اشترك معنا ليصلك كل جديد
فقط لدول الخليج في الوقت الحالى
استشارات اجتماعيه ارسل رسالة فارغة لهذا الايميل ejtemay@hotmail.com لتفعيل اشتراكك في الموقع في حالة عدم التفعيل
 شخصيات اجتماعية رسائل علمية اجتماعيه كتاب اجتماعي مصطلح اجتماعي 

إعلانات إجتماعي

( اجتماعي يدشن منتدى خاص بالوظائف في محاولة منه لحل مشكلة البطالة للمختصين ***التسجيل في موقع اجتماعي يكون بالاحرف العربية والاسماء العربية ولا تقبل الاحرف الانجليزية*** موقع اجتماعي يواصل تألقه ويتجاوز أكثر من عشرين الف موقع عالمياً وفقاً لإحصائية اليكسا (alexa.com) *** كما نزف لكم التهاني والتبريكات بمناسبة وصول الاعضاء في موقع اجتماعي الى 26000عضو وعضوة ... الف مبروك ...**** ***** )
العام السابع لانشاء موقع ومنتديات اجتماعي

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
قريبا
بقلم :
قريبا
إعــــــلانات المنتدى

قال الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18

الإهداءات


 
العودة   موقع و منتديات اجتماعي > :: المنتديات العامـــة :: > مـنـتـدى ابن خلدون للمشاركات المفتوحة


إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-07-2007, 11:37 AM   رقم المشاركة : 1
فيصل المحارب
استاذ جامعي ( محاضر )






فيصل المحارب غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي الدين والحياة في المجتمع العربي المعاصر

إن المجتمع هو المفتاح الأساسي لفهم الدين ، وليس العكس ، باعتبار أن القيم والمعتقدات والتصورات الدينية في نصوصها كما في تفسيراتها تنبثق من الواقع الاجتماعي في تطوره التاريخي ، أي في مكان وزمان محددين .

في محاولة لوصف " البنية الأساسية للحكومة الإسلامية " يستعين المستشرق غوستاف فون غرونباوم بأعمال الماوردي ( توفي 1058م) وابن تيمية (توفي 1328م) ليتوصل من دون تمييز بين النصوص والسلوك وبين الإسلام والمسلمين إلى عدة تعميمات مبسطة ، منها أن " الإسلام يفرض شروطا على مجمل حياة المؤمن وأفكاره " ، فليس هناك " أي شيء مهما كان صغيرا أو شخصيا أو خاصا لا يستحق التنظيم من قبل إرادة مقدسة " ومن هنا أن المسلم "يحس إحساسا عميقا بضحالة الإنسان ، وعدم تأكده من مصيره ، وجبروت السلطة التي لا يمكن التحكم بها ، وهو لذلك ربما كان أكثر استعدادا من الإنسان الغربي لتقبل الأمر الواقع ، فيقر القانون الإسلامي الدستوري حكم المغتصب المنتصر ، ويرضخ المسلم لما يفرض عليه بدعم من قوة جبارة ، ولذلك لم يحد القانون الإسلامي الدستوري مطلقا من سلطة الحاكم " ثم يضيف إلى ذلك أن " المسلم جمع دائما بين القدرة على تقبل عناصر أجنبية مع شيء من التردد في الاعتراف بأصولها الأجنبية".


أولا : أصول الدين في المجتمع والحياة الهادفة :

يشدد البعض على أصول الدين في المجتمع ودوره في تعزيز وحدة الأمة والانتماء ، والبعض الآخر على كونه تعبيرا عن الحاجات الإنسانية للقيم والمبادئ الأخلاقية ، أو للتغلب والتحرر من القلق والخوف والبؤس ، أو لفهم معنى الحياة والإجابة عن أسئلة غامضة محيرة للعقل البشري كمسألة نشوء الكون والمخلوقات ، أو عن كل هذه الأمور مجتمعة ، وفي تحديد الدين ، قد يكون التركيز على الآلهة أو القوى الخارقة المتفوقة على الإنسان ، أو على الصراع بين المقدس والمدنس والله والشيطان ووحدانية الألوهية أو تعددها ، أو على التجارب الذاتية ، أو على الوظائف والأدوار التي يؤديها الدين في المجتمع وحياة الفرد.

بسبب ذلك لا يتفق الباحثون الاجتماعيون حول أصول الدين وطبيعة وظائفه في المجتمع ونوعية علاقته بالبنى التحتية والاقتصادية والنظام السائد ، يؤكد هيغل أن الأفكار والمعتقدات ، أي البنية الفوقية بما فيها الأفكار والمعتقدات الدينية ، هي التي تحدد السلوك الإنساني ، وعلى العكس من ذلك تماما يؤكد ماركس على أن نمط الإنتاج والأوضاع الاقتصادية أو البنية التحتية هي التي تنشأ عنها الأفكار والمعتقدات ، وبين هذين النقيضين يقف ماكس فيبر الذي يتراوح فكره بين التشديد على أولوية الأفكار والمعتقدات ، كما في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية ( وهو بذلك أقرب إلى هيغل ) ، وعلى التفاعل بين الثقافة والبنى الاقتصادية ، كما في كتاباته حول التنظيم الاجتماعي والاقتصادي ، وعلى تغليب العوامل المادية في معالجته الجانبية للإسلام ( وهو بهذا أقرب إلى ماركس).


لقد شدد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864-1920) في معالجته للإسلام على عكس معالجته للعلاقة بين القيم والأخلاق البروتستانتية ونشوء الرأسمالية في أوروبا ، على الصلة الوثيقة بين الدين (خصوصا الإسلامي) والسلوك اليومي الهادف ذي المضمون الاقتصادي ، فقال في كتابه علم اجتماع الدين كلاما يذكرنا بالتفسير الماركسي المادي : إن " غايات الدين .. هي في الأغلب اقتصادية.." مما يفسر سبب عجز الورع الديني عن أن يمنع " فلاحا في جنوب أوروبا من أن يسبق على تمثال قسيس لم يستجب لمطالب كان قد تقدم بها إليه".


انطلاقا من مقولة ماكس فيبر حول السلوك الديني الهادف وصلة العبادة بأمور نفعية ، يشير إلى أن " الآلهة والشياطين .. تأثروا مباشرة ، وبالدرجة الأولى بالأوضاع الاقتصادية والمصير التاريخي لشعوب مختلفة " وأن الإله قد يكتسب مكانة خاصة في نفوس المؤمنين والمؤمنات لكونه في الأصل موضع اهتمام طبيعي في الحياة الاقتصادية ، وفي ما يتعلق بمعالجته للإسلام قال فيبر أن القيم والمعتقدات الإسلامية جاءت متناسقة مع الحاجات المادية للطبقة المحاربة ، وبكلام أدق اعتبر فيبر أن الإسلام زواج بين القيم التجارية والقيم الفروسية البدوية والقيم الصوفية المعبرة عن عواطف الجماهير وحاجاتها ، ونتيجة لهذه المزاجية الثلاثية ، وجهت الطبقة المحاربة الإسلام باتجاه الجهاد والأخلاقية العسكرية ، ووجهته الطبقة التجارية في المدن باتجاه التشريع والتعاقد في مختلف أوجه الحياة اليومية ، ووجهته الجماهير المستضعفة بالاتجاه الصوفي والهرب الضبابي .


وقد ساهمت هذه القيم التقليدية باستمرار نزعة الولاء القبلي الأبوي لشخص السلطان وليس للمؤسسات والسلطة الإسلامية الجديدة ، أي ما أسماه فيبر مصطلح الولاء والطاعة للسلطات ـ الحاكم الذي يحصر القرارات بشخصه مدعيا أنه ظل الله على الأرض ، الأمر الذي يتعارض مع القيم العقلانية والقوانين المدنية ، بكلام آخر ، رأى فيبر تعارضا بين الإسلام وروحا لرأسمالية ونشوء المؤسسات بسبب تأثره بالقيم البدوية ونشوء تحالف بين السلطان وعلماء الدين.


وفي نقده التحليل لآراء فيبر في الإسلام ، لم يقلل براين تيرنر من أهمية العوامل الاجتماعية والاقتصادية في نشوء الإسلام وتطوره ، بل توسع في شرحها وأكد عليها مشددا بشكل خاص على عاملين أساسيين : أولا ، الفراغ السياسي الذي كان قد حل في المنطقة نتيجة للصراع التاريخي بين الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية فأضعفهما معا ، الأمر الذي ساعد على ظهور الإسلام وانتشاره ، وثانيا : بروز دور مكة كمركز تجاري مهم على ملتقى الطرق التجارية العالمية ، وهو ما نشأت عنه تطورات أساسية في البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحياة الثقافية عامة ، وكان بين نتائج هذه التطورات انحلال القيم التقليدية وبدء انتشار قيم الكسب والجاه والرفاهية الفردية ، في هذا الوضع الانحلالي ، أي المرحلة الانتقالية بين انحلال القيم التقليدية وانبثاق القيم التجارية الجديدة ، نشأت حالة من البحث عن الخلاص والاستعداد النفسي لتقبل قيم بديلة ، وهذا ما قدمه الإسلام ، فملأ الفراغ التاريخي الذي كانت تعيشه الجزيرة العربية في تلك المرحلة الزمنية .

اميل دوركايم اعتبر أن روح الدين هي في الواقع فكرة المجتمع نفسه ، وهو يرى بكلام آخر أن الدين رمز من رموز المجتمع والمعبر عن وحدته وعصبيته ، إن إله العشيرة ليس سوى العشيرة نفسها مشخصنة أو ممثلة بالإله بحسب التصور الإنساني ، وبذلك تكون عبادة الإله هي في الواقع عبادة المجتمع ، وتكون وظيفة الدين الأساسية هي تعزيز وحدة المجتمع وعصبيته إن إله العشيرة ليس سوى العشيرة نفسها مشخصنة أو ممثلة بالإله بحسب التصور الإنساني وبذلك تكون عبادة الإله هي في الواقع المجتمع نفسه ، ويستدل على ذلك من مفاهيم الطوطم ومبادئ الطوطمية التي لها شأن كبير في التنظيم والتماسك الاجتماعيين ، أما الطوطم في الأديان القديمة فهو جسم محسوس ، وهو رمز للأب أو الجد الذي يتحدر منه أفراد القبيلة فينظرون إليه في احترام وخشوع ، وهذا الطوطم ليس مهما بحد ذاته ، بل بما يمثل إنه رمز لروح القبيلة واستمرارها ، والمعبر عن شخصيتها وهويتها ، بل إن المجتمع يتجسد في الطوطم والآلهة فيكون هو موضوع العبادة ، وذلك لحاجة المجتمع إلى أن يؤكد ذاته بذاته ويرسخ شرعيته وقيمه ، بحسب هذه الرؤية يكون الله صورة للمجتمع ، ليس المجتمع صورة لله .


إن مقولة دوركايم التي تشدد على أن وظيفة الدين هي تحقيق وحدة المجتمع تذكرنا بدور الإسلام في توحيد قبائل الجزيرة العربية والحضر والبدو ، مما ساهم في قيام الفتوحات الإسلامية الصاعقة ، ولذا تكلم كل نبي بلغة شعبه فكانت الآية ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم .. ) [ سورة إبراهيم : الآية4] ومن المناسب هنا أن نشير كذلك إلى كلمة دين في اللغات الغربية مشتقة من الكلمة اللاتينية Religare التي تعني وحدة الجماعة وهويتها أو من الكلمة Religer التي تعني الممارسة مشيرة إلى طقوس تعبد الجماعة ، أما في اللغة العربية فتشير كلمة دين إلى المحاسبة ، أي مواجهة الله ( يوم الحساب أو يوم الدينونة ) أو المحاسبة تجاه المجتمع ( السيرة الصالحة أو الشأن الحسن ) ولذا يسمى الله " الديان " وهذه تسمية الحاكم والقاضي أيضا .


وفيما أكد دور كايم على الوظيفة الإيجابية للدين وهي التماسك الاجتماعي ، ركز كارل ماركس (1818-1883) على جوانب سوء استعمال الدين من قبل المؤسسات والطبقات والقوى المهيمنة في المجتمع ، ومن حيث الدعوة لترسيخ قيم الصير وتحمل الضيم والمصالحة مع الواقع المرير ، فاعتبره من هذه الناحية " أفيون الشعب " شدد ماركس على استعمال الدين من قبل القوى السائدة في المجتمع من أجل تثبيت شرعيتها وتشجيع الضعفاء والفقراء على تقبل أوضاعهم المغربة في المجتمع والاستكانة لها بدلا من العمل على تغييرها ، ما رفضه ماركس في الدين هو الدعوة إلى الطاعة والامتثال على أنها قوانين إلهية ، بهذا المعنى فحسب يرى الدين " أفيون الشعب " ويكون من الوباء استغلال هذا التعبير خارج سياقه التاريخي.


ولا تخلو الأدبيات العربية في هذا المجال من محاولات الربط بين الدين والحياة الاقتصادية ، من ذلك ما يمت بصلة وثيقة إلى العلاقة بين الجهاد الإسلامي والعوامل الاقتصادية ، يوضح زهير حطب أن الإسلام " حين فرض الجهاد على المسلمين ، كان بطريقة مباشرة يعالج عدة مسائل في آن واحد ، فمن جهة تجب تصفية الأحقاد التي نمت على المدينة ، ومن جهة أخرى هناك أثر الحياة القبلية وعصبيتها ، والغزو الذي يعتبر جانبا أساسيا من الحياة البدوية ، وكان الإسلام أوقفه في الجزيرة ، كما أن قضية مورد الجزيرة التي أصبحت أقل من حاجة سكانها ، كانت تضغط في سبيل إيجاد مورد عيش جديد " .


ويشدد زهير حطب كذلك على أهمية العامل الاقتصادي بقوله إن المسلمين " وجدوا في الدين الجديد ، طريقهم إلى المجد والثروة والغنى " يشير إلى أن مكة ( التي كانت تعتاش من عوائد الكعبة ) حاولت قبل الإسلام أن تسترضي القبائل بوضع صنم خاص لكل قبيلة ، كما أوجدت قريش في سوق عكاظ مسرحا للأدب والشعر ، أما السعي لإيجاد نظام جديد يوائم بين الجماعات التي يتألف منها المجتمع بعد أن كانت العلاقات بين الحضر والبدو علاقات عدائية ، فإننا نعرف أنه لم يتوقف في المراحل التاريخية التي تلت ذلك ، وهذا ما أظهره ابن خلدون بكل وضوح.


الدين ومهما تعددت الأصول ، ممارسات ومعتقدات شعبية تساعد المؤمن على فهم الكون والتعامل معه ، والحياة والموت وما بعده ، وهو في كل ذلك متنوع إلى أقصى الحدود نتيجة لتنوع الأوضاع والأحوال والعلاقات والأنظمة والبيئات وأنماط المعيشة ، يفسر المؤمن دينه بحسب أوضاعه وحاجاته الخاصة والعامة ، فيهمل بعض جوانبه كما يقبل على بعضها الآخر ، والتفسيرات التي قد تسود في زمن ما قد لا تسود في أزمنة أخرى .


هناك أبحاث تناولت الدين من منظور العلوم الاجتماعية منها بحث أجراه عالم النفس الاجتماعي غاي سونسون الذي حاول في كتابه مولد الآلهة (1960م) أن يتعرف ـ من خلال دراسة نشوء الأديان في كثير من المجتمعات والثقافات القديمة ـ إلى مدى وجود التقاء بين العوامل الاجتماعية وعدد من المعتقدات والممارسات الدينية ( مثل تعدد الآلهة ، والتوحيد ، والاعتقاد بروح الآباء والأجداد ، والتقمص ، وديمومة الروح ، والعجائب ) ، وبين أهم ما توصل إليه وجود علاقة وثيقة بين التعدد الاجتماعي والإيمان بتعدد الآلهة ، فكانت المجتمعات المتماسكة تميل نحو الإيمان بإله واحد على عكس المجتمعات المفسخة (القبلية مثلا) التي أبدت نزوعا ظاهرا للتمسك بفكرة تعدد الآلهة ، ومما وجده انتشار السحر في تلك المجتمعات التي تتصف بغياب معايير واضحة تنظم العلاقات البشرية وكيفية التعامل مع قضايا أساسية).


ثانياً : التمييز بين الدين والطائفة ، وبين الدين الرسمي والدين الشعبي والتصوف:

1 – الدين والطائفة :

من الضروري أن نميز بين مفهوم الدين الذي يشير في الأساس إلى العقيدة والمفاهيم والمبادئ والتعاليم أو المعتقدات والطائفة التي تشير إلى التنظيم الاجتماعي الذي تسلكه أو تعتمده جماعة دينية ، مما يحدد هويتها وولاءتها والقوى الفاعلة فيها كرجال الدين ، بالمقارنة مع جماعات طائفية أخرى موجودة في المجتمع نفسه.

حدد ناصيف نصار الطائفة ، في سياق دراسته للمجتمع اللبناني ، بأنها " جماعة منظمة من الناس يمارسون معتقدا دينيا بوسائل وطرق وفنون معينة ، أنها إذا تجمع ديني في الأصل والممارسة والغاية ، وإذا ما اكتسبت مع الزمن بعدا اجتماعيا سياسيا ، فذلك عائد إلى نوع فهمها وتطبيقها للدين وإلى الظروف التاريخية التي اجتازتها ) .

وقد يغلب التوجه الطائفي فيتخذ طابعا سياسيا تؤسس الطوائف بموجبه أحزابها وتنظيماتها الخاصة بها في حالات عدة ، منها رسوخ قوة الجماعات الوسيطة يقابلها ضعف الدولة المركزية ، والميل عندا لأغلبية الدينية في مجتمع تعددي لتحديد دين الدولة بحيث يخدم مصالحها ويميزها من غيرها ، فتتعزز التفرقة بين الناس في الحقوق والواجبات وتتمتع بعض الطوائف على حساب الطوائف الأخرى بالنفوذ والجاه والثروة والمكانة الاجتماعية ، والتدخل الخارجي من قبل قوى أجنبية تعمل في ترسيخ هيمنتها بالإضافة إلى ذلك يصبح لكل طائفة مرجعية خارجية تعمل في المدى البعيد على مزيد من التجزئة .

توصل جمال حمدان إلى أن مشكلة الطائفية مهما بدت قديمة في العالم العربي فإنها لم تنفصل في أي مرحلة من مراحلها عن الاستعمار : هو الذي غذاها ، إن لم يكن خلقها وهو الذي اتخذ منها أداة سياسته يدعم بها وجوده ، ذاكرا أن الصليبية تذرعت بحماية الشيعة من السنيين فضلا بطبيعة الحال ، عن زعمها حماية المسيحيين ، والاستعمار التركي ، لكي يضرب عناصر الدولة المتنافرة بعضها ببعض فيضمن بقاءه ، وضع عامدا متعمدا نظام الملة الذي يحدد إطار الحكم على أساس الدين ، وخلق بذلك وعيا دينيا بالذات ، وبذر أول بذور الطائفية ، وفضلا عن هذا فإن الاستعمار التركي ، بتعصبه الضيق الأفق واضطهاده للشيعة ، هو الذي زرع الأشواك بين الفرق الإسلامية نفسها ، ثم يأتي الاستعمار الأوروبي بنفسه يستغل الطائفية بلا مواربة وكسياسة مرسومة ، فاحتضن الأقليات وعمل على خلق شعور بكيان خاص لها .

وبعد أن استعمل الاستعمار الغربي الإرساليات التبشيرية ووضع بعض الجماعات في مواقع التميز الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، أقام إسرائيل كنموذج للكيانات الطائفية والدينية ، من هنا تحريض المفوض السامي الفرنسي بقوله الاستفزازي في دمشق : " لقد عدنا يا صلاح الدين " فاعتبر هذا القول شماتة كبرى ، ولذلك يتساءل حمدان : " أمن الغريب إذا أن تلتهب الحماسة الدينية حتى تصبح النبرة الإسلامية ودعة وحدة المؤمنين هي الشعار المضطرم في طول العالم الإسلامي وعرضه".

وعلى صعيد التنظيم الديني توزع المسلمون إلى طوائف سنية وشيعية جعفرية وزيدية ( شيعة اليمن ) وإسماعيلية ( قلة منهم تعيش في سوريا ) ودرزية ( الدروز الموحدون الذين يعيشون في سوريا ولبنان وفلسطين ) وعلوية ( وتعرف بالتنصيرية أيضا بالنسبة لمحمد بن نصير في القرن الثالث الهجري / العاشر الميلادي ، وتعيش غالبيتهم في سوريا ، وشافعية وأباضية ( المغرب ومقسط وعمان ) وقد شهدت بعض العهود ميلا للاضطهاد والفتن والتحكم مما يدل على قدم الطائفية.


وهناك في المجتمع العربي طوائف مسيحية عدة لكل من تجمعاتها وكنائسها المستقلة ومرجعياتها ، وهي الأقباط ، والروم والأرثوذكس ، والروم الكاثوليك ، والكاثوليك اللاتين ، والموارنة ، والانجيليون البروتستانت ، وتتنوع هذه الطوائف بحسب الانتماءات العرقية من شرقية ولاتينية وسريان وكلدان وأرمن وآشوريين ، وقد تمثلت تنظيماتهم السياسية الرسمية في الدول الإسلامية بنظام أهل الذمة ، فحق لأهل الكتاب تاريخيا ممارسة دينهم وشرائعهم وعاداتهم مقابل الولاء وإيفاء الجزية ، الأمر الذي لم يجنبهم الاضطهاد الذي كان قد أصبح لزمن بعيد جزءا من المخزونات النفسية .

وقد تمت الاضطهادات على عكس ما أوصت به الآيات القرآنية التي تدعو إلى التسامح ورحابة الأخلاق واحترام حق الاختلاف ، وهذا ما يتخذ دليلا على الفرق الشاسع بين المثال المعياري والواقع السلوكي ، ومنها ( لا إكراه في الدين ) ، و(قل الحق من ربكم فمن شاء فيلؤمن ومن شاء فليكفر ) ، ( ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ) ، ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) ، و ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة).

ليس الاضطهادات شأنا دينيا ، بل هو ظاهرة طائفية ذات ارتباط وثيق بالصراع الاقتصادي السياسي ، وبالامتيازات التي تتمتع بها بعض الطوائف والطبقات بعضها على حساب البعض الآخر ، وليس هناك ما هو أدق تفسيرا للنزاعات الطائفية والاختلاف في التوجهات السياسية من مواقع الناس في الترتيب الطبقي الهرمي السائد في المجتمع ، كلما ازداد حفظ الطائفة وكثرت امتيازاتها وارتفعت مكانتها الاجتماعية في بنية التنظيم الطبقي الهرمي ، ازداد ميلها للتمسك بالوضع القائم والمحافظة عليه وتعمقت عصبيتها ضد من هم دونهم شأنا ، وعلى العكس من ذلك تماما ، كلما تدنت مكانة الطائفة ، ازداد اغترابا ورغبة في تغيير النظام القائم ، وفي مثل هذه الحالة تقل احتمالات الاندماج الاجتماعي فيكون التفسخ الذي يعبر عنه المثل الشعبي بقوله : " الذي يتزوج من ملة غير ملته يقع بعلة غير علته"
يمكن تعريف الدين الرسمي على أنه المعتقدات والممارسات الدينية كما تحددها المؤسسة الدينية التاريخية وعلماء الدين المعنيين بتفسير المعتقدات والطقوس انطلاقا من النص القرآني والشريعة والوحي ، ويعتبر الأزهر لدى السنة أهم رموز هذه المؤسسة الرسمية ، بينما يعتبر النجف مركز المؤسسة الشيعية ، كذلك يتمثل الدين الرسمي لدى المسيحيين العرب بالكنائس والبطريركيات المختلفة ، ومن منظور هذه المؤسسات يصدر ما يعتبر التفسير الصحيح والأصيل للمعتقدات والممارسات الدينية.


وليس أدل على الدين الرسمي من الجهاز الديني في علاقاته مع السلطة الحاكمة ومراكز القوى الاجتماعية والاقتصادية المختلفة ، وفي سبيل تقديم مثل محدد ، نشير إلى دراسة أجراها عبد الغني عماد ، حول الجهاز الديني في مدينة طرابلس في العهد العثماني مستعينا بسجلات المحكمة الشرعية ، تبين من هذه الدراسة تفضيل صلاة الجماعة في المسجد على صلاة الفرد ، وأن مفتي استانبول الذي لقب بشيخ الإسلام كان من حقه تعيين جميع المفتين في الخلافة ، وأن السلطة حولت قسما من العلماء إلى موظفين " يرتبط استمرار رزقهم بمدى رضى الحاكم عنهم " وأن الهيئة الدينية كانت تشكل جزءا من جهاز الحكم إلى جانب الهيئة العسكرية والهيئة الإدارية، وأن الوظائف الدينية في مدينة طرابلس كانت تتألف من 22 وظيفة للجهاز الديني تتدرج من منصب الافتاء إلى الخدامة ، ومنها المفتي ونقيب السادة الأشراف والإمام والخطيب والمدرس والمؤذن والموقت أو الميقاتي ومؤدب الأطفال ، وكان من السائد أن تتم الوراثة في هذه الوظائف ، ونتيجة لذلك نشأت عائلات دينية لعبت دورا كبيرا في السياسة ، وكانت الأوقاف مؤسسة غنية ومصدر تمويل الجهاز الديني وقاعدته المادية .


أما الدين الشعبي فهو المعتقدات والممارسات الدينية باستقلال نسبي عن المؤسسة الرسمية ، وهو شديد التنوع بحسب البيئات والنظم الاجتماعية والأحوال الاقتصادية وأنماط المعيشة ، ويتمركز حول المزارات أو أضرحة الأولياء والقديسين الصالحين ممن لهم أصول في التاريخ حول شخصيات أسطورية ، ومن عناصره تدرجات القداسة ، والتفسيرات الرمزية ، وضعف العلاقة مع علماء الدين
( خاصة حين يمثلون السلطة الرسمية ) ، والتمسك بتقاليد مشتركة بين مختلف الطوائف مستمدة من عهود قديمة قد تعود في بعضها إلى ما قبل نشوء الديانات التوحيدية ، ومن عناصره الأخرى التشديد على شخصية القوى المقدسة والوسطاء بين المؤمن والله ، وعلى أهمية التجربة الروحية الذاتية والورع الداخلي ، والإيمان بالعجائب الخارقة وبالبركة ، والتأويل ، ويتمركز التعبد حول شخص الولي والقديس أكثر منه على النصوص والتعاليم المجردة.

وينتشر الدين الشعبي خاصة في الريف والبادية وبين الفقراء والمحرومين والضعفاء ، وهو محبب للنساء وخاصة المتقدمات بالعمر ، وحيث يقوم فصل بين عالمي المرأة والرجل ، والطبقات الدنيا والفلاحين والبؤساء ، وقد تبين من سلسلة دراسات بإشراف عائشة بلعربي في المغرب أن من عادة النساء زيارة الأولياء باعتبار أن المجتمع المغربي يتميز بتقسيم فضائي بين الجنسين ، فكل ما هو مغلق ينتمي إلى قضاء المرأة ، وكل ما هو عام ينتمي إلى فضاء الرجل .. وقد لوحظ أن زيارة الأولياء شبه مقصورة على نساء الطبقات الفقيرة ، ذلك أن الحاجة إلى زيارة الأولياء ترتبط بالمشاكل الاجتماعية التي تمس الناس ومنها البطالة ، والرسوب المدرسي ، كما تتيح الفرصة للتعبير عن النفس ، أي الإفصاح عن الآلام والصعوبات الداخلية التي لا يتم التعبير عنها بصوت عال .


ويقوم بين الدين الرسمي والدين الشعبي صراع خفي ومعلن يتخذ مظاهر عدة في الحياة اليومية ، وقد تمكنت المؤسسة الرسمية ، دينية وسياسية معا ، من منع الممارسات الشعبية في المملكة العربية السعودية ، وتجاهلتها بعض البلدان الأخرى بين الحين والآخر كما في مصر وسوريا والعراق ، وتعايشت معها كما في المغرب العربي لرسوخها في حياة الناس ، وفي مختلف الحالات يبرز الدين الشعبي عندما يكثر الظلم والبؤس من دون تدخل من قبل العدالة الإلهية ، بذلك تحتاج الطبقات الشعبية الفقيرة العاجزة إلى وسيط يتجسد في شخص صالح يشاطرهم حياتهم ويتحسس مآسيهم ويساعدهم على حل مشكلاتهم وينصرهم ضد ظالميهم ويتكلم لغتهم ، لذلك يكثر وجود أضرحة الأولياء والمزارات والزوايا والطرق الصوفية في أحياء المدن الفقيرة المحرومة والقرى النائية التي لا تصلها المؤسسة الدينية المتمركزة في المدينة ، في شراكة مصلحية مع سلطة الدولة ، فلا يكون من الغرب أن يشير الشيخ عبد العزيز بن باز إلى لغة الشعب بأنها " لغة الرعاع والتنكر للغة الفصحى " وإلى أن الفروقات الطبقية أمر طبيعي ولا فرق في الإسلام بين غني وفقير ، بل هم في ذلك أخوان متحابون في الله ، متعاونون على البر والتقوى ، مجاهدون في سبيل الله ، صابرون على دين الله.
وبين الدين ميزوا بوضوح بين الدين الرسمي والدين الشعبي مؤرخ الحياة الدينية حسني حداد ، الذي يقول إنه تحت طبقات تعدد الانتماءات الدينية والطائفية والمذهبية ، نجد تيارا مشتركا من التدين بين كل الفلاحين الذين يؤمنون المزارات نفسها لإظهار تدينهم وتقديم نذورهم ، وللمسيحيين والمسلمين على الساحل السوري عدة أماكن مقدسة مشتركة ، كما أنهم يشتركون في معتقدات وأساطير شعبية تتعلق بقوى الطبيعة والمحظورات والعبادات والنذور ، والتدقيق في هذا التيار الديني المشترك يظهر أن مبادئ العبادة السورية القديمة ، عبادة مظاهر الخصب وقواه في الطبيعة ، ما زالت فاعلة في الريف السوري.


إن الدين الشعبي كما يمارس في المجتمع العربي ويتجلى في الثقافة الشعبية السائدة يشكل أداة من الأدوات المتاحة للشعب في سعيه للتغلب على مشكلاته المستعصية هذا ما يبدو خاصة في مراسم الإذكار والخلوات واستحضار الجن والتسابيح التي يظن أنها تحمي التعساء من نوائب الدهر ، بل قد يتعود هذه الممارسات على النظام السائد بالخير ، فكثيرا ما عرف كيف يستعمل الدين الشعبي كما الدين الرسمي لصالحه بحيث يشكل مهربا من الواقع وليس خروجا عليه ، بلجوئه للأولياء يفوض الشعب أمره لهم بدلا من مجابهة الواقع بالاعتماد على طاقاته وموارده الخاصة ، إن الزوايا ملجأ من الواقع وليست تجاوزا له ، ولكن المؤسسة الدينية الرسمية ليست بأفضل منها ، فليس من المنتظر أن يخرج منها منقذون يتحسسون مآسي الشعب ، تماما كما لم يخرج من طبقة رجال الدين الرسمي في كل التاريخ البشري أنبياء يجددون الحياة .

وبين أبرز الاحتفالات الدينية الشعبية تقاليد الاحتفاء بالأولياء وآل البيت ، ومنهم السيدة زينب .

الصوفية :

للدين الشعبي تجلياته الخاصة في الطرق الصوفية الواسعة الانتشار في المجتمع العربي التقليدي كما في المجتمع المعاصر ، وللصوفية مصادرها الشعبية باعتبار أنها نشأت تلبية لحاجات اجتماعية نفسية اقتصادية سياسية لدى جماعات وأفراد وجدوا بانتمائهم للطرق وسيلة منظمة تمكن أعضاءها من تجاوز عجزهم ، ثم هناك مصدر آخر جاء نتيجة لرفض الانشغال بالأمور الدنيوية القائمة على البذخ وهيمنة المؤسسة الرسمية ، أو لشعور بعض أصحاب الفكر بالاغتراب عن الدين الرسمي المنشغل بالنصوص والسنة انشغالا حرفيا أصوليا متزمتا يضيق من آفاق العقل المبدع ، ولتنوع هذين المصدرين ، سنتناول الصوفية على صعيدين : صعيد الطرق الصوفية التي تندرج في الدين الشعبي ، وصعيد التأمل الفكري كمعاناة في السعي للتوصل إلى الحقيقة.

على صعيد فكري تقلب الصوفية معادلة العلاقة مع الله من علاقة خوف إلى علاقة حب ، وتتجاوز حرفية النص إلى جوهره ومعانيه الرمزية ، فتقدم تأويلات إشراقية انطلاقا من التجربة الذاتية والحدس للتوصل إلى الحقيقة ، من خلال الرياضة الروحية والزهد بغية إقامة علاقة مباشرة مع الله بالتوحد به ، بهذا المعنى ، تتصل الصوفية ، كما يقول أدونيس ، بالتجربة الباطنية ، وتقوم على تجاوز الثقافة السائدة والظاهر المنظم إلى باطن العالم فتعنى بمعانيه الخفية ، إنها تسعى لتجاوز النص إلى المعرفة الكامنة وراءه بتأويله وإرجاعه إلى أصوله والكشف عن حقيقته ، فالظاهر ليس إلا صورة من صور الباطن ، وكما رفضت الصوفية أن تعتمد النص في ظاهره ، كذلك رفضت أيضا أن تعتمد المنطق أو العقل في التوصل إلى صلب الحقيقة ، إن الطريق التي يسلكها الصوفي لمعرفة الحقيقة هي التجربة الحسية أو المشاهدة بالسفر من الظاهر إلى الباطن ، وبالصعود نحو الله والهبوط نحو النفس حيث يوجد الله أيضا ، وينتهي السفر صعودا وهبوطا بالتوحد أو الفناء في الله أو الحب.

ويرى أدونيس أن كلمة صوفي ترتبط بما هو خفي وغيبي ، والاتجاه إلى الصوفية أملاه عجز العقل والشريعة الدينية عن الجواب عن كثير من الأسئلة العميقة عند الإنسان ، وأملاه كذلك عجز العلم ، فالإنسان يشعر أن ثمة مشكلات تؤرقه حتى .. عندما تحل جميع المشكلات بواسطة العقل والشرع والعلم ، هذا الذي لم يحل هو ما يولد الاتجاه نحو الصوفية ، والهدف الأخير الذي يسعى إليه الصوفي هو أن يتماهى مع هذا الغيب أي مع المطلق ، وهذا هو مصدر الخلاف الرئيسي بين الصوفي والفقيه الذي يمثل الدين الرسمي ، ومن هذه الزاوية ، يرى قسطنطين زريق أن بين مصادر التوتر في الحضارة الإسلامية مسألة منهج الوصول إلى الحقيقة ، أي الوحي أو العقل أو التجربة المباشرة ، وقد سلكت الصوفية منهج التجربة الذاتية المباشرة ، وقد سلكت الصوفية منهج التجربة الذاتية المباشرة التي بدأت بالزهد بأمور الدنيا والتقشف والتنسك للمرور في مقامات متتابعة من تطهير النفس.

وكانت الصوفية قد ازدهرت في الإسلام حين بدأت الطبقات النافذة تميل للتمتع بالثروات التي نتجت من الفتوحات ، فأقبلنا عامة المسلمين على الصوفية كبديل يشدد على الزهد والتنسك والتقشف في سبيل تطمين النفس لما رأت من تحول عن الدين ومنهم من اختاروا التشديد على أهمية المعاني الداخلية والرموز والقلب والسعادة الروحية وحب الله من أجل ذاته وليس لأغراض خارجة عن الدين وخوفا من الجحيم أو طمعا بالجنة بحثوا في الحقائق الكبرى بالغوص في النفس الإنسانية فانشغلوا بعبادة الله وتركوا شؤون الدنيا فانعزلوا عن المجتمع ؛ كما تقول أدبيات الصوفية فـ " أجاعوا الأكباد وأعروا الأجساد " واستعانوا بالصبر والصلاة منتظرين الفرج من الله بمحبته والطاعة له فيما أمر والانتهاء عما زجر والرضا بما حكم وقدر ، وقد صدر الإحساس بالرضا من مقولات " استقبال الأحكام بالفرح" والاطمئنان إلى سرور القلب بمر القضاء والفقر أحب من الغنى ، فـ " الراضي لا يتمنى فوق منزلته"

وعلى صعيد نشوء الطرق الصوفية وانتشارها فقد كثرت الدراسات حولها في مختلف عصورها واتجاهاتها ، ويتبين منها أنها انتشرت لظروف تاريخية وفي مختلف العصور حيث يوجد المسلمون متجاوزة حدود البلدان ، وتنشأ كل طريقة حول ولي مؤسس تعرف باسمه ، وبين أهم الطرق الصوفية الواسعة الانتشار في المجتمع العربي تلك التي اتبعت عبد القادر الجيلاني ( توفي سنة 1166م) ، وأحمد الرفاعي ( توفي عام 1775م) ، وحسن الشاذلي ( توفي سنة 1258م) ، وأحمد البدوي ( توفي عام 1257م) ، وقد ذكر عالم الاجتماع الأمريكي مور بيرغر أن 64 طريقة صوفية كانت تعمل في مصر في الستينات وتمثلت جميعها في المجلس الصوفي الأعلى.


وتنتظم الطرق الصوفية حيث وجدت تنظيما هرميا ، فيكون شيخ المشايخ في رأس الهرم يليه الشيخ فنائبه أو الوكيل ( في الأقاليم الرئيسية ) فخليفته ( رئيس الزاوية) فالمريدون ، وتأتي هذه السلطة المتدرجة على أساس الخبرة والمقدرة ، ولكن كثيرا ما ينتقل المنصب في العائلة من جيل إلى جيل ( بحسب سلسلة البركة المتحدرة في العائلة ) .


وبين أهم الطقوس المتبعة في الطرق الصوفية حلقات الذكر ، وهناك الذكر الخفي (الذي يحصل فيه ترديد ذكر الله في الذهن وبصوت منخفض ) والذكر الجلي (إنشاد قصائد دينية وتراتيل صوفية وتوسلات لآل النبي ) ، ومهما كان نوع الذكر المتبع فهو يتطلب نية صالحة وصافية وحضورا ، وتنشط الطرق الصوفية في الموالد ومنها موالد النبي والحسين وزينب ، وموالد الأولياء ( كمولدي أحمد البدوي في طنطا وإبراهيم الدسوقي في دسوق ) وموالد خاصة تحصر بأولياء أهل الطريقة أو جماعة ما كذلك مهما كانت طبيعة هذه الموالد والمواسم ، فإن لها أهمية اقتصادية وتحدث في مواسم البحبوحة ، ومثالا على ذلك أن مولدي البدوي في طنطا والدسوقي في دسوق يحصلان توا بعد حصاد القطن في آخر الصيف ، وبحسب التقويم القبطي وليس بحسب التقويم الإسلامي القمري كي لا يتغير موعده.

ويعتبر الولي عارفا بالله وسيطا إليه وحكما يصلح بين الناس وعالما قادرا على منح البركة وصنع العجائب والخوارق والكرامات ، يقصده المتعبدون حاملين إليه أعطياتهم ونذورهم كي يستجيب لتوسلاتهم وطلباتهم وشكاويهم ، وحين يقدم المتعبد نذوره ووعوده ، يبدو وكأنه يضع شروطا فيقول مثلا : إذا عملت كذا وكذا يا ولي الله أعمل لك كذا وكذا ، وكثيرا ما تتلاشى العلاقة الرسمية ويزول الورع في توجه المتعبد إلى الولي فنرى أنه يقصد الضريح ويقرأ الفاتحة ثم يصرخ " يا أ؛مد ، يا بدوي ، يا شيخ العرب ، أقصدك ... " .

الدين والعائلة :

هما أكثر المؤسسات الاجتماعية تقليدية وتكاملا وتداخلا وعضوية حتى ليصعب الفصل بينهما منذ بدايات التكون الاجتماعي ، يعزز كل منهما موقع الآخر فيشكلان معا صرحا منيعا في الدفاع عن التقاليد ، ولكن عند المقارنة بينهما ربما يمكن القول أن العائلة سابقة للدين بمعنى أنه نشأ أصلا في كنف العائلة التي كانت مركز التعبد والنشاطات الدينية الأولى ، وقد كان السلف موضوع التعبد كما كان سيد العائلة هو الكاهن أو الإمام الأول ، ونعرف كذلك أنه كان لكل قبيلة إلهها الخاص بها ، وأن القبائل المغلوبة كثيرا ما كانت تتبنى آلهة القبائل المنتصرة عليها ، وأن التجمعات القبلية كانت تمتاز بتعدد الآلهة ، فيما تميل المجتمعات المتماسكة نسبيا للتوحيد ، لذلك أميل للاعتقاد ، عكس ما هو سائد ، بأن العائلة هي التي طبعت الدين بصورتها ولها الأولوية عند التناقض ، ولكن الدين عاد فعزز من أشكال الحياة العائلية وقيمها التقليدية في أصولها الأولى منحها القداسة التي تجعلها مساوية له في أهميتها من حيث رسوخها في الواقع الاجتماعي.

درس أحمد الربايعة عبادة الأصنام في الجزيرة العربية قبل الإسلام ، وبين أهم ما توصل إليه وصف العلاقة التاريخية بين العائلة والدين ، فقد اعتبر أن الديانة الوثنية ديانة وضعية ، أي من وضع البشر ، وقد نشأت بفعل الضرورة الاجتماعية ، ولكنه بهذا ربما أراد أن يوحي للقارئ خطأ وتخوفا بأن الديانات التوحيدية ليست وضعية ولم تنشأ بفعل الضرورة الاجتماعية .
يظهر الربايعة أن الكعبة كانت تحظى بعدد كبير من الأصنام يزيد على 300 صنم ، كان توزيع هذه الأصنام منسجما مع التوزيع القبلي ، ومثلا على ذلك ، كانت قريش وكنانة تعبدان هبل وصنمه بصورة إنسان من عقيق أحمر ، والأوس والخزرج مناة التي أجمع العرب على تعظيمها ، ويتكون صنمها من حجر أسود ، وبنو ثقيف وأهل مكة جميعهم اللات ، وبنو سليم العزى التي كان صنمها أعظم الأصنام عند قريش ، وهو عبارة عن ثلاث شجرات.

ومن ناحية أخرى تتصف العلاقة بين العائلة والدين بالتناقض كما بالتكامل ، وفي آن معا ، حاول الإسلام من ناحية استبدال الولاء القبلي بالولاء الديني ودمج القبائل المتنازعة في أمة موحدة الرؤية والمصير ، ولكنه أكد في الوقت نفسه على الأهمية القصوى للأسرة كنواة للمجتمع حض على طاعة الأهل وإكرامهم ، وليس في الأمر غرابة فالأفراد يرثون دينهم وينشأون على تعاليمه في العائلة ، وتكون المحافظة عليها والتمسك بها وتقدسيها بحد ذاتها محافظة على الانتماء الديني بذاته ، ولهذا تصر مختلف مؤسسات الأديان على الإشراف والوصاية على الأحوال الشخصية ، وقد عمل الدين على تثبيت النظام الأبوي وتعزيزه على حساب النظام الأمومي الذي كان معروفا لدى بعض القبائل العربية ، وشكل مصدرا أساسيا لكثير من التقاليد والقيم التي تنظم الزواج والطلاق والإرث ونوعية العلاقات الأسرية ، وذكرنا من زاوية أخرى أن الأعراف العائلية والقبلية قد تتناقض مع الأعراض وحتى مع الشرائع الدينية ، وتتخذ في كثير من الأحوال الأسبقية عليها بسبب رسوخ الحياة العائلية في المجتمع العربي وشدة ارتباطها بالشؤون المعيشية وباعتبارها الجماعة الوسيطة الأهم في تأمين الضمان الاجتماعي لأفرادها ، ومن هناك إن ولي أمر البنت يستطيع أن يمنعها من الزواج بمن تريد رغم أن الشرع يقرر لها هذا الحق.


وبين أهم جوانب العلاقة بين العائلة والدين التشابه الكبير بين صورة الأب وصورة الله في أذهان المؤمنين والمؤمنات ، فيصلي المسيحيون ، أبانا الذي في السماء ، ويقول بولس الرسول في إحدى رسائله ، " يا إخوة اشكروا الله الآب " رغم ما يقال في الكنسية المسيحية من أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله ، ونستطيع أن نتفهم شدة التشابه بين صورة الله وصورة الأب من خلال الأسماء الحسنى ، في الإسلام ، فكلاهما يوصف بأسماء الرحمة والتجبر في آن معا ، تطلق على كل منهما من ناحية الأسماء التالية المستمدة أصلا من وظائف دور الأب في المجتمع العربي التقليدي والتي تشدد على جوانب الرحمة والعطاء ، الرحيم ، الغفار ، الوهاب ، الرزاق ...الخ .

الدين والطبقات الاجتماعية :

أ ـ استخدام الدين في إضفاء الشرعية على النظام العام القائم وتسويغ امتيازات الطبقات الغنية والحاكمة :

نشأت طبقة ارستقراطية في المجتمعات الإسلامية وجدت في الدين طريقها إلى الثروة ، في هذا المجال حدثنا علال الفاسي عن ظهور ما أسماه نظريات شاذة لحل المشكلة الاقتصادية في التاريخ الإسلامي بعد موت الرسول ، فيقول أنه بتوسع الفتوحات " كثرت الأموال في يد المسلمين .. وتغلبت الأهواء على بعض ولاة الأقاليم وأعوانهم ، فأخذوا يستغنون ويتأثلون ، ولم يعد لهم من الزهد أو الورع ما كان للرسول وخيرة أصحابه .. وتميزت الطبقات فأصبح هناك فقراء مدقعون وأغنياء مترعون ، ونشأ في الأولى روح الانتقاد على الثانية فأخذت تتألب وتبحث عمن يقودها لمقاومة الثروة غير المعهودة والمطالبة بالمساواة في أسباب المعاش ، طبقا لما كانت تفهمه من تعاليم القرآن الأولى ، وأول حركة اجتماعية ظهرت من هذا القبيل كانت تحت لواء الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري .

والأحرى أن نقول إن الأموال كثرت في أيدي بعض المسلمين بدلا من يد المسلمين ، إذ لم تذهب إليهم بالتساوي ، بل جعل النافذون منهم " يبحثون في تعاليم الدين ومبادئه وأحكامه عما يمكنهم من تحقيق أهوائهم " فقد استغل هؤلاء أحكام الإسلام ليستمتعوا بزينة الدنيا التي بدأت تنصب عليهم ، بذلك تكونت طبقات اجتماعية جديدة وعائلات لها امتيازاتها " كالمهاجرين والأنصار وأهل بدر وأهل القادسية وكذلك أصحاب النسب الهاشمي ، والقرشي والأشراف .. وأبناء الأنصار والمهاجرين وأصبح الهاشميون من أهل السعة والرخاء يتمتعون بشرف الملك ولا يحملون أوزاره أو أعباء تبعاته ، فانغمس أكثرهم في الترف ، ومع الزمن اجتمع لبعضهم مال كثير وثروات طائلة بمختلف الطرق .. وأخذ أبناء هذه الطبقة الأرستقراطية النسب يقدرون قيمة الأرض ويسعون إلى امتلاكها ، وتحولت تلك الأرستقراطية القائمة على فكرة النسب الرفيع إلى ارستقراطية مالكة للأرض وحضرية ، أي أصبحت تقوم على قاعدة مادية ، فترسخ التباين الاجتماعي والاقتصادي بينها وبين بقية العرب .

منذ البدايات الأولى نشأت تفسيرات مختلفة ، بل متناقضة للإسلام ، فمن الواضح أن الناس ينظرون إلى دينهم ويفسرونه من مواقعهم الخاصة في البنية الطبقية ومن منظور علاقتهم بالطبقة الحاكمة ، وبهذا المعنى يظهر صادق العظم أن مجموعة من المفكرين ورجال الدين الإسلامي " يجهدون أنفسهم في إضفاء الشرعية الإسلامية على النظام الذي يرتبطون به مهما كان نوعه ، إن كل نظام حكم عربي ، مهما كان لونه ، لا تنقصه المؤسسات الإسلامية المحترمة ، المستعدة للإفتاء بأن سياسته منسجمة انسجاما تاما مع الإسلام .

الدين في مرحلته التأسيسية الأولى كثيرا ما يمثل ثورة شعبية ضد النظام السائد والطبقات والعائلات الحاكمة ، ولكنه ما إن يترسخ حتى يتحول إلى مؤسسة وسلطة تلتزم بأولويات نفوذها واستمرارها ، لذلك توصل ماكس فيبر إلى إبداء ملاحظة ذكية هي أن أحدا من الأنبياء لم يأت من طبقة رجال الدين ، ومن هذا أن المنقذين في الهند ما كانوا قط من البراهمة ، والسبب في ذلك ، بكل بساطة ، هو أن رجال الدين هم مؤسسة تقليدية هرمية بحد ذاتها وجزء لا يتجزأ من هرمية المجتمع الطبقية ومنها يستمدون مكانتهم ونفوذهم ومداخيلهم المادية .

ثم إن الدين يخدم حاجة نفسية لدى الأغنياء المحظوظين ، فيقول فيبر ، إن المحظوظ نادرا ما يرضى بحقيقة كونه محظوظا ، بالإضافة إلى ذلك ، يحتاج أن يعرف أن لديه الحق بثروته الفائقة ، يريد أن يقتنع أنه يستحق ما يملك ، وقبل كل شيء بالمقارنة مع الآخرين ، يرغب أن يعتقد أن الأقل حظا ينالون ما يستحقون إن الثروة الطائلة تريد أن تكون ثروة شرعية ، وقد وجد روجيه غارودي تلازما بين هرمية الملائكة والكائنات المقدسة في لاهوتية المسيحية في العصور المتوسطة من ناحية ، وبنية المجتمع الإقطاعي من ناحية أخرى ، وهذا ما توصل إليه بحث مشابه حول الأصول الطبقية للقديسين في الكنيسة الكاثوليكية ، فقد تبين أن 77% كانوا ينتمون للطبقة العليا ، و17% فقط للطبقة الوسطى ، و5% فقط للطبقة الدنيا.

إن الطبقات الحاكمة لا تختلف عن طبقة التجار من هذه الناحية ، فتحرص هي أيضا على استعمال الدين في ترسيخ شرعيتها وتثبيت سمعتها في التقوى الاستقامة ، في هذا المجال ، نشير إلى قول الزعيم الهندي لال نهرو أن الاستعمار البريطاني كان يشجع المساجين السياسيين على قراءة الكتب الدينية اعتقادا منه أنها تشجع على التسليم بواقع الأمر وعملا بالقول الشعبي : الناس على دين ملوكها.

تسويغ الفقر :

مما ساعد على تسويغ الفقر أن التراث الديني دعا للزهد وقلل من أهمية هذا العالم فأسماه " الدنيا " و "ا لبسيطة " وردت في كتابه إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي المتوفي عام 505هـ / 1111م أحاديث عن " فضيلة الفقر على الغنى" رغم قول النبي " كاد الفقر أن يكون كفرا " والقول الشعبي " الجوع كافر " ومن هذه الأحاديث ما يلي : يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام ، إن لكل شيء مفتاحا ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء لصبرهم ، هم جلساء الله تعالى يوم القيام " ، " أحب العباد إلى الله تعالى الفقير القانع برزقه " " الجوع عند الله في خزانة ، لا يعطيه إلا لمن أحبه " " إذا رأيت الفقير مقبلا ، فقل مرحبا بشعار الصالحين" .

تسويغ الطبقية :

نشأت تيارات دينية محافظة تعتبر الفروق الطبقية " ناموسا إلهيا .. وسنة ثابتة من سنن الحياة " واستعنا بتفسير الشيخ فيصل المولوي حول معنى الآية 32 من سورة الزخرف ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون) . فأجاب أن " الآية تشير إلى سنة ثابتة من سنن الله عز وجل وهي تفاوت الرزق بين الناس ، والتسخير ظاهرة بشرية اقتضتها حكمة الله عز وجل في تعمير الأرض عن طريق اختلاف المواهب والطاقات البشرية التي تؤدي إلى تفاوت الرزق ، وطبيعة هذه الحياة البشرية قائمة على أساس التفاوت في مواهب الأفراد".

ونتيجة لمثل هذه المحاولات لتسويغ الفقر والطبقية ، نشأت ثقافة تدعو ليس فقط للصبر ، بل أيضا للتسليم بواقع الحال ، فجرت تساؤلات عديدة حول قبول الفلاحين والعبيد أوضاعهم وعدم تمردهم ، ومما لاحظه بعض الباحثين قيام نزعة نفسية عند شرائح من هؤلاء للاعتقاد بأنهم خلقوا معدمين أو عبيدا " كما خلق الجمل لأن يكون جملا " ، وربما لهذه الثقافة التسويقية وما يتفرع عنها من اعتقادات دورها في استمرار العبودية حتى منتصف هذا القرن في عدد من البلدان العربية.


الاختلاف الطبقي في فهم الدين وممارسته :

تختلف الطبقات في فهمها للدين وتفسيرها له من مواقعها الخاصة وكيفية ممارسته في الحياة اليومية ، فنجد أن التعبد لدى الفلاحين وفقراء المدن يتركز على الأضرحة والأولياء وشخص الإنسان الصالح بدلا من المؤسسة الدينية ، هذا على عكس ما يميل إليه المثقفون ورجال الأعمال والحكام وشرائح الطبقة الوسطى الذين يميلون للدين الرسمي ، ثم إن للبدو ميولهم المتميزة من كل من الحضر وأهل الفلاحة وليس ماركس فحسب الذي يقول أن السلوك الديني يحمل طابع الطبقات التي ينشأ فيها ، فهذا ابن خلدون أيضا يقول بأن اختلاف الأجيال في أحوالهم هو باختلاف نحلتهم من المعاش ، لذلك تختلف جوانب التدين كافة من طبقة إلى طبقة أكان ذلك بالنسبة للمعتقدات والطقوس أم التعبير عن المشاعر الدينية ، إن هناك فروقا بين الطبقات الفقيرة والغنية والضعيفة والقوية في التعبير عن مشاعرها الدينية ، وكثيرا ما تسود بين الطبقات الفقيرة المحرومة مشاعر الحزن والغضب والتمرد والتعلق بشخصيات تاريخية تجسد أحلامها وأمانيها ، فيما تسود بين طبقة الأغنياء المرفهة مشاعر التمسك بالشرائع السائدة التي تمليها المؤسسة الدينية ، ويكون التفسير لبعض الآيات الدينية من موقع الفقراء مختلفا عن تفسيرها من موقع الأغنياء.

كذلك تختلف الطوائف من حيث أساليب حياتها ومدى قوتها ونفوذها وأعمالها وثرواتها ، من هذا أن الشيعة تنتشر في الريف وتعمل في الفلاحة في لبنان والعراق ، وكذلك الفرق المتفرعة عنها كالعلويين والدروز ، بينما تنتشر السنة في المدن وتميل للعمل في التجارة والإدارة ، لذلك يكون التفاوت في القوة والثروة ، ولم يكن من الغريب أن يتم تهميش الشيعة لزمن طويل وأن تكون غالبيتهم من الطبقات الفقيرة المحرومة ، وأن تتسع بينهم الفجوة بين الفقراء والأغنياء في نوع الاستقطاب الطبقي حتى تكاد الطبقة الوسطى تكون شبه معدومة ، في هذا الإطار نردد مقولتنا أنه بتثبيت سيطرة التجار والبدو على المؤسسة الإسلامية ، كان أن مال الفلاحون إلى الشيعة والأقليات الطائفية الأخرى ، وقد استمر الفلاحون في التمسك بالتقاليد الشيعية حتى بعد تحولهم إلى السنة كما يبدو من المعتقدات والممارسات الدينية في المجتمع المصري حتى داخل أحياء المدن ، وكان أن طبعت التجارة السنة بطابعها الخاص في كثير من المجالات الثقافية .


الدين والسياسة :

من منظور مثالي معياري إسلامي ، رأى عدد من المفكرين المسلمين القدامي كالماوردي ( توفي سنة 1508م) وابن حنبل وابن تيمية ( على خلاف ما رأى غيرهم لدى معالجة الشؤون السياسية) إن هدف خلق الإنسان عبادة الله ، وإن هذه العبادة تقتضي تنظيم المؤمنين في دولة خاصة بهم ، وأن هذا الأمر يحتاج إلى قيام حكومة دينية تتبع الشريعة وتلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فتحمي المسلمين ضد الخطر الخارجي وتحقق الروحانية المطلوبة في المجتمع ، بحسب هذه النظريات التقليدية عند هؤلاء المفكرين وغيرهم أن الخليفة أو السلطان " هو حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده " و " إمام عادل خير من مطر وابل وإمام غشوم خير من فتنة تدوم " وإن " طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله " ، وأن " الإمام العادل كالأب الحاني على ولده " وأنه " إذا كان الإمام عادلا له الأجر وعليك الشكر ، إذا كان الإمام جائرا فله الوزر وعليه الصبر".

وما حدث تاريخيا أن " البيعة تحولت ، قبل انصرام العصر الأول ، إلى مظهر شكلي فقدت فيه حتى نظريا معنى الاختيار وعدت .. مناسبة للاعتراف بالخليفة لا لاختياره .. وهذا ما استلزم أن تكون طاعة الحاكم واجب الجماعة الأول نحوه " ، فمال التفكير السائد في العصور المتأخرة " إلى تحويل الطاعة إلى واجب مطلق" وإلى أن الحاكم هو وسيلة " الله في عمله " وهو " ولو كان ظالما خير من الفتنة وانحلال المجتمع " باعتبار " أن السلطة من الله ، ويجب أن تطاع " وأن " الطاعة واجبة خوفا من انقسام الأمة ، واضطراب الأمور " فينصح الرعايا بالقول " أدوا إليهم حقهم وأسالوا الله حقكم " .

من مثل هذه المنطلقات استعملت الطبقات الحاكمة الدين لمصلحتها واتخذته قناعات لسياستها ومصدرا لشرعيتها من ووسيلة من وسائل القمع .

في العصر الحديث ظل الدين أداة ميسورة للسياسة ، تستغله القوة لتشريع وجودها غير الشرعي ، أو لتبريرها مظالمها وابتزازاتها مرة أخرى ، فمن البداية ، استغل الاستعمار الديني التركي الخلافة مطية وواجهة للشرعية ، وباسم الدين نجح في فرض استعماره الغاشم على المسلمين ، وعلى أساس الدين ونظام الملة الذي ابتدعه لم ينجح إلا في أن يفاقم مشكلة الطائفية ويبلورها في العالم العربي .


استخدام الدين كأداة سيطرة :

نشهد في العصر الحاضر أن بعض الأنظمة السياسية والطبقات الحاكمة تمكنت من أن تستخدم الإسلام كأداة فعالة في تثبيت شرعيتها وسيطرتها ، لقد أقامت بعض العائلات الحاكمة شرعيتها على الانتساب للنبي ( كالعائلة السعدية والعلوية في المغرب ، والعائلة الهاشمية في المشرق العربي " وتأسست في عدد من البلدان العربية أسر حاكمة على أساس تحالف قبلي ـ ديني متين كما يتجلى في الوهابية والسنوسية والمهدية ، أو على فرض الوصاية على المؤسسات الدينية والاستعانة بعلماء الدين الذين يبررون سياستها ، أو بث تلك الثقافة الدينية التي تدعو لإطاعة أوليا لأمر ونصرة السلطان وترك السياسة لأصحابها.


وربما يمكننا القول أن السلطة هي التي تمكنت من الاستفادة من الدين في التاريخ العربي الإسلامي فوظفته كأداة في خدمتها وليس بالضرورة في خدمة الأمة وفي سبيل العبادة ، وفي العصر الحديث لم تكتف السلطات العربية في تدعيم سلطتها واستمراريتها بالاعتماد على الجيوش الحديثة والحرس الوطني والرئاسي والأحزاب الموالية والحماية الأجنبية والتحالفات الإقليمية ، بل عمدت أيضا إلى استخدام القبلية والدين والطائفية في تعزيز مواقعها واحتواء المعارضة الداخلية أو القضاء عليها مقرنة خوف الله بخوف السلطة ، والشرائع الزمنية بالشريعة الإلهية.

ومن مظاهر هذا الارتباط بين الدين والدولة بناء المساجد ورعايتها حتى امتلأت بها المدن والقرى والأحياء ، ورعاية الحج والحجاج ، ورعاية المحتاجين عملا بمبدأ التكافل الاجتماعي والانفاق في سبيل الدعوة الإسلامية ، وتأسيس جامعات كبرى متخصصة بالشؤون الدينية ، والحكم بكتاب الله وسنة رسوله بالاستعانة بعلماء الدين والأئمة والخطباء ، وبهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إقامة نظام الشرطة الدينية الذي قيل أنه بلغ عددهم في مطلع العقد الأخير من القرن العشرين حوالي خمسين ألف رجل ، ومن مهمات المطاوعة السهر على احترام النساء قواعد اللباس الإسلامي وعدم الاختلاط بالرجال وإغلاق المتاجر في أوقات الصلاة ومطاردة مستهلكي الكحول حتى في منازلهم وغير ذلك .


استخدام الدين كأداة تحريض :

كما يمكن استخدام الدين كأداة سيطرة أو في سبيل الضبط الاجتماعي والسياسي من قبل السلطة والطبقات أو العائلات الحاكمة والقوى المرتبطة بها ، كذلك يمكن استخدامه في التحريض وإثارة السخط من قبل القوى المعارضة التي تجاهد للوصول إلى الحكم ، أو القوى التي ترغب في الإصلاح خاصة في أزمنة انحلال المجتمع والأزمات الاقتصادية وفقدان الإرادة الوطنية تجاه القوى الخارجية وغياب الحريات المدنية.

هذه ظاهرة تاريخية وبين أفضل الأمثلة الحسية عليها ظهور الصحوة الإسلامية المتمثلة في عدة حركات فكرية وأحزاب ومنظمات سياسية ، وخير مثال للحركات السياسية والدينية في البلدان العربية والبلدان الإسلامية المجاورة هي الإخوان المسلمين والحركة الخمينية التي قامت بالثورة الإيرانية ، فكان لانتصارها تأثيره الكبير في انتشار التنظيمات الدينية كجبهة الإنقاذ في الجزائر ، والنهضة في تونس ، والجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي في مصر ، وحماس في فلسطين ، والجبهة القومية الإسلامية في السودان ، وحزب الله في لبنان.

إن هذه الحركات الدينية التحريضية والمقاتلة تتوزع بين تيارات يميل بعضها إلى اليمين والبعض الآخر إلى اليسار ، وإلى القرب أو البعد من السلطة والاعتدال أو التطرق في استعمال العنف والإكراه والتكفير ، وقد اختلفت التفسيرات والتأويلات الدينية ، ولكنها جاءت جميعا نقيضا لتلك التفسيرات والفتاوى التي تسوغ سياسة السلطة القائمة ، وإن حاولت بعض السلطات استعمال القوى الدينية التحريضية في حربها ضد القوى القومية واليسارية والعلمانية ، كما فعل الرئيس السادات في مطلع السبعينات بالتحالف مع الإخوان المسلمين .

إن استعمال الدين كأداة تحريض لا يمكن فصله عن السياق التاريخي والاجتماعي وعن مصالح وحاجات ومواقع الطبقات الوسطى ، التي تزدهر ضمنها مثل هذه الحركات ، كما ضمن الطبقات الشعبية المكافحة للتغلب على الأزمات الحادة التي تعانيها لزمن طويل ، وليس مصادفة أن الجماعات الدينية تعمل في الأوساط الشعبية وتستمد الكثير من الدعم من شرائح التجار الصغار والمتوسطي الحال والحرفيين والطلبة المهددين بالبطالة والمهنيين والمثقفين الذين لم تستقر أحوالهم الاقتصادية ، ومن المعروف أن نشوء الحركات الدينية اقترن بالأزمات الاقتصادية والسياسية ، وانكشاف ضعف أو إخفاق الطبقات الحاكمة ، كما حدث إثر هزيمة الخامس من حزيران عام 1967م ، وعدم تمكن الحركات القومية والاشتراكية من قيادة القوى الشعبية الباحثة عن مخرج من حالات العجز واليأس ، وقيام إسرائيل كدولة دينية عصرية ، وانتشار الحداثة الاستهلاكية المشوهة ، وتزايد الفروق الطبقية ، ورسوخ التبعية السياسية والاقتصادية للغرب ، وتهدم القيم التقليدية من دون أن تحل محلها قيم جديدة فعالة والهجرة الواسعة من الريف إلى المدينة ، وانتشار الفساد بانحلال العلاقة بين الوسائل والأهداف.


ولا يقتصر التحريض على العداء ضد الأنظمة والسلطات السياسية القائمة ، بل يشمل أيضا وربما بشكل خاص ، تكفير أي تفسير ديني مخالف لتفسيرات الحركات والجماعات الدينية ، ولذلك لا يقتصر التهجم على الفكر العلماني ، بتفكير بعض رموزه وتحليل سفك دمها ، بل كثيرا ما شمل التحريض مسائل فرعية تحول النظر عن القضايا الرئيسية من اجتماعية واقتصادية كقضية الفقر وتزايد الفجوات بين الطبقات ، من هذه المسائل الفرعية مسألة فرض الزي الإسلامي على المرأة والتمسك ببعض التقاليد الموروثة التي لا نعرف حقا مدى مطابقتها أو عدم مطابقتها للأصول الدينية .

وكثيرا ما تحاول هذه الحركات عرقلة التغيير التجاوزي والتحديث بتشديدها على مفهوم حرفي للأصالة والموروث ، مغلقة الأبواب على احتمالات الاستفادة من تجارب الشعوب والحضارات الأخرى بحجة أن المفاهيم الجديدة كالديمقراطية والتعددية والعلمنة والقومية والاشتراكية والمجتمع المدني هي مفاهيم مستوردة وغريبة ، ويكفي أن يقال إن هذه المفاهيم وافدة أو مستوردة أو نبت غريب كي يصرف النظر عنها بدلا من مناقشتها بعقل منفتح وفي ضوء الواقع الاجتماعي العربي ومن منطلقاته ولفائدته وتلبية لحاجاته المستجدة . هنا يكون التساؤل: هل نرفض ، إذا ، أي مفهوم لمجرد أنه غير مستمد من الماضي والتراث ؟ بل إي ماض وتراث نقصد ، إذ ضمن التراب العربي والإسلامي تيارات شديدة التنوع والتناقض ، ومنها ما يشدد على الامتثال الحرفي طوعا أو قسرا ، ومنها ما يشدد على التحرر والتغيير والتجدد الإبداعي الدائم ؟ ليس التراث العربي ذا بعد واحد ، بل خير ما يميزه الصراع بين مختلف وجهات النظر ، وحين يبطل حق الصراع تبطل الأصالة .


استخدام الدين كأداة مصالحة مع الواقع المرير :

قد يستخدم الدين من قبل الطبقات الشعبية المسحوقة العاجزة في تكيفها مع واقعها الأليم المحبط، يحدث ذلك حين تحول الأوضاع السائدة الطبقات الشعبية إلى كائنات عاجزة منشغلة بمهمات تدبير شؤون معيشتها ، فلا يكون لديها فيمثل هذه الأوضاع سوى خيارين : إما أن تلجأ إلى العنف العبثي أو إلى الاستسلام ، عندما لا تتوفر لها إمكانيات تأسيس حركات ثورية تعمل من ضمنها على تغيير واقعها تغييرا جذريا ، في مثل هذه الأوضاع ، وفي مناخ من اليأس وفقدان الأمل ، كثيرا ما تلجأ الطبقات الشعبية المسحوقة بالفقر والقمع إلى الدين لتستمد منه العزاء والقدرة على التحمل والقناعة والرضى والتقليل من أهمية هذه الحياة ، مما يؤدي بها إلى الاستكانة والمصالحة مع واقعها التعس.


الصراع بين العلمانية والسلطة الدينية :

أن مفهوم العلمنة لا يزال بين أكثر المفاهيم سجالية وحساسية وغموضا في الثقافة العربية بعد مرور ما يزيد على قرن ونصف من تداوله وانتشاره ، وقد تشكلت حوله ثلاث مواقف أساسية : موقف الرفض الذي تتخذه خاصة المؤسسات والحركات الدينية ، وقد تتشدد في رفضها فتتهم مختلف العلمانيين بالإلحاد والكفر ، وموقف الحذر بعدم الخوض بهذه المسألة ، ,أخيرا موقف القناعة بضرورة العلمنة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من ضرورات تحقيق النهضة والتقدم.

يرى حليم بركات أنه حين تهاجم المؤسسات والحركات الدينية الدعوة إلى العلمنة لا يعني ذلك أنها تناقش هذه المسألة بموضوعية بغية تبيان سيئاتها وحسناتها أو كونها صالحة أو غير صالحة للمجتمع . على العكس من ذلك تماما ، تهدف إلى منع مناقشتها فتصوب إليها رصاصاتها القاتلة باتهامها خطأ بأنها مفهوم مستورد من الغرب ولا علاقة له بالواقع العربي ، وبأنها دعوة للإلحاد ، وبقدر ما يميل موقف الرفض للتشدد في حكمه ، بقدر ما نجد أن هناك ميلا واسعا بين المقتنعين بالعلمانية للحذر وتجنب المسألة خوفا مما يسميه صادق العظم " ذهنية التحريم " وما يصفه نصر حامد أبو زيد بـ " العداء " الذي يصل إلى حد التحريم ومأساة التفكير في زمن التكفير ، لذلك يستدعي الاقتناع بالعلمنة الجرأة في الإعلان على أنها ضرورة قصوى للنهوض والعمل على إيصالها إلى الرأي العام على حقيقتها.

كما يرى أن العلمنة ليست دعوة للإلحاد أو إلغاء الدين أو التخلي عن الإيمان أو التحيز لدين معين من موقع دين آخر ، إن النزوع التاريخي لقيام مفهوم العلمانية جاء نتيجة لضرورات تأمين كل الحريات والحقوق الإنسانية ومساواة البشر بمعزل عن خلفيتهم أو انتماءاتهم ، وأن يتم ذلك في مناخ من الاحترام والتسامح المتبادل كيف ، إذا ، دخل مفهوم العلمانية إلى الثقافة العربية ؟ هل جاء تلبية لحاجات عربية أصيلة أم تم استيراده من الغرب انتقائيا كإحدى السلع الفكرية وغير الفكرية التي غزت المنطقة منذ بدايات الاندراج في النظام الغربي الرأسمالي.

يعتبر البعض أن العلمانية مفهوم مستورد من الغرب وليس لها جذور في الواقع العربي رغم ما يقال ( كما فعل فرح انطون في حواره مع الشيخ محمد عبده ) من أن لها أصولا في فلسفة ابن رشد . يقول طارق البشري إنه " من أخطر الانقسامات التي تعانيها الحركة العربية .. الانقسام بين التيار الوطني العلماني وتيار الإسلام السياسي .. فإن العلماني الوطني يرى .. أن منهجه هذا من طبائع الأشياء وهو في صياغته لحقائق التاريخ لا يدرك أن نظرته هذه نبت وافد ، ولم يفد قبل أكثر من قرن ، ولم ينم في البيئة الفكرية الحضارية قبل القرن العشرين ، ولم يتمكن من التربة ويكسب شرعيته الوطنية قبل نهاية الحرب العالمية الأولى " ويضيف البشري في مقال آخر في مجلة الديبلوماسي التي تصف نفسها بأنها منبر الحوار بين الثقافات والحضارات ، ورغم ما يعرف عنه من اعتدال ، أنه لا جدوى من الحوار مع العلمانيين ممن يعتقدون التفكير المادي الذي ينكر الغيب ، ولا مع الفئات التي " تغربت قلبا وقالبا وابتعدت عن جذور أمتها " من دون أن يوضح من هم هؤلاء حقا، خاصة في الوقت الذي يطلق الإسلاميون فيه هذه النعوت على كل من يقول بالعلمنة، ومن هذه الناحية يكون محمد عبده أكثر اعتدالا من طارق البشري ، فقد تحاو مع كل من فرح انطون وشبلي الشميل وهما من رواد التفكير المادي والعلماني ، مع العلم أن غالبية دعاة العلمانية لا تنتسب للمنهج المادي.


ويرى أن العلمانية مبدأ إنساني وقناعة تمت تدريجيا في مختلف مجتمعات وحضارات العالم نتيجة لتحولات اجتماعية بنيوية ولتجارب إنسانية أصيلة في معاناة التحرر ، وقد أظهرنا أنها نمت في المجتمع العربي استجابة لمشكلات وحاجات أساسية متداخلة يستحيل الفصل بينها ، ومنها الحاجة للاندماج الاجتماعي والسياسي في مجتمع مجزأ والحاجة للمساواة بين المرأة والرجل ، والحاجة للعمل بقوانين يتساوى أمامها كل المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم ، والحاجة للحد من إساءة الدولة استخدام الدين لأغراض سياسية وفئوية وطبقية ، ولا ريب في أن العلمانية متصلة بالصراع بين قوى السلفية الغيبية وقوى الحداثة ، وبتبدل المفاهيم للقوانين والقيم من أقانيم ثابتة مطلقة مقدسة صالحة لكل زمان ومكان إلى مبادئ اجتماعية يصوغها الإنسان ثم يعيد صياغتها انطلاقا من موقعه ووضعه والتبدلات التاريخية.


الدين والتغيير التجاوزي :

الاغتراب في الدين :

كثيرا ما يشكل الدين في مرحلته التأسيسية الأولى ثورة شاملة فيدمر نظاما قديما ويقيم مكانه نظاما جديدا ، إن ظهور الإسلام ونجاحه المذهل في نشر الدين الجديد جاء نتيجة للأوضاع والأحوال السائدة ليس فقط في الجزيرة العربية بل في المنطقة كلها ، ومنها الضعف الذي عانته كل من الحضارة الفارسية والحضارة الرومانية بعد صراع طويل الأمد ، ومن موقعه المركزي في معابر الحضارات المتنازعة، تمكن الإسلام من أن يوحد مجتمع الجزيرة العربية القبلي ، وإن لم يتمكن من القضاء الكلي على الروح القبلية ونزاعاتها.وقد شكل الإسلام فعلا في مرحلته الأولى طاقة روحية ثورية غيرت التاريخ الإنساني.

في هذا السياق يقول محمد أركون أن الكتابات التقليدية تعطي صورة مثالية عن الخلفاء الأربعة الأول في الوقت الذي مات فيه ثلاثة منهم قتلا ، وقد صرف النظر عن الأسباب الكامنة في طبيعة الصراع للوصول إلى السلطة في المجتمع العربي ومسألة العصبيات القبلية التي لعبت دورا كبيرا في هذا الصراع وممارسة الحكم ، ومن المعروف أن " النبي نفسه ينتمي إلى عائلة محدد هي بنو هاشم أحد أفخاذ قبيلة قريش المشهورة ونحن نعلم أن دعوته وتبشيره كانا قد لقيا معارضة العائلة المنافسة وهي بنو سفيان التي كانت تمارس السلطة آنذاك في مكة ، وعندما طرحت مسألة الخلافة بعد وفاة النبي كان كل من الفخذين موجودا على الساحة ومستعدا لخوض الصراع ، كل التاريخ المتولد في ما بعد يحمل سمات هذه المنافسة الأولية ، وصولا إلى المنافسة التي لا تزال مستمرة حتى اليوم بين السنيين والشيعيين " .

إن الإسلام لم يتمكن من التغلب على العصبيات القبلية ، وهي محور تحليل ابن خلدون للتاريخ الإسلامي ، إلا أنه أعطاه بعدا جديدا بتوحيد الأمة وتزويدها برسالة جديدة وطاقة روحية كفاحية في سبيل تحقيق أهداف عليا ، وبهذا يكون الإسلام نتيجة لمكوناته الاجتماعية ـ التاريخية ، وسببا في الوقت ذاته لإطلاق حركة غيرت وجه التاريخ ، ومع هذا يظل هذا الصحيح أن الأفكار ، روحية كانت أو زمنية ، لا تنجح وتستمر ما لم تنسجم مع مصالح جماعات وطبقات محددة تفرض تفسيراتها الخاصة لهذه الأفكار ، كذلك من الصحيح أن نقول إن الدين حتى في مراحله الأولى استمرار للواقع الاجتماعي الذي نشأ فيه ، كما أنه ثورة عليه ، وكثيرا ما يكون من مصلحة الدين الجديد أن يشدد على أنه يمثل قطيعة تامة مع الماضي ، فيصف ما قبله بالجاهلية ، وهذا ما تلجأ إليه مختلف الحركات الثورية بعد انتصارها.

من هنا إن الرأي الديني لم يتمكن من قبول مقولة طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي بأن الكثير من القواعد والأعراف والمعتقدات والأنظمة الإسلامية لها مصادرها وجذورها في المجتمع القديم ، وتراجع طه حسين كما ذكرنا ليس فقط تحت ضغط المؤسسة الدينية بل أيضا نتيجة لنصائح أصدقائه وأقرب المقربين إليه من المتنورين من أمثال أحمد لطفي السيد وعبد الخالق ثروت ومحمد حسين هيكل بالتخلي عن هذا الكتاب والاستعاضة منه بطبعة ثانية بعنوان في الأدب الجاهلي حذفت منها العبارات السجالية.

ومهما يكن ، فإن للإسلام والشريعة الإسلامية بالذات جذورا تاريخية في مجتمع الجزيرة العربية القديم ، وبين من حاولوا توثيق هذا الادعاء خليل عبد الكريم الذي يقول إنه من الإساءة للإسلام هذا الدأب على وصف تلك الحقبة بالجهل والضلال ، وعلى الميل للتعتيم على ما ورثه من القبائل العربية التي كانت موجودة إبان ظهوره في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي ، ويضيف خليل عبد الكريم إن الكثير من القراء قد يدهش عندما يدرك أن الإسلام قد أخذ من " الجاهلية " كثيرا من الشؤون الدينية والتعبدية ، ويذكر أن بين الشعائر التعبدية التي ورثها الإسلام تعظيم البيت الحرام أو الكعبة التي كانت تقدسها القبائل العربية قاطبة وحرصت على الحج والعمرة إليها وإقامة المناسك التي يقوم بها المسلمون حتى اليوم ، وتقديس شهر رمضان ، وتحريم الأشهر الحرم ، وتعظيم إبراهيم وإسماعيل الذي " أنطقه الله بكلام العرب " ويوم الجمعة على أنه يوم الاجتماع العام.


هناك التفاعل المعقد بين الدين والواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، لذلك فقد يكون الدين استمرارا لما سبقه بقدر ما يكون عامل تغيير ، كما قد يكون عامل محافظة على الأوضاع السائدة ، ويتم كل ذلك في سياق تاريخي محدد ، ولا نستطيع أن نجزم ما إذا كان التغيير مفيدا أو مضرا بشكل مطلق ، فقد يكون مفيدا للبعض ومضرا للبعض الآخر ، لذلك لا ننظر إلى الأفكار والمعتقدات الدينية خارج الصراع القائم بين الأمم والطبقات والجماعات ، وهذا ليس شأن الإسلام فحسب ، بل كل الأديان والحركات الاجتماعية والسياسية ، كما هو شأن الإبداعات الإنسانية من روحية أو فكرية أو مادية ، من ذلك أن التقنيات والمخترعات من قديمة وجديدة يمكن استعمالها لغايات متناقضة ، ومنها ما ينظر إليه على أنه سلبي أو إيجابي ، ومعيق ، أو غير معيق ، للتغيير من منطلقات مختلفة.


هناك من ينظرون إلى الدين كعقيدة تعكس مصالح خاصة بفئة أو طبقة معينة وتخدم القوى السائدة أو القوى المعارضة لها بحسب التأويلات التي تقدمها هذه الجماعات والطبقات المتنازعة ، وهناك وعي صحيح أو زائف بحسب المنظور الذي تعتمده القوى المتصارعة وبحسب نوعية الاستخدامات ، فيستخدم الدين من قبل القوى المحافظة أداة ترسيخ للواقع القائم أو أداة تغيير من قبل القوى التي يكون التغيير في مصلحتها وللخروج من الواقع المرير الذي تعيشه ، من هنا الفروق الشاسعة بين سكان الحضر وسكان الريف والبدو وبين الطبقات العليا والوسطى والسفلى في فهمها للدين واستخداماتها له .


لقد جاء الإسلام استمرارا وفي الوقت ذاته ثورة ، ثم تحول بمرور الوقت ونتيجة لظهور طبقات جديدة إلى مؤسسة محافظة تقاوم التغيير ، إن الإسلام الحاضر هو كل ذلك ، فلم يتغلب على العصبيات القبلية التي ظلت تترك آثارها فيه وساهمت مع الوقت بتحويله إلى مؤسسات وممالك على الأقل منذ الخلافة الأموية وحتى الوقت الحاضر ، ونشأت في الإسلام ومن ضمنه حركات ثورية ، ولكن كان يتم احتواؤها رغم الصراع الدائم بين ما أسماه أدونيس : الثابت والمتحول أو الاتباع والإبداع.


وفي الزمن المعاصر ، ما زال الدين يفسر من قبل المؤمنين من مواقعهم الخاصة ، فلم تضعف صلته العضوية بالواقع ، وكان من الطبيعي أن تنشأ إلى جانب الحركات والثقافات التسويغية حركات وثقافات مضادة تشجع على التمرد والعصيان حدث ذلك منذ بدء انهيار الحكم العثماني والغزو الأوروبي ، فمر المجتمع العربي في مرحلة انتقالية لا تزال مستمرة ، ولا يزال يواجه من خلالها تحديات مصيرية ، فيسعى جاهدا للنهوض والتحرر والبدء في بناء مجتمع جديد ، في إطار هذه المرحلة الانتقالية المستمرة ، ومن خلال الكفاح المرير ، نشأت تيارات فكرية وحركات سياسية دينية متصارعة مع نفسها ومع تيارات الحداثة العلمانية ، وسنتناول في الفصول التالية نشوء هذه التيارات والحركات وتطورها ونقوم أدوارها وإنجازاتها ويكفي هنا أن نشير باختصار إلى دورها في عملية التغيير .


إن الدين إذا ما عرفناه كواقع اجتماعي وليس كنصوص وعقيدة ليس قادرا في أوضاعه الحالية على أن يشكل حركة إنقاذ عربية ثورية شاملة ، وذلك لأسباب عدة وهي :

1. تحول الدين من حركة ثورية في بداياته الأولى إلى مؤسسة مرتبطة بالأنظمة القائمة.

2. إن واقع العالم المعاصر واقع قوميات ومجتمعات متنوعة وتعددية في تكويناتها انتماءاتها وليس واقع جماعات دينية ، ولذلك يأتي المجتمع أولا ويكون التعاضد ضروريا بين أفراده وجماعاته مهما اختلفت الانتماءات الدينية والطائفية.

3. إن الواقع الاجتماعي كما وصفناه سابقا في هذا الفصل هو واقع طائفي أكثر مما هو واقع ديني ، فهو كما قال جبران مجتمع كثرت فيه طوائفه وقل فيه دينه.

4. يعاني الدين على صعيد الممارسة كما تقدمها المؤسسة وطبقة العلماء القائمة عليها ، تتعارض مع روح العصر.

5. إن القناعات والمعتقدات الدينية كما تقدمها المؤسسة وطبقة العلماء القائمة عليها ، تتعارض مع روح العصر.

6. إن التساؤل والبحث هما خميرة الحياة والتجدد ، وطالما أن التساؤل والبحث هما قاعدة علمية وفكرية عامة ، فهل نستثني الدين كموضوع تساؤل وبحث واستكشاف وإبداع؟

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 24-07-2007, 03:25 AM   رقم المشاركة : 2
وليد العبد الرزاق
عضو هيئة تدريس ( معيد )







وليد العبد الرزاق غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي

مشكور استاذي
على الموضوع
مجهود رائع
دمت بود

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 08-08-2007, 08:32 PM   رقم المشاركة : 3
سميرة أحمد
اجتماعية من المغرب العربي






سميرة أحمد غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


Icon29 الدين و الحياة .. تنويه

السلام عليكم و الرحمة





تحية طيبة على الموضوع الغني بالمعطيات المفيدة، و تنويه خاص جدا على جودة الكتابة و حسن الاتساق و التنظيم الذي ميز الموضوع.

يستحق التثبيت لتعم فائدته اكثر و لفترة أطول ان شاء الله.

جعلك الله مباركا حيث كنت.

 

 

التوقيع


التعديل الأخير تم بواسطة سميرة أحمد ; 08-08-2007 الساعة 08:34 PM.
  رد مع اقتباس
قديم 09-08-2007, 01:12 AM   رقم المشاركة : 4
فيصل المحارب
استاذ جامعي ( محاضر )






فيصل المحارب غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي

اشكر الاخ وليد العبدالرزاق والاخت سميره احمد على ردودهم الجميله واتمنى لهم التوفيق.

فيصل

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2009, 10:55 AM   رقم المشاركة : 5
ماجد أحمد
اجتماعي جديد






ماجد أحمد غير متواجد حالياً


         

اخر مواضيعي


افتراضي طلب للاستاذ فيصل المحارب ؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
أود الإشارة إلى بيان ( وبشكل مختصر ) الموضوعات التالية :
1/ تعريف الدين لغة واصطلاحا ً وعند علماء الاجتماع ؟
2/ تعريف علم الاجتماع ؟
3/ تعريف علم الاجتماع الديني ؟
4/ علاقة الدين بالحياة الاجتماعية ؟

وجزاك الله خيراً

 

 

  رد مع اقتباس

إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:19 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009

جميع الحقوق محفوظة لـ : لمنتدى اجتماعي
المشاركات والردود تُعبر فقط عن رأي كتّابها
توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
عنوان الموقع : ص.ب 21922  الرياض   11485  المملكة العربية السعودية     فاكس 96612469977+

البحث عن رساله اجتماعيه  البحث عن كتاب اجتماعي  البحث عن مصطلح اجتماعي  البحث عن اجتماعي