعدة خصائص متميزة فالى جانب التدريب اللازم لتحقيق الاندماج الاقتصادي والتماسك الاجتماعي والسلام تطرح في هذا السن مسألة بناء الهوية طرحا قويا بوجه خاص وفي اطار جديد.


ويمكن وصف الفئة العمرية من 12 إلى 20 سنة بانها فترة انتقالية طويلة نسبيا يمتد ما بين مرحلة الطفولة، المرادفة للتبعية، ومرحلة الرشد، المفترض ان تكون هي ايضا بالنسبة للنشء أو الشباب مرحلة النضوج واكتمال التنشئة الاجتماعية وتأكيد الهوية والشخصية المتميزة، ورغم اننا نصادف بعض السمات المشتركة لدى الشباب جميعا، فانهم لا يندرجون في فئة واحدة بل يتوزعون على فئات شتى تفصل بينها ظروف معيشية متنوعة، فهم يعارضون الكبار بشكل فطري، ولكنهم يعارضون بعضهم بعضا ايضا بحسب الوسط الذي يسعون الى التحرر منه او الذي يصبون الى الاندماج فيه. ومن خلال وسائل الاعلام بوجه خاص اصبحت مختلف المجتمعات والثقافات البشرية اوضح صورة واقوى حضورا بالنسبة لبعضها بعضا وفي سياق مكاني زماني يتزايد اتساعه وتقلصه في ان واحد، باتت الاحداث النائية في الظاهر تروج انباؤها المحلية والوطنية والاقليمية ويؤدي تقلص القيود المكانية وادراك العالم كوحدة واحدة الى اضفاء قدر من النسبية على الركائز المرجعية الفردية والاثنية والعرقية والوطنية، وفي الوقت الذي مازال فيه نظام المجتمعات الوطنية قائما تنامى ايضا الوعي كما يعبر عن ذلك اعلان حقوق الانسان، وبوصفها جماعية تتشاطر نفس المصير كما يعبر عن ذلك الوصف الايكولوجي المجازي للمعمورة بانها سفينة فضاء البشرية ويرتكز هذا الوعي على استحداث العديد من المنظمات غير الحكومية والحركات الانسانية المناهضة للعولمة والداعية الى عولمة بديلة، ويعبر عن نفسه من خلالها وهكذا تتبلور ملامح مجتمع مدني عالمي يعتمد على شبكات متداخلة ومتراكبة وبعد حليفا موضوعيا لنظام المجتمعات. وفي خضم هذه العملية، تتسع علاقة الفرد مع المجتمع الوطني والبشرية، وتزداد تعقدا، ويؤدي هذا التطور بدوره الى انتشار النزعة النسبية والى اعادة تشكل الركائز المرجعية التي تكونت على اساسها الهويات وانماط الولاء وعناصر المواطنة، والتي تواجهها بطريقة محددة جميع اشكال العمل التربوي ولاسيما المؤسسات المدرسية في كل بلد. وتفيد بعض الدراسات الاجتماعية ان الشباب يتجهون اكثر واكثر نحو ثقافة الاستهلاك وتبني انماط من الحياة وافدة من خارج الحدود الوطنية ويساهم ذلك في جعلهم منفتحين على العالم، ولكنه يؤدي في الوقت ذاته الى فصلهم عن تراثهم وثقافتهم التقليديين، وفقدان الاتجاه هذا فيما يخص الجذور التاريخية ينطوي على خط الانفجار في مناطق عديدة في العالم، وهكذا فان استخدام اللغة الانجليزية بصورة متزايدة كلغة عالمية ييسر الاتصال في جميع انحاء العالم ولكنه يمكن ان يساهم ايضا في تهميش اللغات المحلية لدى الشباب، وعليه، فان احد التحديات الرئيسية للتعليم للجميع يتمثل في تنمية القدرات الفردية، وامكانيات الاختيار وفي حالة الشباب، ترتبط التنمية هذه القدرات والامكانيات ارتباطا وثيقا بتعزيز هوية كل شاب وشابه، علما بان جانبا كبيرا من عملية بناء هذه الهوية يحدث خارج نطاق المؤسسات التربوية.

خاتمة:اختم ورقة العمل هذه بما قالة فضيلة الشيخ الدكتور عائض القرني في احدى محاضراته... حيث قال نحن لا نحارب العولمة إلا إذا حاربت رب العالمين، وأقصت الدين، وأهملت المرسلين، وأهانت المؤمنين، وشطبت من قاموسها (إياك نعبد وإياك نستعين). نريد عولمة بالإيمان، والقرآن، وطاعة الرحمن، ومحاربة الطغيان، نريد عولمة ترفع الحيف، وتكرم الضيف، وتغمد السيف، وتعطي الرغيف الضعيف، وتحافظ على الخلق الشريف، والأدب اللطيف، والسلوك العفيف. نريد عولمة تحترم المساجد، وتحافظ على كل عابد زاهد، وتعلن أن الله واحد.
أنا أحب العولمة لأبلغ رسالتي للعالمين، وأبعث دعوتي للخافقين، وأنشر ديني للناس أجمعين، وأقدم بطاقة ((لا إله إلا الله)) في مهرجان الحياة، وأعرض ميراثي في سوق البشرية، وأخبرهم بقصة الغار والكعبة وزمزم، وأنا لا أريد العولمة هيمنة لغير المسلمين، وسوطاً في يد الظالمين، ونافذة للمُلحدين، وقتلاً للأبرياء،ونكراناً للحقيقة، وجحودًا للميثاق وأنا أحب العولمة نتاج حضارات وثمار اختراعات، وخلاصة اكتشافات، وجهود دراسات، أرحب بها جامعة ومستشفى وصيدلية وشركة وعقاقير وغذاء وكساء ودواء، لا أريد العولمة دعاية للفاتنات، وشاشة للساقطات، ومسرحًا للمنكرات، وخشبة للراقصات، وإعلانًا للمخالفات والضلالات والمُغريات

 

 

التوقيع














التعديل الأخير تم بواسطة رقيه العلي ; 21-05-2007 الساعة 09:27 AM.
  رد مع اقتباس
قديم 21-05-2007, 09:50 AM   رقم المشاركة : 4
رقيه العلي
عضو مؤسس و اجتماعية من البحرين
 
الصورة الرمزية رقيه العلي







رقيه العلي غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي

(( والعصر ان الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر))، وقد أقسم سبحانه هنا بالعصر الذي هو الوقت أو الزمن دلالة على أهميته ووجوب ملئة بالأعمال الصالحة ولكن الشباب غافلون عن معنى هذه السورة العظيمة على الرغم من أنهم يقرأونها باستمرار وينطبق على كثير منهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ رواه البخاري والترمزي وابن ماجه.


موضوع ممتاز جدا .. كفيت ووفيت فيه استاذ سعيد الزهراني ..

بس اعذرنه عدلنه الموضوع .. لسهوله القراءة .. فقط ..

ومن رأي ان للتربية دور كبير في انعكاسات العولمة .. السلبية او الايجابية ...

ولثقافة المجتمع وقيمه وعاداته ايضاً الدور الاكبر في تقبل العولمة ...


تقبلوا مروري ..

 

 

التوقيع













  رد مع اقتباس
قديم 21-05-2007, 10:05 PM   رقم المشاركة : 5
سعيد الزهراني
عضو مؤسس و اجتماعي بارز






سعيد الزهراني غير متواجد حالياً


إرسال رسالة عبر MSN إلى سعيد الزهراني إرسال رسالة عبر Yahoo إلى سعيد الزهراني

         

اخر مواضيعي


افتراضي

بسم الله الحمن الرحيم

معليه يا مشرفة منتدى البحث العلمي تمونين

 

 

التوقيع

<****** type="****/**********">doPoem(0)
  رد مع اقتباس

إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:11 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009

جميع الحقوق محفوظة لـ : لمنتدى اجتماعي
المشاركات والردود تُعبر فقط عن رأي كتّابها
توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
عنوان الموقع : ص.ب 21922  الرياض   11485  المملكة العربية السعودية     فاكس 96612469977+

البحث عن رساله اجتماعيه  البحث عن كتاب اجتماعي  البحث عن مصطلح اجتماعي  البحث عن اجتماعي