المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث حول(انعكاسات الاحتلال الأمريكي-البريطاني على التنمية الاجتماعية في العراق)


الدكتور عبدالرزاق الهيتي
14-12-2007, 11:21 PM
الجمهورية اليمنية
جامعة تعــز
كليــة الآداب













انعكاسات الاحتلال الأمريكي-البريطاني على التنمية الاجتماعية


(بحث سوسيولوجي لبعض المؤسسات التنموية والظواهر الاجتماعية في العراق المحتل)






الدكتور عبد الرزاق محمود الهيتي
أستاذ علم اجتماع التنمية المساعد في جامعة تعز
قسم علم الاجتماع








2006 م






محتويات البحث

المسلسل
المحتويات
الصفحة

1 المحتويات 1
2 المقدمة 2-3
3 المبحث الأول:- الإطار المنهجي والنظري.
( أهمية البحث وأهدافه، إشكالية البحث، تحديد المفاهيم المستخدمة، منهج البحث، حدود البحث، الإطار النظري، الدراسات السابقة) 3-11

4




المبحث الثاني:- الانعكاسات المباشرة
1 - مؤسسات الرعاية الاجتماعية
2- المؤسسات القضائية والقانونية والجزائية
3- مؤسسات البناء الاجتماعي ( الأسرة والعشيرة )
4- الظواهر السكانية(الزواج,الطلاق،الولادات،الوفيات والهجرة )
5- التقسيم الطبقي والحراك الاجتماعي
6- القيم والأعراف والتقاليد الاجتماعية
7- حقوق الإنسان والحريات العامة 11-25







5 المبحث الثالث:- الانعكاسات غير المباشرة 25-28
6 المبحث الرابع:- نتائج البحث 28-30
7 المصادر 31- 33















بسم اللــه الرحمــــن الرحيــــم
المقدمة

إن أي حرب ( عدا ما يمكن اعتباره دفاعا عن النفس ) ومهما تكن أسبابها أو مبرراتها فهي ليست أخلاقية ولا إنسانية طالما ستخلف وراءها ألاف القتلى والجرحى والمعوقين فضلاً عن الأضرار والخسائر المختلفة المادية منها والمعنوية، فكيف الحال مع غزو تنفذه أعظم القوى العسكرية في التاريخ كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، لدولة صغيرة محدودة القوة والسكان والإمكانيات كالعراق( )، خاصة ونحن نعلم أن هذه الأخيرة تعاني من آثار قاسية بسبب الحصار المفروض عليها منذ ثلاثة عشر عاماً، إذن هي ليست حرباً بل غزواً من قبل قوتين عظمتين لدولة أنهكتها الحروب والحصار، واحتلال سيترتب عليه أثار ومشكلات كبيرة تنعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
أننا ندرك حجم الضرر الذي يلحق بالمجتمع أو بالدولة التي تقع تحت الاحتلال، ويمكننا الجزم بان كل مناحي الحياة وجوانبها تتأثر وبشكل كبير بالغزو والاحتلال، وهذا ما حصل في المجتمع العراقي بسبب الوضع الشاذ الذي أحدثته أمريكا وبريطانيا في العراق مطلع الألفية الثالثة. هذا الوضع الذي سبب الأضرار والخسائر الكبيرة في جميع مؤسسات ووزارات ومشاريع العراق وبنيته التحتية وخططه التنموية، ففي الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام نهب وحرق ودمر حوالي 158 مبنى حكومياً في بغداد وحدها، وعليه فالخسائر الاقتصادية تتطلب فريقا من الخبراء والمتخصصين حتى يتسنى دراستها وتحديدها وبشكل تقريبي، مع إنه يمكن الجزم ودون مبالغة أن الخسائر تقدر بمئات المليارات من الدولارات هذا طبعاً عدا تكاليف الحملة العسكرية التي شنتها أمريكا والتي ستُدفع من واردات النفط العراقي الذي هو تحت السيطرة الأمريكية.
ويدرك كل المتخصصين في علم الاجتماع مدى الانعكاسات الاجتماعية السلبية والخطيرة التي يمكن أن تترتب على الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق وعليهم تقع المسؤولية العلمية والأخلاقية والوطنية في التصدي لمثل هذه الظواهر ودراستها وتشخيصها، وللأمانة التاريخية والعلمية نجد أن من واجبنا أن نكتب عن هذا الموضوع وبشكل علمي وموضوعي وحيادي وبقدر الإمكان من اجل دراسة ظاهرة جديدة على المجتمع العراقي أثرت وتؤثر في البناء الاجتماعي والعلاقات والمؤسسات الاجتماعية كالأسرة والعشيرة والمسجد والجامعة وكل المؤسسات الأخرى في هذا المجتمع، كل ذلك سيكون له أكبر الأثر على مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية في العراق والتي هي في الأصل متعثرة لأسباب كثيرة لسنا بصدد الخوض في تفاصيلها.
أما هذه الانعكاسات فهي اشد واكبر من أن يحتويها بحث أو كتاب واحد، وتحتاج من الجهود والإمكانيات ما لا يمكن حصره أو تقديره، وتحتاج من الخبراء والمتخصصين إلى فرق متعددة حتى يمكن دراسة الوضع وتقدير حجم الآثار السلبية التي ترتبت على الغزو والاحتلال. ويمكن أن تنقسم هذه الانعكاسات والآثار إلى شكلين منها ما هو آني أو مباشر ومنها ما هو مستقبلي أو غير مباشر، أما غير المباشرة أو المستقبلية فإننا سنتعرض لها بشكل مختصر، وسنهتم هنا بشكل اكبر وأوسع بالانعكاسات الآنية أو المباشرة لهذا الغزو. من ناحية أخرى فإننا في هذا البحث سنهتم فقط بانعكاسات الغزو والاحتلال على التنمية الاجتماعية وتحديداً على بعض المؤسسات التي تقدم الخدمات الاجتماعية أو الرعاية الاجتماعية وبعض الظواهر الاجتماعية التي يمكن أن تؤثر بشكل أو بآخر في عملية التنمية الاجتماعية، دون الخوض بالانعكاسات الأخرى وذلك لكي لا يتشعب الموضوع بشكل كبير يصعب تغطيته بالدقة المطلوبة. ومع التحديد الكبير في الفقرات التي سنناقشها في هذا البحث إلا أننا نجد أنفسنا أمام مسئولية كبيرة وشاقة بسبب عوامل كثيرة ومتعددة منها على الأقل تشعب وتعقد موضوع الدراسة وامتداده إلى مختلف مناحي الحياة ومختلف مناطق العراق المحتلة، فضلاً عن امتداد هذه الآثار ليس في الحاضر فقط بل إلى المستقبل القريب منه والبعيد، ويجب أن لا ننسى صعوبة الحصول على المصادر والتي يمكن أن تناقش ظاهرة حديثة كالاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق، إذ لازال الموضوع حديثا ولا تتوافر عنه كثير الدراسات والبحوث والإحصائيات اللازمة, زيادة على ما تمارسه قوات الاحتلال من منع وحجب للمعلومات التي يمكن أن تفيد في مثل هذه البحوث ولا يتوافر إلا النـزر اليسير من الدراسات والبحوث وتقارير المنظمات والمؤسسات الدولية أو التقارير الصحفية. ومع علمنا أن هذا الجهد المتواضع لن يكون كافياً لتغطية كافة جوانب الموضوع المدروس ونأمل أن نقوم بتكملة دراسة الجوانب الاجتماعية الأخرى- والتي لم يتسن لنا دراستها في هذا البحث – في بحوث لاحقة بعون الله.

المبحث الأول:- الإطار المنهجي والنظري

أولاً:- أهمية البحث وأهدافه
تنبع أهمية البحث في كونه يتناول ظاهرة معاصرة، مؤثرة وخطيرة في أهم جانب من جوانب الدولة والمجتمع العراقي ألا وهي ظاهرة الغزو والاحتلال الذي تعرض له العراق في عام 2003م، هذه الظاهرة أو الحدث الذي أدخل عنصراً للعراق لم يكن معهوداً، وبالتالي أدخل معه الكثير من الظواهر والأحداث التي ساهمت بشكل كبير في تمزيق وحدة العراق والانتقاص من سيادته وفرض الاحتلال العسكري والوصاية عليه وبالتالي توقف جميع خطط التنمية التي كان العراق قد وضعها وسار عليها في الأعوام السابقة تلك الخطط التي كانت يشوبها بعض نقاط الضعف ولكنها بالوقت نفسه تتضمن الكثير من الجوانب الإيجابية ، فضلاً عما خلقه الاحتلال من ظروف وعوامل وأوضاع جديدة على المجتمع العراقي والتي تسببت في توقف خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية، لذلك يمكن القول أن الاحتلال ساهم في إعادة العراق إلا ما قبل التخطيط والتنمية وأعاد مجتمعه إلى نقطة الصفر في هذا المجال لما تسبب فيه من تهديم للبنية التحتية التي تتطلبها أي تنمية والقيام بتغيير سياسته الاقتصادية والاجتماعية وبما يتناسب مع مصالح الدولة المحتلة وليس مع مصلحة المجتمع العراقي، فضلاً عن سياسة الاحتلال في تدمير الجيش العراقي الذي كان العراق قد صرف عليه مليارات الدولارات في سبيل تطويره وتسليحه وتدريبه، وفوق هذا وذاك فإن الاحتلال بما قام به من سيطرة مباشرة على آبار النفط ومصافيه ومنشآته الحيوية وتسخير ذلك في سبيل خدمة الاحتلال وقواته وشركاته المساندة، كل ذلك وغيره من العوامل التي ساهمت ليس في توقف عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية فحسب وإنما إعاقتها ومنعها من النهوض والعودة من جديد لعشرات من السنين مستقبلاً.
هذه الأوضاع التي خلقها الاحتلال في العراق هي التي دفعت بنا للقيام بهذا البحث في سبيل التعرف على كل التفاصيل الممكنة ( في ضوء توفر المصادر والبيانات عنها) التي تفعل فعلها في أرض الواقع وتعيق عملية التنمية الاجتماعية وتعطل المؤسسات التي تتولى على عاتقها عملية تخطيط وتنفيذ التنمية الشاملة، ولذلك كان من بين أهم أهداف هذا البحث ما يأتي:-
1- تحديد أهم الانعكاسات المباشرة للاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق على عملية التنمية الاجتماعية.
2- تحديد أهم الآثار غير المباشرة (بشكل مختصر) للاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق على عملية التنمية الاجتماعية.
ثانياً:- إشكالية البحث
من خلال تحديدنا لأهمية البحث يمكن القول أن إشكالية البحث تتلخص في التساؤل الرئيس التالي:-
- ما الانعكاسات السلبية التي خلفها الاحتلال الأمريكي البريطاني على عملية التنمية الاجتماعية في العراق.
ولغرض تسهيل مهمة الدراسة والتحليل قام الباحث بتفكيك هذه الإشكالية إلى تساؤلات فرعية تمثـلت فيما يأتي:-
- ما الانعكاسات المباشرة للاحتلال الأمريكي- البريطاني في عملية التنمية الاجتماعية في العراق.
- ما الانعكاسات غير المباشرة للاحتلال الأمريكي-البريطاني في عملية التنمية الاجتماعية في العراق.
ثالثاً:- تحديد المفاهيم المستخدمة
دأبت البحوث السوسيولوجية إلى تحديد وتعريف معنى المفاهيم التي تستخدمها وذلك بسبب عدم الاتفاق بين الكثير من العلماء والمتخصصين في علم الاجتماع على معاني وتعريفات محددة لهذه المفاهيم، لذلك وجدنا من الأهمية أن نحدد تلك المفاهيم التي يشيع استخدامها في هذا البحث لتوضيح الدلالات والمعاني التي نسبغها على هذه المفاهيم منذ بداية البحث.
من هذه المفاهيم ما يأتي:-
1- انعكاس:-
الانعكاس في اللغة من الفعل عَكَسَ وقد وردت هذه الكلمة في معجم لسان العرب بمعنى عَكَسَ الشيء يَعْكُسُه عكساً وعَكَسَ الدابةَ إِذا جَذَبَ رأْسها إِلـيه لترجع إِلـى ورائها القَهْقَرَى. وعَكَس البعير يَعْكِسُه عَكْساً وعِكاساً: شدَّ عنُقه إِلـى إِحدى يديه وهو بارك، وقـيل: شدَّ حبلاً فـي خَطْمه إِلـى رُسْغِ يديه لِـيَذِلَّ؛ والعِكاس: ما شدّه به. و عَكَسَ رأْسَ البعير يعكِسه عَكْساً وعَكَسَه إِلـى الأَرض: جذبه وضَغَطَه ضَغْطاً شديداً( ).
ويستخدم مفهوم الانعكاس في العلوم الطبيعية ليدل على الارتداد فالكرة التي تصدم بجدار مثلاً ترتد وتنعكس والمرآة تعكس أغلب الضوء الساقط عليها. وتعكس الأسطح المصقولة، مثل الكروم، معظم الضوء الساقط عليها. والأسطح الشفافة، مثل زجاج النافذة، تعكس قليلاً من الضوء. وأفضل مثال على انعكاس موجات الصوت هو الصدى( ).
كما يستخدم الانعكاس ليشير إلى رد فعل لا إرادي متوقع ناتج عن إهاجة. وهناك نوعان من الانعكاسات. الانعكاسات الفطرية أو الغريزية (التي تولد مع الإنسان) مثل سحب اليد بسرعة عند لمس جسم ساخن بالصدفة، والانعكاسات الشرطية وهي التي يكتسبها الإنسان عن طريق التربية، كالمهارات مثل السياقة والرياضة والألعاب المتعددة( ).
ويستخدم مفهوم الانعكاس هنا للإشارة إلى رد فعل يتمثل في انعكاسات معينة وهذه الأخيرة تعني المظاهر والآثار التي تترتب على الفعل. والاحتلال فعل له انعكاساته بوصفه سلطة قهر وهيمنة تمارس على البلد والمجتمع المحتل تتمثل بالمظاهر السلبية التي يساهم الاحتلال في خلقها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في المجالات الاجتماعية.
2- الاحتلال:-
وردت كلمة احتل في معجم لسان العرب بمعنى حل بالمكان يحل حلولاً و محلاً و حلاً و حللاً (...) وذلك نزول القوم بمحلة وهو نقيض الارتحال(...) وحله واحتل به واحتله نزل به والحل الحلول والنزول (...) وكذلك حل بالقوم و حلهم واحتل بهم واحتلهم (...) وأحله المكان وأحله به وحلله به وحل به جعله يحل(....) وحاله حل معه والمحل نقيض المرتحل (...) ويكون المحل الموضع الذي يحل فيه ويكون مصدراً وكلاهما بفتح الحاء لأنهما من حل يحل أي نزل ( ).
أما مفهوم الاحتلال في العلوم السياسية والعسكرية فهو يحمل معنى يرتبط بالغزو والاستبداد وفرض الهيمنة عن طريق القوات المسلحة والجيوش، حيث تقوم جيوش دولة ما بدخول دولة أخرى والسيطرة عليها بالقوة والعنف ينجم عنه احتلال بصفة مؤقتة، مع ما يستتبع ذلك من قيام ظروف خاصة تزول فيها سلطة الحكومة الشرعية للبلاد أو للمنطقة المحتلة. فتصبح القوة الغازية المهيمنة على إدارة المنطقة المحتلة. وبالتالي تقوم بدور السلطتين التشريعية والتنفيذية، لضمان مصالحها الخاصة. وخلق أوضاع تمكنها من استغلال ثروات الأرض المحتلة، وفرض السياسات التي تناسبها.( )
وتنص اتفاقية لاهاي لعام 1907م على أن الاحتلال مؤقت بالمبدأ، أي أنه يختلف عن عمليات ضم الأراضي أو الاستعمار، ويتعين عليه ألا يعطّل أو يعيد هيكلة «الحياة العامة»، وفقاً للتسمية الواردة في الاتفاقية. وشدّدت الاتفاقية على واجب إعادة السيادة إلى الأمة المحتلة من دون تأخير، وهو شرط ازداد تعقيداً بفعل المعاهدات الدولية التي تلت الحرب العالمية الثانية، إذ أنها أحالت السيادة إلى الشعب السيد، وليس إلى الحاكم السيد كما كان الحال في العام 1907م( ).
لذا يمكن القول أن الاحتلال كمفهوم يعني سيطرة قوة عسكرية من دولة ما لأراضي وموارد دولة أخرى بصورة مؤقتة وإسقاط حكومتها والعمل على كل ما من شأنه ضمان مصالحها المختلفة وفرض الإستراتيجية التي تناسبها بغض النظر عن مصلحة المجتمع والبلد المحتل.
3- التنمية الاجتماعية:-
عرف مفهوم التنمية الاجتماعية بتعريفات عديدة من قبل المتخصصين في علم الاجتماع اللذين لم يتفقوا على تعريف محدد لها، فهناك من يرى أن التنمية تعني إطلاق الإمكانات البشرية وتوسيع خيارات الناس وهو قريب من وصف (أمارتيا سين) بعبارة (التنمية هي حرية)( ) وتفهم هنا الحرية على أنها حرية الإنسان من القهر ومن الجوع، ومن كل ما يمكن أن يشكل عقبة في طريق المشاركة الجماهيرية في تشكيل مستقبلهم، وبالتالي فهذا يعني أن التنمية تتطلب بالأساس إستراتيجية تنموية قائمة على التحرر وإزالة الاحتلال لان الحرية تتناقض جوهرياً مع الاحتلال لذا فإن التنمية تتناقض مع الاحتلال، عليه فإن أول وأهم العناصر التي يجب توافرها لعملية التنمية الاجتماعية هي التحرر والاستقلال الذي يفتقد له العراق بعد احتلاله من قبل القوات الأمريكية والبريطانية.
كما يمكن تعريف التنمية الاجتماعية ( حسب الفكر الرأسمالي) على أنها إشباع الحاجات الاجتماعية للإنسان عن طريق إصدار التشريعات ووضع البرامج الاجتماعية التي تنفذها الهيئات والمؤسسات الحكومية والأهلية( ).
ويمكن التمييز هنا بين مفهوم التنمية الاجتماعية من جهة وبين مفهومي الرعاية الاجتماعية والخدمات الاجتماعية من جهة أخرى ويمكن الاعتماد على تقرير للأمم المتحدة في التمييز بين الرعاية الاجتماعية والخدمات الاجتماعية حيث ورد فيه:-
" تعني الخدمات الاجتماعية Social Services)) مختلف الجهود المنظمة التي تهدف إلى تنمية الموارد البشرية ". أما الرعاية الاجتماعية فيقصد بها " الخدمات التي تقدم للجماعات التي لا تستطيع أن تستفيد فائدة كاملة من الخدمات الاجتماعية القائمة كالخدمات التعليمية والصحية"( ).
أما التنمية الاجتماعية فهي عملية تهدف إلى تغيير في جوانب كثيرة منها التركيب السكاني للمجتمع، البناء الاجتماعي والطبقي، النظم الاجتماعية وأنماط العلاقات، القيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد والتي تحدد مكانتهم وأدوارهم في التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها فضلا عن أنها تتناول مختلف المشكلات المتصلة بالتغير الاجتماعي مثل:-
أ‌- الفوارق بين الأغنياء والفقراء.
ب‌- الإصلاح الزراعي.
ت‌- المشكلات العمالية.
ث‌- مشكلات الهجرة.
ج‌- مشكلات التغير السريع.
ونرى أن التنمية الاجتماعية تعني(عملية إرادية مخططة هادفة وبناءة تطمح إلى تحرير وتفعيل الطاقات والإمكانات والموارد المادية والبشرية واستنفار جهود الدولة والمجتمع من اجل إحداث تغييرات في المجالات الاجتماعية كالنظم والمواقف والقيم والمعتقدات دون إهمال الحاجات الأساسية والخدمات والمستوى المعاشي، أي العمل على توفير كل ما من شانه خدمة الإنسان ورفاهيته وتحريره ورفع مستواه المادي والروحي حاضراً ومستقبلاً )( ).
رابعاً:- منهج البحث
تدخل الكثير من العوامل لتحدد المنهج المستخدم في أي بحث اجتماعي منها طبيعة الموضوع المدروس وطبيعة الدراسة سواء كانت نظرية أم ميدانية ...الخ وفي هذا البحث وجدنا أن من المناسب استخدام المنهج الوصفي ذلك لأن هذا المنهج يعد مناسباً في مثل هذه الدراسات بسبب أن الموضوع المدروس لا تتوفر عنه الكثير من البحوث والدراسات ويتطلب دراسة استطلاعية تحدد أهم جوانبه وتلقي الضوء عليها وتصفها بشكل يسهل مهمة الباحثين الذين يرومون إجراء دراسات مستقبلية عن هذا الموضوع، كما أن من المناسب أيضاً استخدام منهج آخر مع هذا المنهج ولذلك استخدم الباحث منهج دراسة الحالة لتفسير وتحليل الوثائق وكل ما يمكن الحصول عليه من معلومات عن الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق وانعكاساته السلبية على عملية التنمية الاجتماعية.
خامساً:- حدود البحث
يمكن وضع حدود البحث كما يأتي:-
1- الحدود المكانية:- اقتصرت الحدود المكانية للبحث على بعض المؤسسات المهتمة في تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية والمؤسسات القضائية والقانونية والجزائية وبعض مؤسسات البناء الاجتماعي كالأسرة والعشيرة.
2- الحدود الزمنية:- اشتملت الحدود الزمنية للبحث على الفترة الواقعة بين تاريخ احتلال العراق في 9/4/2003م وتاريخ انجاز هذا البحث.
3- الحدود البشرية:- بما أن البحث أجري على العراق وعلى بعض المؤسسات الاجتماعية فيه لذا فقد امتدت الحدود البشرية لتشمل كل الأفراد، الفئات، الجماعات والطوائف الاجتماعية المستفيدة من عملية التنمية الاجتماعية وخدمات الرعاية الاجتماعية.
سادساً:- الإطار النظري:-
بالرغم من إيمان الكثير من علماء الاجتماع بأهمية ودور الأوضاع والظروف والموارد والبناءات الداخلية للمجتمعات النامية في إعاقة عملية التنمية للدول العالم الثالث، إلا أن هناك الكثير منهم بالأخص مؤيدو اتجاه التبعية واتجاه التنمية المستقلة في الفكر السوسيولوجي المعاصر( ) يؤمنون أيضاً أن تبعية هذه الدول للدول الغنية الغربية والمتطورة اقتصادياً وصناعياً يعد من بين أهم الأسباب التي تؤخر وتعيق عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية في الدول النامية. وأن كسر هذه التبعية يعد من بين أهم العوامل الكفيلة بمساعدة الدول النامية على الخروج من حالة التخلف إلى حالة التقدم والتطور الاقتصادي والصناعي، ويرى أصحاب هذين الاتجاهين في دراسة التنمية الاجتماعية أن الغزو الحضاري الغربي قد شمل كل ناحية من نواحي حياة مجتمعات العالم الثالث من اقتصادية وسياسية وثقافية وعلاقات اجتماعية فكانت نتيجة هذا الغزو كل ما تعانيه الدول النامية من تشوهات تتمثل في ظاهرة النمو القطاعي والثنائيات الاقتصادية والاجتماعية في بنيات هذه المجتمعات ( ).
فإذا كانت التبعية تؤثر في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية وبهذا الشكل فمن باب أولى أن تتأثر عملية التنمية بالاحتلال المباشر لأي دولة ولذلك وجدنا أن من المناسب أن نعتمد رؤى ومنهجية نظرية التبعية في دراسة التنمية كإطار نظري في هذه الدراسة لاعتبارات كثيرة منها على الأقل أن هذه الاتجاه النظري يمثل أدق الاتجاهات وأقربها لموضوع الدراسة وطروحاته، فضلاً عن قدرة هذا الاتجاه على تحليل علاقات التبعية وأثرها المباشر وغير المباشر في عملية تنمية وتقدم دول العالم الثالث، بخلاف اتجاه التحديث الذي ركز على العوامل الداخلية للدول النامية وأهم العوامل الخارجية التي تتمثل بدور القوى والدول الغربية المتقدمة والاستعمار وعملية نهب خيرات وثروات الدول النامية، وبذلك أصبح الاستعمار يمثل سلاحاً مزدوج التأثر، فهو يساعد الدول المتطورة على إدامة التقدم والرفاهية في مجتمعاتها، بنفس الوقت فإنه يساهم في نهب موارد الدول النامية وتوريثها مشاكل اقتصادية واجتماعية مختلفة يبقى أثرها لمدة زمنية طويلة كمعوقات لما يمكن أن تفعله في سبيل التنمية والتقدم.
سابعاً:الدراسات السابقة:-
تناولت بعض الدراسات الاجتماعية موضوع الاحتلال في مناطق متعددة من العالم وانعكاساته المدمرة على شتى جوانب الحياة، ويمكن لمن يكتب في هذا المجال الاستفادة مما كتب حول هذا الموضوع، فقد وجد الباحث ضرورة تناول ما يمكن من دراسات سابقة سواء تناولت الآثار والانعكاسات الاجتماعية للاحتلال في العراق أو في دول أخرى من العالم، ومن هذه الدراسات ما يأتي:-
1) دراسة الدكتور عدنان ياسين حول الآثار الاجتماعية للاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق( ).
كشفت هذه الدراسة الاجتماعية أرقاما خطيرة عن تدهور الوضع الاجتماعي في العراق ويدلل الباحث على سوء الأوضاع الاجتماعية في العراق، بالتقارير والإحصائيات التي تصدرها الأمم المتحدة حيث أكدت هذه الدراسة على:-
أ‌- أن هناك أكثر من 100 أرملة و 400 يتيم يضافون يوميا إلي المجتمع في بغداد بسبب العنف الدائر والذي لم تبرز أية نهاية له، ويقول الباحث ازدادت أعداد الأرامل اللاتي يعلن عنهن ولم تتمكن وزارة الشؤون الاجتماعية من تسجيل العدد كاملا حتى ألان والرقم الحالي هو 560 ألفا، وسجل مكتب المنسق الإنساني للأمم المتحدة في العراق إن النساء اللاتي ترملن بسبب الحرب وأصبح أطفالهن مشردين من الأهوار وصل عددهن إلي 100 ألف امرأة.
ب‌- إن حالة العراق في ظل الاحتلال، ليست سوى مسلسل من عمليات القتل العشوائي التي تحصد العشرات كل يوم، وفقدان الشعور بالأمن وتفكك الأسرة العراقية وازدياد حالات الطلاق، بالإضافة إلي انتشار جرائم الفساد الإداري والاعتداء على الملكية العامة وارتفاع جرائم السرقة والسطو المسلح، والاختطاف والاغتصاب وجنوح الأحداث.
ت‌- إن المجتمع العراقي قد أصيب بالانهيار بعد الضربات المتتالية التي تلقاها في حربين أبان الثمانينيات والتسعينيات، أعقبهما حصار اقتصادي استمر عشر سنوات ثم غزو دمر البنية التحتية وهياكل الدولة في عام 2003 وما بعده.
ث‌- بسبب التهميش وسوء المعاملة التي يلقاها المواطن العراقي من قوات الاحتلال وقوات الأمن يسود التوتر بين المواطنين ويشعر الجميع بفقدان المعايير الخاصة لا سيما بعد إذكاء روح التعصب الطائفي والقبلي علي حساب الهوية الوطنية، بحيث لا تؤدي الخطط الأمنية المتواصلة بكل ما فيها من أسلحة وقوات إلي إعادة الأمن المفقود.
ج‌- إن تقرير المنظمة الدولية أشار إلى أن معدلات الطلاق ارتفعت من عام 2003- 2006 بنسبة 200% في حين تراجعت نسبة الزواج لنفس الفترة إلي 50%، بحسب إحصاءات وزارة العدل العراقية
ح‌- تسجل التقارير الدولية إن التضخم المتزايد في الاقتصاد العراقي يوجد ضغوطاً مستمرة ومتزايدة على الأسرة، وان الحرمان أدى إلى زيادة أعداد أطفال الشوارع وان جيوب الفقر منتشرة في المدن والقرى على السواء.
خ‌- أسهمت الحرب والنزاعات في تلويث بيئة العراق على نطاق واسع بالألغام والأسلحة الفتاكة التي تستخدمها قوات الاحتلال وتشكل نزيفاً يومياً من الضحايا، إلى جانب الأسلحة التي لم تنفجر في جنوب وشرق البلاد.
د‌- تهجير مئات الآلاف من الأشخاص داخل وطنهم حيث يعيشون في المباني المهجورة والمخيمات، إذ انتشرت ظاهرة النزوح من العاصمة بغداد والمدن الأخرى، ويقدر عدد المشردين بأكثر من ربع سكان العراق موزعين بين داخل العراق وخارجه.
2) دراسة أنطوان حداد حول الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في العراق بعد الحرب( ).
تناولت هذه الدراسة مجموعة محاور تمثلت في ما يأتي:
أ‌- الأمن والنظام وسلامة الأفراد وحقوق الإنسان.
في هذا المجال تناولت الدراسة ظاهرة فقدان الأمن والنظام وتزايد أعداد القتل والخطف والتهجير ألقسري وانتهاك حقوق الإنسان من قبل قوات الاحتلال أو من قبل بعض القوى التي تشكلت بعد الاحتلال،وقدرت حجم الخسائر البشرية من العراقيين بالأرقام التالية:
- القتلى العسكريون : بضعة آلاف بعض المصادر تتحدث عن 10 آلاف قتيل .
- القتلى المدنيون 7000 قتيل.
- الجرحى 30 ألف جريح،
- الأسرى 3000 بعد إطلاق سراح نحو 7000 آخرين.
- المفقودون 10 آلاف .
وقدمت بعض التوصيات في هذا الشأن من قبيل الوقف الفوري لمثل هذه الأعمال التي ستكون بمثابة خطر يهدد المجتمع العراقي بالتفكك والانهيار.
ب‌- الحاجات الأساسية والخدمات العامة.
ويشمل هذا القسم المسائل المتعلقة بالوضع الغذائي والوضع الصـحي مـن ناحيـة،
وأوضاع الخدمات والمرافق العامة الأساسية ( الماء، الكهرباء، مياه الصرف، الهـاتف ) مـن ناحية ثانية. وأشارت الدراسة إلى عدم وجود مجاعة أو نقص بالمواد الغذائية بسبب نظام البطاقة التموينية التي كان يعمل وفقها النظام السابق والتي وفرت غذاء يكفي لمدة ستة أشهر قبيل بدء الغزو، ولكن بالوقت نفسه فقد تسبب الاحتلال بنقص كبير في الخدمات الأساسية مثل نقص المياه الصالحة للشرب وزيادة ساعات انقطاع الكهرباء عن بغداد وباقي المدن العراقية وتدهور أوضاع شبكات الصرف الصحي وانقطاع شبكات الهاتف.وقد أوردت بعض الإحصائيات وكما يأتي:-
- ازدياد حالات سوء التغذية بين الأطفال ما دون الخامسة قد تضاعفت من سـنة إلى أخرى لتصل إلى 7.7% حاليا مقارنة ب % 4 في شباط ) 2002 أي أنها أصبحت تطـال نحو 300 ألف طفل ما دون الخامسة.
ت‌- مصادر الدخل وموازنة الأسرة.
وفي هذا المجال أوردت الدراسة بعض البيانات،فقد كان العاملون في الإدارة العامة والدفاع وحدهم كان يبلغ عددهم نحو مليون ومائتي ألف شخص800) ألف موظف مدني، ونحو 400 ألف من أفراد القوات المسلحة ، وهم يشكلون 24% من مجموع القوى العاملة في العراق . أما العاملين في قطاع التعلـيم وقطاعي الصحة والعمل الاجتماعي، وهم يشكلون تباعا 7.8% و 2.1% من مجموع القوى العاملة، يصل إجمالي عدد الذين يتقاضون رواتب حكومية نحو1.7 مليون موظف يعيلون نحو 7.5 مليون شخص. والمتقاعدين الـذين يستفيدون من المعاشات الحكومية، نجد أن أكثر من ثلث الشعب العراقي كـان يعتمـد علـى الرواتب والمعاشات الحكومية كمصدر رئيسي للدخل. وتأثير غياب الحكومة العراقية لا يطال هذه الشريحة فحسب، بـل يطـال بـدرجات متفاوتة كل المستفيدين بصورة غير مباشـرة مـن الإنفاق الحكـومي، بشـقيه الجـاري والاستثماري، ومنهم العاملين في قطاعات الصناعة التحويلية والتجارة والخدمات الأخرى، ويصعب حاليا تقدير هذا الأثر على كل من القطاعات المذكورة .ولم تعلن " السلطة المؤقتة " التابعة لقوات التحالف موقفا نهائيا تفصيليا ومحـددا مـن موضوع رواتب القطاع العام ومعاشات التقاعد، وان كانت قد اتخذت بعض التدابير المؤقتـة والمتفاوتة من قطاع إلى آخر. فمن ناحية أولى أعلنت " السلطة " عن حل الجيش العراقي البالغ عديده نحو 400 ألف عنصر من دون ذكر أي شيء عـن الرواتـب والتعويضات العائـدة لهؤلاء، وحل حزب البعث الحاكم سابقا ومنع 30 ألف من أعضائه مـن تـولي المناصـب والوظائف العامة، وحل وزارة الإعلام وتسريح جميع موظفيها.من ناحية ثانيـة، شـرعت السلطة بدفع مخصصات شهرية للمتقاعدين وللموظفين المدنيين الذين لم تطـالهم إجراءات الطرد والحظر المذكورة أعلاه، وذلك بقيمة 40 دولارا لكل متقاعد و20 دولارا لكل موظف .وما أن بدأت هذه الدولارات تغرق الأسواق حتى ارتفع سعر الدينار العراقـي مـن4000 دينار لكل دولار إلى 1500، وذلك بسبب اسـتمرار إقفال المصـرف المركـزي واقتصار السيولة بالدينار على تلك المتوفرة من فترة ما قبل الحرب، الأمر الذي عنى بالنسبة إلى الكثيرين ارتفاعاً في الأسعار بنسبة 200%.
ث‌- القضايا المرتبطة بالتربية والنظام التعليمي .
استأنفت كل مؤسسات التعليم عملها رسميا في شهر أيار / مايو، لكن عـودة الخمسـة ملايين طالب عراقي إلى مقاعد الدراسة فـي 12500 مدرسـة و 40 معهـدا وكليـة و 10جامعات المنتشرة في كل إنحاء البلاد تعيقها عوامل عدة ينبغي تذليلها للـتمكن مـن انجـاز المناهج في الموعد المحدد لإكمال العام الدراسي الحالي أي في نهاية تموز / يوليو المقبل .
وابرز هذه المعيقات في المدى المباشر هي :
أ ) الحالة الأمنية المتفاوتة التحسن من منطقة إلى أخرى؛
ب)صعوبة انتقال التلاميذ والطلاب بين بيوتهم ومؤسساتهم التعليمية؛
ت ) غياب عدد كبير من أفراد الهيئتين التعليمية والإدارية؛
ث) الأضرار المادية والدمار اللاحق بعدد كبير من المباني التعليمية؛
ج ) إشغال عدد كبير من المباني من قبل مهجرين أو من قبل مواطنين فقدوا مساكنهم؛
ح ) عدم توفر الكهرباء ومياه الشرب ومياه الخدمة في عدد كبير من المباني التعليمية؛
إن اتخاذ قرار نهائي بشأن انجاز العام الدراسي وإجراء الامتحانات الرسـمية المرتبطـة بـه يعتمد على القدرة على التغلب على هذه المعيقات، الأمر الذي يستوجب جهودا متكاملة مضنية
على صعد التخطيط والإدارة والتنفيذ.
وبالرغم من أهمية هذه الدراسة إلا أنها افتقرت في الكثير من فقراتها ومحاورها للإحصائيات الحديثة حيث تمثلت الأرقام التي أوردتها بما حصل في الأشهر الأولى للاحتلال والتي تغيرت بشكل كبير عما تم في السنوات اللاحقة. ولكن رغم ذلك قدمت هذه الدراسة صورة للواقع الاجتماعي والخدمات الأساسية في العراق المحتل والتي تأثرت بشكل أو بآخر من جراء الاحتلال للشهور الأولى.
3) دراسة هاني فارس حول الآثار السياسية – الاجتماعية للحرب ضد العراق على العراق والمنطقة العربية( ):-
اهتمت هذه الدراسة بتقديم صورة عن الآثار السياسية والاجتماعية للاحتلال ولم تقصر البحث في هذه الآثار على العراق وإنما تجاوزته لتشمل المنطقة العربية، وقد تطرقت لبعض ما كان يتوفر في حينه من الإحصائيات حول هذا الموضوع، وقد تناولت عدد من المحاور وكما يأتي:-
1- ظهور رجال الدين الشيعة والجماعات الدينية الشيعية كمنافسين رئيسيين على السلطة وأنهم اظهروا قدرة على التنظيم والقيادة وإعلان المطالب نيابة عن جماعتهم إلى حد فاجأ سلطات الاحتلال التي كانت تنظر إليهم على أنهم حلفاء أفضل من السعوديين.
2- تعزيز قوة البنى الاجتماعية التقليدية وبخاصة العشيرة والأسرة الواسعة والرابطة الدينية المحلية، فمع تفكك السلطة المركزية تقدمت هذه البنى للأمام لتقدم حماية وتطلب اعترافاً وسلطات بالمقابل. ويرى الباحث أن العشيرة تشكل للمجتمع عدة تحديات محددة، فهي لا تدعم قيماً تقليدية وقطرية فقط، إنما تتنافس مع السلطة المركزية على مسائل الهوية والولاء وممارسة السلطة السياسية، وقدرت أن ربع المجتمع العراقي منظم على نحو قبلي.
3- كان لابد لانهيار النظام الشمولي السابق أن يوفر للعراقيين بعد عقود من القمع والعنف تحدي فرصة إعادة بناء مجتمعهم المدني وإصلاح أنظمتهم الاقتصادية والسياسية. وقد احتكرت الإدارة الأمريكية في العراق حتى الآن(وقت انجاز الدراسة) هذه المهام المضنية على الرغم من أنها تفتقر إلى الاستعداد للقيام بأي منها. وناقشت في هذه الفقرة جملة من المسائل المهمة منها رفض معظم العراقيين صراحة لوجود القوات الأمريكية والبريطانية أو توقعهم لقوات هذين البلدين ومديريهم بقاءً قصيراً، وعدم قدرة الإدارة الأمريكية وقواتها المحتلة حكم البلد بصورة مباشرة وهذا ما يمثل مأزقاً لها بسبب عدم وجود من يتولى قيادة العراق نيابة عنهم يمتلك قاعدة شعبية وجماهيرية عريضة. وأن الهدف المعلن للولايات المتحدة في بناء ديمقراطية ليبرالية تقوم على تمثيل فردي كان قد تم قبل الحرب ربما لن ينفذ أبداً على الأرجح، بدلاً من ذلك يبدو أن المسئولون الأمريكيون يتحركون باتجاه إقامة نظام طائفي مماثل في بعض جوانبه للنظام الطائفي اللبناني، وتحرك المديرون الأمريكيون لحل الجيش وخصخصة النفط، وحاجة إعادة بناء المجتمع المدني إلى أن تقوم على تعددية واستثنائية وثقة متبادلة.
4- كما تناولت الدراسة آثار الحرب على المنطقة العربية سواء على الجوانب السياسية والاجتماعية، وشككت في إمكانية تحليل ما ستكون عليه الآثار الإقليمية لهذه الحرب بأي قدر من اليقين بسبب عدم معرفة الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة الأمريكية في هذا الشأن، وهذه الجوانب لا تدخل في نطاق اهتمامنا.
4) تقرير أعدته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيــا التابعة للأمم المتحدة ( )عن الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للاحتلال الإسرائيلي على الأحوال المعيشية للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وعلى السكان العرب في الجولان السوري المحتل.
ركزت هذه الدراسة على دراسة الانعكاسات السلبية للاحتلال الإسرائيلي على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني وتطرقت لما يأتي:-
1- لا يزال الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية يفاقم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية في حياة الفلسطينيين. ولا يزال الجيش الإسرائيلي يمارس القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، وتدمير المنازل، وفرض قيود مشددة على التنقل وسياسات الإغلاق.
2- وما زالت المؤشرات الاقتصادية تشير إلى وجود اتجاهات سلبية، ارتفاع معدل البطالة إلى 70 في المائة في بعض المناطق؛ والاعتماد المتزايد على المعونة الغذائية؛ وخسائر لا توصف بسبب تدمير المنازل الفلسطينية والمباني الحكومية والأصول الزراعية والهياكل الأساسية والممتلكات الخاصة. ويعاني ثلث سكان الضفة الغربية بسبب مصادرة إسرائيل للأراضي الفلسطينية وموارد المياه لغرض المستوطنات وإقامة الجدار الفاصل في الضفة الغربية الذي عجلت وتيرة بناءه خلال عام 2003. والمتضرر من هذه التدابير في المقام الأول هم اللاجئون والنساء والأطفال.
3- يعاني عدد متزايد من الفلسطينيين سوء التغذية ومشاكل صحية أخرى في وقت تقلصت فيه إمكانية الوصول إلى الخدمات الضرورية. وتعوق القيود الإسرائيلية باستمرار الخدمات الإنسانية المتجهة إلى الأرض الفلسطينية المحتلة.
4- تفاقم الصراع بسبب المستوطنات الإسرائيلية وبناء الجدار الفاصل في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهو ما يتناقض وأحكام اتفاقية جنيف وسائر قواعد القانون الدولي ويؤثر سلباً في الظروف المعيشية للشعب الفلسطيني وتواصل عملية توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الجولان السوري المحتل. ولا تزال إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية والخدمات الاجتماعية، لا سيما في مجال الالتحاق بالمدارس، والتعليم العالي والمرافق الطبية، لا تزال غير كافية بالنسبة للسكان العرب في الجولان .

المبحث الثاني :- الانعكاسات المباشرة
مما لاشك فيه أن الاحتلال الأمريكي- البريطاني الذي يتعرض له العراق اليوم ترتب عليه انعكاسات سلبية خطيرة، ولغرض دراستها بالتفصيل وبشكل يوضح صورة هذه الآثار بأسلوب موضوعي وعلمي محايد فإننا سنلجأ إلى تفصيلها إلى عدة فقرات أو محاور تعالج كل واحدة منها جانباً معيناً من الجوانب الاجتماعية أو التنموية المختلفة حتى يسهل فهمها وتحليلها وإلقاء الضوء عليها، وهذه الجوانب أو المؤسسات هي :-
1- مؤسسات الرعاية الاجتماعية:-
تأثرت مؤسسات الرعاية الاجتماعية في العراق من جراء الغزو والاحتلال الأمريكي البريطاني وبشكل واسع النطاق مما أدى إلى تهديم هذه المؤسسات ووقف أعمالها وخدماتها التي تقدمها لمختلف الشرائح والفئات الاجتماعية، هذه المؤسسات التي كانت قد تأسست منذ عشرات السنين واستطاعت أن تثبت جدارتها وتوفر خدماتها إلى المستفيدين منها والذين تبلغ أعدادهم بالآلاف من أبناء المجتمع، هذه المؤسسات التي يمكن أن تنضوي تحت مسمى شبكة الأمان الاجتماعي.
فقد بلغت وحدات الرعاية الاجتماعية في العراق في عام 1998 حوالي(71) وحدة، منها( 19) داراً للرعاية وخمسة دور للمسنين و(47) داراً ومعهداً للمعوقين.( )
من بين هذه المؤسسات تلك الدور الخاصة برعاية المسنين والتي كانت تأوي أعداداً كبيرة من فئة كبار السن سواء في مدينة بغداد أو في المدن العراقية الأخرى، لقد فقد كبار السن الذين كانت تؤويهم هذه الدور المعيل الوحيد لهم، وتوقفت هذه المؤسسات عن أداء أعمالها وغادرها كل من كان يعمل بها أو الحراس الذين كانوا يقومون على حراستها مما أعطى الفرصة للبعض بالسلب والنهب أو الحرق والتدمير(والتي يُنظر لها من قبل وزير الدفاع الأمريكي( دونالد رامسفيلد) بأنها تعبيراً مشروعاً عن الحرية)( ) مما أدى إلى إفراغ هذه الدور من كل محتوياتها من أثاث أو ممتلكات أو أجهزة أو معدات كانت توفر الراحة والرعاية والطمأنينة لكبار السن، هذا الأمر دفع بكبار السن من المستفيدين من هذه الدور إلى اللجوء إلى أقاربهم وطلب الحماية والخدمات منهم أو التسول في الشوارع لمن ليس لديه أقارب يقدمون له الرعاية، وقد أدى هذا الوضع إلى ارتفاع ملحوظ في الوفيات بين هذه الفئات بخاصة بين من هم ليس لديهم أقارب أو ممن يحتاجون إلى الرعاية الطبية الدائمة بسبب الإصابة بالأمراض المزمنة كأمراض القلب والشرايين أو أمراض الضغط أو السكري، هذه الرعاية والعلاج الطبي التي كانوا يحصلون عليها بشكل مجاني في هذه الدور، فضلاً عن توقف اغلب المستشفيات والعيادات الطبية الحكومية منها والخاصة عن العمل بسبب عدم توفر الأمان وانتشار حالات السلب والنهب أو الخطف أو الحرق والتدمير أو بسبب انقطاع التيار الكهربائي وانقطاع المياه الصالحة للشرب إلى هذه المؤسسات والتي تعتمد وبشكل أساس على هذه الخدمات أو بسبب نقص الإمدادات بمختلف أشكالها أما بسبب العمليات العسكرية أو لأسباب أخرى.
ومن بين المؤسسات التي تضررت بشكل كبير جداً مؤسسات إصلاح الأحداث أو الكبار( السجون والإصلاحيات) وبالرغم من أن النظام السابق في العراق كان قد أطلق عدداً كبيراً من السجناء والذين كانت هذه المؤسسات تحويهم إلا انه وفي حكم المؤكد لم يكن قد أطلق كل السجناء، ومن المعروف أن هؤلاء السجناء ليسوا كلهم من السجناء السياسيين بل كان بينهم عدداً كبيراً من القتلة واللصوص والمرتشين والمجرمين وأفراد العصابات المحكومين بالسجن ولمدد مختلفة بسبب الجرائم التي كانوا قد ارتكبوها بحق الناس المدنيين أو بحق مؤسسات الدولة، بخاصة ونحن نعلم مدى الارتفاع الكبير في نسبة الجرائم المرتكبة في العراق خلال فترة الحصار المفروض عليه ولمدة ثلاثة عشر عاما مما جعل هذه السجون تحوي أعداداً كبيرة منهم، فقد أشار تقرير لليونيسيف إلى ازدياد أعداد الأحداث الجانحين من (2600)حالة عام 1991م إلى (4420) حالة عام 1996 م ( )،

جدول يمثل شبكات الأمان الاجتماعي في العراق( )
الشبكات الخاصة الشبكات العامة
1 التأمينات الاجتماعية(تشريعات التقاعد والضمان الاجتماعي: عسكرية ومدنية). 1 توفير الخدمات العامة لجميع أفراد المجتمع
2 المساعدات الاجتماعية(تشريعات الرعاية الاجتماعية:المعوقون، المسنون، العجزة من الفقراء) 2 دعم أسعار السلع والخدمات الأساسية(صحة، غذاء، تعليم، نقل وغيرها)
3 برامج المساعدات والتحويلات المادية والعينية للفئات الشديدة الفقر. 3 تعزيز الرقابة على الأسعار.
4 برامج توليد فرص عمل أو إدخال للفئات التي يمكن مساعدتها على الاندماج الاجتماعي.
5 تشريعات رعاية الأحداث والقاصرين.
6 قانون صندوق الزكاة.

فعصابات سرقة السيارات والتهريب والسلب والنهب المصحوب باستخدام القوة أو السلاح قد تزايدت أعدادها وبشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة في العراق لأسباب وعوامل كثيرة منها الحروب التي خاضها العراق والحصار الاقتصادي المفروض عليه منذ عام 1991م...الخ، كل هذه العصابات وهؤلاء المجرمين أصبحوا في ليلة وضحاها أحراراً في المجتمع العراقي بسبب اختفاء كل السلطات العراقية من ساحة العمل وبسبب إطلاق سراح كل السجناء من سجونهم، ليس هذا فحسب بل أصبح لديهم السلاح والعتاد اللازم مع إطلاق أيديهم على الناس العزل في مختلف المدن العراقية وليس في بغداد وحدها، طبعاً مع توقف كل المؤسسات القضائية والأمنية والجزائية في العراق واختفاء أفراد الجيش والشرطة والأمن الداخلي وحرس الحدود، بسبب تعطيل القوانين وحل أجهزة الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية المختلفة من قبل الحاكم المدني الأمريكي (بول بريمر), وهذا ما يفسر جزئيا أعمال السلب والنهب والخطف للنساء أو الأطفال التي حدثت في بغداد وبعض المدن العراقية بعد احتلالها. وهنا يمكن لنا أن نتصور مدى التدمير الشامل الذي أحدثه الغزو والاحتلال للعراق ومؤسساته المختلفة. أما اليوم وبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات من احتلال العراق فقد عادت بشكل تدريجي بعض هذه المؤسسات إلى العمل ولكن بوضع أمني متردٍ بسبب عمليات المقاومة أو بسبب العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات الاحتلال الأمريكية أو الأعمال الإرهابية التي تنفذها بعض الميليشيات تحت مسميات مختلفة.
أما انعكاسات الغزو والاحتلال على المؤسسات الأخرى مثل مؤسسات تأهيل ورعاية المعوقين من ذوي الحاجات الخاصة كالصم والبكم أو معوقي الحرب وهم كثر فقد لا نستطيع تبين آثارها بشكل ملموس اليوم وربما ستتضح هذه الآثار مستقبلا لأنها ربما يمكن اعتبارها من الآثار غير المباشرة، ولكن يمكن أيضاً الإشارة إلى مدى الأثر البالغ الذي تحقق في هذا المجال، حيث أن حرمان أعداد كبيرة من ذوي الحاجات الخاصة من الخدمات التي تعودوا الحصول عليها سوف يساهم وبشكل كبير في افتقادهم لمثل هذه الخدمات مما سينعكس سلباً على حالة هؤلاء الأفراد النفسية أو المادية أو الاجتماعية وهذا ما ينذر بمزيد من المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها هذه الفئات أصلاً أو ستعاني منها في المستقبل، خاصة ونحن نعلم بان أعداداً كبيرة من المعوقين بمختلف الإعاقات قد تكونت في العراق بفعل الحروب التي دخلها في العقود الثلاث الأخيرة حيث تزايدت أعدادهم لتصل إلى عشرات وربما مئات الآلاف من المجتمع العراقي.
وفي هذا المجال يمكننا التحدث عن الضرر البليغ الذي أحدثه الغزو والاحتلال على المؤسسات والمستشفيات والمصحات الخاصة بتقديم خدماتها للأفراد الذين يعانون من الأمراض النفسية والعقلية والعصبية وهي المستشفيات التي اصطلح على تسميتها في العراق بـ ( الشماعية )، إن نزلاء هذه المؤسسات أصلاً يعانون من المشاكل والأمراض النفسية أو الاضطرابات العقلية المختلفة وبالتالي فهم بأمس الحاجة إلى الرعاية والاهتمام والعلاج فجاء الاحتلال ليقضي على أملهم الوحيد ويتركهم في تشرد وضياع في الشوارع التي تفتقد الأمن والحماية، ونفس الشيء يمكن الحديث هنا عن دور وملاجئ رعاية الأيتام أو مجهولي النسب ممن كانوا يستفيدون من الرعاية التي توفرها لهم هذه الملاجئ والذين تشردوا بعد الاحتلال في شوارع المدن، كل ذلك أدى إلى زيادة معدلات الجريمة بمختلف أنواعها وزيادة نسبة المتسولين في العراق وبشكل ملفت للنظر فضلاً عن بروز ظواهر جديدة على المجتمع العراقي مثل ظاهرة تجارة وتعاطي المخدرات والتي ما كانت معروفة أو محدودة جداً في العراق قبل الاحتلال، أو ظاهرة تجارة الأعضاء البشرية أو ظاهرة خطف النساء والأطفال والاتجار بهم أو تهريبهم خارج العراق، وكل هذه الظواهر هي دخيلة على المجتمع العراقي والذي عرف في السابق بخلوه منها تقريباً، وبالرغم من عدم توفر البيانات والإحصائيات أو الدراسات العلمية الدقيقة عن هذه الظواهر إلا أن التقارير الصحفية والتلفزيونية قد نقلت جانباً كبيراً من الأضرار التي لحقت بهذه المؤسسات أو الظواهر الاجتماعية السلبية والتي استجدت في العراق بعد الغزو والاحتلال. ولم تسلم حتى حضانات ورياض الأطفال من الأذى والضرر، فقد نالت نصيبها منه من خلال توقفها عن العمل وإغلاق أبوابها ونهب أو حرق وتدمير محتوياتها أو بناياتها عدا عن حالة فقدان الأمن والفوضى التي عمت العراق مما اضطر الأهالي إلى التوقف عن إرسال أطفالهم إلى هذه المؤسسات وخسارة الخدمات التي كانت تتوفر وبشكل كبير في هذا المجال.
2- المؤسسات القضائية والقانونية والجزائية:-
سمعنا كثراً عن نية الولايات المتحدة الأمريكية في إعادة العراق إلى عهد ما قبل الصناعة وهذه ليست إشاعة أو دعاية وإنما تهديدات صريحة أعلنها وزير الخارجية الأمريكي عند لقاءه وزير خارجية العراق قبيل حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي في مطلع تسعينات القرن الماضي، ولكن المسالة اليوم تجاوزت حدود إعادة العراق إلى عهد ما قبل الصناعة إلى مسالة ابعد من ذلك بكثير إنه غزو لإعادة العراق إلى عهد ما قبل العقد الاجتماعي الذي تحدث عنه كل من ( توماس هوبز ) و ( جون لوك ) و ( جان جاك روسو ) وغيرهم من مفكرين وعلماء اجتماع( )، وهذا ما تحقق بالفعل فقد أحدث احتلال القوات الأمريكية للعراق فراغاً امنياً وسلطوياً وأقيلت كل مؤسسات الدولة العراقية وتوقفت عن العمل بل أقيلت الدولة العراقية برمتها، وفي هذا المجال يصف ابن خلدون شكل التفاعل بين الدولة والمجتمع وأهمية كل واحد منهما للآخر بقوله ((الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة .وهو الشكل الحافظ بنوعه لوجودها، وقد تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك احدهما عن الآخر، فالدولة دون العمران لا تتصور، والعمران دون الدولة والملك متعذر لما في طباع البشر من العدوان الداعي إلى الوازع فتتعين السياسة لذلك، فالشرعية أو الملكية وهو معنى الدولة وإذا كانا لا ينفكان فاختلال احدهما مؤثر في اختلال الآخر كما أن عدمه مؤثر في عدمه ))( ).. وبالتالي فان هذا الغزو والاحتلال قد أحدث ضرراً بليغاً في حقوق الناس ودماراً هائلاً في الحق العام الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي الذي ابرم بين المجتمع من جهة وبين السلطة أو الدولة من جهة أخرى، تمنح بموجبه السلطة والسيادة للحكومة على المجتمع مقابل توفير الأمن والسلام والقضاء العادل بين المواطنين وبمختلف انتماءاتهم وطوائفهم وأعراقهم وأجناسهم. فضلاً عن ذلك فان الاحتلال قد أدى إلى فتح حدود العراق على مختلف الدول التي تجاوره وهي السعودية ،الكويت ،إيران ،سوريا ،الأردن وتركيا ومسافة هذه الحدود تتجاوز أربعة ألاف كيلومتر حيث بالإمكان لأي شخص أن يَدخل ويُدخل معه ما يشاء من مواد أو معدات لتحقيق أغراض شخصية أو تنفيذ مخططات سياسية أو دينية أو طائفية دونما حسيب أو رقيب، خاصة وأننا نعرف أن العراق لديه مشاكل كثيرة مع بعض هذه الدول التي كان قد دخل معها في حرب سابقة مثل إيران والكويت أو ربما كان يمثل تهديداً لأمن ووجود بعض الدول الأخرى مثل الكيان الصهيوني.
ومن أبرز انعكاسات الاحتلال في مجال القضاء والقوانين ما ترتب على إصدار الحاكم المدني الأمريكي من قوانين وقرارات في مجالات متعددة بلغت أكثر من 100 قانون منها ما تم بموجبه إلغاء بعض المحاكم التي كانت مشكلة في العراق قبل الاحتلال، وتشكيل محكمة الجنايات الكبرى الخاصة تتولى محاكمة رموز النظام السابق، وإصدار قانون اجتثاث البعث بأمر من وزارة الخارجية الأمريكية للتخلص من كل أعضاء حزب البعث الذي كان يحكم العراق قبل الاحتلال، كما ورد في كتاب الحاكم المدني بول بريمر(عامي في العراق) ( )، هذا القانون الذي استغل من قبل الميليشيات المسلحة في تصفية الحسابات وإشاعة روح العداء والقتل والثأر من أعضاء حزب البعث أو حتى غيرهم ممن لم تكن لهم علاقة بهذا الحزب تحت ذريعة اجتثاث البعث، كل ذلك ساهم ـ مع عوامل عديدة في خلق وضع أمني تكاد تستحيل معه الحياة بخاصة بعد سيطرة الميليشيات المسلحة على الكثير من المناطق والمدن والأحياء السكنية فضلاً عن سيطرتها على أجهزة الأمن والشرطة والجيش مما تسبب في انتشار ظاهرة قتل وخطف عدد كبير من القضاة والعاملين في سلك القضاء فمنذ شهر نيسان / أبريل 2003، قُتل 13 قاضياً على الأقل وفقاً لتقارير مجلس القضاء الأعلى ( ).
3- مؤسسات البناء الاجتماعي ( الأسرة، العشيرة ):-
تعد الأسرة اللبنة الأساس في بناء المجتمع، وهي أيضا المؤسسة الأولى التي يتعرف عليها الشخص من بين مؤسسات المجتمع الأخرى, وعليها يقع عبئ الكثير من المسؤوليات والمهام الجسام، ولذلك يرى الكثير من العلماء والمتخصصين في علم الاجتماع انه إذا ما صلح حال الأسرة واستقر فان المجتمع سيصلح ويستقر، أيضاً وإذا ما تعرضت الأسرة إلى المشاكل والمنغصات فإن كثيراً من الظواهر السلبية ستبرز مما سيؤدي إلى خلل اجتماعي واضح تنعكس آثاره على المجتمع برمته.
وفي حديثنا عن الأسرة العراقية يمكن القول أنها عانت الكثير من المشكلات واعترض سبيلها الكثير من العقبات في عهد النظام السابق، إما بسبب الحروب أو بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضت في عام 1991م على العراق من قبل الأمم المتحدة بعد غزوه للكويت، مما انعكس سلباً وبشكل واضح وجلي على أدائها لمهامها وأدوارها ولمدة تزيد على عقدين. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى حدود لم يكن يتوقعها أكثر المتخصصين والخبراء تشاؤماً، فقد جلب الغزو والاحتلال القتل والدمار والخراب وعدد لا يقدر من الظواهر السلبية التي في أسوأ الأحوال والظروف لم تكن منتشرة في العراق وبهذا الشكل، بل إن بعضها لم تكن معروفة في السابق، حيث كشفت دراسة ميدانية عن أن عدد الأرامل في العراق في تزايد مستمر، جراء دوامة العنف والسيارات المفخخة والعمليات الإرهابية، التي يشهدها العراق، محذرة من مغبة هذه الظاهرة ونتائجها السلبية على المجتمع العراقي. وأوضحت الدراسة، التي أعدتها منظمة «عراقيات»، أن هناك أكثر من 2.3 مليون أرملة في العراق، من بينهن 400 ألف أرملة في بغداد وحدها، والبقية يتوزعن في مختلف المحافظات العراقية. مشيرة إلى أن العراق أصبح يعرف «ببلد الأرامل». وأظهرت الدراسة أن عدد الأرامل يزداد بمعدل 90 ـ 100 أرملة يومياً، جراء الاحتلال وما رافقه من أوضاع أمنية متدهورة. مشيرة إلى زيادة هذه الأعداد خلال الأشهر الأخيرة( )، كما ازداد عدد الأيتام فقد كشفت رئيسة لجنة المرأة والطفولة في مجلس محافظة بغداد، أن هناك نحو 900 ألف يتيم في مدارس بغداد وحدها( )، في حين بينت دراسة متخصصة لمنظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة في بغداد، أن عدد الأطفال الأيتام في العراق يقدر بنحو 4 ـ 5 ملايين طفل وأنهم في تزايد نتيجة الأعمال المسلحة والوضع الأمني غير المستقر مقارنة بأعدادهم في حقبة التسعينات التي بلغت حوالي مليون ومائة ألف يتيم في العراق ( ).
ولذلك دخلت الأسرة خاصة والمجتمع العراقي عامة عهداً جديداً بكل مقاييس الجدة وفي كل المجالات والاقتصادية والاجتماعية. ومن بين أهم الآثار التي ترتبت على هذا الغزو والاحتلال والتي طالت وبشكل مباشر الأسرة العراقية افتقاد الأمن والحماية مما زاد الأسرة حصاراً على حصارها السابق, فقد توقفت المرأة ( فضلاً عن توقف أفراد الأسرة كافة) عن العمل أو الخروج إلى الشارع بسبب بروز ظاهرة خطف النساء والأطفال وانتشارها في عدد من المدن العراقية الكبرى وبالذات العاصمة بغداد, فقد أعلنت منظمة "حرية المرأة" العراقية أن أكثر من ألفي امرأة خطفن في العراق منذ سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان/ابريل 2003. وقالت رئيسة المنظمة في مؤتمر صحافي في بغداد بمناسبة يوم المرأة العالمي إن "عدد النساء المختطفات في العراق خلال الأعوام الثلاث الماضية لا يقل عن ألفي امرأة"، موضحة أن "بعضهن تم بيعهن كسلع داخل العراق وخارجه"( ).
إن محاصرة اغلب أفراد الأسرة من النساء والأطفال داخل منازلهم ولمدة زادت على ثلاثة شهور في بداية الغزو أو بعد ذلك ولأيام طويلة بسبب حصار المدن والعمليات العسكرية التي تقوم بها قوات الاحتلال كما حصل لمدن كثيرة مثل الفلوجة وسامراء والنجف والقائم وحديثة والموصل وتلعفر والرمادي وهيت...الخ والتي ترتب عليه آثاراً نفسية كبيرة لحقت بهاتين الفئتين عدا عن الأثر المادي الذي لحق بالأسرة بسبب توقف عمل الرجل فضلاً عن المرأة وخسارتها لمواردها المادية مما انعكس سلباً على قدرة الأسرة في توفير الحاجات والسلع والمتطلبات الأساسية لأفرادها وزيادة نسبة الأسر التي تعاني من الفقر. من جهة أخرى فقد عانت الأسرة بأفرادها جميعاً من توقف اغلب الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه صالحة للشرب وخدمات الصحة والتعليم والبلدية....الخ أو ارتفاع كبير في الأسعار لتصل إلى 500% أو أكثر لبعضها مثل الوقود، فقد شهد الوضع المعيشي في العراق انهياراُ حاداُ فقد أظهرت دراسة بعنوان (خارطة الحرمان ومستوي المعيشة في العراق) أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع وزارة التخطيط العراقية عن واقع مستوي المعيشة للعائلة العراقية في الوقت الحاضر، حيث أشارت الدراسة أن مستوي المعيشة منخفض في ميدان التعليم بنسبة 31.8 % وفي مجال الصحة 22.7 % والبني التحتية الضرورية للعائلة بنسبة 58.2% والسكن 20.1% والوضع الاقتصادي بنسبة 55.1% بينما بلغ انخفاض مستوى المعيشة للأسر نسبة 31.2%، كما نقلت وكالة IRIN الإخبارية عن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية أن مستوي الفقر تجاوز بمقدار 35% عن مستوي الفقر قبل عام 2003، وان حوالي 5.6 مليون عراقي يعيشون تحت مستوى الفقر بينهم 40% يواجهون تدهوراُ حاداُ في معيشتهم، مما أدى إلى اتساع ظاهرة الباحثين عن الرزق بين جبال القمامة وحقول الألغام وغيرها( ). من ناحية أخرى أكد تقرير الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان في العراق، الذي صدر في 31 آب أغسطس 2006 ، في إشارته إلى أن نسبة البطالة قد ارتفعت بشكل كبير في العراق، وأن أكثر من (70% ) من الشعب العراقي يعيشون تحت خط الفقر وتذكر إحصاءات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية المعلنة أن نسبة الفقر في العراق بلغت حوالي 42% من إجمالي عدد سكان العراق، فيما حاول وزير حقوق الإنسان في تصريحه لوسائل الإعلام يوم الثلاثاء 20/2/2007 أن يجمل الصورة حيث ذكر أن ثلث العراق يعيشون دون حد الفقر، وأكدت وزارة التخطيط أن نسبة البطالة حسب تقديرات البنك الدولي هي أكثر من 50 % أي أكثر من 10 ملايين إنسان ويتبين لنا خطر هذا الرقم إذا ما علمنا أن الأمم المتحدة ذكرت في تقريرها ما نصه (( ارتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون في الفقر المدقع في العالم إلى 200 مليون نسمة في السنوات الخمس الأخيرة، وذلك بشكلٍ أساسي في جنوب الصحراء الأفريقية وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا)) أي أن فقراء العراق يشكلون 5% من فقراء العالم( ).
من جهة أخرى فإن التهجير القسري لأعداد كبيرة من السكان من المدن الكبيرة إلى المدن الصغيرة أو النواحي والقصبات والقرى البعيدة عن مسرح العمليات أو المناطق الساخنة أو الهجرة إلى خارج العراق بحثاً عن الأمان وهرباً من الصواريخ والطائرات ونيران القوات المحتلة، لدرجة أن اغلب البيوت في المدن الصغيرة والنواحي والقصبات والقرى بخاصة تلك التي تقع في شمال وغرب العراق قد استضافت معها أسرة نازحة من مدن أخرى أو أكثر، وعلى الرغم من أن هذا الظرف قد ساهم في زيادة اللحمة الاجتماعية والتكاتف الذي تجلى في أوضح صوره في تقاسم اغلب الحاجات المعيشية والغذائية بين هذه الأسر، رغم عدم وجود صلة قرابة أو تعارف سابق بينهم، بالرغم من الأثر الايجابي لذلك إلا إننا يمكن أن نسجل بعض الآثار السلبية لهذا الأمر وهو أن هذه الأسر قد دفعت ثمناً لا يستهان به من راحتها وأمنها واستقرارها بسبب هذه الهجرة وان كانت مؤقتة.
ملخص القول أن الأسرة العراقية وبسبب الغزو والاحتلال تكون قد تعرضت لمشاكل لا تعد ولا تحصى وبرزت بعض الظواهر السلبية والتي لم تكن معروفة في السابق في المجتمع العراقي، ليس اقلها هذا الاهتزاز الشديد أو التحول والتغير الكبير في أنماط السلوك والمعايير وبعض القيم والأعراف الاجتماعية.
أما العشيرة فيجب في البداية أن نذكر أن المجتمع العراقي ومنذ نهاية خمسينيات القرن المنصرم كان قد تجاوز نوعا ما دور وأهمية القبيلة أو العشيرة ( )،وبدأ يسند ما كانت تمارسه من ادوار ومسؤوليات ومهام إلى مؤسسات الدولة المختلفة ومن حينها بدأ دور العشيرة يتراجع وبشكل ملحوظ، ولكن بعد حرب تحرير الكويت والضعف الواضح في مؤسسات الدولة وقدرتها على السيطرة على الأوضاع بدأ النظام السابق بتشجيع وإعادة الحياة إلى العشيرة والقبيلة من اجل إعادة السيطرة على الوضع الأمني عن طريق الامتيازات والأموال التي كان يغدقها على شيوخ هذه العشائر والقبائل، وازداد تدخل الدولة في شؤون العشائر وفي تعيين الشيوخ عليها وحسب مصالحه الخاصة، مما ترتب عليه بروز وجوه اجتماعية قبلية وعشائرية لم تكن معروفة في السابق وبالتالي عودة الحياة إلى العشائرية في العراق وان كان الأمر محصوراً في المدن الصغيرة أو الأرياف وبعض أحياء المدن الكبيرة. وقد جاء الغزو والاحتلال ليزيد من دور العشيرة وبشكل منقطع النظير وذلك بسبب الفراغ الأمني الذي تركه سقوط النظام السابق وعدم وجود حكومة أو نظام أو قانون أو أية جهة معترف بها لتنفيذ القانون والإشراف على تسيير أمور الناس، وسط هذا الفراغ الكبير برزت العشيرة من جديد في محاولة لملء هذا الفراغ، وعاد لها الدور الكبير في المجتمع العراقي وبدأت تتشكل لها منظمات وهيئات وتشكيلات لم تكن معروفة أبداً في الوسط الاجتماعي العراقي، وبدأت تفرض نفسها في هذا الوسط، واستطاعت أن تثبت جدارة في تحمل المسؤولية وتثبيت الأمن وإشاعة الاستقرار النسبي في اغلب المدن العراقية (وبشكل اقل في المدن الكبيرة) ومما لاشك فيه إن هذا التحول في الأدوار في مؤسسات المجتمع العراقي يؤشر حالة ايجابية لصالح العشيرة ولصالح المجتمع ككل خاصة في مثل هذه الأحوال والظروف، ولكن المشكلة تصبح اشد وأعظم فيما لو أستمر هذا التحول الطارئ ليكون القاعدة المعمول بها في المجتمع العراقي، ولا يخفى أن هذا التحول من الولاء للدولة ومؤسساتها إلى الولاء للقبيلة أو للعشيرة إنما تترتب عليه انعكاسات اجتماعية خطيرة بخاصة في أوضاع العراق بعد الاحتلال وحالة الانفلات الأمني والفوضى وعدم وجود سلطة مركزية إضافة إلى ما قد يختلط مع الحالة الجديدة من تعصب طائفي أو ديني أو قومي، مما قد يترتب عليه مشكلات كبيرة تهدد وحدة وأمن المجتمع العراقي بالخطر آنياً أو في المستقبل، عدا عن كون التوجه الجديد نحو العشيرة (العَشْرَنَة أو القَبْيَلَة) والمدعوم من سلطات الاحتلال قد يتعارض مع مفهوم الدولة المعاصرة والمجتمع المدني والديمقراطية التي كانت احد المبررات للغزو والاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق.
4- الظواهر السكانية والاجتماعية(الوفيات،الولادات،الهجرة،الزواج،الطلاق ):-
تشير الكثير من المصادر( ) والدراسات الاجتماعية الميدانية منها والنظرية بان الحرب والغزو والاحتلال تعد من بين أهم العوامل المؤثرة على سير الظواهر السكانية والاجتماعية من ولادات ووفيات وهجرة وزواج وطلاق فبعضها ترتفع معدلاته وبشكل ملحوظ كالوفيات والهجرة والطلاق داخل المجتمع الذي يتعرض لمثل تلك الأحداث وبعضها الأخر ينخفض كالزواج والولادات، والأمثلة على ذلك كثيرة بكثرة الحروب التي تعرضت لها مختلف المجتمعات، وخير مثال هنا الحربين العالميتين الأولى والثانية والتي حصدت أرواح ملايين البشر وأدت إلى زيادة كبيرة ومفاجئة لمعدلات الوفيات سواء بين صفوف العسكريين أم المدنيين والذين قضوا بأعداد كبيرة في هذين الحربين، أو الملايين من النازحين من مناطق القتال إلى مناطق أكثر أمنا، أو تدني معدلات الولادات أو حتى معدلات الزواج.
أما غزو واحتلال العراق فقد ترتب عليه ( دون أدنى شك ) ارتفاع مفاجئ لمعدلات الوفيات في المجتمع العراقي جراء مقتل أعداد غير معروفة ( تقدر بستمائة وخمسين ألف نسمة في نهاية عام 2006م) سواء من العسكريين المدافعين عن المدن العراقية أو من المقاومة بعد الاحتلال أو من المدنيين، وبالرغم من عدم توافر الإحصائيات الدقيقة عن هذه الخسائر إلا انه بحكم المؤكد فإن هناك أعداداً كبيرةً من الجنود قد قتلوا بسبب استخدام أنواع جديدة من الأسلحة حتى المحرمة منها دولياً وبسبب حجم وبشاعة المعارك التي دارت بين الجنود العراقيين وبين القوات الغازية قبل سقوط النظام أو بين المقاومين وبين قوات الاحتلال بعد سقوط النظام، ولم يسلم حتى المدنيون من القتل فقد أسقطت العديد من الصواريخ والقنابل على الأسواق والبيوت والجسور والمؤسسات المدنية المختلفة مما رفع عدد القتلى بين المدنيين إلى أعداد تجاوزت مئات الآلاف منهم، فضلاً عن ما تسببت به الحرب من تدمير للبنية التحتية وتوقف العديد من المؤسسات عن العمل من بينها المستشفيات وخدمات التطعيم للأطفال حديثي الولادة بسبب انقطاع التيار الكهربائي والمياه الصالحة للشرب وعدم توفر العلاج أو اللقاحات أو الخدمات الصحية الضرورية، مما أدى إلى زيادة معدل الوفيات بين الأطفال أو كبار السن أو الأمهات الحوامل أو بسبب انتشار حالات الإسقاط والإجهاض بسبب الخوف والرعب الذي تعرضت له النساء الحوامل أثناء الحرب أو وفيات الأطفال أو الأمهات أثناء الولادة. وبالرغم من أن هذا الظرف ساهم برفع معدلات الوفيات وبشكل مفاجئ ووقتي وان هذه المعدلات قد تعود إلى مستوياتها السابقة بعد زوال الظروف التي تسببت بحدوثها، إلا أن هذا الغزو والاحتلال ساهم بشكل أو بآخر بزيادة هذه المعدلات عن مستوياتها الأولى قبل الغزو.
وإذا أخذنا معدلات الولادات وهي من المعدلات التي قد تكون انخفضت أثناء غزو العراق أو بعد احتلاله، وقد يعود ذلك إلى أن الكثير من الشباب في سن الزواج قد اجلوا زواجهم ريثما تنتهي الحرب، أو أن الكثير من الحوامل قد تم إجهاض حملهن قبل وقت الولادة الطبيعي، أو أن اغلب العراقيين رجالا أو نساء وهم يعيشون ظروفاً اقتصادية واجتماعية ونفسية عصيبة بسبب الغزو والاحتلال فإنهم بالتأكيد سيتأثرون إلى درجة تبعد المتزوجين منهم عن الاتصال الجنسي، مما قد يترتب عليه تأجيل الحمل والإنجاب أو التقليل منه طوال فترة الغزو والاحتلال.
أما ظاهرة الزواج فتكاد تكون قد توقفت أثناء فترة الغزو وطيلة الأشهر الأولى بعد الاحتلال تقريباً وذلك بسبب تفكك أركان الدولة العراقية ومؤسساتها ومن بين هذه المؤسسات المحاكم الشرعية والمدنية والتي تقوم بدور إبرام عقود الزواج والتصديق عليها، فضلاً عن تدهور الأحوال الاقتصادية وانتشار البطالة وانفلات الوضع الأمني، كل ذلك وغيره من العوامل الأخرى ساهم بشكل أو بآخر في تعطيل عقود الزواج وتأجيل الكثير من الشباب لموعد زواجهم، مما أدى إلى تراجع نسبة الزواج بين عامي 2003- 2006 إلي 50%، بحسب إحصاءات وزارة العدل العراقية( )، ويعد هذا العامل من بين العوامل المسئولة أيضا عن انخفاض معدلات الولادة أثناء الغزو والاحتلال.
من جهة أخرى تشير بعض المصادر في علم الاجتماع إلى أن المجتمعات عندما تتعرض إلى عدوان خارجي فان ذلك يؤدي في كثير من الأحايين إلى زيادة قوة ومتانة الوحدة والتماسك والتكاتف الاجتماعي لتلك المجتمعات من أجل مواجهة هذا العدوان( )، بالرغم من ذلك تشير إحصاءات وزارة العدل العراقية إلى ارتفاع معدلات الطلاق بنسبة 200% بين عامي 2003- 2006م بسبب انعكاسات الاحتلال على الأوضاع الاقتصادية والتدهور في المستوى المعاشي لغالبية السكان وانتشار البطالة بين نسبة كبيرة من قوة العمل في العراق، خاصة إذا ما علمنا أن عدد السكان في سن العمل يبلغ حوالي 12 مليون شخص حسب إحصاء عام 1997م ( ) ويعود ارتفاع معدلات البطالة إلى عوامل كثيرة منها حل الجيش والمؤسسات الأمنية والكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى وتسريح مئات الآلاف أو ربما الملايين من العاملين فيها ، فضلاً عن التوجه الاقتصادي الجديد لسلطة الاحتلال والحكومات التي تشكلت في ظلها، والرامية إلى خصخصة المشاريع الاقتصادية الحكومية جميعها مما سيترتب عليه تسريح مزيد من الأيدي العاملة في العراق والتي تعاني أصلاً من تدهور كبير في الأحوال المعاشية بسبب الحصار المفروض على العراق منذ ثلاثة عشر عاماً.
أما ظاهرة الهجرة فقد نقلت التقارير الصحفية والإعلامية أن أعداداً كبيرة من العراقيين الذين كانوا قد هاجروا من العراق إلى مختلف الدول- لأسباب سياسية أو اقتصادية - قد عادوا إليه سواء أثناء الغزو أم بعد الاحتلال مباشرة، وخلافاً لتوقعات المنظمات الإنسانية والدولية من أن الغزو سيؤدي إلى نزوح وهجرة أعداد كبيرة من العراقيين إلى الخارج هرباً من المعارك التي ستدور بين المتحاربين، وربما استُغِل هذا الوضع في إدخال عدد غير قليل من العملاء والجواسيس والذين كانوا يزودون القوات الأمريكية بالمعلومات اللازمة عن المؤسسات والوزارات والقوات المسلحة العراقية أو الوضع الداخلي، وربما أيضاً تؤشر هذه الظاهرة إلى مدى تمسك المجتمع العراقي بأرضه و مدى قوة العلاقات الاجتماعية بين أفراد هذا المجتمع فضلاً عن العامل الذي تحدثنا عنه سابقاً وهو أن التحدي أو الغزو الخارجي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تقوية البناء والعلاقات الاجتماعية الداخلية للمجتمع وهذا ما تبين في أوضح صوره من خلال الأعداد الكبيرة من المهاجرين العائدة إلى العراق في بداية الغزو، بالرغم من أن الحالة الطبيعية المعروفة للدارسين هي أن الغزوات والحروب تؤدي إلى نزوح وهجرة أعداد كبيرة هرباً من مناطق المعارك إلى مناطق أكثر أمناً. وهنا يمكن القول أن الاحتلال في بدايته اثر ربما ايجابياً على ظاهرة الهجرة، ولكن بعد مرور عدة سنوات على الاحتلال فإن تقارير المنظمات الدولية تشير إلى تزايد أعداد المهاجرين من العراق إلى الخارج بأعداد كبيرة حيث تقدر أعدادهم بثلاثة ملايين حسب تقديرات منظمات الأمم المتحدة المعنية، فضلاً عن وجود نحو 1.6 مليون مهجر داخلي في العراق( ). ولعل اخطر ما في هذه الهجرة الخارجية أنها شملت خيرة العقول والخبرات والكفاءات العراقية كالعلماء والأطباء والأساتذة والخبراء والضباط وغيرهم من الخبرات التي تكونت منذ قيام الدولة العراقية الحديثة ما أدى إلى ترك إدارة العراق للعناصر غير الكفوءة التي لا يهمها من السلطة والمراكز الإدارية سوى الامتيازات المتحققة منها، كما أنها ليست هجرة إلى النفط كما حصل لرعايا بعض الدول العربية التي توجهت في هجرتها إلى دول الخليج العربي وإنما هجرة من النفط وما تسبب به هذا النفط الذي بدل أن يكون نعمة للعراقيين أصبح يمثل نقمة عليهم ويجلب لهم الحروب والاحتلال والتشرذم الاجتماعي، وقد أشار الصحافي الشهير روبرت فيسك بأن منتسبي الهيئات التدريسية في الجامعات العراقية يشعرون بوجود مخطط لتجريد العراق من علمائه واكاديمييه لاستكمال تدمير الهوية الثقافية للعراق في أعقاب احتلاله عام 2003 م، وشهد العراق أيضا ولأول مرة في تاريخه بروز ظواهر غريبة على المجتمع العراقي ومنها التهجير الطائفي والعرقي القسري لمئات الآلاف من بعض الطوائف والأعراق من مناطق إلى مناطق أخرى من العراق حسب تقارير مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ووزارة الهجرة والمهجرين العراقية، لأساب وعوامل متعددة منها تدهور الوضع الأمني وانتشار ظواهر الخطف والقتل على الهوية واشتداد المعارك بين فصائل المقاومة وقوات الاحتلال أو زيادة الأعمال الإرهابية التي تستهدف مختلف فئات المجتمع بخاصة الكفاءات بمختلف تخصصاتها وانتماءاتها فضلاً عن انتشار ظاهرة القتل على الهوية، مما أدى إلى هجرة واسعة من العراقيين إلى الدول المجاورة أو الدول الأخرى، فظلاً عن شيوع ظاهرة استهداف الكفاءات العراقية من أطباء ومهندسون وأساتذة جامعيون أو صحفيون أو حتى طيارون وضباط الجيش العراقي السابق، والتي باتت تهدد أعداد كبيرة من العراقيين( ). في حين كشفت دراسة( ) أصدرتها المنظمة العراقية للمتابعة والرصد( معمر) أن عدد العراقيين الذين هاجروا من العراق بلغ أكثر من 4 ملايين و600 ألف فرد. وحسب بيانات رسمية كانت بحوزة حكومة الرئيس صدام حسين فان عدد العراقيين الذين هاجروا من العراق منذ عام 1986 ولغاية 1990 قد بلغ ما يقرب من 260 ألف مهاجر، يمثل الذكور فيهم نسبة تقارب 85 بالمائة، وتشير بيانات الحدود العراقية من حيث المغادرة والعودة التي كانت لدى الأجهزة الرسمية ولم يتم نشرها في حينه، أن عدد العراقيين الذين غادروا العراق منذ عام 1991 ولغاية الأول من عام 2003 ما يقرب من مليون ونصف، بينما قدر عدد الذين هربوا عن طريق شمال العراق لنفس الفترة ب40 ألف فرد. وفي استبيان قامت به معمر شمل 460 عراقي ممن هم خارج العراق وجد أن نسبة العراقيين الذين غادروا العراق بعد احتلال بغداد تمثل أكثر من 65 بالمائة في دول مثل الأردن وسوريا ومصر والإمارات العربية المتحدة واليمن وليبيا، وغادر العراق ما يقرب من 50 ألف عراقي للفترة المحصورة بين الأول من عام 2003 ولغاية اليوم العشرين من آذار من نفس العام. وبموجب إحصائيات وبيانات الدراسة وجد أن عدد العراقيين الذين غادروا العراق واستقروا في دول أخرى بلغ 2مليون وما يقرب من 750 ألف فرد. وان أعداداً هائلة غادرت العراق منذ الشهر الرابع من العام الجاري تفوق مليون و700 ألف فرد. وحسب ما توصلت إليه الدراسة فان 100 ألف طبيب وصيدلي ومهندس ومن يحمل شهادة في اختصاص علمي من إحدى الجامعات قد غادرت العراق طوال الفترة من 1986 ولغاية ألان، وان 55 بالمائة منهم غادروا العراق بعد عام 2003. وان أكثر من 11 ألف شهادة عليا من الدكتوراه والماجستير قد غادرت العراق وان 60 بالمائة منهم قد غادروا فعلا بعد احتلال بغداد وتفشي القتل والسرقة وانعدم الأمل بتحسن الوضع الداخلي. ويعد 55 بالمائة من المهاجرين عوائل كاملة غادرت العراق في ظروف قاسية. ويمثل الذكور ما يزيد قليلا عن 70 بالمائة من أعداد المهاجرين العراقيين.
5- التقسيم الطبقي والحراك الاجتماعي:-
أصبح اليوم من المتفق عليه أن الغزو والاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق قد أحدث زلزالاً سياسياً فيه، في نفس الوقت يمكن القول أنه قد أحدث زلزالاً اجتماعياً واقتصادياً أيضاً، فقد أعيد بناء وتنظيم الهرم الطبقي والامتيازات الطائفية أفقياً ورأسياً وأعيد بناء الفئات والطبقات وحتى الروابط الاجتماعية في المجتمع العراقي، فلم تعد النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية كما كانت في العهد السابق، بل تغيرت وبشكل يكاد يكون جذرياً وأعيد بناؤها بشكل جديد ومختلف عن السابق( )، وهذا التغيير بحد ذاته كان يمكن أن يكون ايجابياً للمجتمع العراقي لو جاء بما يتناسب وطموحاته وأهدافه ومصلحته، ولكن المشكلة أن هذا التغيير جاء بما يتناسب والأهداف والمخططات والمصالح التي تسعى لتحقيقها قوى الاحتلال، فقد تم توزيع الامتيازات والمكانات والمراكز السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية بشكل يخدم توجه وإستراتيجية الاحتلال بعيداً عن مصلحة المجتمع العراقي، ومن غير شك فان أي قوة محتلة لبلد ما ستسعى إلى رفع مكانة من يتعاون معها وخفض مكانة من يقف بالضد منها أو المقاومة لها، وفي كل الامتيازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون اعتبار للمثل والقيم والمعايير الاجتماعية والثقافية للمجتمع العراقي، وسيكون الاعتبار الأول والأخير لمدى التجاوب والتعاون والتنسيق مع قوات الاحتلال.
فمن الناحية السياسية نجد أن قوات الاحتلال قد عمدت إلى تعيين مجلس حكم انتقالي يتكون من العناصر التي أيدت وباركت الغزو وتتعاون وتنسق مع الاحتلال، بغض النظر عن مدى الإخلاص أو الأمانة أو الكفاءة أو ربما حتى الانتماء للمجتمع العراقي، ومن خلال نظرة بسيطة تجد أن من بين خمسة وعشرين عضواً يضمهم هذا المجلس تسعة منهم يحملون الجنسية الأمريكية وستة آخرين يحملون الجنسية البريطانية، وهذا بحد ذاته مؤشر واضح وجلي على مدى التلاعب في البنية المفترضة للنخبة السياسية للمجتمع العراقي، عدا عن ذلك فان بعض أعضاء مجلس الحكم الانتقالي لم تكن من الأسماء التي تحظى بقاعدة جماهيرية واسعة في المجتمع العراقي، والأدهى من ذلك أن بين أعضاء هذا المجلس من هو محكوم عليه ومطلوب في دول أخرى ليس بناء على تهم سياسية بل تهم جنائية، مما حدا بالحاكم المدني الأمريكي(بول بريمر) للقول(لم نتمكن من الوصول إلى شخصية عراقية أمينة ونشطة وتتميز بالوطنية يمكن أن تحكم عراق ما بعد المرحلة البعثية)( ) أما الحكومة التي انبثقت عن هذا المجلس فقد جاءت على شاكلته لتكرس التفرقة الطائفية والقومية وبشكل يهدد سلامة ووحدة أراضي العراق مستقبلاً، خاصة ونحن ندرك مدى الفرقة والتناحر وعدم الانسجام بين أعضاء المجلس أو حتى أعضاء الحكومة الجديدة، وهذه السابقة هي الأولى في تاريخ العراق والتي يتم فيها تقسيم السلطة على أساس طائفي أو قومي وليس على أساس الكفاءة أو المعايير الموضوعية والعلمية التي يجب أن تتبع في مثل هذه الظروف. وعليه فقد تغير بناء ومجرى تاريخ النخبة السياسية وبشكل يخدم مخططات وأهداف أجنبية وليست وطنية. وقد ترتب على خلق مثل هذه النخبة السياسية الجديدة المبني على الولاء للاحتلال وليس الكفاءة والنزاهة هدر كبير في الأموال والإمكانات المادية حيث احتل العراق المرتبة الثالثة بين دول العالم الأكثر فشلاُ حسب تقرير منظمة صندوق السلام الأمريكية، حيث احتل هذا الترتيب من بين أسوأ 60 دولة فاشلة من دول العالم وبدرجة (الوضع الحرج)، وتركز هذه المنظمة على متابعة أوضاع الدول التي يتسبب فشلها في إدارة شؤونها بتعريض الأمن والاستقرار للخطر. والعراق وفق تقييم منظمة الشفافية العالمية يتصدر قائمة أسوأ دول العالم في الفساد المالي والإداري بسبب النهب الواسع لثرواته وموارده وسوء الإدارة فيه، حيث وصل انتشار الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة في ظل الحكومات التي أعقبت الاحتلال لأكثر من 70 % حسب تقدير مسئول هيئة النزاهة في العراق( ).فضلاً عما قامت به السلطات الأمريكية الحاكمة في العراق من سرقات تقدر بالمليارات حيث كشف تقرير أميركي عن أن مبالغ ضخمة مخصصة لعمليات إعادة الإعمار تم هدرها خلال إدارة بريمر للعراق(2003- 2004). وتبدأ قصة الهدر والمخالفات والمقامرة التي تعرضت لها الأموال العراقية عندما أقر مجلس الأمن في أيار عام 2003 إقامة صندوق التنمية للعراق، وذلك لتلبية الحاجات الإنسانية للشعب العراقي وتمويل إعادة البنية التحتية للعراق، وأوكلت إدارة هذا الصندوق لسلطة التحالف المؤقتة في العراق، وإزاء ما ظهر من أخبار عن فساد مالي وإداري شكل الكونغرس الأميركي، في تشرين الأول عام 2003 مكتب المحقق لسلطة التحالف المؤقتة في العراق. الذي توصل إلى وجود قصور وتلاعب وفساد مالي. حيث تبددت الأموال العراقية في هذا الصندوق مما كلف العراق أكثر من (9)مليارات دولار، وذكرت تقارير هذا المكتب أن حوالي 15%من أموال هذا الصندوق تبددت بسبب الفساد وسوء الإدارة معاً( ).
أما من الناحية الاقتصادية فان الظروف التي خلقها الغزو والاحتلال في المجتمع العراقي ساهمت كثيراً في غنى بعض الأفراد وحصولهم بطريق غير شرعي على مبالغ تقدر بالملايين من الدولارات من خلال النهب والسلب للبنوك أو المصارف أو القصور والوزارات والمؤسسات الحكومية أو الأهلية المختلفة، مما يؤهلهم ليكونوا من النخبة الاقتصادية التي ظهرت في المجتمع العراقي بعد الغزو والاحتلال، بنفس الوقت فان عدداً ليس قليلاً من أفراد النخبة الاقتصادية التي كانت موجودة وفاعلة في الاقتصاد العراقي تضررت وبشكل كبير بحيث أتى الضرر على مواردها وممتلكاتها وأفلست خلال أيام معدودة إما بسبب الدمار والخراب الذي حل بأنشطتهم أو مشاريعهم الاقتصادية، وإما بسبب النهب والسلب الذي تعرضت له ممتلكاتهم في أنحاء العراق المختلفة، فضلاً عن ما تمارسه سلطات الاحتلال من تعسف وتمييز وملاحقة للكثير من أصحاب رؤوس الأموال العراقيين تحت ذريعة أنهم من أنصار النظام السابق وبحجة تجفيف منابع (الإرهاب) مما الحق الخسائر الفادحة بثرواتهم وممتلكاتهم، وهذا ما أدى إلى خروج عدد ليس قليلاً منهم من فئة النخبة الاقتصادية العراقية .
ومن الناحية الاجتماعية نجد أن الغزو والاحتلال قد لعب دوراً بارزاً وأساسياً في إحداث زلزال اجتماعي كبير في المجتمع العراقي بحيث أتى على البناء القديم للنخبة الدينية برمتها تقريباً وخلق الظروف المناسبة لظهور نخبة جديدة تتناسب وتتوافق مع الاحتلال وتتعاون معه وتدعوا إلى التنسيق معه، وبأحسن الأحوال السكوت على ما يقوم به الاحتلال من أعمال قتل واعتقال وانتهاك لحقوق الإنسان، وأغلب مكونات هذه النخبة الدينية شرعت وحللت - قبل الغزو وبعد الاحتلال - مقاومة الحكم السابق وقتل أزلامه وإبادة أعوانه واجتثاث من تبقى منهم بعد سقوطه.
أما النخبة الاجتماعية وبالرغم من التغيير الايجابي والذي يبدو للوهلة الأولى حيث أن هذه النخبة بدأت تأخذ أدواراً اكبر وأفضل من السابق وذلك بسبب الفراغ السياسي والمؤسساتي الذي أحدثه الاحتلال لتبرز هذه النخبة وتتولى الإدارة وحفظ الأمن في المدن والقرى العراقية المختلفة، إلا إننا يجب أن ننبه إلى المخاطر والسلبيات التي يمكن أن يتسبب بها هذا التحول من الإدارة المركزية للدولة إلى إدارة متفرقة ومحلية ينقصها الكثير من التنسيق وربما الكفاءة أو الخبرة وقد يطغى عليها التفكير بالمصلحة الشخصية أو المحلية والنظرة الضيقة على حساب المصلحة العليا للمجتمع العراقي تحت ذريعة الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان. من جهة أخرى فإن هذا التحول من الاعتماد على الدولة ومؤسساتها إلى الميليشيات القبلية أو الحزبية أو الطائفية في الإدارة وحفظ الأمن قد يؤدي- فيما لو استمر الحال لمدة طويلة - إلى تغيير الولاءات والعودة إلى الولاء لجهات معينة دون الدولة أو قد يؤدي إلى طغيان المصلحة الخاصة والضيقة على المصلحة العليا والعامة وبشكل يهدد وحدة وامن المجتمع العراقي ويخلق مشاكل وصعوبات مستقبلية. وهذا ما نلاحظه الآن من فوضى تحدثها الميليشيات الطائفية كالقتل والخطف والتدمير في أحياء بغداد والمدن الأخرى، ولتبيان حجم المعاناة، قال تقرير صادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة لبعثة الأمم المتحدة في العراق إن معهد الطب العدلي العراقي( المشرحة في مدينة بغداد) تسلم في شهر تشرين الثاني الماضي 886 جثة تبين أن 555 جثة منها تحمل آثار طلقات نارية وأن المعهد تسلم في كانون الأول الماضي 787 جثة وأن 479 منها تعرضت لطلقات نارية، ومن المعتقد أن هذه الأرقام تقل عن العدد الفعلي للإصابات، ولا تشمل الإصابات التي حدثت في المحافظات الأخرى( ).
6- القيم والأعراف والتقاليد الاجتماعية:-
من المعروف لدى المتخصصين جميعاً في علم الاجتماع أن القيم والأعراف والتقاليد الاجتماعية تتطلب وقتاً أطول وجهداً اكبر حتى يمكن تغييرها أو تعديلها نحو قيم أو أعراف أو تقاليد جديدة. وهنا لا ندعي أن الغزو والاحتلال قد غير قيم وعادات وأعراف المجتمع العراقي، ولكن يجب القول أيضاً انه ساهم في خلق الجو المناسب والظروف الملائمة من اجل إحداث تغيير شامل في المجتمع العراقي يطال كل مؤسساته ونظمه ليست السياسية والاقتصادية حسب بل تتعداها إلى الاجتماعية والثقافية أيضا، فقد استغلت القوات الغازية ظروف البطالة والتدهور الاقتصادي الكبير الذي حصل من جراء الغزو والاحتلال في توفير فرص عمل من خلال تشغيل أعداد ليست قليلة من العراقيين في أعمال الترجمة أو البناء في القواعد العسكرية والتي يجري بناؤها بالسر أو خدمات مدنية يمكن أن تقدم لقوات الاحتلال، كل ذلك استُغِل كوسيلة لتكريس مفهوم تقبل التعامل والتعاون مع الاحتلال بل والاندماج في القيم والثقافة الأمريكية في العراق، فضلاً عن أن سلطات الاحتلال قد عمدت ومنذ الأيام الأولى إلى إحداث تغيير في المناهج الدراسية وبما يتفق والأوضاع الجديدة، يضاف لكل ما تقدم الرغبة الأمريكية في قلب التوجه الاقتصاد العراقي وتحويله من اقتصاد مخطط وموجه تشرف عليه الدولة إلى اقتصاد حر وعلى النمط الأمريكي، وقد أعلنت سلطات الاحتلال عن نيتها في خصخصة الاقتصاد العراقي وبيع منشآته ومؤسساته ومشاريعه الاقتصادية المختلفة، ولا يخفى على الخبراء والمتخصصين مغزى هذه الإجراءات أو نتائجها وآثارها على المواطن العراقي وعلى وضعه الاقتصادي والمعيشي والذي ينعكس بشكل أو بآخر على قيمه وعاداته وتقاليده الاجتماعية التي يسير وفقها ومنذ مدة تزيد على الأربعين عاماً.
من جهة أخرى فان حالة الانفلات الأمني والفراغ المؤسساتي وما رافقها من الظواهر السلبية التي تتصل بصفة مباشرة أو غير مباشرة بقيم المجتمع ومثله الأخلاقية ومعايير السلوك الاجتماعي. إن هذه الظواهر والتي قد يرى البعض أنها محدودة أو فردية ولن تستمر في المجتمع العراقي، وانه بمجرد قيام سلطة أو حكومة فإنها ستعود إلى سالف عهدها ويتقلص وجودها فيه، ولكن الوقائع على الأرض تشير إلى عكس ذلك حيث يزداد انتشار الظواهر السلبية مما سيترتب عليه حدوث تغيرات خطيرة في الجانب القيمي والسلوكي للفرد العراقي( )، وإن كان هذا التغيير قد لا يظهر في الحاضر ولكنه سيظهر في المستقبل القريب أو البعيد.
إن سلطات الاحتلال بدأت وفور سقوط النظام السابق من خلال قواتها العسكرية ومن خلال بقاء (200) مستشار أمريكي في الوزارات العراقية، حتى بعد تسليم السلطة لحكومة عراقية شكلية، أو من خلال أكبر سفارة أمريكية في العالم تنوي الإدارة الأمريكية بناءها في بغداد، قوامها 3 ألاف موظف. أي ربع موظفي وزارة الخارجية الأمريكية( ) ، بدأت في التحكم في مجرى كل الأمور السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية وحتى خطب المساجد أو الأندية الرياضة وتدخلت في تقريب بعض الوجوه السياسية أو الاقتصادية أو الدينية أو الاجتماعية وإبعاد بعضها الآخر مما ترتب عليه انقلاب في الهرم الاجتماعي والانتماء الطبقي أو الفئوي، وهذا ما سيترتب عليه اختلال في النسق ألقيمي الاجتماعي وتغيير في عادات وأعراف وتقاليد عدد كبير من أفراد المجتمع العراقي، وخير دليل على ذلك أنه كان ينظر بدونية واحتقار إلى كل من يعرف عنه في الوسط الاجتماعي العراقي بأنه جاسوساً للولايات المتحدة الأمريكية أو لغيرها ولكن الحال تغير بعد الاحتلال فقد أصبح ينظر من قبل بعض أفراد وفئات المجتمع العراقي إلى مفهوم عميل على انه فقد معناه وأصبح اسمه (متعاوناً) أو انه ( ينسق مع قوات التحالف)، وان كنا لا ندعي أن هذه الحالات تشكل ظاهرة واسعة الانتشار بين أبناء المجتمع العراقي, ولكن مع ذلك نستطيع القول أن هذه الحالات بدأت بالتزايد وبدأت تجد لها قبولاً أكثر من السابق أو أنها تجد من يبررها في هذا المجتمع، وهكذا الحال بالنسبة للكثير من المفاهيم والأعراف الاجتماعية، ولا شك أن هذا التغيير ما كان يمكن أن يتم وبهذه السرعة لولا وجود الاحتلال الذي ساهم وبشكل كبير في إحداث تغيير يكاد يكون شاملاً في المجتمع العراقي.
7- حقوق الإنسان والحريات العامة :-
مما لا شك فيه أن الغزو والاحتلال يعد فعلاً من أسوأ الأفعال البشرية كونها تتناقض مع كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والقيم الإنسانية وتتعارض مع حقوق الإنسان والحريات العامة، يضاف إلى ذلك ما يمكن أن يرتكب أثناء هذا الغزو والاحتلال من قتل ودمار وخراب وانتهاك فاضح لكل الحقوق المدنية والعسكرية والتي يفترض بالجهات المتحاربة مراعاتها والالتزام بنصوصها المعروفة، وقد نصت اتفاقية جنيف لحماية ضحايا الحرب وفي جزئها الخاص بحماية المدنيين وقت الحرب والموقعة عام 1949 وتحديدا في بابها الأول / المادة الثالثة ما يأتي :-
(( في حالة قيام اشتباك مسلح ليست له صبغة دولية في أراضي احد الأطراف السامية المتعاقدة، فعلى كل طرف في النزاع أن يطبق، كحد أدنى، الأحكام الآتية:-
(1) الأشخاص الذين ليس لهم دور ايجابي في الأعمال العدائية، بما فيهم أفراد القوات المسلحة الذين سلموا سلاحهم، والذين أبعدوا عن القتال بسبب المرض أو الجروح أو الأسر أو أي سبب آخر، يجب معاملتهم في جميع الأحوال معاملة إنسانية دون أن يكون للسلالة أو اللون أو الدين أو الجنس أو المولد أو الثروة أو ما شابه ذلك أي تأثير ضار على هذه المعاملة .
ولهذا الغرض تعتبر الأعمال الآتية محظورة وتبقى معتبرة كذلك في أي وقت وفي أي مكان بالنسبة للأشخاص المذكورين:-
( أ ) أعمال العنف ضد الحياة والشخص، وعلى الأخص القتل بكل أنواعه، وبتر الأعضاء والمعاملة القاسية، والتعذيب.
(ب) اخذ الرهائن.
(ج) الاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص التحقير والمعاملة المزرية.
(د) إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة قانوناً، تكفل جميع الضمانات القضائية التي تعتبر في نظر الشعوب المتمدينة لا مندوحة عنها.))( )
وإذا أردنا تقييم الأداء الأمريكي- البريطاني في العراق بعد احتلاله وفق الاتفاقيات الدولية التي ينادي بها الغرب تحديداً الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، سنجد أن الفرق عظيم بين ما تقوله هذه الاتفاقيات وتطالب به وبين واقع الحال وسلوك القوات الغازية والمحتلة للعراق، فقبل كل شيء نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية وبشكل يتناقض مع هذه الاتفاقية استطاعت أن تستصدر قراراً من الأمم المتحدة يرفع المساءلة القانونية عن كل الأفعال التي ترتكبها القوات الأمريكية وفي كل أنحاء العالم. من ناحية أخرى نجد أن القوات الأمريكية البريطانية التي قامت بغزو العراق تحت ذريعة تحرير الشعب العراقي من الدكتاتورية والتعسف وأسمت عمليتها باسم (تحرير العراق)، تعود مرة ثانية لتستصدر قراراً من الأمم المتحدة يعلن فيه أن هذه القوات إنما هي قوات احتلال وعلى دول العالم أن تتصرف وفق ذلك.
أما إذا أردنا مناقشة الانعكاسات السلبية لغزو واحتلال العراق على حقوق الإنسان والحريات العامة فنستطيع القول أن الفرد والمجتمع العراقي قد تأثر وبشكل كبير في هذا المجال، فقد اثر الغزو والاحتلال على جميع أفراد هذا المجتمع وسلبهم كل حقوقهم العسكرية والمدنية وانتهك كل الاتفاقيات والقوانين والأعراف الدولية وكل الشرائع السماوية، فقد تم قتل وإبادة أعداد كبيرة من السكان المدنيين إما بحجة الخطأ أو بحجة وجود قوات عسكرية بين المدنيين، من ناحية أخرى فقد أصيب ( بسبب استخدام مختلف الأسلحة التقليدية أو المحرمة دولياً ) عدداً اكبر من المدنيين بجروح وحروق وإعاقات بدنية مختلفة مما سيؤثر على مستقبلهم وبشكل كبير، حيث بلغ عدد القتلى من المدنيين في العراق لعام 2006م وحدها حسب تقديرات الأمم المتحدة أكثر من 34 ألف قتيل عدا قتلى القوات المسلحة الحكومية وأضعاف هذا العدد من الجرحى، بينما قدرت هيئات دولية منها مجلة لانسيت المتخصصة عدد القتلى من المدنيين بأكثر من 650 ألفا خلال السنوات الأربع الأولى من الاحتلال، بينما قدرت دراسة لجامعة جونز هوبكنز الأمريكية عدد الضحايا المدنيين في العراق بـ 655 ألفا( ). وتحتجز القوات الأميركية المحتلة أكثر من عشرة آلاف مواطن عراقي في المعسكرات الأميركية في عزلة كاملة عن العالم من دون أن توجه لهم تهماً( ). كل ذلك يتم تحت ذريعة أنهم من أنصار النظام السابق أو مشتبه بتعاونهم مع المقاومة، فضلاً عن ممارسة أبشع الأساليب والوسائل في تعذيبهم وإهانتهم وتحقيرهم وإذلالهم، كما قامت قوات الاحتلال بنسف العديد من المنازل والمدارس والمستشفيات والمؤسسات الحكومية والأهلية تحت ذريعة الاشتباه في وجود عناصر المقاومة أو عناصر النظام السابق، وازدادت وبشكل كبير حوادث القتل التي تمارسها قوات الاحتلال بحجة الخطأ، بخاصة بعد تزايد عمليات المقاومة وانتشارها في العديد من المدن العراقية، كما أن القوات الأمريكية البريطانية ومنذ الأيام الأولى لاحتلالها للعراق تقوم بين الحين والآخر بحظر التجول ومنع السكان من الخروج من منازلهم وفي مناطق متفرقة من العراق.
من ناحية أخرى فقد قامت سلطة الاحتلال بتسريح العاملين في الكثير من المؤسسات والوزارات الحكومية كالجيش والداخلية والإعلام والأجهزة الأمنية المختلفة، ففي الثالث والعشرين من مايو 2003، أصدر (بول بريمر)الحاكم الأمريكي الأمر رقم 2 لإدارة الاحتلال والمعنون 'حل مؤسسات'، والذي شمل وزارة الدفاع وكل الهيئات التابعة أو المرتبطة بها وكل التشكيلات العسكرية بما في ذلك الحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص وميليشيات حزب البعث المسماة 'فدائيي صدام'( )، فظلاً عن توقف كامل لأغلب المشاريع الأهلية إما بسبب التدمير أو النهب أو الحرق، كما أنها قامت بمنع نشاط وعمل بعض الأحزاب ( لدرجة المطالبة باجتثاث واستئصال أعضاء حزب البعث الذي كان يحكم العراق ) والمنظمات والاتحادات الجماهيرية، أو تدخلت وبشكل علني في تعيين رؤسائها وأعضائها وتشكيلها بالشكل الذي يخدم أهدافها ومخططاتها. وعمدت إلى تدمير الإذاعة والتلفزيون وتعطيل صدور العديد من الصحف والمجلات وإنشاء فضائيات وصحف ومجلات موالية، في محاولة منها لعزل المجتمع العراقي عن العالم الخارجي أو توجيه العقل الجماعي العراقي بما يتناسب وأجندة الاحتلال، وفي جانب الحرية الصحافية والإعلامية في العراق فان تقرير لجنة حماية الصحافيين الأمريكية اعتبرت العراق أكثر الأماكن خطورة للصحافيين في العالم مشيرة إلى سقوط 55 صحافياُ في العراق عام 2006 مقابل 74 في عام 2005، كما أعلن رئيس نقابة الصحافيين العراقيين مؤخراُ عن مقتل 190 صحافياُ في العراق منذ عام 2003 ولغاية آذار (مارس) 2007، إضافة إلى غلق العديد من القنوات الفضائية مثل الجزيرة والشرقية وبعض الصحف وتهديد الصحافيين بقانون مكافحة الإرهاب الذي يتيح للحكومة اعتقال الصحافيين المناوئين لها بحجة تشجيع الإرهاب والعنف، بينما أعلن مدير المخابرات العراقية الجديدة عن وجود ست إذاعات وقنوات فضائية غير مرخصة تديرها إيران في العراق( ).
فظلا عن ما تقدم فان القوات الغازية مارست وتمارس أبشع أساليب المعاملة للسكان من خلال ما تمارسه من دهم وتفتيش للمنازل أو المؤسسات المختلفة وانتهاك الحرمات دون مراعاة للمشاعر والتقاليد والأعراف الاجتماعية والدينية, وإتباع أسلوب الإهانة والتحقير والإذلال المتعمد مع الأفراد وبغض النظر عن السن أو الجنس، أما حملات الاعتقال التي شملت الرجال والنساء فقد وصل عدد المعتقلات أكثر من 1000 امرأة خلال 2005 – 2006 م أطلق سراح البعض منهن وبقي الآخر، وان عددهن في السجون العراقية يتراوح بين 450 و500 معتقلة يتوزعن على سجون مختلفة، أما المعتقلات في السجون الأميركية فعددهم 32 سجينة بتهم إيواء عناصر إرهابية( )، مع أن هناك إحصائيات لجهات حكومة أو دولية متعددة تشير إلى أرقام أكبر من هذه الإحصائية حيث تؤكد وجود عشرة آلاف امرأة عراقية تعرضت للاعتقال منذ بدء الغزو الأمريكي قبل 4 سنوات( )، أما بخصوص المعتقلين من الرجال فقد وصلت أعدادهم ما يقارب الـ 32000 معتقل في السجون والمعتقلات العراقية و القوات الأجنبية( حسب وزيرة حقوق الإنسان العراقية) ويشير المتحدث باسم هيئة علماء المسلمين عبد السلام الكبيسي أن عددهم يبلغ 37 ألف معتقل من أهل السنة في العراق( ).
من كل ما تقدم نستطيع القول أن الغزو والاحتلال قد انتهك وبشكل علني وأمام دول العالم ومنظماته المختلفة، وبشكل صارخ وسافر كل حقوق الإنسان وكل الحريات العامة للفرد والمجتمع العراقي، مما اضر وبشكل كبير في حاضر هذا المجتمع ومستقبله، وتجاوز بذلك كل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والتي تعلن الولايات المتحدة الأمريكية مراراً أنها تسعى بكل جهدها للحفاظ عليها والدفاع عنها .

المبحث الثالث :- الانعكاسات غير المباشرة
إن الحديث عن الانعكاسات غير المباشرة يتشعب ويتشابك مع الكثير من مختلف جوانب الحياة، فلو تحدثنا عن آثار الغزو والاحتلال على الجانب الصحي مثلا فإننا سنجد أن هذه الآثار تمتد في تأثيرها ليس في حاضر الفرد والمجتمع العراقي فقط وإنما حتى إلى مستقبله بل وربما على بعض المجتمعات في الدول المجاورة، بسبب ما تم استخدامه من أسلحة محرمة دولياً في المعارك التي شنتها قوات الغزو على العراق، فقد استخدمت القوات الغازية أسلحة وصواريخ وقذائف تلحق ضرراً بليغاً في السكان والبيئة على حدٍ سواء, فضلاً عن ما أحدثته هذه الأسلحة وبشكل مباشر من قتل للسكان راح ضحيته الآلاف ودمار يكاد يكون كاملاً للبنية التحتية في العراق فان المتخصصين والأطباء يرون أن بعض هذه الآثار سيستمر ربما لمئات أو آلاف السنين، وهذا ما تحقق عندما ألقت الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة في التاريخ القنبلة النووية مرتين على المدن اليابانية هيروشيما وناكازاكي أثناء الحرب العالمية الثانية والتي استمرت آثارها السلبية على السكان حتى أيامنا هذه. أما في العراق وبالرغم من عدم استخدام مثل هذه القنابل فان القوات الأمريكية ربما تكون قد استخدمت بعض القنابل النووية المحجمة أو صغيرة الحجم ومحدودة الأثر كما ذكرت العديد من القنوات الفضائية أو التقارير الصحفية. زيادة على اعتراف العديد من القادة العسكريين الأمريكان بأن قواتهم استخدمت صواريخ وقنابل من النوع الذي يحتوي على اليورانيوم المستنفذ والذي أحدث دماراً هائلاً وبشكل مباشر وسيستمر تأثيره والتلوث الذي أحدثه ربما لمئات أو آلاف السنين حسب رأي الخبراء والمتخصصين. وقد بدأ المجتمع العراقي يتلمس هذه الآثار من خلال زيادة نسبة التشوهات الخَلقية للمواليد الجدد والتي من غير المحتمل أن تنخفض في المستقبل، ما لم تتزايد هذه النسب والمعدلات. ولا يخفى أن زيادة نسبة المعوقين أو ذوي التشوهات الخَلقية في المجتمع يترتب عليه خسائر مادية كبيرة لتأهيل وعلاج وإعالة هؤلاء الأفراد فضلاً عن ما يتسبب به العوق أو التشوه الخَلقي من آثار نفسية واجتماعية على شخصية كل فرد في هذه الفئة من أفراد المجتمع، مما ينعكس سلباً على فاعليتهم وأدائهم واندماجهم داخل المجتمع، وقد أشارت الكثير من الدراسات الميدانية والتقارير العلمية والصحفية إلى الأثر الكبير لانتشار التلوث الإشعاعي في أنحاء كثيرة من العراق فعلى سبيل المثال في أيلول / سبتمبر 2003 نشرت صحيفة " الواشنطن بوست " أن أكثر من 6 آلاف جندي أمريكي تم سحبهم من العراق لأسباب مرضية وسط مخاوف من وجود مواد إشعاعية وكانت هذه المخاوف قد تصاعدت بعدما قام " سكوت بيترسون المحرر في جريدة " كريستيان ساينس مونيتور " بقياس مستوى الإشعاع في بعض مناطق بغداد وهو يرافق علماء عراقيين حيث زوده العلماء بحصيلة البحث والتقصي عندما اكتشفوا أن المناطق المستهدفة في القصف الجوي الأمريكي تزيد 1000 و1900 مرة عن المستوى العادي في المناطق السكنية المجاورة( ).
إن استخدام الذخائر العسكرية المشعة باليورانيوم المنضب من قبل قوات الاحتلال ساهم في نشر التلوث من مسرح العمليات في حفر الباطن وما جاورها إلى الدول الأخرى التي كانت على تماس مع مسرح العمليات العسكرية، تلك الذخائر التي سببت كارثة أو كوارث بالمعنى الدقيق للبيئة والإنسان عندما تحركت تلك النفايات المشعة المليئة باليورانيوم والإشعاع النووي وتركت أثارها المدمرة والضارة على البيئة والإنسان ونتج عن ذلك الفعل انتشار أنواع كثيرة من أمراض السرطان والأورام الغريبة تلك التي رصدها الخبراء والأطباء في حالات إصابات صحية عديدة في العراق وخاصة في المناطق الجنوبية حيث تعرض الكثير من الناس هناك لأورام غير معروفة سابقاً، أمراض لم يعهدها الإنسان العراقي ولا دور المستشفيات، تمثلت تلك الحالات الصعبة منها في تلف جهاز المناعة وتدمير أعضاء مهمة في الجسد البشري وتمزق الأنسجة وحدوث التشوهات الغريبة في حالات الولادة الحديثة والموت السريع، وانتشار حالات العقم عند النساء، كما أشارت لذلك الكثير من التقارير واللجان المكلفة بدراسة التأثيرات الإشعاعية في البيئة والصحة العامة للسكان، فقد كشف وزير البيئة العراقية في حكومة الاحتلال "عبد الرحمن صديق كريم" عن ظهور مؤشرات كثيرة تؤكد وجود تلوث إشعاعي في منطقة التويثة جنوب شرق بغداد، وأضاف في تصريح نشرته صحيفة الزمان إحدى صحف الاحتلال، أنه تم تشكيل فريق لزيارة الموقع النووي في التويثة وقد تمت الزيارة وثبت للفريق وجود تلوث وهو تحت السيطرة( ). كما نشرت صحيفة لوس انجلز تايمز الأمريكية بتاريخ 22/5/2003 بأن الإصابات المرضية تتزايد وسط العراقيين الذين يسكنون بالقرب من موقع الأبحاث النووية في التويثة عقب نهب المواد الخطرة منه، وأن الأعراض المرضية التي يشكو منها السكان هي أعراض تلوث إشعاعي وحذر خبراء من هيئة الطاقة النووية العراقية بأن أكثر من ألف من الفلاحين العاملين في الحقول المجاورة قد يهلكون بسبب إصابتهم بالسرطان – اللوكيميا بعد أن نهبت أطنان من المواد المشعة من منشأة التويثة النووية، وفي 10/10/2003 عمل فريق علمي مكون من ثلاثة علماء هم " العالم العراقي محمد الشيخلي والعالم الأمريكي أساف دوراكوفيتش والعالم الألماني سيغفرت هورست غونتر "على انجاز دراسة ميدانية عن تلوث أجزاء من العراق بالإشعاع وشملت مناطق عديدة من جنوب العراق وكذلك مناطق الفرات الأوسط وبغداد وضواحيها والكوت والصويرة، من المعلومات التي تستخلص من تلك الدراسة التي ترصد حالات التلوث بالإشعاع أنها تتفق تماما ً مع جميع التقارير السابقة والتي أشارت إلى حصول التلوث وارتفاع مستوياته في الكثير من المناطق المشمولة بالدراسة والبحث والتي أخذت منها العينات وسجل العلماء الثلاثة ملاحظة في مجال القراءات المتعلقة بنسب التلوث وهي أن التلوث في الهواء أشد بكثير من تلوث التربة كما ثبتت الدراسة وجود مستويات إشعاع كارثية في المناطق التي شملها البحث العلمي، وأن الدقائق المشعة التي يحملها الغبار والهواء هي من النوع الدقيق جداً الذي يسهل استنشاقه وترسبه وبقاؤه في حويصلات رئة الإنسان والحيوان وكذلك الحال بالنسبة للنبات، كما أثبت العلماء الثلاثة خلاصة مهمة تتعلق بساحة العمليات العسكرية وهي "في مواقع الحدث العسكري تزيد نسبة الإشعاع وخاصة في مناطق اختراق إطلاقات اليورانيوم للمدرعات العراقية بنسبة 30 ألف مرة عن الحد الطبيعي.
فضلاً عن ذلك فان الغزو والاحتلال قد استباح المؤسسات والمنشات المدنية والعسكرية في العراق ومنها منشآت التصنيع العسكري أو منشآت الطاقة الذرية العراقية والتي تحتوي على كميات كبيرة من المواد المشعة واليورانيوم والذي كان يستخدم لأغراض طبية وعلاجية، هذه الكميات الكبيرة نهبت وهربت إلى السكان غير المدركين لخطورتها وآثارها المباشرة وغير المباشرة، وبحكم المؤكد فان أعداداً كبيرة منهم ستعاني من آثار هذه المواد في المستقبل، عدا عن إطلاق أعداد هائلة من الحشرات تقدر بالملايين والتي كانت هيئة الطاقة الذرية العراقية تنوي تعقيمها وإعادة إطلاقها للقضاء على الحشرات الضارة بالإنسان أو بالثروة الحيوانية أو بالنباتات والمحاصيل الزراعية المختلفة، مما سيترتب عليه أضراراً كبيرة في الصحة العامة للسكان أو الثروات والموارد الحيوانية والزراعية. ليس هذا فحسب بل أن العديد من المختبرات الطبية العامة والخاصة والتي تحوي كميات كبيرة من الجراثيم والميكروبات التي تستخدم في استخراج الأمصال واللقاحات المختلفة، قد استبيحت أيضا وتم نهب الكثير من المواد منها من قبل بعض السكان الذين لا يدركون مدى خطورتها، كل ذلك ربما ظهرت آثاره المباشرة فور انتهاء العمليات القتالية الكبرى في العراق وقد تمتد هذه الآثار إلى المستقبل، ومن المرجح أيضاً أن الكثير من هذه الآثار لم يظهر لحد ألان وربما سيظهر في المستقبل، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية كبيرة في العراق وقد تمتد آثارها إلى الدول المجاورة أيضاً.
من ناحية أخرى فان الغزو والاحتلال وبما أشاعه في المجتمع العراقي من قتل ودمار ونهب وسلب وخطف وفوضى( ) قد أثر وبشكل كبير في نفوس الكثير من الأفراد ومنظومة القيم الاجتماعية والعادات والأعراف والتقاليد التي يلتزمون بها وتؤثر بشكل كبير في سلوكهم اليومي، مما يرجح احتمال تحولهم إلى قيم أخرى مغايرة ربما ليس حاليا بل في المستقبل القريب أو البعيد، وهذا ما سينعكس سلباً على معدلات الجريمة والانحراف والجنوح أو بروز وانتشار ظواهر اجتماعية سلبية خطيرة في المجتمع العراقي كالتسول والتشرد والنشل والسطو والخطف والقتل والإدمان على المخدرات أو انتشار بيعها وتشكيل العصابات المنظمة .... الخ. وهنا يجب التنبيه إلى أننا لا نقصد من ذلك أن منظومة القيم الاجتماعية لدى كافة أفراد المجتمع العراقي ستتغير وتتحول وإنما نقصد أن فئات معينة أو أعداد لايستهان بها منه هي التي ستتأثر بهذا التحول. وينسحب قولنا هنا على موضوع الحراك الاجتماعي ( )، فقد ساهم الغزو والاحتلال في توفير الظروف الملائمة وربما السماح للسطو على البنوك والمؤسسات المالية والحكومية المختلفة ونهب محتوياتها مما سيترتب عليه غنى عدد منهم وامتلاكهم ثروات ربما تصل إلى ملايين الدولارات، وهذا الأمر سينعكس على وضعهم الاقتصادي والاجتماعي وسيساهم في تحركهم في السلم الاجتماعي نحو مراكز ومراتب متقدمة، وقد يتحول هؤلاء في نظر البعض إلى قدوة ومثال يحتذى، فالمهم حسب رأي هذا البعض الغاية وليس الوسيلة، وطالما أن الغاية هي الحصول على الأموال فان كل السبل مقبولة سواء كانت شرعية أم غير شرعية، وهنا مكمن الخطورة ما لم يتم تدارك الأمر وبأسرع وقت ممكن.
وفي مجال آخر فان الغزو والاحتلال قد ساهم في خلق الظروف المناسبة لبروز وانتشار التيارات الدينية والمذهبية والسياسية المتطرفة والتي ترفض الرأي الآخر وتتسرع في تكفير كل من يختلف معها، وأكثر من ذلك تبيح لنفسها القتل والتصفية الجسدية لكل من لا يتفق معها في الرأي، في حين أن المجتمع العراقي يكاد يكون خالياً من هذه التيارات قبل الغزو والاحتلال، بل ويضرب به المثل على التعايش السلمي بين القوميات والطوائف والأديان السماوية المختلفة، وملخص القول أن المجتمع العراقي أصابه الكثير من الضرر غير المباشر والذي ستظهر آثاره مستقبلا مما سينعكس سلباً على القيم والعادات والأعراف والمعايير السلوكية المختلفة واغلب ما يتصل بالموروث الثقافي والاجتماعي في هذا المجتمع، فضلاً عن الضرر الذي سيحدث بالعلاقات الاجتماعية بين الديانات والطوائف الدينية أو الأقليات القومية والإثنية المختلفة مستقبلاً، دون أن ننسى أن الغزو والاحتلال ساهم في منع وتحريم نشاط أحزاب سياسية معينة وفي نفس الوقت أطلق العنان لأنشطة وتيارات وأحزاب سياسية أخرى مما سيترتب عليه تغييراً كبيرا في النخب السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية في المجتمع العراقي. وبمعنى آخر فأن التركيبة والفئات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية سيصيبها حراك كبير وبشكل يخدم مخططات وأهداف الدولة المحتلة وليس بالضرورة مصلحة المجتمع العراقي، فضلاً عن التغيير الكبير الذي سيحدث في نظرة بعض أفراد المجتمع إلى التجسس لصالح الغرب وأمريكا تحديداً والذي أصبح ( حسب رأي البعض ) من الآن ينظر له على انه (تعاون وتنسيق) مع الولايات المتحدة الأمريكية وليس خيانةً أو تجسساً لصالحها كونها دولة (صديقة ومحرِرَة)، إن مثل هذا التحول في قيم ومعايير السلوك سيترتب عليه انعكاسات سلبية كبيرة على المجتمع العراقي حاضراً ومستقبلاً، وعلى العكس من ذلك بدأت الكثير من الحركات السياسية والتي استفادت من احتلال العراق بدأت تروج لفكرة خطيرة جداً وهي اعتبار كل مقاومة للاحتلال ما هي إلا عبارة عن عمليات تخريبية وإرهابية تستهدف امن العراق ومقدراته واستقراره، أو أنها نشاطات لفلول وبقايا النظام السابق - وبالرغم من اتفاقنا أو اختلافنا مع النظام السابق - فان مقاومة الاحتلال تعد من الأعمال المشروعة وحق من حقوق الإنسان تقره كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية حتى قوانين الأمم المتحدة ومنضمات حقوق الإنسان. إن هذا الانقلاب والتحول بالقيم الاجتماعية يعد من أخطر الآثار الاجتماعية على المجتمع العراقي الذي تعود على أن ينظر إلى كل محتلٍ وغازٍ نظرة احتقار واشمئزاز ويحرم التعاون أو التعامل معه بغض النظر عن المبررات والأعذار، وينبذ كل من يكون عوناً للمحتل أو الغازي. إن هذا التحول وان كان قد لا يترك أثره الكبير على الأجيال أو الفئات المتقدمة في السن والتي تعي ما يدور حولها وتدرك المخططات التي تحاك ضد المجتمع والدولة العراقية، ولكنه بحكم المؤكد سيترك أثراً غير يسير في نفوس الأجيال اللاحقة أو الفئات العمرية الأخرى والتي هي الآن تعيش مرحلة الطفولة أو المراهقة، مما يهدد أمن البلاد والأمن الاجتماعي بالخطر مستقبلاً فيما لو تحولت هذه النظرة إلى عرف أو اتجاه أو قيمة اجتماعية في الوسط الاجتماعي العراقي. مع ذلك فان البعض( ) يشير إلى أن المجتمع العراقي من خلال مرونته وقدرته البنيوية والوظيفية قادراً على تخطي كل ألازمات واستثمارها لصالحه، ونجاحه في تجاوز المشكلات والسلبيات التي انتشرت فيه خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها يعد مثالاً على ذلك.
من كل ما تقدم يمكن القول أن الانعكاسات غير المباشرة ستبرز في المستقبل القريب والبعيد من خلال إعاقة الجهود التي يمكن أن تساعد العراق على إعادة الاعمار وتنفيذ خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية بما ستضيفه من أعباء مالية كبيرة وخلق العديد من المعوقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لعملية التنمية المتعثرة أصلا قبل الاحتلال بسبب الحروب والحصار الاقتصادي الذي تعرض له العراق في العقدين الأخيرين.

المبحث الرابع:- ملخص نتائج البحث

بعد مناقشة سريعة للانعكاسات غير المباشرة والتفصيلية والانعكاسات الاجتماعية المباشرة للغزو والاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق في الخدمات الاجتماعية ومؤسسات الرعاية الاجتماعية المختلفة وفي عملية التنمية الاجتماعية نرى من الضروري أن نلخص هذه الانعكاسات والأضرار لكي تكون لدينا صورة ملخصة لموضوع البحث. وفي هذا المجال يمكننا القول أن الغزو والاحتلال قد أثرا وبشكل كبير على مجمل جوانب الحياة في المجتمع العراقي حاضراً أو مستقبلاً وأن ملخص هذه الآثار يمكن إجمالها بالنقاط التالية:-
1- انعكاسات اجتماعية مباشرة وآنية تجسدت في إحداث شلل تام وتوقف كامل لعملية التنمية الاجتماعية و خلل كبير في العديد من المؤسسات الاجتماعية ومنها:
(أ‌) شبكات الأمان الاجتماعي ومؤسسات الرعاية الاجتماعية القائمة على خدمة الكثير من الفئات الاجتماعية الخاصة في المجتمع العراقي مثل دور رعاية المسنين أو ملاجئ ودور رعاية الأيتام أو المصحات العقلية والنفسية أو الحضانات أو رياض الأطفال أو مؤسسات تأهيل ورعاية ذوي الحاجات الخاصة ( المعوقين ) أو مؤسسات إصلاح الأحداث أو مؤسسات إصلاح الكبار ( السجون) .......الخ.
(ب‌) المؤسسات القضائية والقانونية والجزائية حيث توقفت هذه المؤسسات عن العمل وانتهك القانون واخرج السجناء من السجون بدون وجه حق، وأوقف العمل بكل قوانين العراق السابقة وبدلت بقوانين جديدة أصدرها الحاكم المدني، وطرد العديد من القضاة بحجة أنهم موالون للنظام السابق, بنفس الوقت أعيد للعمل بعض القضاة الذين تم طردهم سابقاً بسبب تعاطيهم للرشوة أو بسبب تجاوزات ارتكبوها خلال عملهم أو لأسباب أخرى مختلفة، فضلاً عن إحداث تغيير في الدستور والقوانين العراقية وبما يتناسب مع أهداف وسياسات الدول المحتلة وليس المجتمع العراقي.
(ت‌) إحداث أضراراً كبيرة وواسعة بمؤسسات البناء الاجتماعي كالأسرة مثلاً تمثلت في فقدان الأمن وشيوع الجريمة وفقدان مورد الدخل عدا ما أصاب أفرادها من قتل أو عوق أو اعتقال ....الخ، أما العشيرة فبالرغم من أن الغزو والاحتلال قد أعطاها مكانة اكبر وأهمية أوسع إلا إنها فقدت الكثير من رجالها في المعارك أو أن استمرار وضعها بهذا الشكل ربما يجعلها منافسة للدولة أو بعض مؤسساتها مستقبلا, عدا ما يمكن أن يترتب على مثل هذا الوضع من تهديد لأمن ووحدة المجتمع العراقي.
2- انعكاسات مباشرة في إحداث تغيير ملموس وواضح في الكثير من الظواهر السكانية مثل زيادة معدل الوفيات بسبب الضحايا الذين سقطوا في المعارك سواء من العسكريين أو المدنيين، وانخفاض معدل الولادات بسبب ما أحدثه الغزو والاحتلال من تأجيل الزواج أو توقف المحاكم الشرعية عن عملها أو لأسباب أخرى كثيرة، أما الهجرة فان أثر الغزو كان مشجعاً على عودة أعداد كبيرة إلى العراق من المهاجرين الذين كانوا يعيشون خارجه وذلك ربما لغرض التواجد مع عائلاتهم في وقت الأزمة أو أن بعضهم قد هاجر لأسباب سياسية وبعد الاحتلال وسقوط النظام السابق زال العامل الذي تسبب في هجرتهم، ولكن من ناحية أخرى هناك زيادة في أعداد الذين هاجروا من العراق بعد الاحتلال بسبب ارتباطهم مع النظام السابق أو لشغلهم مناصب ومسؤوليات معينة فيه، أو هرباً من الخطف أو القتل أو بسبب تدهور الأوضاع الأمنية أو البطالة.
3- لاحظنا من خلال فقرات البحث السابقة أن الغزو والاحتلال قد أثر وبشكل كبير وسلبي على ظاهرة الحراك الاجتماعي في المجتمع العراقي من خلال فسح المجال وتوفير الفرصة المناسبة للكثير من الأفراد الذين يفتقدون للضبط الاجتماعي أو من أرباب السوابق أو المجرمين أو المطلوبين للعدالة وبتهم جنائية وليست سياسية، وفسح المجال أمامهم لممارسة السلب والنهب للبنوك والمصارف والوزارات، وبذلك ارتقى العديد من الأفراد إلى مراتب اجتماعية عليا. فضلاً عن إحداث انقلاب سياسي واجتماعي في المجتمع العراقي، مما أدى إلى ارتقاء العديد من الأفراد إلى مراتب عليا، وبنفس الوقت فان هذا الانقلاب قد أدى إلى تدهور المكانة الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية لعدد غير قليل من الأفراد أو الجماعات أو الفئات الاجتماعية، وبذلك فقد أحدث الغزو والاحتلال زلزالاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في المجتمع العراقي، وكان من الممكن أن يكون هذا التغيير الطبقي والفئوي إيجابياً لو كان قد تم على أسس ومعايير دقيقة وصحيحة ومقبولة اجتماعياً في الوسط الاجتماعي العراقي، ولكنه تم بدون هذه الأسس والمعايير وفي زمن الفوضى والانفلات الأمني الذي حدث في العراق أثناء الغزو وبعد الاحتلال.
4- مع أن الغزو والاحتلال يفترض أنه يساهم في تقوية التكاتف والعلاقات الاجتماعية والوحدة الداخلية من خلال كونه تحد خارجي يفرض على المجتمع تماسكاً أكبر واستجابة أعلى، ولكنه من نواحي أخرى ساهم أيضا في إشاعة الكثير من أسباب الفتنة الطائفية بغرض تمهيد الأجواء للاحتلال والسيطرة على مجرى الأمور في العراق، ولذلك برز وبشكل كبير- لم يسبق له وجود - في المجتمع العراقي التقسيم على أساس طائفي أو عرقي أو ديني أو حتى عشائري، مما ينذر بكارثة كبيرة على العلاقات الاجتماعية بين هذه الطوائف أو الأقليات أو الفئات مستقبلاً ما لم يتم تلافي ذلك ومعالجته وبأسرع وقت ممكن.
5- منذ الأيام الأولى للغزو والاحتلال أعلنت الدول الغازية أن من بين أهداف هذه الدول هو إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، وكان عليها قبل ذلك أن تقوم بإعادة ترتيب أوضاع العراق بما يتفق وسياسة دول الاحتلال في إحداث تغيير في قيم وعادات وأعراف المجتمع العراقي باعتباره قاعدة الانطلاق إلى إحداث تغيير في دول المنطقة الأخرى وفي مختلف الجوانب، والجانب القيمي أحد هذه الجوانب المستهدفة، في محاولة جديدة لنشر العولمة والثقافة والقيم الأمريكية لجميع شعوب ومجتمعات العالم وبالقوة العسكرية إذا تطلب الأمر. ويبدو واضحاً ذلك من خلال التدخل في إعادة تشكيل النظم السياسية والاقتصادية و التعليمية والاجتماعية في العراق على أن يكون ذلك بما يتفق والثقافة الأمريكية.
6- أما حقوق الإنسان والحريات العامة فقد كان الغزو من أساسه غير شرعي ولا قانوني ولا أخلاقي ولا إنساني، وهو بذلك يعد انتهاكاً واضحاً و صريحاً لحقوق الإنسان، فضلاً عما أحدثه الغزو والاحتلال في المجتمع العراقي من خرق علني لحقوق الإنسان والحريات العامة وبما يشكل سابقة خطيرة وتهديداً واضحاً في هذا المجال، فقد ارتكبت أفظع الجرائم ضد الإنسانية من استخدام مختلف الأسلحة المحرمة دولياً وقتل المدنيين الأبرياء واعتقال تعسفي وممارسة أبشع أساليب التعذيب مع المعتقلين وحملات المداهمة للبيوت والمؤسسات العامة والخاصة دون مراعاة للقيم والأعراف الدينية والاجتماعية للمجتمع العراقي، وإتباع أسلوب التحقير والإذلال والإهانة المتعمدة مع السكان دون مراعاة للعمر أو الجنس أو أي اعتبار آخر وبما يتنافى مع ابسط حقوق الإنسان.
7- انعكاسات غير مباشرة كبيرة وواسعة، وان كانت هذه الانعكاسات لن تظهر مباشرة في الحاضر لكنها ستظهر في المستقبل القريب أو البعيد.




المصادر :

1- العراق والمنطقة بعد الحرب، بحوث ومناقشات وتوصيات ورشة عمل نظمتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004م.
2- محمد الهزاط وآخرون، احتلال العراق- الأهداف، النتائج، المستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004م.
3- آمي ورثنفتون وآخرون، العراق- الغزو، الاحتلال، المقاومة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ديسمبر, 2003م.
4- ابن منظور، لسان العرب، الجزء 6.
5- محمد الهزاط وآخرون،احتلال العراق : الأهداف- النتائج- المستقبل، سلسلة كتب المستقبل العربي،32، مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت ، 2004م .
6- د. عبد الباسط محمد حسن ، التنمية الاجتماعية المطبعة العالمية ، القاهرة،1970 .
7- - United Nation ; Economic Bulletin for Asia and the far East , social Development planning , vole , Xlv , NO. 2 , sept.1963.
8- United Nations Children's Fund {UUNICEF} Situation Analysis Of Children and Women in ( Iraq :UNICEF_1998 )
9- عبدالرزاق محمود الهيتي، القطاع الخاص والتنمية الاجتماعية في العراق، أطروحة دكتوراه مقدمة لجامعة بغداد، 1999م، بغداد، غير منشورة.
10- الدكتور عبدالملك المقرمي، الاتجاهات النظرية لتراث التنمية والتخلف في نهاية القرن العشرين،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1991م.
11- أنطوان حداد ، ورقة مقدمة إلى ورشة العمل حول " العراق والمنطقة بعد الحرب – قضايا إعادة الإعمار الاقتصـادي والاجتماعي " ، بيروت 11 - 9 تموز / يوليو . 2003
12- أنطوان حداد ، ورقة مقدمة إلى ورشة العمل حول " العراق والمنطقة بعد الحرب – قضايا إعادة الإعمار الاقتصـادي والاجتماعي " ، بيروت 11 - 9 تموز / يوليو2000م، عقدها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.2004م.
13- هاني فارس، الآثار السياسية- الاجتماعية للحرب على العراق والمنطقة، مجلة المستقبل العربي ، السنة26 ، العدد 295 ،(أيلول/سبتمبر 2003).
14- د/ كريم محمد حمزة، بعض ملامح المجتمع الناهض، وقائع المؤتمر العلمي لقسم الدراسات الاجتماعية المنعقد في 28-30 تموز 2001م .
15- د/عدنان ياسين مصطفى، التنمية الاجتماعية في العراق - المسارات والآفاق، بحث قدم لورشة العمل التي نظمتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا المنشورة منشور في كتاب (العراق والمنطقة بعد الحرب)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004م.
16- د/ معن خليل العمر، معجم علم الاجتماع المعاصر، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 2000م.
17- د/ محمد علي محمد ، أصول الاجتماع السياسي ، ج1، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 1998.
18- د/ يونس حمادي علي ، مباديء علم الديموغرافيا ، جامعة بغداد ، بغداد ، 1985.
19- د/ أحمد محمد شجاع الدين وآخرون،أساسيات علم السكان- طرق وتطبيقات، مركز التدريب والدراسات السكانية، صنعاء،2001م.
20- د / علي عبدالرازق جلبي ، علم اجتماع السكان ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1984م.
21- باسل جودت الحسيني،السياسات الاقتصادية في العراق:الواقع الراهن مع نظرة مستقبلية، المستقبل العربي، السنة26، العدد 295،(أيلول/سبتمبر 2003).
22- د/ مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه – الكتاب الثالث ، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة ، 1966.
23- جمعية الهلال الأحمر للجمهورية العربية المتحدة ، اتفاقيات جنيف ، دار الكاتب العربي ، القاهرة ، 1979.
24- د/شاكر الحاج مخلف، في مواجهة الاحتلال- التلوث في العراق، دراسة غير منشورة ، 2005م.
25- جوردن مارشال ،موسوعة علم الاجتماع _المجلد الثاني، ترجمة محمد الجوهري وآخرون ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ،2000م.
26- د/ جعفر عباس حميدي، الآثار الاجتماعية للحرب العالمية الثانية على العراق، مجلة الحكمة ، بغداد، عدد أيار/1998 .
مواقع على شبكة الانترنت:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb//showthread.php?p=522724
http://www.balagh.com/mosoa/qamos/xg0lstj6.htm
http://www.bahrainonline.org/showthread.php?t=147499
http://www.almokhtsar.com/html/news/1517/2/70476.php
http://www.ittijah.org/arabsite/ar_press/ECOSOC.doc
http://www.jsad.net/showthread.php?t=92486
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=4090&page=2
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=3459
http://www.aliraqnews.com/modules/news/article.php?storyid=24938
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=9998
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=2373
http://www.babil.info/printVersion.php?mid=5770
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?t=3&aid=90747
http://www.almokhtsar.com/html/news/1517/2/70476.php
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=5205
http://www.babil.info/printVersion.php?mid=5770
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=5470 http://www.jsad.net/showthread.php?t=92486 http://www.babil.info/printVersion.php?mid=5770
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=18514
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=2023 http://www.siironline.org/alabwab/derasat(01)/197.htm#فواقع http://www.kefaya.org/ArabicZNet/040522wamerdan.htm
http://www.amannet.org/aman.report.2005-arabic.DOC
http://www.jsad.net/showthread.php?t=92486
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=6396
http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=9292 http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=6180
http://62.251.153.82/pcsn/secour1.html
http://vb.arabsgate.com/printthread.php?t=440940&page=6&pp=40

الدكتور عبدالرزاق الهيتي
14-12-2007, 11:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
يجب التنويه ان السرعة في تحميل البحث جعلتني انسى
التنويه أن البحث منشور في مجلة الباحث/كلية الآداب/جامعة إب
2007 م.
مع خالص التحية والتقدير
للجميع

عاشق الساهر
25-05-2008, 10:42 PM
لك عظيم الاحترام يا استاذنا الكبير تحية الى ارض العراق التي خرجت اجيال تبعث نور العلم والمعرفة لانحاء المعموره هكذا عودتنا ارض الرافدين
لك من فلسطين التحية استاذنا الكبير