معدلات البطالة في المملكة:
تباينها بين المناطق وتفاوتها بين الذكور والإناث
أ.د/ رشود بن محمد الخريف
جامعة الملك سعود
حظي موضوع البطالة في المملكة بنصيب وافر من اهتمام الإعلام والمهتمين بشؤون التنمية خلال السنتين الماضيتين على وجه الخصوص. وهذا يدل – بلا شك - على أهمية هذا الموضوع وحيويته وخطورته. ومن هذا المنطلق، أود إيضاح الإحصاءات المهمة التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن البطالة أو مناقشتها. وسأعتمد في حديثي على بيانات مسح القوى العاملة الأخير الذي قامت مصلحة الإحصاءات العامة بأجرائه في عام 1423هـ. ولكن قبل أن الحديث عن معدلات البطالة وتفاوتها الجغرافي، لا بد من التعريف بمفهوم البطالة وكيفية حسابها.
قياس البطالة:
تُعرف البطالة بأنها الحالة التي لا يستطيع القادرون على العمل، والباحثون عنه، الحصول على العمل. وبناء عليه، فالمتعطلون عن العمل هم القادرون على العمل ويبحثون عنه، ولكنهم لا يجدونه في أي مكان. وعلى أساس ذلك، يتم حساب معدل (أو نسبة) البطالة التي تمثل نسبة هذه الفئة إلى إجمالي عدد أفراد قوة العمل. بعبارة أخرى، فإن تعريف البطالة المتعارف عليه لا يأخذ في الاعتبار أولئك الذين لا يفضلون العمل إلا في أماكن معينة، أو قطاعات محددة، أو وظائف مفضلة. ويعتمد أسلوب تحديد البطالة على استمارة تحتوي على عدد من الأسئلة مثل: هل مارس الفرد عملاً خلال الأسبوعين الماضيين؟ لماذا لم يلتحق الفرد بعمل خلال الأسبوع الماضي؟ ما هي الأعمال التي قام بها الفرد للبحث عن عمل خلال الأربعة أسابيع الماضية؟ هل بإمكان الفرد الالتحاق بأي عمل خلال الأسبوع الماضي لو توفر له؟ هل قام الفرد بأي عمل خلال الأسبوع الماضي؟ ومن الأهمية بمكان معرفة التعريف الإجرائي المستخدم في مسوحات القوى العاملة التي تجريها مصلحة الإحصاءات العامة بوزارة الاقتصاد والتخطيط. وبناء عليه، فالمتعطل هو : " الفرد الذي لم يعمل خلال أسبوع الإسناد، وكان يبحث عن عمل خلال فترة الأربعة أسابيع الماضية المنتهية بأسبوع البحث، ولديه استعداد للعمل خلال أسبوع الإسناد."
حجم القوى العاملة وخصائصها حسب النوع والجنسية
قبل أن نحسب معدل البطالة بناء على بيانات مسح القوى العاملة الذي أجرته مصلحة الإحصاءات العامة ليأذن لي القارىء الكريم أن أعرض بعض الإحصاءات التي أحسبها مفيدة للتعرف على حجم قوة العمل في المملكة وبعض خصائصها المهمة. بناء على مسح القوى العاملة في عام 1423هـ، فقد بلغ إجمالي القوى العاملة في المملكة 6.2 مليون (بالتحديد 6241656). ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى أكثر من 7 مليون خلال هذا العام. وتتوزع القوى العاملة حسب النوع على النحو التالي:
• الذكور السعوديون 43%
• الإناث السعوديات 7%
• الذكور غير السعوديين 43%
• الإناث غير السعوديات 7%
وبناء عليه، يتبين لك – عزيزي القارىء - أن العمالة الوافدة لا تزال تمثل نصف القوى العاملة في المملكة تقريباً. ولا يزال إسهام المرأة السعودية في القوى العاملة منخفضاً. كما يُلاحظ أن الذكور يمثلون حوالي 86% من إجمالي القوى العاملة.
أما بالنسبة للقوى العاملة الوطنية، فيصل عددها أكثر من ثلاثة ملايين (3148722)، أي ما يمثل 50% تقريباً من إجمالي القوى العاملة في المملكة العربية السعودية. وبالمقارنة بالإحصاءات لأعوام سابقة، يظهر أن القوى الوطنية تنمو بمعدلات سريعة نسبيّاً منذ 1413هـ، إذ يقدر معدل النمو نحو 3% سنوياً. فقد ارتفعت نسبة القوى الوطنية من 43% في عام 1413هـ لتصل إلى نصف القوى العاملة في عام 1423هـ. وعلى الرغم الجهود المبذولة المشكور من أجل سعودة وتوطين الوظائف إلا أن هذه النسبة لا تزال أقل من الطموح، مما يتطلب مزيداً من الجهود في هذا السبيل. ولكنها – على أية حال – أفضل بكثير مما هو عليه الحال في بعض دول الخليج العربية.
معدلات البطالة
بالاعتماد على الإحصاءات بنشرة القوى العاملة – 1423هـ، يمكن حساب معدل البطالة لإجمالي القوى العاملة من جهة، وللسعوديين حسب النوع من جهة أخرى. فنسبة البطالة للسعوديين بشكل عام تصل إلى 9.7%. وترتفع النسبة للإناث السعوديات لتصل إلى حوالي 22%، في حين تنخفض للذكور السعوديين إلى حوالي 7.6%. وتنخفض إلى أكثر من ذلك بالنسبة للقوى العاملة بشكل عام (أي القوى العاملة السعودية وغير السعودية) لتسجل 5.27%. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النسب، على الرغم من ارتفاعها النسبي، جاءت أقل مما هو متداول في بعض النشرات التي تصدرها المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي. وقد يرى البعض أن المعدلات أعلى من ذلك، ولكن ينبغي أن نعرف أنه نظراً لأن الكثير من الشباب يفضلون العمل في أمكان إقامتهم وإقامة أسرهم، فإن معدل البطالة بالمفهوم الاجتماعي - وليس الإحصائي - لا بد أن يكون مرتفعاً، ليتجاوز المعدلات المشار إليها أعلاه. نظراً لوجود الوظائف التي يشغلها أفراد العمالة الوافدة، فإن البطالة في المملكة هي من نوع البطالة الهيكلية التي تنتج عن عدم التوافق بين الخصائص المهنية والتأهيلية من جهة، وبين متطلبات الوظائف المتاحة من جهة أخرى.
وعند حساب معدلات البطالة للسعوديين حسب المناطق الإدارية، تبين أن هناك تبايناً في معدلات البطالة من منطقة إلى أخرى. كما يظهر تفاوت كبير بين الذكور والإناث. فيرتفع معدل البطالة للسعوديين إلى حوالي 24% في منطقة الجوف، وتليها الحدود الشمالية بحوالي 21%، ثم الباحة بنحو 17% (انظر: الجدول والشكل أدناه). ومن جهة أخرى، تنخفض في عسير إلى حوالي 6%، وفي مكة المكرمة وتبوك إلى 7%، وفي الرياض إلى حوالي 9%. أما بالنسبة للذكور، فيرتفع المعدل إلى أعلى النسب في منطقة الحدود الشمالية والجوف، وينخفض إلى أدنى النسب في عسير تبوك ومكة المكرمة. وبالمقارنة بالذكور، فإن معدلات البطالة للإناث مرتفعة جداً في بعض المناطق. ففي الباحة على سبيل المثال، يصل معدل البطالة إلى 40%، وفي جازان إلى 38%، وفي الحدود الشمالية حوالي 30%، وفي المدينة المنورة والشرقية إلى 26%. وينخفض نسبياً في بعض المناطق إلى حائل وعسير. وتجدر الإشارة إلى أن هناك اختلافاً كبيراً، يصعب تفسيره، بين نتائج مسح القوى العاملة لعام 1423هـ ومسح القوى العاملة عام 1422هـ، خاصة فيما يتعلق بمعدلات البطالة في المناطق الإدارية.
معدلات البطالة للسعوديين حسب النوع والمنطقة الإدارية (*)
المنطقة الإدارية ذكور إناث جملة
الرياض 6.38 19.83 8.67
مكة المكرمة 5.90 16.89 7.44
جازان 12.19 38.02 15.84
الشرقية 7.01 25.58 9.27
عسير 4.68 12.03 5.54
القصيم 8.91 16.56 10.42
حائل 9.52 11.82 9.97
المدينة المنورة 11.16 26.32 13.11
الباحة 11.07 40.58 17.20
الحدود الشمالية 19.41 29.88 21.12
تبوك 5.51 20.45 6.91
نجران 7.71 17.09 8.73
الجوف 19.26 37.77 23.76
المملكة 7.57 21.70 9.66
(*) معدلات البطالة من حساب الكاتب بناء على بيانات مسح القوى العاملة لعام 1423هـ.
معدلات البطالة للقوى العاملة السعودية حسب النوع والمنطقة الإدارية
الخلاف حول أرقام البطالة
لا أحد يُنكر وجود البطالة في بلادنا كغيرها من الدول أو يقول بأن مستوياتها منخفضة، لا أحد يستهين بآثارها السلبية وما يرتبط بها من مشكلات اجتماعية واقتصادية بغيضة، مثل الفقر والجريمة والأمراض. بل هناك اهتمام كبير على كافة المستويات وسعي دؤوب لإيجاد الحلول الكفيلة بخفض معدلاتها. فهي ترتبط بالفقر ارتباطاً وثيقاً، مما يؤدي إلى الكثير من المشكلات الاجتماعية مثل الطلاق والجريمة، وبالتالي تدهور التنمية وتعثر نمو الاقتصاد. ولكن ينبغي أن نعرف أن إحصاءات البطالة التي أشرت إليها لا تشمل الذين لا يعملون بسبب تفضيلهم العمل في أماكن معينة، ولا تشمل الذين يرغبون العمل في القطاع الحكومي فقط، أو ينتظرون فرصاً وظيفية محددة. ولعل بعض الناس عندما يفكر في البطالة لا يعي بأن عدداً كبيراً من الشباب لا يعمل لأنه يُفضل العمل في مكان بعينه أو ينتظر الفرصة للحصول على عمل أو وظيفة محددة. وبناء عليه، فإذا علمنا طبيعة المنهجية المتبعة لدى المتخصصين والعاملين في مجال القوى العاملة، فإنه من غير المرجح أن يصل معدل البطالة إلى 30% أو 24%- كما تُشير بعض التقارير – خاصة في دولة غنية كالمملكة العربية السعودية لا تزال العمالة الوافدة تمثل نصف القوى العاملة بها! وللمقارنة يُشير تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002م أن معدل البطالة في الجزائر يصل إلى 26%، وفي السودان 17%، وفي تونس 15%، وفي ليبيا 11%، وفي عمان 17%، وفي الأردن 14%، وفي الأراضي المحتلة 51% وذلك في أعوام مختلفة.
وأننا إذ نقدر لمصلحة الإحصاءات العامة قيامها بمسوحات متتابعة لرصد وضع القوى العاملة في المملكة والتعرف على خصائصها، ونثمن لوزارة العمل جهودها في وضع الاستراتيجيات والسياسات المناسبة، واتخاذ القرارات الفاعلة، لنأمل الاستمرار في توفير المزيد من الإحصاءات الدقيقة للحد من التخمينات والتقديرات والإشاعات التي تنتشر كالنار في الهشيم مع غياب الإحصاءات الدقيقة والمعلومات الوافية. نحن في حاجة ماسة إلى إجراء مسوحات دورية لرصد التغيرات في خصائص القوى العاملة في المملكة. وهذا – كما أشعر – هو هاجس الجهات المعنية بهذا الأمر.
ما الحلول؟
هناك الكثير من الاقتراحات والجهود المشكورة, ولكن لعله من المناسب التأكيد على بعض الأمور: (1) ضرورة السعي الجاد لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للتنمية والتي تنص على التوازن في التنمية بين المناطق. وهذا يعني توزيع أنشطة التنمية التعليمية (الجامعات والكليات)، والصناعية (الشركات والمؤسسات)، والتجارية (التجارة الخدمات) في مختلف المناطق، للحد من تركز هذه الأنشطة والخدمات في المدن الكبرى، مثل: الرياض، وجدة، والدمام. (2) تحسين مستوى الأجور لبعض المهن في القطاع الخاص. (3) تشجيع مؤسسات القطاع الخاص للعمل بمزيد من الشفافية فيما يتعلق بالوظائف التي ينبغي إحلال العمالة الوطنية بها. ففي الغالب، يعاني طالب الوظيفة الكثير من المشقة من أجل معرفة الفرص الوظيفية المتاحة. (4) لعل الوقت قد حان لوضع الأنظمة المناسبة لدفع إعانة أو "تعويض عن البطالة" وذلك بعد تحديد الضوابط المناسبة التي تكفل المصلحة وتحافظ عليها، كما هو الحال في كثير من الدول الأخرى. (5) توعية الناس بمفهوم البطالة وكيفية الإجابة عن الأسئلة التي تتضمنها مسوحات القوى العاملة، من أجل تحقيق مزيد من الدقة في إحصاءات القوى العاملة. فالشخص الذي لا يبحث عن عمل بجدية، لا ينبغي أن يدخل ضمن إحصاءات البطالة.
وختاماً، لابد من التأكيد بأن إحصاءات البطالة في المملكة لا تزال في حاجة ماسة إلى مزيد من الدقة. ولا شك أن تعاونك – عزيزي القارىء - مع مسؤولي التعداد السكاني الذي سيجرى قريباً يُعد إسهاماً منك في توفير الإحصاءات الدقيقة لدفع عجلة التنمية وتحقيق المزيد لهذا الوطن الغالي.
حاولت احمل ملفات البطالة ع الموقع بس مافي فايدة