كان هذا بحثي المتواضع المقدم لمادة نظريات
راجية الله أن يقدم لك الفائدة
ولا تنسونا من دعائكم
المحتويات
• حياته
• كايم والاتجاهات الفكرية السائدة
1. دور كايم والفكر النفعي:
2. دوركايم والفكر الاشتراكي
3. دوركايم والوضعية
• إسهاماته المنهجية
1. الظاهرة الاجتماعية وتعريفها
2. الوظيفية
3. التصنيف الاجتماعي
4. الانتحار
5. دراسته للدين
• مؤلفاته
• أهم المفاهيم
o الظاهرة
الضمير الجمعي
التمثل الجمعي
القهر
الوظيفية
تقسيم العمل في المجتمع
التضامن الآلي والتضامن العضوي
القانون
الحقائق الاجتماعية
o الكثافة الحيوية
اللامعيارية
الانتحار
المقدس والمدنس
الطوطمية
الانفعال الجمعي
الإصلاح الاجتماعي
الجمعيات المهنية
تقديس الفرد
التنشئة الأخلاقية
• نظرياته
أولاً : نظريته عن الانتحار
ثانياً : التفسير الاجتماعي للدين
ثالثا : نظرية تقسيم العمل
دور كايم في الميزان
إميـــل دور كـــــايـــم
( 1858 – 1917 )
أولاً : حياته :
أو دورك حاييم يهودي فرنسي ، ولد في 13 أبريل 1858م في مدينة إيبينال Epinal بمقاطعة اللورين في الجنوب الشرقي بمقاطعة اللورين في الجنوب الشرقي من فرنسا عن أسرة يهودية تتمسك بتقاليد الدين. وقد أحب دور كايم منذ حداثته مهنة التدريس فصمم على أن يصبح مدرساً وليس رجل دين كما كانت ترغب أسرته. وظل حتى الثامنة عشرة من عمره طالباً متفوقاً بمدرسة ابينال، ثم ما لبث أن انتقل إلى باريس حيث التحق بالليسيه، وهي خطوة للالتحاق بعد ذلك بمدرسة المعلمين العليا، والتي كانت تمثل في ذلك الوقت قمة اختيار الطلاب الأكاديمين في فرنسا، وقد تمكن دور كايم من الالتحاق بها بعد أن اجتاز اختياراً تمهيداً عام 1879م، وكان قد بلغ من العمر 21 عاماً ولقد كانت المدرسة مركزاً هائلاً للفكر في ذلك الوقت. ( محمد، محمد، ص 186 )
استكمل دراساته في مدرسة المعلمين العليا بباريس , ثم سافر إلى ألمانيا حيث درس الاقتصاد، والفولكلور، والانثربولوجيا الثقافية، ثم عين أستاذاً بجامعة بوردو Bordeaux عام 1887م ، والتي كانت أول جامعة فرنسية تطرح مقررات منتظمة ونظامية في مجال العلوم الاجتماعية وبخاصة في علم الاجتماع، والتحق بجامعة باريس عام 1902م . (تيماشيف، نيقولا,1993،168) .
إلا أن تدريس العلم الاجتماعي أساساً علمياً يتمثل في تدعيم فلسفات التحديث في إصلاح التعليم .. فقد تدرجت المحاضرات الأولى متنوعة تنوعاً واسعاً وقد تدرجت بدءاً بالأخلاق والتغير الاجتماعي والانتحار والأسرة والتربية وانتهاءً بالاشتراكية وتاريخ علم الاجتماع ذاته. كان من المألوف أن ينظر إلى علم الاجتماع في فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر على أنه مرادف للاشتراكية ومن ثم اعتبر كما لو كان معادياً للثقافة والقيم البرجوازية إلى جانب عدائه للدين والأسرة والتغير الاجتماعي السلمي. (السيد، السيد ، 2000 ، 124 )
بذلك يكون كايم أول عالم اجتماع فرنسي أكاديمي محترف يشغل كرسي أستاذية علم الاجتماع ( 1913 ). إذ كان علم الاجتماع بالنسبة له حرفة أو مهنة. لذا كان يعمل دائماً على أن يجبر الهيئة الأكاديمية على قبول علم الاجتماع كتخصص علمي معرفي محدد. كما حدد في دروسه وأبحاثه المستويات التي من خلالها يمكن الحكم على علم الاجتماع أو تقييمه. أشار دور كايم في أول دراسة منهجية في علم الاجتماع، أشار فيها إلى أنه لم يجد من علماء اجتماع القرن التاسع عشر - كونت ومل وسبنسر – من حاول أن يذهب بالعلم بعيداً عن العموميات التي تعني بطبيعة المجتمعات وبعلاقة المجال الاجتماعي بالمجال البيولوجي، وأنهم اكتفوا ببحث ودراسة أكثر المصادر التي يعتمد عليها البحث البيولوجي، وأنهم اكتفوا ببحث دراسة أكثر المصادر التي يعتمد عليها البحث السسيولوجي عمومية . لذلك اختص لنفسه مهمة تحديد موضوع علم الاجتماع ومجال دراسته والمنهج الملائم له. وعلى الرغم من اسهاماته في دراسة الموضوعات مثل التصنيع والانتحار والدين والأخلاق ومناهج البحث في العلم الاجتماعي أثارت في مجموعها العديد من الخلافات، إلا أن بصماته في تطور علم الاجتماع وبعض مجالات العلم الاجتماعي – وبخاصة الأنثربولوجيا – لا تزال ذات تأثير ملحوظ.
بدأ كايم خطه المهني، أي اشتغاله بعلم الاجتماع وفي وقت بدأ فيه النظام التعليمي الفرنسي يمر بعملية توسع وتحديث بدرجة ملحوظة، وكانت هذه الفترة هي فترة الانكسار والخزي القومي لما منيت بها فرنسا من هزيمة في حربها مع بروسيا ( 1870- 1871 ) وضم ألمانيا لمنطقة الإلزاس واللورين Alsace-Lorraine . فلقد كان الشعور القومي في عصر الجمهورية الفرنسية الثالثة يشكل السياق الأيدولوجي للعديد من حركات الإصلاح العلماني التي قامت بها الدولة في نظام التعليم العالي برمته. وكثيراً ما وصف علم الاجتماع الدوركايمي كما لو كان إسهاماً ملحوظاً لتشكيل الأخلاق المدينة الحديثة، أو صياغة أيدولوجية جمهورية جديدة ترفض كلاً من الاتجاه الكاثوليكي الفرنسي التقليدي جنباً إلى جنب مع الاتجاه الاجتماعي المحافظ الذي كان مترسخاً في أعماق الفرنسيين. ( السيد ، السيد ، 2000، 123-124 )
نظراً لكل هذه الظروف التي كان يمر بها مجتمع دور كايم ، ظهرت مشكلة الاتساق العام وكيفية حماية المجتمع من الانهيار. مع وجود هذه الأزمات لم تكن الظروف التي أدت إلى انبثاق علم الاجتماع على يد كونت وقد اختفت تماماً، فلا يزال الصراع بين النزعة المحافظة والاشتراكية الراديكالية قائماً، وعلى دور كايم أن يختار لنفسه طريقاً وسط هذه الظروف.
يذهب جيدنز Giddens إلى أن دور كايم لم يكن منخرطاً في العمل السياسي وأن موقفه السياسي يمثل رفضاً لنزعة المحافظة الاشتراكية الثورية . فهو ليبرالي تأثرت ليبراليته بالظروف الاجتماعية والسياسية للإقليم الذي يعيش فيه. ( زايد ، أحمد ، 2006، 77 )
ثانيا ً : كايم والاتجاهات الفكرية السائدة :
هنا سنحاول أن نعرض للاتجاهات الفكرية السائدة التي تحاور معها كايم ، فقد تشكل فكره من خلال هذا الحوار إلى جانب تأثره بظروف المجتمع الذي يعيش فيه. تحاور دور كايم مع ثلاثة اتجاهات فكرية : الفكر النفعي لهربرت سبنسر، والفكر الاشنراكي ثم الفلسفة الوضعية ( وإطارها المحافظ ).
• دور كايم والفكر النفعي :
اتضح منذ البداية معاداة دور كايم للنزعة الفردية ، بحيث يذهب روبرت نيسبت إلى أن دور كايم يشترك مع فرويد في تحمل جزء كبير من المسئولية عن تحويل الفكر من التركيز على الإرادة والاختيار والوعي الفردي، إلى التركيز على الجوانب غير الاختيارية وغير العقلية. بل إن رد فعل دور كايم تجاه المذهب الثوري كان أكثر ثورية من فرويد من حيث أنه ظل هو بؤرة الاهتمام الرئيسية في تحليلات فرويد النفسية ، أما دور كايم فإنه يركز على الظروف الاجتماعية الخارجية كمصدر للدافع والفكر والسلوك. فما نهتم به عند دراسة أسبقية المجتمع على الفرد، ومن قدرة هذا المجتمع على أن يضع مجموعة من الميكانيزمات القهرية تضبط سلوك الأفراد داخله. ومن هنا تظهر معاداة دور كايم معاداته للفكر الفردي وهذا شيء طبيعي طالما ان بؤرة اهتمامه الرئيسية هي النظام العام. فهو يخاف أن تقضي المنفعة الفردية والتنافس على وجود هذا النظام على ما يذهب ألفن جولدنز.
تتضح معاداة كايم للفكر النفعي الفردي أيضاً في رفضه لنظرية العقد الاجتماعي المرتبطة بهذا الفكر والتي أكد عليها هربرت سبنسر وجوهر النظرية هو علاقة التبادل الاقتصادي التي تحسمها حسابات العرض والطلب بين الأطراف الداخلة في التعاقد. فنظر كايم إلى العقد نظرة مجتمعية عامة، يتحقق من خلاله النظام العام، وبونه يصبح الناس في حالة حرب فتحقيق المصالح المتعددة للأفراد من خلال التعاقد هو الذي يقلل من حدة العداء الكامن بين الأفراد، ويؤدي ذلك إلى فائدة متبادلة وسلام متبادل. فق فشل سبنسر وغيره فمن دوافع الأفراد الفعلية أو دوافع الأطراف الداخلين في التعاقد . إنها الجوانب غير التعاقدية في العقد الاجتماعي.وهي حقيقة لم يدركها أصحاب النزعة الفردية على الإطلاق . وهنا يكمن الحل الدور كايمي لمشكلة النظام الذي يقوم على قهر القيم والمعايير بدلاً من قهر الدولة لعلاقات النفعية وتنظيمها لها على ما ذهب هوبز. (زايد، أحمد ، 2006 ، 78-79 )
• دوركايم والفكر الاشتراكي :
دفع جنوح دور كايم إلى النظام إلى رفض الاشتراكية. لقد بدأ اهتمام دور كايم بالاشتراكية منذ عام 1883م، نفس الفترة التي أعد فيها خطة كتابه عن تقسيم العمل. ولكن تقدمه في هذه الدراسة جعله ينشغل بها عن الاشتراكية إلى أن بدأ يهتم بها مرة أخرى في عام 1895م، حيث ألقى سلسلة محاضرات في هذا الموضوع. ويذهب البعض إلى أن كل أعمال دور كايم ما هي إلا محاولة لإقامة نموذج لمجتمع يعارض نموذج ماركس الاشتراكي ؛ حيث يحاول منذ البداية أن يبحث عن نوع من الوساطة الفكرية بين نسقين نظريين قائمين؛ الوضعية والماركسية من خلال تفسير منبعهما المشترك وأعني سان سيمون.
ولكنه فشل في هذه المصالحة الأيدولوجية فطوّر الجانب المحافظ عند سان سيمون وأهمل الجانب الراديكالي الذي طوره ماركس .
لم يرى دور كايم في الاشتراكية مذهباً جديداً بل اعتبرها صيحة ألم لإنسان يواجه بمظاهر الأنومي في المجتمع الصناعي. إنها مثلها مثل ظواهر المجتمع يجب أن تخضع للدراسة العلمية. يجب اعتبارها حقيقة اجتماعية خارجية، فهي وإن كانت توجد في المجتمع إلا أنها لا تعبر بالضرورة عن الظروف الاجتماعية التي أنتجت ذلك المجتمع. بل أن عداء دور كايم للاشتراكية امتد إلى نقد آراء ماركس فيما يتعلق بعلاقات الإنتاج والصراع الطبقي والنموذج الذي قدمه يؤكد أهمية التغيرات التراكمية في مقابل التغيرات الثورية في المشروع الماركسي. فالمجتمعات التي تقوم بها الثورات ليست هي المجتمعات التي تكشف عن قدرة أكبر على التغير، بل العكس هو الصحيح تماماً ؛ لأنه في أغلب هذه المجتمعات تظل التقاليد الأساسية دون تغير، كما أن الثوريين يعطلون التغير الطبيعي من خلال الروتين البيروقراطي. أما عن الصراع الطبقي فقد اعتبره دور كايم ناتجاً عن حالة المرض Malaise الذي استشرى في العالم الحديث إلى جانب سوء النظام Disorder الناتج عن التفكك الأخلاقي. ومن هنا كان تركيز دور كايم على الجوانب القيمية والأخلاقية في تحقيق التضامن والتماسك في المجتمع .
وإذا كان اهتمام دور كايم بإقامة دعائم النظام العام قد جعله يرفض التفسيرات الفردية والاشتراكية، فإن نفس السبب قد جعله يتبنى الوضعية.
• دوركايم والوضعية :
إن القول بتبني كايم للاتجاه الوضعي لا يعني أنه ردد آراء كونت على عواهنها، بل إنه استلهم الروح الوضعية عندما ركز على أهمية تحليل العلاقات القائمة بين النظم الاجتماعية من ناحية وبينها وبين البيئة الموجودة فيها من ناحية أخرى، وعندما جعل من نظريته محاولة لاستعادة التوازن والاستقرار بين عناصر المجتمع المتصارعة، وفي إضفاء الطابع العلمي على دراسة المجتمع من وجهة نظر محافظة إلى حد بعيد. ولقد حاول دور كايم أن ينقي الوضعية ويخلصها من الشوائب الفلسفية واليوتوبية التي أضفاها عليها كونت وقد تجلى ذلك فيما يلي :
1. اختفت أو ضعفت النزعة التطورية في أعمال دور كايم وظهر اهتمامه بالدراسات المقارنة، ذلك الذي اتضح بجلاء في دراسة دور كايم لتقسيم العمل والانتحار والدين.
2. معارضة النزعة التنبؤية اليوتوبية حيث ذهب دور كايم إلى أن العلم لم يصل على مرحلة النضج بحيث يمكن أن يتنبأ بالمستقبل: فإذا كان كونت قد رفع شعار النظام والتقدم. فإن دور كايم لم يعر أهمية للتقدم وركز على النظام. وبهذا يكون كايم قد أجهض النظرية التطورية للوضعية وقلب مفهومها عن الماضي رأساً على عقب.
3. أضفى دور كايم طابع العلمانية على العلم. فإذا كان كونت وسان سيمون قد ربطا علم الاجتماع بالدين إلى درجة أنهما اعتبراه ديانة جديدة للإنسانية، فإن دور كايم عالج الدين كظاهرة اجتماعية مثل كل ظواهر المجتمع.
4. نحا دور كايم بالوضعية منحىً علمياً فبذل قصارى جهده لتحديد موضوع ومنهج علم الاجتماع. فمن حيث الموضوع حدد خصائص الظاهرة الاجتماعية، ومن حيث المنهج ركز دور كايم على الموضوعية والعلمية في دراسة الظواهر الاجتماعية إلى درجة أنه ذهب إلى أننا يجب أن نعتبرها " أشياء " خارجية منفصلة عن شعورنا الذاتي، وأنه يجب على الباحث أن يتحرر من كل فكرة سابقة عن الظاهرة كي لا يقع في أسر أفكاره الخاصة. هكذا استمرت الوضعية في أعمال دور كايم كما سنرى في أعماله. ( مقال من الانترنت )