المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مُفهرَس | صحابي ماذا تعرف عنه .


نايف الشريف
11-08-2009, 06:30 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

فأقدم بين يديكم هذا الاقتراح لعله ينال استحسانكم ، وهي أن نكتب عن سيرة صحابي جليل ، وعن مآثره ، حتى نلقي بجميع ما نعرف عنه ، ثم ننتقل إلى صحابي آخر وهكذا ، ويسهم الأعضاء بتغذية هذا الموضوع ، فهناك بعض من الصحابه رضوان الله عليهم لانعرف عنهم ألا القليل .

أرجو من جميع الأعضاء التفاعل والإسهام وآثراء الموضوع

وجعل الله جميع أعمالكم في ميزان حسناتكم .


الفَهرَس :

رضي الله عنهم أجمعين إلى يوم الدين .
1ـــ حمزة بن عبدالمطلب 2 ـــ سعد بن معاذ 3 ـــ أسامة بن زيد
4 ــ العباس بن عبدالمطلب 5 ـــ عبدالله بن عمر 6 ــ أبو موسى الأشعري
7 ـــ أنس بن مالك 8 ـــ أويس القرني 9 ـــ معاذ بن جبل
10 ـــ خباب بن الأرت 11 ـــ الطفيل بن عمرو الدوسي
12 ـــ سلمان الفارسي 13 ـــ سعد بن أبي وقاص 14 ـــ أسيد بن حضير
15 ــ أبو أيوب الأنصاري 16 ــ أبو موسى الأشعري 17 ــــ جعفر بن أبي طالب 18 ــ أبو دجانة
19ــــ المقداد بن عمر 20 ـــ الحسن بن علي 21 ـــ الحسين بن علي
22 ــ عبدالله بن العباس 23 ــ خالد بن سعد 24 ــ أسعد بن زرارة
25 ــ عدي بن حاتم 26 ــ أبو ذر الغفاري 27 ــ سفينة مولى الرسول
28 ــ الأقرع بن حابس 29 ــ سلمه بن الأكوع30 ـــ أبوعبيد بن الجراح
31 ــ أبو مسعود البدري 32 ـــ الزبير بن العوام 33 ــ عبدالله بن رواحه
34 ـ المغيرة بن شعبة 35 ــ أبوالعاص بن الربيع 36 ــ عبدالله بن سلام
37 ــ شرحبيل بن حسنه 38 ــ عمار بن ياسر 39 ــ النعمان بن بشير
40 ـ الفضل بن العباس 41 ــ المثنى بن حارثه 42 ــ سمرة بن جندب
43 ــ ثوبان 44 ــ أبوسلمه بن عبدالسلام بن هلال 45 ــ باكرواني فرماس 46 ــ حذيفه بن اليمان 47 ـ شهر بن باذام 48 ـــ أبو سعيد الخدري
49 ــ كعب بن مالك 50 ــ مرارة بن الربيع 51 ــ هلال بن أمية الواقفي
52 ــ تميم بن أوس 53 ــ المهاجر بن أمية 54 ــ الضحاك بن قيس
55 ــ خبيب بن عدي 56 ــ الأشعث بن قيس الكندي 57 ــ الأرقم بن أبي الأرقم 58 ـ السور بن مخزمه 59 ــ حرقوص بن زهير السعدي
60 ــ السائب بن الأرع 61 ــ جليبيب 62 ــ أبان بن سعيد بن العاص
63 ــ عثمان بن مظعون 64 ــ البراء بن عازب 65 ــ النضير بن الحارث
66 ــ البراء بن مالك 67 ــ البراء بن معرور
68 ـــ عبدالرحمن بن أبي بكر 69 ــ عمران بن الحصين
70_عياش بن ابي ربيعة 71_زيد بن الخطاب 72_عمير بن وهب 73_سليط بن عميس
74_وبر بن يخنس 75- وبره بن سنان الجهني 76-عطارد بن حاجب بن مناه بن تميم التميمي 77-ابو مطرف سليمان بن صرد78- عبدالله بن حذافه 79-جرير بن عبدالله بن جابر البجلي 80-المهاجر بن امية 81-المنذر بن ساوي 82ـــ أبو الهيثم بن التيهان
83 ــ العباس بن عبادة 84 ــ النعمان بن المقرن 85 ــ العلاء بن الحضرمي
86 ــ أبو الدحداح الأنصاري 87 ــ أبو عبيده 88 ـــ المستورد بن شداد
89 ــ المجذر بن زياد 90 ــ معاذ بن جبل 91 ــ أبوبكر الصديق
92 ـ عمر بن الخطاب 93 ــ زيد بن أرقم بن زيد 94ــ المقدام بن معد يكرب 95 ــ عبدالله بن مسعود 96 ــ عبدالله بن عمرو بن حرام ( أبو جابر )

أم نــور
11-08-2009, 08:35 PM
طرح قيم فنحن بحاجه لهذه المعلومات والتوسع فيها...وكنت أتمنى طرحه في رمضان ليكون على هيئة (مسابقه ) لكسب الآجر وشغل الوقت بالمفيد ..

سبقتني بالفكرة ..كنت أنوي طرحهاكماذكرت بشهررمضان

سوف يتم الثبيت بمشيئه ..تحيااتي

نايف الشريف
11-08-2009, 08:44 PM
أختي فوزيه لا حرمك الله الأجر والمثوبه

كيف يؤجر الأنسان بعمل لم يعمله ، أن تقول لو عندي مال فلان لا نفقه في سبل الخير ، فالله سبحانه وتعالى يؤجر الشخص بحسب نيته ، أنما الأعمال بالنيات ، فالله اسأل أن يجيرك على نيتك في عمل الخير

lootus
11-08-2009, 11:09 PM
لنا في رسول الله صلي الله عليه وسلم اسوة حسنه والخلفاء الراشدين من بعده والصحابة المهديين .... وليكن أول من نبدا به ام المؤمنين السيدة عائشة رضى الله
عنها ولكم الخيار الأول والأخير ... واعانكم الله على فعل الخير.

نايف الشريف
12-08-2009, 01:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

أختي فاطمة رأي طيب

وأختي لوتس لو تبنيتي هذا المسأله وخصص لها موضوع ، أمهات المؤمنين وليكن خديجة رضي الله عنه في البداية هذا مجرد رأي .

الصحابي رقم ( 1)

حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه

أسد الله ورسوله وسيد الشهداء ، وعم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعه .

وكان حمزة رضي الله عنه يعرف ابن أخيه عليه الصلاة والسلام وكماله ، وكان على بينه من حقيقة أمره ، وجوهر خصاله ، فهو لا يعرف معرفة العم بابن أخيه فحسب ، بل معرفة الأخ بالأخ ، والصديق بالصديق .. ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم وحمزة رضي الله عنه من جيل واحد ، وسن متقاربة ، نشأ معا ، وسارا معا ، على الدرب من أوله خطوة خطوة ...
ولكن شباب كل منهما قد اتخذ وجهة مغايرة ، فحمزة لم تغب عن وعيه لحظة فضائل أبن أخيه والمكارم التي كانت تحل لصاحبها مكانا عليا في أفئدة الناس كافه ، وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم .

ففي صبيحة ذات يوم ، خرج حمزة كعادته ، وعند الكعبة وجد نفرا من أشراف قريش وساداتها ، فجلس معهم ، يسمع لما يقولون ........
وكانوا يتحدثون عن محمد صلوات الله وسلامه عليه ولأول مرة رأهم يستحوذ عليهم التوتر ، والقلق ، من دعوة أبن أخيه صلى الله عليه وسلم ....
وتظهر في أحاديثهم نبراة الحقد والغيظ ، والمرارة .
فقد كانوا من قبل لا يبالون ، أوهم يتظاهرون بعدم الاكتراث واللامبالاة ، أما اليوم فوجوههم تموج بالقلق والهم .
وضحك حمزة رضي الله عنه من أحاديثهم طويلا .... ورماهم بالمبالغة ، وسوء التقدير .
وعقب عدو الله ورسوله أبو جهل مؤكدا لجلسائه أن حمزة أكثر الناس علما بخطر ما يدعو إليه ابن أخيه عليه أفضل الصلام وأتم التسليم ، يريد أن يهون الأمر حتى تنام قريش ثم تصبح يوما وقد ساء صاحبها ، وظهر أمر ابن أخيه .
ومضوا في حديثهم يزمجرون ، ويتوعدون ، وحمزة يبتسم تارة ، ويمتعض آخرى ، وحين انقض الجميع وذهب كل إلى سبيله ، كان حمزة مثقل الرأس بأفكار جديدة ، راح يستقبل بها آمر ابن أخيه ، ويناقشه مع نفسه من جديد .
ومضت الأيام ، ومع كل يوم تزداد همهمة قريش حول دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم تتحول همهمتهم إلى تحرش ، وحمزة يرقب الموقف من بعد .
فثبات ابن أخيه ليبهره... وأن تفانيه في سبيل دعوته لهو شيء جديد على قريش كلها ، فحمزة رضي الله عنه خير من عرف محمدا عليه الصلاة والسلام ، من طفولته ، إلى الشباب ، إلى رجولته الأمينه السامقة .
أنه يعرفه تماما كما يعرف نفسه ، ومنذ جاء إلى الحياة معا ، وترعرعا وبلغا أشدهما معا ، وحياته صلى الله عليه وسلم نقية كأشعة الشمس لا يذكر شبهه واحدة ألمت بهذه الحياة ، لا يذكر أنه رأه يوما غاضبا ، أو قانطا ، أو طامعا ، أو لاهيا ، أو مهزوزا .....
وحمزة لم يكن متمتع بقوة الجسم فحسب ، بل وبرجاحة العقل ، وقوة الارادة .

وخرج حمزة يوما من داره ، متوشحا قوسه ، يريد أن يمارس هوايته المحببه ، الصيد ، وقضى هناك بعض يومه ، ولما عاد من قنصه ، ذهب كعادته إلى الكعبة ليطوف بها قبل أن يعود إلى داره ، وقريبا من الكعبة لقته خادمة لعبدالله بن جدعان ولم تكد تبصره حتى قالت له .
يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمدا آنفا من أبي الحكم بن هشام ، وجده جالسا هناك فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ......
ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل قبح الله وجهه ، ثم أطرق لحظة ، ثم مد يمينه إلى قوسه فثبتها فوق كتفه .. ثم انطلق في خطى سريعه ولم يكد يبلغ الكعبة ، حتى يبصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش .
وفي هدوء رهيب تقدم حمزة رضي الله عنه من أبي جهل ، ثم استل قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجه وأدماه ، وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة ، صاح حمزة رضي الله عنه في أبي جهل اتشتم محمدا عليه الصلاة والسلام ، وأنا على دينه أقول ما يقول ؟
ألا فرد ذلك علي إن استطعت .
وفي لحظة نسي الجالسون جميعا الاهانة التي نزلت بزعيمهم ، والدم الذي ينزل من رأسه ، وشغلتهم تلك الكلمة التي حاقت بهم كالصاعقة ، الكلمة التي أعلن بها حمزة رضي الله عنه أنه على دين محمد يرى ما يراه ، ويقول مايقوله .
اعز فتيان قريش وأقواهم شكيمة إنها الطامة التي لن تملك قريش لها دفعا ..
فاسلام حمزة رضي الله عنه سيغري كثيرين من الصفوة بالاسلام ، وسيجد محمد صلى الله عليه وسلم حوله من القوة والباس ما يعزز دعوته ويشد ازره ، آجل اسلم حمزة ، وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي عليه صدره ، وترك الجميع الذاهل يجتر خيبة أمله ، وأبا جهل يلعق دماءه النازفه من رأسه ، ومد يمينه مرة آخرى إلى قوسه فثبتها فوق كتفه ، واستقبل الطريق إلى داره في خطوات ثابته.
وبعد أن استراح من رحلته ومتاعبه ، جلس يفكر ويدير خواطره على الذي حدث ، كيف أعلن اسلامه ومتى ؟
لقد أعلنه في لحظات الحمية ، والغضب ، والأنفعال ، لقد ساءه أن يساء إلى ابن أخيه ، ويظلم دون أن يجد له ناصرا ، فشج رأس أبي جهل وصرخ في وجهه باسلامه ولكن هل يترك دينه ؟ ثم يستقبل دينا جديدا لم يعرف عنه الا القليل .
وشرع بالتفكير أياما ، لا يهدأ له خاطر ، وليالي لا يغمض له جفن .
واستيقضت كل ذكرياته عن الكعبة ، وأصنامها وعن الامجاد الدينية ، ولقد كان يطوي صدره على احترام هذه الدعوة الجديدة التي يحمل ابن أخيه صلى الله عليه وسلم لواءها ، ولكن إذا كان مقدورا له أن يكون أحد أتباع هذه الدعوة ، فما الوقت المناسب للدخول في هذا الدين ؟
لحظة غضب وحمية ؟ أم أوقات تفكير ورويه ؟
ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ إلى الغيب بكل اخلاصه وصدقه ، وعند الكعبة كان يستقبل السماء ضارعا ، مبتهلا ، مستنجدا بكل ما في الكون من قدرة ونور ، كي يهتدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم ، فاستجاب الله سبحانه له وملأ قلبه يقينا .
وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم واخبره بما كان من أمره ، فدع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يثبت قلبه على الدين . وهكذا أسلم حمزة رضي الله عنه

فاطمة الشمري
12-08-2009, 01:10 PM
سوف اكمل واضيف اسلامة ...........
عن ابن إسحاق قال حدثني رجل من أسلم، وكان واعيه، أن أبا جهل اعترض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه، وقال فيه ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على نادي من نوادى قريش إلا وقف عليه وكان يومئذ مشركا على دين قومه فاستقبلته مولاة عبد الله بن جدعان فقالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي بن أخيك محمد من أبي الحكم آنفا وجده ها هنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه، فاحتمل حمزة الغضب ، فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع وإنما دخل المسجد الحرام متعمدا لأبي جهل أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه على رأسه ضربة شديدة شجت رأسه وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقالوا ما نراك يا حمزة إلا صبأت، فقال حمزة وما يمنعني وقد استبان لي ذلك منه أنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول حق فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وظل حمزة على إسلامه وتابع يخفف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أسلم حمزة علمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولونه وينالون منه فقال في ذلك سعد حين ضرب أبا جهل فذكر رجزا غير مستقر أوله ذق أبا جهل بما غشيت قال ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك للموت خير لك مما صنعت فأقبل على حمزة شبة فقال ما صنعت اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن أخي إني وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وأقامه مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد هو أم غي شديد فحدثني حديثا فقد استشهيت يابن أخي أن تحدثني فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ووعظه وخوفه وبشره فألقى الله في نفسه الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد إنك لصادق شهادة المصدق والمعارف فأظهر يا بن أخي دينك فوالله ما أحب أن لي ما ألمعت الشمس وأني على ديني الأول قال فكان حمزة ممن أعز الله به الدين.

ولما أسلم حمزة قال أبياتاً منها:

حمدت الله حين هدى فؤادي... إلى الإسلام والدِّين الحنيف

لدينٌ جاء من ربٍ عزيزٍ... خبيرٍ بالعباد بهم لطيف

إذا تليت رسائله علين... تحدر دمع ذي اللب الحصيف

رسائل جاء أحمد من هداه... بآيات مبينة الحروف

وأحمد مصطفى فينا مطاع... فلا تغشوه بالقول العنيف

فلا والله نسلمه لقوم... ولما نقض فيهم بالسيوف

ونترك منهم قتلى بقاع... عليها الطير كالورد العكوف

وقد خبرت ما صنعت ثقيف... به فجزى القبائل من ثقيف

إله الناس شر جزاء قوم... ولا أسقاهم صوب الخريف

وكان إسلام حمزة في السنة الثانية من مبعث رسول الله، وقيل بل أسلم بعد دخول النبي دار الأرقم في السنة السادسة من البعثة، ونرجح الرواية الأولى لإجماع المصادر عليه.

نايف الشريف
15-08-2009, 08:44 AM
أعز الله الإسلام بحمزة رضي الله عنه ، يذود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن المستضعفين من الصحابه رضي الله عنهم .
ورآه أبو جهل يقف في صفوف المسلمين ، فأدرك أنها الحرب لا محالة ، وراح يحرض قريش على إنزال الأذاى بالرسول وصحبه ، ومضى يهيء للحرب يشفي ويطفئ نار حقده وغيظه ، ومنذ أسلم حمزة نذر كل عافيته ، وبأسه ، وحيلته ، لله ولدينه حتى خلع النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللقب ( أسد الله ، وأسد رسوله ) وأول سريه خرج فيها المسلمون للقاء عدو ، كان أميرها حمزة ، وأول رايه عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين كانت لحمزة رضي الله عنه .
ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر كان حمزة رضي الله عنه يصنع الأعاجيب بالمشركين ، وعادت قريش من بدر إلى مكة تجر أذيال الهزيمة ، ورجع أبو سفيان مخلوع القلب مطأطئ الرأس وقد خلف على أرض المعركة جثث سادة قريش من أمثال :
أبو جهل ، وعتبه بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأميه بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، والأسود بن عبد الاسد المخزومي ، والوليد بن عتبة ، والعاص بن سعيد ، والنصر بن الحارث ، وطعمة بن عدي ، وغيرهم من صناديد قريش .

وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش عن بكرة أبيها ، ومعها حلفاؤها من قبائل العرب بقيادة أبي سفيان مرة آخرى وكان زعماء قريش يهدفون بمعركتهم إلى رجلين الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحمزة رضي الله عنه ، وقد اختاروا قبل الخروج الرجل الذي وكلو إليه أمر حمزة وهو عبد حبشي ( وحشي ) كان ذو مهارة خارقة في قذف الحربة ، ووعدوه بثمن غالٍ وعظيم هو حريته ، فقد كان عبدا لجبير بن مطعم وكان عم جبير قد لقي مصرعه يوم بدر ، فقال له جبير أخرج مع الناس وإن قتلت حمزة فأنت عتيق ، ثم أحالوه إلى هند بنت عتبة ، زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضاً ، وكانت هند قد فقدت في معركة بدر أباها ، وعمها ، وأخاها ، وأبنها ، وذكر لها أن حمزة هو الذي قتل البعض وأجهز على البعض الآخر ، ولقد وعدت وحشي إن هو نجح في قتل حمزة بأثمن ما تملكه المرأة من متاع وزينه ، وطارت خواطر وحشي للمعركة التي سيربح فيها حريته ، وسيخرج منها بكل هذه الحلي الذي يزين عنق زعيمة نساء قريش .

والتقى الجيشان وتوسط حمزة رضي الله عنه أرض الموت والقتال ، وعلى صدره ريشة النعام التي تعود أن يزين بها صدره في القتال ، ومضى يضرب في المشركين ويجندل منهم الكثير ، وكأن المنايا طوع أمره ، يقذف بها من يشاء فتصيبه ، وصال المسلمون جميعاً حتى قاربوا النصر الحاسم ، وأخذت قريش بالانسحاب مذعورة هاربة ، وفي هذه اللحظة ترك الرماه مكانهم فوق الجبل ونزلوا ، وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث قال لهم لا تتركوا الجبل ، ولا تنزلوا منه ، فأخذوا في جمع الغنائم ، فالتف فرسان قريش بقيادة خالد بن الوليد من خلف الجبل ، وراح المسلمون يجمعون أنفاسهم من جديد ، ويحملون سلاحهم الذي كان بعضهم قد وضعه حين رأى جيش قريش ينسحب ويولي الأدبار ، ولكن المفاجأة كانت قاسيه وعنيفه ، ورأى حمزة ما حدث فضاعف قوته وبلاءه وأخذ يضرب يمينه وشماله ، ووحشي هناك يرقبه ، ويتحين الفرصه ليوجه ضربته .
فيوصف وحشي فيقول : وكنت رجلا حبشياً أقذف بالحربه قذف الحبشه ، فقلما أخطئ بها شيئاً فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس هداً ، ما يقف أمامه شىء ، فوالله إني لا تهيا له ، أريده واستتر منه بشجرة لا تقحمه أو ليدنو مني إذ تقدم إليه سباع بن عبد العزى ، فلما رأه حمزة صاح به : هلم إلى يا ابن مقطعة البظر ، ثم ضربه فما أخطأ رأسه ، عندئذ هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه ، ونهض نحوي ، فغلب على أمره ثم مات ، واتيته فاخذت حربتي ، ثم رجعت إلى المعسكر فقعدت فيه ، فلما قدمت مكة أعتقت ثم أقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم فتح الفتح فهربت إلى الطائف ، فلما خرج وفد من الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا ، تعيت علي المذاهب ، وقلت ألحق بالشام ، أو اليمن ، فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل : ويحك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لايقتل أحداً من الناس يدخل دينه ، فخرجت حتى قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، فلم يرني إلا قائماً أمامه أشهد شهادة الحق ، فلما رأني قال : أوحشي ؟ قلت نعم يارسول الله
قال : فحدثني كيف قتلت حمزة ، فحدثته .... فلما فرغت من حديثي قال : ويحك ....
غيب عني وجهك .... فكنت أتنكب طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله إليه ... فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة ، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائماً بيده السيف ، فتهيأت له ، وهززت حربتي ، حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه ، فإن كنت قد قتلت بحربتي هذه حمزة ..فإني لأرجو أن يغفر الله لي إذ قتلت بها شر الناس مسيلمه الكذاب .

وهكذا سقط أسد الله ، وأسد رسوله ، شهيدا ، وكما كانت حياته مدويه ، كانت وفاته مدويه كذلك ، فلم يكتفي أعداؤه بموته ، لقد أمرت هند وحشي أن يأتيها بكبد حمزة ، واستجاب الحبشي ، وأحضرها ، وأخذت تمضغ بها ، ولكن الكبد استعصت على أنيابها ، فلفضتها ولم تدخل جوفها .

وانتهت المعركة ، وأمتطى المشركون إبلهم ، وساقوا خيلهم قافلين إلى مكة ،
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أرض المعركة لينظر شهداءها ، وهناك في بطن الوادي ، وإذ هو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا لله أنفسهم ، وقف فجأة .. ونظر فوجم ، وضغط على أسنانه .. واسبل جفنه فما كان يتصور قط أن تكون هذه الوحشيه البشعه ، فيمثل بجثمان ميت على الصورة التي رأى فيها جثمان عمه الشهيد حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء ، وفتح الرسول عينيه التي تألق بريقهما كومض القدر ، وقال : وعيناه على جثمان عمه : ( لن أصاب بمثلك أبداً .. وما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من موقفي هذا ) ثم التفت إلى أصحابه وقال : (لولا أن تحزن صفيه أخت حمزة ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لا مثلن بثلاثين رجلا منهم ) .
فصاح أصحاب الرسول :
( والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثلن بهم ، مثله لم يمثلها أحد من العرب ) .
ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشهادة يكرمه مره آخرى بأن يجعل من مصرعه فرصه لدرس يحمل العدالة إلى الأبد ، ويجعل الرحمة حتى في العقوبه والقصاص واجباً وفرضاً .

وهكذا لم يكد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ من إلقاء وعيده حتى جاءه الوحي وهو في مكانه لم يبرحه بهذه الآيات الكريمة :
( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين * وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصبرين * واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) النحل
وكان نزول هذه الآيات في هذا الموطن خير تكريم لحمزة الذي وقع أجره على الله وفي لحظات الوداع هذه لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تحيه يودعه بها خيرا من أن يصلي عليه ، وحمل جثمان حمزة إلى مكان الصلاة على أرض المعركة التي شهدت بلاءه واحتضنت دماءه ، فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم جيء بشهيد آخر فصلى عليه الرسول ، ثم رفع وترك حمزة مكانه ، وجيء بشهيد ثالث فوضع إلى جوار حمزة وصلى عليهما الرسول ، وهكذا جيء بالشهداء شهيد بعد شهيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم على كل منهم ، وعلى حمزة معه حتى صلى على كل منهم وعلى حمزة صلى يومئذ سبعين صلاة .
وينصرف الرسول من المعركة إلى بيته فيسمع في طريقه نساء من بني الأشهل يبكين شهدائهن فيقول عليه الصلاة والسلام من فرط حنانه وحبه ( لكن حمزة لا بواكي له ) ويسمعها سعد بن معاذ فيظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يطيب نفساً إذا بكت النساء عمه ، فيسرع إلى نساء بني الأشهل ويأمرهن أن يبكين حمزة فيفعلن ... ولا يكاد الرسول صلى الله عليه وسلم يسمع بكائهن حتى يخرج إليهن ويقول : ( ما إلى هذا قصدت ، ارجعن يرحمكن الله ، فلا بكاء بعد اليوم )
ولقد رثاء حمزة كثير من الصحابه ، وأخته صفيه رضي الله عنهم آجمعين .

فاطمة الشمري
15-08-2009, 09:36 AM
فقال حسَّان بن ثابت في قصيدة طويلة له :



دَع عنك داراً قد عفا رَسمُها

وَابكِ على حمزة ذي النائل

اللاَّبس الخيل إذا أحجمَت

كَاللَّيث في غابته ، الباسِل

أبيضُ في الذروة من هاشــم

لم يَمرِ دون الحق بالباطِل

مالَ شهيداً بينَ أسيــافكـم

شُلَّت يدا وَحشِيّ مِن قاتل

* * *

وقال عبد الله بن رواحة :

بكَت عيني وحقَّ لها بُكاها

وما يُغني البكاء ولا العويل

عَلى أسَدِ الإله غَداةَ قالوا :

أحمزةُ ذا كُم الرجُل القتيل

أُصيبَ المسلمون به جميعاً

هناك وقد أُصيبَ به الرسول

أبا يَعلى ، لكَ الأركان هُدَّت

وأنت الماجدُ البَرُّ الوصـول



وقالت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخت حمزة :

دعاهُ إلهُ الحقِّ ذو العرش دعوةً

إلى جنة يحيا بها ، وسرور

فذلك ما كُنَّا نُرجِّي ونرتجي

لحمزةَ يومَ الحشرِ خيرَ مصير

فواللهِ لا أنسَاك ما هبَّتِ الصَّبـا

بكاءَ وحزناَ ،مَحضري وَمَسيري

على أسدِ اللهِ الذي كان مِدرَهاً

يذودُ عن الإسلام كلَّ كَفُور

أقولُ وقد أعلَى النَّعِيُّ عشيرتـي

جزى اللهُ خيراً من أخ ونَصِير



على أنَّ خير رثاء عطَّر ذكراه كانت كلمات الرسول له حين وقف على جثمانه ساعة رآه بين شهداء المعركة وقال :

[ رحمةُ اللهِ عليك ، فإنك كنت – ما عَلِمتُ – وَصُولاً للرحم ، فَعُولاً للخيرات ] ..

* * *

لقد كان مصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في عمه العظيم فادحاَ …وكان العزاء فيه مهمة صعبة …بَيدَ أن الأقدار كانت تدَّخر لرسول الله أجمل عزاء .

ففي طريقه من "أحد " إلى داره مرَّ عليه الصلاة والسلام بسيدة من بني دينار استشهد في المعركة أبوها ، وزوجها ، وأخوها …وحين أبصرت المسلمين العائدين من الغزو ، سارعت نحوهم تسألهم عن أنباء المعركة … فنعوا إليها الزوج ..والأب ..والأخ ..

وإذا بها تسألهم في لهفة :[ وماذا فعل رسول الله ] ..؟؟

قالوا :[ خيراً …هو بحمد الله كما تحبين ] …‍‍‍‍

قالت :[ أَرونيه ، حتى أنظُرَ إليه ] ..‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

ولبثوا بجوارها حتى اقترب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فلما رأته أقبلت نحوه تقول :

[ كلُّ مصيبة بعدك ، أمرها يهون ] …

* * *

أجل …

لقد كان هذا أجمل عزاء وأبقاه …

ولعل رسول الله صلى الله عليه و سلم قد ابتسم لهذا المشهد الفذ الفريد ،فليس في دنيا البذل ، والولاء ، والفداء لهذا نظير …

سيدة ..ضعيفة، مسكينة ، تفقد في ساعة واحدة أباها ، وزوجها ، وأخاها … ثم يكون ردُّها على الناعي لحظة سماعها النبأ الذي يهدُّ الجبال :[ وماذا فعل رسول الله ]…؟؟؟

لقد كان مشهداً أجاد القدر رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلَّم عزاءً أيَّ عزاء …. في أسد الله ، وسيد الشهداء ….

نايف الشريف
17-08-2009, 12:37 AM
الصحابي رقم ( 2)

سعد بن معاذ سيد الأنصار
هو سعد بن معاذ بن النعمان بن أمرؤ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأوسي الأنصاري البدري.

ولد في السنة التاسعة عشر قبل الهجرة ، وأسلم على يد مصعب بن عمير رضي الله عنهما ، فقال ابن إسحاق : لما أسلم وقف على قومه فقال : يابني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا سيدنا فضلاً ، وأيمننا نقية ، قال : فإن كلامكم علي حرام ، رجالكم ونساؤكم ، حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، قال : فوالله ما بقي في دار بني الأشهل رجلا ولا أمرأة إلا وأسلموا .

كان رضي الله عنه جسيما جميلا طويلا أبيض اللون ، محبب إلى النفس ، وكان هادئا ، قليل الكلام ، عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة آخى بينه ، وبين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما .

ففي غزوة بدر حمل رضي الله عنه لواء الأنصار ، وخطب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدث على الجهاد وقال فوالذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ، بنى رضي الله عنه في بدر عريشا للنبي صلى الله عليه وسلم ، ليشرف منه على المعركة ، وقام على باب العريش شاهراً سيفه دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي غزوة أحد : كان رضي الله عنه من الأبطال ، وكان في طليعة المجاهدين ، وعندما اضطرب الموقف ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم يقاتل دونه .

وفي غزوة الخندق : أصيب سعد رضي الله عنه ، فكانت إصابته طريقاً إلى الشهادة إذ لقي ربه بعد شهر متأثر بجراحه ، ولكن لم يمت حتى شفى صدره من بني قريظة ، عن جابر رضي الله عنه قال : رمي سعد يوم الأحزاب فقطعوا أكحله ، فمسه النبي صلى الله عليه وسلم بالنار ، فانتفخت يده فتركه فنزفة الدم ، فحسمه آخرى فانتفخت يده ، فلما رأى ذلك قال : اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة ، فاستمسك عرقه ، فما قطرت منه قطرة ، حتى نزلو على حكم سعد ، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحكم أن يقتل رجالهم ، وتسبى نساؤهم وذراريهم ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لقد حكم عليهم من فوق سبع سموات ، أي موافق لحكم الله سبحانه وتعالى ، قال وكانوا أربعمائة ، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه ، فستجاب الله سبحانه لدعوته ونزلوا على حكمه ، وانفجر بسعد جرحه ، وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحمى من كانت به فهي حظه من النار ، فسألها سعد ربه ، فلزمته فلم تفارقه ، حتى فارق الدنيا ، واعيد سعد إلى قبته التي ضربها له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحضره رسول الله وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقالت: عائشة رضي الله عنها فوالذي نفس محمداً بيده إني لا أعرف بكاء أبي من بكاء عمر ، وأنا في حجرتي .
وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم رأس سعد ، ووضعه في حجره ، وسجي بثوب أبيض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إن سعد قد جاهد في سبيلك ، وصدق رسولك ، وقضى الذي عليه ، فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحاً ، فلما سمع سعد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتح عينه ثم قال: السلام عليك يارسول الله ، اما اني أشهد أنك رسول الله ، ولما رأى أهل سعد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع رأسه في حجره وقال سعد رضي الله عنه جزاك الله خيراً يارسول الله من سيد قوم ، فقد انجزت الله ماوعدته ، ولينجزك الله ماوعدك .

وقد روى أن جبريل عليه السلام آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين قبض سعد من جوف الليل معتمرا بعمامه من استبرق ، فقال يامحمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟
فوجده سعد قد مات ، وكانت أمه تبكي وتقول :
ويل سعد سعد اصرامه واحد
وسؤددا ومجدا وفاريا معدا
سدبه مسدا يقدها ما قدا
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : مهلا أم سعد لا تذكري سعداً فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كل نائحه تكذب ألا نائحه سعد بن معاذ ، وعندما حمل الناس جنازته رضي الله عنه ، فوجدوا له خفه مع أنه كان رجلاً جسيماً فقالوا ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن له حملة غيركم ، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكه بروح سعد ، واهتز له العرش ، فلما دفن تغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسبح ثلاثاً فسبح المسلمون حتى ارتج البقيع ، ثم كبر ثلاثاً وكبر المسلمون ، فقالوا : يارسول
الله مما سبحت ؟ قال لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره ، حتى فرجه الله عنه .
وروت عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجياً لكان سعد بن معاذ .
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأم سعد : الا يرقأ دمعك ، ويذهب حزنك ، إن أبنك أول من ضحك الله له ، واهتز له العرش ، وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بثوب من حرير فجعل الصحابه رضوان الله عليهم آجمعين يتعجبون من لينه ، فقال : الرسول صلى الله عليه وسلم لمناديل سعد بن معاذ في الجنة آلين من هذا .
وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أنه قد حضر جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفاً من الملائكة نزلوا إلى الأرض لأول مره ، وذكر من حضر دفنه أن رائحة المسك كانت تفوح من ذلك التراب ، وكان ذلك سنة خمس من الهجرة .

فاطمة الشمري
17-08-2009, 02:36 AM
الصحابي رقم ( 3 )

اسامة بن زيد

مقدمة
هو أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كان أبوه مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكنى أسامة: أبا محمد وقيل: أبو زيد وقيل: أبو يزيد وقيل: أبو خارجة وهو مولى رسول الله من أبويه وكان يسمى: حب رسول الله.

ولد رضي الله عنه بمكة سنة 7 قبل الهجرة ونشأ حتى أدرك ولم يعرف إلا الإسلام لله تعالى ولم يدن بغيره، وهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان رسول الله يحبه حبا شديدا وكان عنده كبعض أهله.

وأمه هي أم أيمن واسمها بركة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته، وكان زيد بن حارثة لخديجة فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوّجه أم أيمن بعد النبوة فولدت له أسامة بن زيد.

زواجه رضي الله عنه:

عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله ما لكِ علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: ليس لك عليه نفقة فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدّى عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنينى، قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد فكرهته، ثم قال انكحي أسامة فنكحته، فجعل الله فيه خيرا واغتبطتُّ - والغبطة هي الفرَح والسُّرُور وحُسْن الحال -.





أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته:
في العام السادس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وُلد لأمّ أيمن أسامة بن زيد، فنشأ وتربى رضي الله عنه وأرضاه في أحضان الإسلام ولم تنل منه الجاهلية بوثنيتها ورجسها شيئًا، وكان رضي الله عنه قريبًا جدًا من بيت النبوة، وملازمًا دئمًا للنبي صلى الله عليه وسلم ففي مسند الإمام أحمد عن أسامة بن زيد قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي كان يركب خلفه - بعرفات فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها قال فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى، ومن ثَم كان تأثره شديدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه حبًا شديدًا ففي البخاري بسنده عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن فيقول: "اللهم أحبهما فإني أحبهما"

بل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بحبِّ أسامة بن زيد رضي الله عنه فعن عائشة قالت: لا ينبغي لأحد أن يبغض أسامة بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة"، كان نقش خاتم أسامة بن زيد: (حب رسول الله صلى الله عليه وسلم)

وقد زوّجه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وفي هذا الأمر ما فيه من العفة والطهارة وراحة النفس، والتفرغ لنصرة الإسلام، فهي تربية عالية من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والرسول صلى الله عليه وسلم يوصي به الصحابة رضي الله عنهم:

عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أسامة بن زيد لأحب الناس إلي أو من أحب الناس إلي وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا".

أتشفع في حد من حدود الله؟!

روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه قال عروة فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتكلمني في حد من حدود الله قال أسامة استغفر لي يا رسول الله فلما كان العشي قام رسول الله خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت قالت عائشة فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

في هذا الموقف العظيم يعلّمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بل والأمة كلها درسًا عمليا في غاية الأهمية والخطورة وهو عدم المحاباة أو الكيل بمكيالين فكل الناس سواء القوي والضعيف، الحاكم والمحكوم، الجميع يُطبّق عليهم شرع الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"

أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟!!

في البخاري بسنده عن أبي ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

وفي رواية فقلت: " أُعطِى الله عهدًا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله".

وقد انعكس أثرهذا الموقف على أسامةَ رضي الله عنه بطول حياته وعرضها وتأثر به تأثرًا شديدًا وظل وفيًا بهذا العهد إلى أن لقي الله سبحانه وتعالى.

ولم يبايع أسامة رضي الله عنه عليًا ولا شهد معه شيئا من حروبه؛ وقال له: لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها ولكنك قد سمعت ما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إلا الله.

وفي البخاري بسنده عن حرملة - مولى أسامة بن زيد - قال: أرسلني أسامة إلى علي وقال: إنه سيسألك الآن فيقول ما خلف صاحبك فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه ولكن هذا أمر لم أره - أي لم يكن لي فيه رأي -...

وينصح أميره دون أن يفتح بابًا لفتنة:

روى مسلم بسنده عن أسامة بن زيد قال قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه فقال أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه ولا أقول لأحد يكون عليّ أميرا إنه خير الناس بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر.

دور أم أيمن في تربية أسامة بن زيد:

أم أيمن رضي الله عنها وأرضاها هي حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهى إحدى المؤمنات المجاهدات اللاتى شاركن فى المعارك الإسلامية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شهدت أُحدًا، وكانت تسقى المسلمين، وتداوى الجَرْحَي، وشهدت غزوة خيبر، وقد روت أم أيمن -رضى الله عنها - بعضًا من أحاديث رسول الله، قال ابن حجر في الإصابة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عنها: "هذه بقية أهل بيتي"؛ هذه المرأة المؤمنة التقية الورعة المجاهدة كانت أحد المحاضن التربوية التي تخرج منها أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه.

وقد استشهد زيد بن حارثة زوج أم أيمن ووالد أسامة في مؤتة، واستشهد أيمن ابنها وأخو أسامة من أمه في حنين، ففي هذه الأسرة المؤمنة المجاهدة نشأ هذا القائد الفارس الفذُّ وتربى على معاني الجهاد والدفاع عن الإسلام مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوليه إمارة الجيش الإسلامي وهو في الثامنة عشرة من عمره وفي الجيش كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار وأصحاب السبق في الإسلام.

وقد شهد أسامة رضي الله عنه لأمه بالفضل وكان شديد البر بها، فعن محمد بن سيرين قال: بلغت النخلة على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ألف درهم فعمد أسامة بن زيد إلى نخلة فنقرها وأخرج جمّارها فأطعمها أمه فقيل له: ما حملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألفًا، فقال: إن أمي سألتنيه ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها.




قائد جيش المسلمين جميعًا في غزو الروم
ولّاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش المسلمين المتوجه لغزو الروم في الشام، قال الواقدي في المغازي: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر مقتل زيد بن حارثة وجعفر وأصحابه ووجد عليهم وجدا شديدا; فلما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش في غزوهم. فتفرق المسلمون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مجدون في الجهاد فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر دعا أسامة بن زيد فقال يا أسامة سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل فقد وليتك على هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الخبر، فإن أظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون أمامك والطلائع فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فصدع وحم. فلما أصبح يوم الخميس لليلة بقيت من صفر عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده لواء ثم قال يا أسامة اغز بسم الله في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ولكن قولوا: اللهم اكفناهم واكفف بأسهم عنا فإن لقوكم قد أجلبوا وصيحوا. فعليكم بالسكينة والصمت ولا تنازعوا ولا تفشلوا فتذهب ريحكم. وقولوا: اللهم نحن عبادك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تغلبهم أنت واعلموا أن الجنة تحت البارقة.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة امض على اسم الله فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، فخرج به إلى بيت أسامة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة فعسكر بالجرف وضرب عسكره في سقاية سليمان اليوم. وجعل الناس يجدون بالخروج إلى العسكر فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره ومن لم يقض حاجته فهو على فراغ ولم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ; وفي رجال من المهاجرين والأنصار عدة قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش. فقال رجال من المهاجرين وكان أشدهم في ذلك قولا عياش بن أبي ربيعة: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟ فكثرت القالة في ذلك فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض ذلك القول فرده على من تكلم به وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقول من قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديد، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ والله لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم الله إن كان للإمارة لخليقا وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي وإنهما لمخيلان لكل خير فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم ثم نزل صلى الله عليه وسلم فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر ليال خلون من ربيع الأول. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنفذوا بعث أسامة ودخلت أم أيمن فقالت أي رسول الله، لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذوا بعث أسامة فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد ونزل أسامة يوم الأحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تهملان وعنده العباس والنساء حوله فطأطأ عليه أسامة فقبله ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يصبها على أسامة. قال فأعرف أنه كان يدعو لي. قال أسامة فرجعت إلى معسكري. فلما أصبح يوم الاثنين غدا من معسكره وأصبح ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفيق، فجاءه أسامة فقال اغد على بركة الله فودعه أسامة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفيق مريح وجعل نساءه يتماشطن سرورا براحته. فدخل أبو بكر رضي الله عنه فقال يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله واليوم يوم ابنة خارجة فائذن لي فأذن له فذهب إلى السنح، وركب أسامة إلى معسكره وصاح في الناس أصحابه باللحوق بالعسكر فانتهى إلى معسكره ونزل وأمر الناس بالرحيل وقد متع النهار. فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن - وهي أمه - تخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت فأقبل أسامة إلى المدينة معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول. ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف المدينة، ودخل بريدة بن الحصيب بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرزه عنده فلما بويع لأبي بكر رضي الله عنه أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة وألا يحله أبدا حتى يغزوهم أسامة. قال بريدة: فخرجت باللواء حتى انتهيت به إلى بيت أسامة ثم خرجت به إلى الشام معقودا مع أسامة ثم رجعت به إلى بيت أسامة فما زال في بيت أسامة حتى توفي أسامة. فلما بلغ العرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد عن الإسلام قال أبو بكر رضي الله عنه لأسامة رحمة الله عليه انفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول وخرج بريدة باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول فشق على كبار المهاجرين الأولين ودخل على أبي بكر عمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد، فقالوا: يا خليفة رسول الله إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئًا، اجعلهم عدة لأهل الردة ترمي بهم في نحورهم وأخرى، لا نأمن على أهل المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء فلو استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه وتعود الردة إلى ما خرجوا منه أو يفنيهم السيف ثم تبعث أسامة حينئذ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا فلما استوعب أبو بكر رضي الله عنه منهم كلامهم قال هل منكم أحد يريد أن يقول شيئ؟ قالوا: ل، قد سمعت مقالتنا. فقال والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث ولا بدأت بأول منه ورسول الله ينزل عليه الوحي من السماء يقول أنفذوا جيش أسامة ولكن خصلة أكلم أسامة في عمر يخلفه يقيم عندن، فإنه لا غناء بنا عنه. والله ما أدري يفعل أسامة أم ل، والله إن رأى لا أكرهه فعرف القوم أن أبا بكر قد عزم على إنفاذ بعث أسامة ومشى أبو بكر رضي الله عنه إلى أسامة في بيته وكلمه أن يترك عمر ففعل أسامة وجعل يقول له أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة نعم وخرج وأمر مناديه ينادي: عزمة مني ألا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لن أوتى بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشيا وأرسل إلى النفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في إمارة أسامة فغلظ عليهم وأخذهم بالخروج فلم يتخلف عن البعث إنسان واحد.

وخرج أبو بكر رضي الله عنه يشيع أسامة والمسلمين فلما ركب أسامة من الجرف في أصحابه - وهم ثلاثة آلاف رجل وفيهم ألف فرس - فسار أبو بكر رضي الله عنه إلى جنب أسامة ساعة ثم قال أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ; إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيك، فانفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه وإنما أنا منفذ لأمر أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج سريعا فوطئ بلادا هادئة لم يرجعوا عن الإسلام - جهينة وغيرها من قضاعة - فلما نزل وادي القرى قدم عينا له من بني عذرة يقال له حريث، فخرج على صدر راحلته أمامه مغذا حتى انتهى إلى أبنى ; فنطر إلى ما هناك وارتاد الطريق ثم رجع سريعا حتى لقي أسامة على مسيرة ليلتين من أبنى، فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم وأمره أن يسرع السير قبل أن تجتمع الجموع وأن يشنها غارة.

وحدث هشام بن عاصم عن المنذر بن جهم قال قال بريدة لأسامة يا أبا محمد إني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أباك أن يدعوهم إلى الإسلام فإن أطاعوه خيرهم وإن أحبوا أن يقيموا في دارهم ويكونوا كأعراب المسلمين ولا شيء لهم في الفيء ولا الغنيمة إلا أن يجاهدوا مع المسلمين وإن تحولوا إلى دار الإسلام كان لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. قال أسامة هكذا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني، وهو آخر عهده إلي أن أسرع السير وأسبق الأخبار وأن أشن الغارة عليهم بغير دعاء فأحرق وأخرب. فقال بريدة: سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما انتهى إلى أبنى فنظر إليها منظر العين عبأ أصحابه وقال اجعلوها غارة ولا تمنعوا في الطلب ولا تفترقو، واجتمعوا وأخفوا الصوت واذكروا الله في أنفسكم وجردوا سيوفكم وضعوها فيمن أشرف لكم. ثم دفع عليهم الغارة فما نبح كلب ولا تحرك أحد، وما شعروا إلا بالقوم قد شنوا عليهم الغارة ينادون بشعارهم يا منصور أمت فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليه وحرق في طوائفهم بالنار وحرق منازلهم وحرثهم ونخلهم فصارت أعاصير من الدخاخين. وأجال الخيل في عرصاتهم ولم يمعنوا في الطلب أصابوا ما قرب منهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة خرج على فرس أبيه التي قتل عليها أبوه يوم مؤتة كانت تدعى سبحة وقتل قاتل أبيه في الغارة خبره به بعض من سبى ; وأسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهم، وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلما أمسوا أمر الناس بالرحيل ومضى الدليل أمامه حريث العذري، فأخذوا الطريق التي جاءوا منه، ودانوا ليلتهم حتى انتهوا بأرض بعيدة ثم طوى البلاد حتى انتهى إلى
وادي القرى في تسع ليال ثم قصد بعد في السير فسار إلى المدينة، وما أصيب من المسلمين أحد. فبلغ ذلك هرقل وهو بحمص فدعا بطارقته فقال هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوه مني. قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر تغير عليكم ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم. قال أخوه سأقوم فأبعث رابطة تكون بالبلقاء فبعث رابطة واستعمل عليهم رجلا من أصحابه فلم يزل مقيما حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

واعترض لأسامة في منصرفه قوم من أهل كثكث - قرية هناك - قد كانوا اعترضوا لأبيه في بدأته فأصابوا من أطرافه فناهضهم أسامة بمن معه وظفر بهم وحرق عليهم وساق نعما من نعمهم وأسر منهم أسيرين فأوثقهم، وهرب من بقي فقدم بهما المدينة فضرب أعناقهما.

وبعث أسامة بن زيد بشيره من وادي القرى بسلامة المسلمين وأنهم قد أغاروا على العدو فأصابوهم فلما سمع المسلمون بقدومهم خرج أبو بكر رضي الله عنه في المهاجرين وخرج أهل المدينة حتى العواتق سرورا بسلامة أسامة ومن معه من المسلمين ودخل يومئذ على فرسه سبحة كأنما خرجت من ذي خشب عليه الدرع. واللواء أمامه يحمله بريدة، حتى انتهى به إلى المسجد فدخل فصلى ركعتين وانصرف إلى بيته معه اللواء. وكان مخرجه من الجرف لهلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة فغاب خمسة وثلاثين يوم، عشرون في بدأته وخمسة عشر في رجعته.



أهم ملامح شخصيته:
الجانب القيادي:

لكونه تربّى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ربّاه النبي صلى الله عليه وسلم على أن يكون قائدًا واكتشف عناصر هذه القيادة في شخصيته، وقد كان رضي الله عنه دقيقًا في تنفيذ أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظهر ذلك من مواقفه المتعددة ومنها موقفه أثناء جمعه للزكاة، وبعد ذلك يظهر موقفه عندما كان قائدا للجيش الذي غزا الروم في الشام، ومدى الدقة التي التزم بها في تنفيذ تعليمات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلا عن ذلك فقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خليق بالولاية وأنه أهل لها، وقد نجح رضي الله عنه في مهمته التي انتدب لها أعظم نجاح وأدى دوره على أفضل ما يكون الأداء.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده".

وعن الزهري قال كان أسامة بن زيد يخاطَب بالأمير حتى مات يقولون: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يلق أسامة قط إلا قال: السلام عليك أيها الأميرورحمة الله وبركاته، أمير أمره رسول الله، ثم لم ينزعه حتى مات.

ولقد أثبت أسامة رضي الله عنه في قيادة جيشه إلى الشام أنه ذو جَلَدٍ على تحمل المشاق، وذو شجاعة فائقة، وعقيدة راسخة، وعقلية راجحة متبصرة بالأحداث والنتائج، مما أكسبه سمعة عالية، وصيتًا وشهرة كبيرة بين الصحابة، فقدروه وأحبوه، ولمسوا بأنفسهم مدى إصابة الحق في اختيار النبي صلى الله عليه وسلم له في للإمارة.




بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
روى الإمام أحمد بسنده عن عَائِشَةَ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَثَرَ بِأُسْكُفَّةِ أَوْ عَتَبَةِ الْبَابِ فَشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمِيطِي عَنْهُ أَوْ نَحِّي عَنْهُ الْأَذَى قَالَتْ فَتَقَذَّرْتُهُ قَالَتْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُصُّهُ ثُمَّ يَمُجُّهُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً لَكَسَوْتُهُ وَحَلَّيْتُهُ حَتَّى أُنْفِقَهُ.

بعثتها إليك لتشققها خمرًا بين نسائك:

روى مسلم بسنده عن ابن عمر قال رأى عمر عطاردا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء وكان رجلا يغشى الملوك ويصيب منهم فقال عمر يا رسول الله إني رأيت عطاردا يقيم في السوق حلة سيراء فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك وأظنه قال ولبستها يوم الجمعة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى علي بن أبي طالب حلة وقال شققها خمرا بين نسائك قال فجاء عمر بحلته يحملها فقال: يا رسول الله بعثت إلي بهذه وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت فقال إني لم ابعث بها إليك لتلبسها ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها، وأما أسامة فراح في حلته فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرًا عرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكر ما صنع، فقال: يا رسول الله ما تنظر إلي فأنت بعثت إلي بهان فقال: "إني لم أبعث إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين نسائك".

وعن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك لا تلبس القبطيه قلت كسوتها امرأتي فقال مرها فلتجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف عظامها.

رديفه في أسفاره:

عن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد ومعه بلال ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد فأمره أن يأتي بمفتاح البيت ففتح ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أسامة وبلال وعثمان فمكث فيها نهارا طويلا ثم خرج فاستبق الناس وكان عبد الله بن عمر أول من دخل فوجد بلالا وراء الباب قائما فسأله أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه قال عبد الله فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة...

وعن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم

وعنه رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما قال: "أي يومين" قلت: يوم الإثنين ويوم الخميس قال: "ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم".

وعنه رضي الله عنه قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه الكآبة فسألته ما له فقال لم يأتني جبريل منذ ثلاث قال فإذا جرو كلب بين بيوته فأمر به فقتل فبدا له جبريل عليه السلام فبهش إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه فقال لم تأتني فقال انا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تصاوير.

وعن يزيد بن أبي حبيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ثابت بن الربيع وهو بالموت فناداه فلم يجبه فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " لو سمعني لأجاب ما فيه عرق ولا هو يجد ألم الموت على جدته وبكى النساء فنهاهن أسامة بن زيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعهن يبكين ما دام بين أظهرهن فإذا وجب فلا أسمعن صوت باكية.

ألاقي منك اليوم...

عن قيس بن أبي حازم قال قام أسامة بن زيد بعد مقتل أبيه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عيناه ثم جاء من الغد فقام مقامه بالأمس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألاقي منك اليوم ما لاقيت منك أمس.

ويدعو له صلى الله عليه وسلم:

عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطتُ وهبط الناس المدينة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أُصمت فلم يتكلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يديه علي ويرفعهما فأعرف أنه يدعو لي.



بعض المواقف من حياته مع الصحابة:
مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

عن هشام بن عروة عن أبيه... لما فرض عمر بن الخطاب رضى الله عنه للناس فرض لأسامة بن زيد خمسة آلاف ولابن عمر ألفين فقال ابن عمر فضلت عليّ أسامة وقد شهدت ما لم يشهد فقال إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وأبوه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك.

مع عثمان بن عفان رضي الله عنه:

عن هشام بن عروة عن أبيه قال تخلف عثمان وأسامة بن زيد عن بدر فبينا هم يدفنون رقية سمع عثمان تكبيرا فقال يا أسامة ما هذا فنظروا فإذا زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء بشيرا بقتل المشركين يوم بدر.

مع حكيم بن حزام رضي الله عنه:

عن عراك بن مالك أن حكيم بن حزام قال كان محمد النبي أحب الناس إلي في الجاهلية فلما تنبأ وخرج إلى المدينة خرج حكيم بن حزام الموسم فوجد حلة لذي يزن تُباع بخمسين درهما فاشتراها ليهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم بها عليه وأراده على قبضها فأبى عليه قال عبيد الله حسبت أنه قال إنا لا نقبل من المشركين شيئا ولكن أخذناها بالثمن فأعطيتها إياه حتى أتى المدينة فلبسها فرأيتها عليه على المنبر فلم أر شيئا قط أحسن منه فيها يومئذ ثم أعطاها أسامة بن زيد فرآها حكيم على أسامة فقال يا أسامة أنت تلبس حلة ذي يزن قال نعم لأنا خير من ذي يزن ولأبي خير من أبيه ولأمي خير من أمه قال حكيم فانطلقت إلى مكة أعجبهم بقول أسامة المستدرك للحاكم.

مع خلاد بن السائب رضي الله عنه:

عن خلاد بن السائب قال دخلت على أسامة بن زيد فمدحني في وجهي فقال إنه حملني أن أمدحك في وجهك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه"

من مواقفه مع التابعين:

مع مروان بن الحكم

عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد يصلى عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج مروان بن الحكم فقال تصلى إلى قبره فقال انى أحبه فقال له قولا قبيحا ثم ادبر فانصرف أسامة فقال يا مروان انك آذيتنى واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الله يبغض الفاحش المتفحش وانك فاحش متفحش.




أثره في الآخرين:
روى عنه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون من الصحابة والتابعين، فممن روى عنه من الصحابة سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وممن روى عنه من التابعين سعيد بن المسيب، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وعامر بن شرحبيل، وشقيق بن سلمة وغيرهم....

ويعلم مولاه عمليًا:

عن مولى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القرى في طلب مال له فكان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فقال له مولاه: لم تصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير، فقال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وسئل عن ذلك فقال: "إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس".

الأثر العالمي لبعث أسامة رضي الله عنه:

كان لهذا البعث أثرًا كبيرًا في تثبيت وتوطيد دعائم الدولة الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وارتداد الكثير من القبائل، وكان من شأنه أن ألقى الفزع والهلع في قلوب القبائل العربية التي مرَّ عليها في شمال الجزيرة العربية، وكانوا يقولون: لو لم يكن للمسلمين قوة تحمى المدينة وما حولها ما بعثوا جيشًا إلى هذه المسافات البعيدة حتى وصل إلى تخوم الروم؛ ومن أجل ذلك كانت حركة الردة في تلك المناطق أضعف منها بكثير في أي المناطق الأخرى.

بعض الأحاديث التي رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

روى البخاري بسنده عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء".

وفي البخاري بسنده أيضًا عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء".

روى مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم".

وأحاديث أخرى كثيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم...


وفاته رضي الله عنه
اعتزل أسامة بن زيد رضي الله عنه الفتن بعد مقتل عثمان رضي الله عنه إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية، وكان قد سكن المزة غرب دمشق ثم رجع فسكن وادي القرى ثم نزل إلى المدينة فمات بها بالجرف وصحح ابن عبد البر أنه مات سنة 54 هـ، فيكون رضي الله عنه قد توفي عن 61 سنة.
من مراجع البحث:

الإصابة في معرفة الصحابة............. ابن حجر

أسد الغابة............................ ابن الأثير

الاستيعاب في معرفة الأصحاب.......... ابن عبد البر

أسامة بن زيد......................... د. وهبة الزحيلي

فاطمة الشمري
18-08-2009, 12:37 PM
نرجو من الاخوة التفاعل ...................

الصحابي رقم ( 4 )

العباس بن عبد المطلب


هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكنى أبا الفضل..

وأمه نتيلة بنت جناب بن كليب، وهي أول عربية كست البيت الحرير والديباج، وسببه أن العباس ضاع وهو صغير، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت فوجدته ففعلت. له أحد عشر أخاً وست أخوات. وقد ولد للعباس عشرة من الذكور ماعدا الإناث.

ولد في مكة قبل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين أو ثلاثة..

حاله في الجاهلية:

السقاية:

كانت السقاية لبني هاشم، وكان أبو طالب يتولاها، فلما اشتد الفقر بأبي طالب، أسند السقاية إلى أخيه العباس، وكان من أكثر قريش مالاً، فقام بها. وعليه كانت عمارة المسجد (وهي أن لا يدع أحداً يسب في المسجد الحرام) . وكان نديمه في الجاهلية أبو سفيان بن حرب.

مواقفه قبل إعلان إسلامه:

شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، وأخرج إلى بدر مكرهاً مثل غيره من بني هاشم، فأسر وشد وثاقه، وسهر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ولم ينم، فقالوا: مايسهرك يا نبي الله؟ قال: أسهر لأنين العباس، فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه، ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بالأسرى كلهم، وفدى نفسه وابني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفه عتبة بن عمرو، وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداءً، لأنه كان رجلاً موسراً فافتدى نفسه بمائة أوقية من ذهب.

عمره عند الإسلام:

ولد في مكة قبل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين أو ثلاثة، وتوفي في المدينة المنورة قبيل مقتل عثمان، عام اثنين وثلاثين للهجرة، وعمره ثمان وثمانين، وصلى عليه عثمان رضي الله عنهما، ودفن في البقيع.

قصة إسلامه ومن الذي دعاه إلى الإسلام:

لم يعلن العباس -رضي الله عنه إسلامه - إلا عام الفتح ، مما جعل بعض المؤرخين يعدونه ممن تأخر إسلامهم ، بيد أن روايات أخرى من التاريخ توحي أنه كان من المسلمين الأوائل ولكن كتم إسلامه ، فيقول أبو رافع خادم الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس ، وأسلمت أمُّ الفضل ، وأَسْلَمْتُ ، وكان العباس يكتم إسلامه ) ...
فكان العباس إذا مسلماً قبل غزوة بدر ، وكان مقامه بمكة بعد هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-وصحبه خُطَّة أدت غايتها على خير نسق، وكانت قريش دوما تشك في نوايا العباس ، ولكنها لم تجد عليه سبيلا وظاهره على مايرضون من منهج ودين ، كما ذُكِرَ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أمر العباس بالبقاء في مكة : (إن مُقامك مُجاهَدٌ حَسَنٌ ) فأقام بأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم

بيعة العقبة

وفي بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحج وفد الأنصار ، ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان ، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم ، وليتفقوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الهجرة الى المدينة ، أنهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- نبأ هذا الوفد الى عمه العباس فقد كان يثق بعمه في رأيه كله ، فلما اجتمعوا كان العباس أول المتحدثين فقال : ( يا معشر الخزرج ، إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ، ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده )000وكان العباس يلقـي بكلماتـه وعيناه تحدقـان في وجـوه الأنصار وترصـد ردود فعلهم000
كما تابع الحديث بذكاء فقال : (صفوا لي الحـرب،كيف تقاتلون عدوكم؟) فهو يعلم أن الحرب قادمة لا محالة بين الإسلام والشرك ، فأراد أن يعلم هل سيصمد الأنصار حين تقوم الحرب ، وأجابه على الفور عبد الله بن عمرو بن حرام : ( نحن والله أهل الحرب ، غُذينا بها ومُرِنّا عليها ، وورِثناها عن آبائنا كابرا فكابرا ، نرمي بالنبل حتى تفنى ، ثم نطاعن بالرماح حتى تُكسَر ، ثم نمشي بالسيوف فنُضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا )00وأجاب العباس ( أنتم أصحاب حرب إذن، فهل فيكم دروع ؟)000 قالوا ( نعم ، لدينا دروع شاملة )000 ثم دار الحديث الرائع مع رسول الله والأنصار كما نعلم من تفاصيل البيعة000
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يذكُر بالمدينة ليلة العقبة فيقول ( أيِّدتُ تلك الليلة ، بعمّي العبّاس ، وكان يأخذ على القومِ ويُعطيهم )000

أهم ملامح شخصيته:

كان العباس جوّادا، مفرط الجود، حتى كأنه للمكرم عمّها أو خالها..!!
وكان وصولا للرحم والأهل، لا يضنّ عليهما بجهد ولا بجاه، ولا بمال...
وكان الى هذه وتلك، فطنا الى حدّ الدهاء، وبفطنته هذه التي تعززها مكانته الرفيعة في قريش، استطاع أن يدرأ عن الرسول عليه الصلاة والسلام حين يجهر بدعوته الكثير من الأذى والسوء..

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

لم تكن قريش تخفى شكوكها فى نوايا العباس ولكنها أيضا لم تكن تجد سبيلا لمحادته حتى إذا جاءت غزوة بدر رأتها قريش فرصة لكى تختبر بها حقيقة العباس. ويلتقى الجمعان فى غزوة بدر، وينادى الرسول(صلى الله عليه وسلم ) فى أصحابه قائلا:" إن رجالا من بنى هاشم ومن غير بنى هاشم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقى منكم أحدهم فلا يقتله، من لقى أبا البخترى بن هشام فلايقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فأنما أخرج مستكرها". وقد أسر العباس فيمن أسر يوم بدر،وكان أسره على يد أبو اليسر كعب بن عمرو وقد طلب منه الرسول (صلى الله عليه وسلم ) أن يفدى نفسه وذويه فرفض العباس وقال:"إنى كنت مسلما قبل ذلك وإنما استكرهونى " قال :"الله أعلم بشأنك، إن يك ما تدعى حقا فالله يجزيك بذلك وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فأفد نفسك". وبعثت له أم الفضل من مكة بالفدية فأطلق الرسول صلى الله عليه وسلم سراحه..

ـ ويجئ يوم حنين ليؤكد فدائية العباس، كان صوت العباس يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والإستبسال، فبينما كان المسلمون مجتمعين فى أحد أودية" تهامة" ينتظرون مجئ عدوهم، كان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي وكمنوا لهم فى شعابه شاحذين أسلحتهم، وعلى حين غفلة أنقضوا على المسلمين فى مفاجأة مذهلة جعلتهم يهرعون بعيدا وكان حول النبى ساعتئذ أبى بكر، وعمر، وعلى، والعباس وبعض الصحابة، ولم يكن العباس بجواره فقط بل كان بين قدميه آخذا بخطام بغلته،يتحدى الموت والخطر.. وأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصرخ فى الناس، وكان جسيما جهورى الصوت،فراح ينادى:" يا معشر الأنصار، ياأصحاب البيعة" فردوا "لبيك لبيك" وانقلبوا راجعين جميعا بعد أن شتتهم هجوم المشركين المفاجئ وقاتلوا وثبتوا فنصرهم الله..

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:

وقال الواقدي في روايته: لما كان عام الرمادة، وهو عام الجدب سنة ثماني عشرة، استسقى عمر بن الخطاب بالعباس وقال: اللهم إنا كنا نستسقيك بنبينا إذا قحطنا، وهذا عمه بين أظهرنا ونحن نستسقيك به، فلم ينصرف حتى أطبق السحاب، قال: وسقوا بعد ثلاثة أيام، وكان عام الرمادة الذي كان فيه طاعون عمواس بالشام.

ومع عمر: بعد وفاة أبا بكر بايع المسلمون والعباس عمر , ومن مواقف العباس مع عمر رضي الله عنهما، أنه لما كثر المسلمون فى عهد عمر ضاق بهم المسجد فاشتري عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس وحجر أمهات المؤمنين . فقال عمر للعباس : يا اباالفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع بها علي المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها و أما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين ،فقال العباس : ما كنت لأفعل، فقال له عمر : إختر مني إحدي ثلاث ،إما ان تبعنيها ، وإما ابني لك غيرها من بيت مال المسلمين ، وإما أن تصدق بها علي المسلمين . فقال العباس :لا ولاواحدة منها ، فقال عمر : اجعل بيني وبينك من شئت. فقال: أبي بن كعب . فانطلقا إلي أبي فقص عليه القصه ، فقال أبي: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله أوحي إلي داود عليه السلام أن ابن لي بيتا أذكر فيه فخط له هذه الخطه خطه بيت المقدس فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل فسأله داود أن يبيعه إياها فأبي فحدث داود نفسه أن يأخذه منه فأوحي الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه فأردت أن تدخل في بيتي الغصب وليس من شأني الغصب وأن عقوبتك ألا تبنيه ، قال: يا رب فمن ولدي ؟ قال : من ولدك".قال فأخذ عمر بمجامع ثياب أبى بن كعب وقال: جئتك بشئ فجئت بما هو أشد منه، لتخرجن مما قلت. فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيهم أبو ذر فقال: إنى نشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره.فقال أبوذر : أنا سمعته، وقال آخر:أنا سمعته يعنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :فأرسل عمر أبيا،وأقبل أبى على عمر فقال: يا عمر أتتهمنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: يا أبا المنذر لا والله ما اتهمتك عليه ولكنى كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا. وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك فى دارك.فقال العباس: أما إذ فعلت فإنى قد تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم فى مسجدهم. فأما وأنت تخاصمنى فلا. وبنى عمر لهم بيتا جديدا من بيت مال المسلمين. ولما احتضر عمر بعد أن طعن أمر مهيبا أن يصلى بالناس ثلاثة أيام وأمره أن يجعل للناس طعاما فيطعموا(حتى يستخلفوا إنسانا) فلما رجعوا من الجنازة جئ بالطعام ووضعت الموائد فأمسك الناس عنها(حزنا على عمر) فقال العباس: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد مات فأكلنا بعده وشربنا، ومات أبو بكر فأكلنا بعده وشربنا، وإنه لابد من الأجل فكلوا من هذا الطعام. ثم مد العباس يده فأكل، ومد الناس أيديهم فأكلوا..

ودخل عليه عثمان بن عفان على، وكان العباس خال أمه أروى بنت كريز فقال: يا خال أوصني، فقال: أوصيك بسلامة القلب، وترك مصانعة الرجال في الحق، وحفظ اللسان، فإنك متى تفعل ذلك ترضى ربك وتصلح لك رعيتك.

أثره في الأخرين (دعوته ـ تعليمه):

ويقول العباس لعبد الله بن العباس ناصحاً: يا بني إن الله قد بلغك شرف الدنيا فاطلب شرف الآخرة، واملك هواك واحرز لسانك إلا مما لك.

بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم : عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ..

بعض كلماته:

قيل للعباس أنت أكبر أم رسول الله، فقال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله.

قال العباس: أنا أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث، ولده عام الفيل وولدت قبل الفيل بثلاث سنين.

ـ قال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله بن عباس حين اختصه عمر بن الخطاب وقربه: يا بني لا تكذبه فيطرحك، ولا تغتب عنده أحدا فيمقتك، ولا تقولن له شيئا حتى يسألك، ولا تفشين له سرا فيزدريك، ويقال أنه قال له: إن هذا الرجل قد أدناك وأكرمك فاحفظ عني ثلاثا: لا يجربن عليك كذبا، ولا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا.

ـ وفي يوم حنين يقول العباس

نصرنا رسول الله في الحرب سبعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعـوا

يعني بالسبعة: نفسه، وعلي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا رافع مولى رسول الله، وأيمن بن عبيد أخا أسامة لأمه أم أيمن، ويقال إن السابع مكان أيمن بعض ولد الحارث بن عبد المطلب، ويقال إنهم: العباس، وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والزبير بن العوام، وأسامة بن زيد، وبنو الحارث يقولون: إن جعفر بن أبي سفيان شهد حنينا أيضا.

الوفاة:

عن نملة بن أبي نملة، عن أبيه، قال :لما مات العباس بعثت بنو هاشم من يؤذن أهل العوالي : رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب . فحشد الناس.

قال الواقدي : حدثنا ابن أبي سبرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، قال : جاء مؤذن بموت العباس بقباء على حمار، ثم جاءنا آخر على حمار، فاستقبل قرى الأنصار، حتى انتهى إلى السافلة، فحشد الناس .

فلما أتي به إلى موضع الجنائز، تضايق، فقدموا به إلى البقيع . فما رأيت مثل ذلك الخروج قط، وما يقدر أحد يدنو إلى سريره . وازدحموا عند <101> اللحد، فبعث عثمان الشرطة يضربون الناس عن بني هاشم، حتى خلص بنو هاشم، فنزلوا في حفرته .

ورأيت على سريره برد حبرة قد تقطع من زحامهم.قال الواقدي : حدثتني عبيدة بنت نابل، عن عائشة بنت سعد، قالت : جاءنا رسول عثمان ونحن بقصرنا على عشرة أميال من المدينة، أن العباس قد توفي، فنزل أبي وسعيد بن زيد ، ونزل أبو هريرة من السمرة ; فجاءنا أبي بعد يوم فقال : ما قدرنا أن ندنو من سريره من كثرة الناس، غلبنا عليه، ولقد كنت أحب حمله.

وعن عباس بن عبد الله بن معبد، قال : حضر غسله عثمان . وغسله علي وابن عباس وأخواه : قثم ، وعبيد الله . وحَدَّتْ نساء بني هاشم سنة زهير بن معاوية، عن ليث، عن مجاهد، عن علي بن عبد الله ابن عباس أن العباس أعتق سبعين مملوكا عند موته .

وفي " مستدرك " الحاكم، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجل العباس إجلال الوالد. ولعبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا : " العباس مني وأنا منه " عبد الأعلى الثعلبي، لين .

وكانت وفاته في يوم الجمعة لأربع عشرة سنة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين..

ودفن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في البقيع..

عزوف العنزي
18-08-2009, 06:10 PM
بارك الله فيك اخي نايف واختي فاطمة موضوع يستحق المشاركه فيه

الصحابي رقم ( 5 )

عبد الله بن عمر


الورع التقي
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، يكنى أبا عبد الرحمن، أمه زينب بنت مظعون، أسلم بمكة مع أبيه ولم يكن بالغًا حينئذٍ، وهاجر مع أبيه إلى المدينة وعرض على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم بدر فرده ويوم أحد فرده لصغر سنه، وعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه.
عن سالم [عن ابن عمر قال كان الرجل في حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا رأى رؤيا قصها على النبي قال وكنت غلاما شابًّا عزبًا فكنت أنام في المسجد على عهد رسول فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان وأرى فيها ناسًا قد عرفتهم فجعلت أقول أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار فلقيهما ملك آخر فقال لي لن ترع فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، قال سالم فكان عبد الله بعد لا ينام من الليل إلا قليلا] أخرجاه في الصحيحين.
[وعن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: رأيت في المنام كأن بيدي قطعة من استبرق ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت بي إليه فقصتها حفصة على النبي فقال: إن أخاك رجل صالح أو إن عبد الله رجل صالح] أخرجاه في الصحيحين.
وعن أبي الزناد قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا تمنوا فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، قال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة، قال فنالوا ما تمنوا ولعل ابن عمر غفر له.
وعن نافع قال: دخل ابن عمر الكعبة فسمعته وهو ساجد يقول: قد تعلم ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك.
عن طاوس قال: ما رأيت رجلا أورع من ابن عمر ولا رأيت رجلا أعلم من ابن عباس.
وقال سعيد بن المسيب: لو كنت شاهدًا لرجل من أهل العلم أنه من أهل الجنة لشهدت لعبد الله بن عمر.
وعن عروة قال: سئل ابن عمر عن شيء فقال لا علم لي به، فلما أدبر الرجل قال لنفسه سئل ابن عمر عما لا علم له به فقال لا علم لي به.
وعن نافع أن رجلا سأل ابن عمر عن مسألة فطأطأ رأسه ولم يجبه حتى ظن الناس أنه لم يسمع مسألته فقال له يرحمك الله أما سمعت مسألتي قال: بلى ولكنكم كأنكم ترون أن الله تعالى ليس بسائلنا عما تسألونا عنه اتركنا رحمك الله حتى نتفهم في مسألتك فإن كان لها جواب عندنا وإلا أعلمناك أنه لا علم لنا به.
وعن إبراهيم قال: قال عبد الله: إن أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله ابن عمر.
وعن محمد قال: نبئت أن ابن عمر كان يقول: إني لقيت أصحابي على أمر وإني أخاف إن خالفتهم ألا ألحق بهم.
وعن سعيد بن المسيب قال: كان أشبه ولد عمر بعمر عبد الله، وأشبه ولد عبد الله بعبد الله سالم.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: ما ناقة أضلت فصيلها في فلاة من الأرض بأطلب لأثرها من ابن عمر لعمر بن الخطاب.
وعن المطعم بن مقدام الصنعاني قال: كتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن عمر: بلغني أنك طلبت الخلافة وإن الخلافة لا تصلح لعيي ولا بخيل ولا غيور، فكتب إليه ابن عمر: أما ما ذكرت من أمر الخلافة أني طلبتها فما طلبتها وما هي من بالي، وأما ما ذكرت من العي والبخل والغيرة فإن من جمع كتاب الله عز وجل فليس بعيي، ومن أدى زكاة ماله فليس ببخيل، وأما ما ذكرت فيه من الغيرة فإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري.
وعن عائشة قالت: ما رأيت أحدًا ألزم للأمر الأول من عبد الله بن عمر. وعنها قالت: ما رأيت أحدًا أشبه بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذين دفنوا في النمار من عبد الله بن عمر.
وعن حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: خطرت هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فتذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئا أحب إلي من جاريتي رميثة فقلت هذه حرة لوجه الله فلا أعود في شيء جعلته لله ولولا ذلك لنكحتها فأنكحها نافعا وهي أم ولده، قال وعن نافع قال كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه لربه عز وجل قال نافع كان رقيقه قد عرفوا ذلك منه فربما شمر أحدهم فلزم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه يا أبا عبد الرحمن والله ما بهم إلا أن يخدعوك فيقول ابن عمر فمن خدعنا بالله انخدعنا له قال نافع فلقد رأيتنا ذات عشية وراح ابن عمر على نجيب له (جمل قوي) قد أخذه بمال فلما أعجبه سيره أناخه مكانه ثم نزل عنه فقال يا نافع انزعوا زمامه ورحله وجللوه وأشعروه وأدخلوه في البدن وعن سعيد بن أبي هلال أن عبد الله بن عمر نزل الجحفة وهو شاك فقال إني لأشتهي حيتانا، فالتمسوا له فلم يجدوا إلا حوتا واحدا فأخذته امرأته صفية بنت أبي عبيد فصنعته ثم قربته إليه فأتى مسكين حتى وقف عليه فقال له ابن عمر خذه فقال أهله سبحان الله قد عنيتنا ومعنا زاد نعطيه فقال إن عبد الله يحبه.
وعن أبي بكر بن حفص قال لما اشتكى ابن عمر اشتهى حوتا فصنع له فلما وضع بين يديه جاء سائل فقال أعطوه الحوت فقالت امرأته نعطيه درهما فهو أنفع له من هذا واقض أنت شهوتك منه فقال شهوتي ما أريد.
وعن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج منه لله عز وجل قال وربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفا قال وأعطاه ابن عامر مرتين ثلاثين ألفا قال فقال ابن عمر يا نافع إني أخاف أن تفتنني دراهم ابن عامر اذهب فأنت حر.
وعن ميمون بن مهران قال أتت ابن عمر اثنان وعشرون ألف دينار في مجلس فلم يقم حتى فرقها
وعن أبي بكر بن حفص أن عبد الله بن عمر كان لا يأكل طعاما إلا وعلى خوانه يتيم رواه عبد الله بن أحمد.
وعن نافع قال ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد
وعن أبي الوازع قال: قلت لابن عمر لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم قال فغضب ثم قال إني لأحسبك عراقيا وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه.
وعنه أيضا أن رجلا من بني عبد الله بن عمر استكساه إزارا وقال قد تخرق إزاري فقال ارقع إزارك ثم البسه فكره الفتى ذلك فقال له عبد الله ويحك اتق الله ولا تكونن من القوم الذين يجعلون ما رزقهم الله عز وجل في بطونهم وعلى ظهورهم.
وعن البراء بن سليم قال: سمعت نافعا يقول ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه....} ثم يقول إن هذا لإحصاء شديد رواه الإمام أحمد.
وعن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال جاء سائل إلى ابن عمر فقال لابنه أعطه دينارا فلما انصرف قال له ابنه تقبل الله منك يا أبتاه فقال لو علمت أن الله يقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت أتدري ممن يتقبل إنما يتقبل الله من المتقين
وعن عبد الله بن سبرة قال كان ابن عمر إذا أصبح قال اللهم اجعلني من أعظم عبادك نصيبا في كل خير تقسمه الغداة ونور تهدي به ورحمة تنشرها ورزق تبسطه وضر تكشفه وبلاء ترفعه وفتنة تصرفها وعن سمير الرياحي عن أبيه قال شرب عبد الله بن عمر ماء مبردا فبكي فاشتد بكاؤه فقيل له ما يبكيك فقال ذكرت آية في كتاب الله عز وجل {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئا شهوتهم الماء وقد قال الله عز وجل {أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} وعن جابر بن عبد الله قال ما أدركنا أحدا أو قال ما رأينا أحدا إلا قد مالت به الدنيا أو مال بها إلا عبد الله بن عمر
وعن نافع قال كان ابن عمر إذا قرأ {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} بكى حتى يغلبه البكاء.
وعن عمر بن ميمون عن أبيه قال قيل لعبد الله بن عمر توفي فلان الأنصاري قال رحمه الله فقال ترك مائة ألف قال لكن هي لم تتركه.
وقال رجل لابن عمر يا خير الناس وابن خير الناس فقال ابن عمر ما أنا بخير الناس ولا ابن خير الناس ولكني عبد من عباد الله عز وجل أرجو الله وأخافه والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه.
وعن مجاهد عن ابن عمر قال: [قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحب في الله وأبغض في الله وعاد في الله فإنك لن تنال ولاية الله إلا بذلك ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك وصارت مؤاخاة الناس في أمر الدنيا وإن ذلك لا يجزى عند الله شيئا قال وقال لي ابن عمر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا قال وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ببعض جسدي فقال كن في الدنيا غريبا أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور] رواه الطبراني.

--------------------------------------------------------------------------------

وفاة ابن عمر
عن عطية العوفي قال سألت مولى لعبد الله بن عمر عن موت عبد الله بن عمر فقال أصابه رجل من أهل الشام بزجه في رجله فأتاه الحجاج يعوده فقال لو أعلم الذي أصابك لضربت عنقه فقال عبد الله أنت الذي أصبتني قال كيف؟ قال يوم أدخلت حرم الله السلاح ومات بمكة سنة أربع وسبعين وقيل سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وثمانين سنة رضي الله عنه.

عزوف العنزي
18-08-2009, 06:14 PM
الصحابي رقم ( 6 )

أبو موسى الأشعري

رقيق القلب والمشاعر

وصفه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ووصف قومه بأنهم أهل رقة في القلوب وعذوبة في الصوت حتى إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كان يتأثر بقراءته للقرآن ويقول له "لقد أوتيت مزمارًا من

مزامير آل داود" إنه الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري .

واسمه عبد الله بن قيس بن سليم أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينتين ورسول الله بخيبر. وأرسله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع معاذ بن جبل إلى اليمن ، روي عن أبي بردة عن

أبيه عن جده أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا .

مناقبه وفضائله

قال أبو بردة عن أبي موسى قال النبي (صلى الله عليه وسلم) إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا

بالنهار ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم

وقد صح من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله: لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود، فقلت يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا.

حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا مالك عن ابن بريدة عن أبيه قال خرج بريدة عشاء فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت رجل يقرأ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) تراه مرائيا

فأسكت بريدة فإذا رجل يدعو فقال اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) والذي نفس محمد بيده لقد

سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب قال فلما كان من القابلة خرج بريدة عشاء فلقيه النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت الرجل يقرأ فقال النبي صلى

الله عليه وسلم أتقول هو مراء؟! فقال بريدة أتقوله مراء يا رسول الله فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لا بل مؤمن منيب لا بل مؤمن منيب. فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد فقال رسول الله (صلى

الله عليه وسلم) إن الأشعري أو إن عبد الله بن قيس أعطي مزمارا من مزامير داود فقلت ألا أخبره يا رسول الله قال بلى فأخبره فأخبرته فقال أنت لي صديق أخبرتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث.

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال: خرجنا مع رسول الله في غزاة ونحن ستة نفر على بعير نعتقبه قال: فنقبت أقدامنا ونقبت قدمي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزاة ذات الرقاع

لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بريدة فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره، قال: كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه.

وعن أبي سلمة قال كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا تعالى، فيقرأ (أي القرآن).

وعن أبي عثمان النهدي قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري صلاة الصبح فما سمعت صوت صنج ولا بربط (من آلات العزف) كان أحسن صوتًا منه.

من أقواله رضى الله عنه

* وعن أبي كبشة السدوسي قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: إن الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من الجليس السوء، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر إلا يحذك يعبق بك من ريحه،

ألا وإن مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إلا يحرق ثيابك يعبق بك من ريحه، ألا وإنما سمي القلب من تقلبه، وإن مثل القلب كمثل ريشة بأرض فضاء تضربها الريح ظهرًا لبطن، ألا وإن من ورائكم فتنًا

كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس البيوت.

* وعن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعري أنه جمع الذين قرأوا القرآن فإذا هم قريب من ثلثمائة فعظم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا وكائن عليكم وزرًا فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من

اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن تبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار.

* وعن أبي مجلز قال: قال أبو موسى: إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي عز وجل.

* وعن قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى فقال: أيها الناس، ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.

رواهما الإمام أحمد رحمه الله.

* وعن أبي بردة عن أبي موسى قال: خرجنا غازين في البحر والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع، فسمعنا مناديًا ينادي يا أهل السفينة قفوا أخبركم حتى والى بين سبعة أصوات، قال أبو موسى: فقمت على

صدر السفينة فقلت: من أنت ومن أين أنت أو ما ترى أين نحن وهل نستطيع وقوفًا؟ قال فأجابني الصوت: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، قال: قلت بلى أخبرنا، قال: فإن الله قضى على نفسه أنه من

عطش نفسه لله في يوم حار كان حقًّا على الله أن يرويه يوم القيامة، قال فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان فيصومه.

* وعن أبي إدريس قال: صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال، فقيل له لو أجممت نفسك فقال: هيهات، إنما يسبق من الخيل المضمرة، قال وربما خرج من منزله فيقول لامرأته: شدي رحلك فليس على جسر

جهنم معبر.

* حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم قلوبا. قال فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري فلما دنوا من المدينة كانوا يرتجزون

يقولون غدا نلقى الأحبه محمدا وحزبه .

* حدثنا يحيى بن بشر حدثنا روح حدثنا عوف عن معاوية بن قرة قال حدثني أبو بردة بن أبي موسى الأشعري قال قال لي عبد الله بن عمر هل تدري ما قال أبي لأبيك. قال قلت لا قال فإن أبي قال لأبيك يا أبا موسى

هل يسرك إسلامنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس فقال أبي لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه

وسلم وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك فقال أبي لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن لو نجونا منه كفافا رأسا برأس فقلت إن أباك والله خير من أبي

دعاء النبي( صلى الله عليه وسلم) له

روي عن أبي بردة عن أبيه قال لما فرغ النبي (صلى الله عليه وسلم) من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه فقال أبو موسى وبعثني مع أبي عامر قال

فرمي أبو عامر في ركبته رماه رجل من بني جشم بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك فأشار أبو عامر إلى أبي موسى فقال إن ذاك قاتلي تراه ذلك الذي رماني قال أبو موسى فقصدت له

فاعتمدته فلحقته فلما رآني ولى عني ذاهبا فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحيي ألست عربيا ألا تثبت فكف فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين فضربته بالسيف فقتلته ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت إن الله قد

قتل صاحبك قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء فقال يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأقرئه مني السلام وقل له يقول لك أبو عامر استغفر لي قال واستعملني أبو عامر على

الناس ومكث يسيرا ثم إنه مات فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه وهو في بيت على سرير مرمل وعليه فراش وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجنبيه فأخبرته

بخبرنا وخبر أبي عامر وقلت له قال قل له يستغفر لي فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بماء فتوضأ منه ثم رفع يديه ثم قال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة

فوق كثير من خلقك أو من الناس فقلت ولي يا رسول الله فاستغفر فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر والأخرى

لأبي موسى(رواه مسلم)

وفاته

عن الضحاك بن عبد الرحمن قال: دعا أبو موسى فتيانه حين حضرته الوفاة فقال: اذهبوا فاحفروا وأوسعوا وأعمقوا، فجاؤوا فقالوا قد حفرنا وأوسعنا وأعمقنا فقال: والله إنها لإحدى المنزلتين إما ليوسعن علي

قبري حتى يكون كل زاوية منه أربعين ذراعًا ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي وما أعد الله عز وجل لي من الكرامة ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى أبعث، ولئن كانت الأخرى ونعوذ

بالله منها ليضيقن علي قبري حتى أكون في أضيق من القناة في الزج ثم ليفتحن لي باب من أبواب جهنم فلأنظرن إلى سلاسلي وأغلالي وقرنائي ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث.

قال أصحاب السير: توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين وقيل اثنتين وأربعين وقيل أربع وأربعين ودفن بمكة وقيل دفن بالثوية على ميلين من الكوفة.

الجوري
18-08-2009, 09:24 PM
الصحابي رقم ( 7 )

أنس بن مالك

خادم الرسول


اللهم أكثر ماله وولده وبارك له "
" وأدخله الجنة
حديث شريف

أنس بن مالك بن النَّضر الخزرجي الأنصاري ، ولد بالمدينة ، وأسلم صغيراً
وهو أبو ثُمامة الأنصاري النّجاري ، وأبو حمزة كنّاه بهذا الرسـول الكريم
وخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد أخذته أمه( أم سليم )الى رسـول
الله وعمره يوم ذاك عشر سنين ، وقالت :( يا رسـول الله ، هذا أنس غلامك
يخدمك فادع الله له )000فقبله الرسـول بين عينيه ودعا له :( اللهم أكثر ماله
وولده وبارك له ، وأدخله الجنة )000فعاش تسعا وتسعيـن سنة ، ورزق من
البنين والحفـدة الكثيريـن كما أعطاه الله فيما أعطاه من الرزق بستانا رحبا
ممرعا كان يحمل الفاكهة في العام مرتين ، ومات وهو ينتظر الجنة000


خدمة الرسول
يقول أنس -رضي الله عنه- : أخذت أمّي بيدي وانطلقت بي الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت :( يا رسول الله إنه لم يبقَ رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفتْك بتحفة ، وإني لا أقدر على ما أتحفك به إلا ابني هذا ، فخذه فليخدمك ما بدا لك ) فخدمتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين ، فما ضربني ضربةً ، ولا سبّني سبَّة ، ولا انتهرني ، ولا عبسَ في وجهي ، فكان أول ما أوصاني به أن قال :( يا بُنيّ أكتمْ سرّي تك مؤمناً ) فكانت أمي وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألنني عن سِرّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا أخبرهم به ، وما أنا مخبر بسرِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحداً أبداً


الطيب
دخل الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- على أنس بن مالك فقال عنده ( من القيلولة ) فعرق ، فجاءت أمه بقارورة فجعلت تُسْلِتُ العرقَ فيها ، فاستيقظ النبـي -صلى الله عليه وسلم- بها ، فقال :( يا أم سُلَيْم ، ما هذا الذي تصنعين ؟)قالت :( هذا عَرَقُك نجعله في طيبنا ، وهو من أطيب الطيب من ريح رسول الله -صلى الله عليه وسلم -)وقد قال أنس :( ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً أطيبَ ولا مسسْتُ شيئاً قط ديباجاً ولا خزّاً ولا حريراً ألين مسّاً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-


الغزو
خرج أنس مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الى بدر وهو غلام يخدمه ، وقد سأل اسحاق بن عثمان موسى بن أنس :( كم غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟) قال :( سبع وعشرون غزوة ، ثمان غزوات يغيب فيها الأشهر ، وتسع عشرة يغيب فيها الأيام ) فقال :( كم غزا أنس بن مالك ؟) قال :( ثمان غزوات )


الحديث عن الرسول
كان أنس -رضي الله عنه- قليل الحديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فكان إذا حدّث يقول حين يفرغ : أو كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وقد حدّث مرة بحديثٍ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رجلٍ :( أنت سمعته من رسول الله ؟) فغضب غضباً شديداً وقال :( والله ما كلُّ ما نحدِّثكم سمعناه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن كان يحدِّث بعضنا بعضاً ، ولا نتّهِمُ بعضنا )

قال أبو غالب :( لم أرَ أحداً كان أضنَّ بكلامه من أنس بن مالك )


الوَضَح
وكان أنس -رضي اللـه عنه- ابتلي بالوَضَح ، قال أحمد بن صالح العِجْلي :( لم يُبْتَلَ أحد من أصحاب رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- إلا رجلين : مُعَيْقيب كان به هذا الداء الجُذام ، وأنس بن مالك كان به وَضَحٌ )


الرمي
كان أنس بن مالك أحد الرماة المصيبين ، ويأمر ولده أن يرموا بين يديه ، وربّما رمى معهم فيغلبهم بكثرة إصابته


البحرين
لمّا استخلف أبو بكر الصديق بعث الى أنس بن مالك ليوجهه الى البحرين على السعاية ، فدخل عليه عمر فقال له أبو بكر :( إني أردت أن أبعث هذا الى البحرين وهو فتى شاب )فقال له عمر :( ابعثه فإنه لبيبٌ كاتبٌ )


عِلْمه
لمّا مات أنس -رضي الله عنه- قال مؤرق العجلي :( ذهب اليوم نصف العِلْم )000فقيل له :( وكيف ذاك يا أبا المُغيرة ؟)قال :( كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلنا له : تعالَ الى مَنْ سمعَهُ منه ) يعني أنس بن مالك

قال أنس بن مالك لبنيه :( يا بنيَّ قَيّدوا العلمَ بالكتاب )


فضله
دخل ثابـت البُنَاني على أنس بن مالك -رضي اللـه عنه- فقال :( رأتْ عيْناك رسـول اللـه -صلى الله عليه وسلم- ؟!) فقال :( نعم )000فقبّلهما ثم قال :( فمشت رجلاك في حوائج رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- ؟!) فقال :( نعم ) فقبّلهما ثم قال :( فصببتَ الماء بيديك ؟!) قال :( نعم ) فقبّلهما ثم قال له أنس :( يا ثابت ، صببتُ الماءَ بيدي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لوضوئه فقال لي :( يا غلام أسْبِغِ الوضوءَ يزدْ في عمرك ، وأفشِ السلام تكثر حسناتك ، وأكثر من قراءة القرآن تجيءْ يوم القيامة معي كهاتين )000وقال بأصبعيه هكذا السبابة والوسطى )


الصلاة
لقد قدم أنس بن مالك دمشق في عهد معاوية ، والوليد بن عبد الملك حين استخلف سنة ست وثمانين ، وفي أحد الأيام دخل الزهري عليه في دمشق وهو وحده ، فوجده يبكي فقال له :( ما يبكيك ؟) فقال :( ما أعرف شيئاً مما أدركنا إلا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قد ضُيّعت ) بسبب تأخيرها من الولاة عن أول وقتها000


الأرض
قال ثابت :( كنت مع أنس فجاءه قَهْرمانُهُ -القائم بأموره- فقال :( يا أبا حمزة عطشت أرضنا )فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية ، فصلى ركعتين ثم دَعا ، فرأيت السحاب يلتئم ، ثم أمطرت حتى ملأت كلّ شيءٍ ، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال :( انظر أين بلغت السماء )فنظر فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرا )


وفاته
توفي -رضي الله عنه- في البصرة ، فكان آخر من مات في البصرة من الصحابة ، وكان ذلك على الأرجح سنة ( 93 هـ ) وقد تجاوز المئة ودُفِنَ على فرسخين من البصرة ، قال ثابـت البُنانـي :( قال لي أنس بن مالك : هذه شعرةٌ من شعر رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- فضعها تحت لساني ) قال :( فوضعتها تحت لسانه ، فدُفن وهي تحت لسانه )

كما أنه كان عنده عُصَيَّة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمات فدُفنت معه بين جيبه وبين قميصه ، وقال أنس بن سيرين :( شهدت أنس بن مالك وحضره الموت فجعل يقول : لقِّنُوني لا إله إلا الله ، فلم يزل يقولوها حتى قُبِضَ )

الجوري
18-08-2009, 09:29 PM
السلام عليكم جميعاً وددت لو ضعتو عن سيرة الصحابيات فلهن حقاً علينا

وقد يكون الكثير منهن منسيات رغم أن التاريخ قد سطر سيرهن العطرة المليئة بالتضحية والبطولات ولنا فيهن قدوة حسنه

وهذا مجرد أقتراح لتعم الفائدة أكثر

نايف الشريف
18-08-2009, 11:03 PM
أويس القرني

الصحابي رقم ( 8 )


هو : أويس ابن عامر بن جزء بن مالك بن عمرو بن سعيد القرني ، من بني قرن بن ردمان أبن ناجية بن مراد ، أحد سادة التابعين ، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، سكن الكوفه ، واستشهد في صفين .

حج بالناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سنة ثلاث وعشرين ، قبيل استشهاده بأيام ، وكان شغله الشاغل في حجه ، البحث عن رجل من رعيته من التابعين يريد مقابلته ، وصعد عمر رضي الله عنه جبل أبا قبيس وأطل على الحجيج ، ونادى بأعلى صوته : يا أهل الحجيج من أهل اليمن ، أفيكم أويس من مراد ؟
فقام شيخ طويل اللحية من قرن ، فقال : يا أمير المؤمنين إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا ، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لي يقال له أويس ، فأنا عمه ، وهو حقير بين أظهرنا ، خامل الذكر ، وأقل مالا ، وأوهن أمرا من أن يرفع إليك ذكره .
فسكت عمر كأنه لايريده ثم قال : ياشيخ وأين ابن أخيك هذا الذي تزعم ؟
أهو معنا بالحرم ؟ قال الشيخ : نعم يا أمير المؤمنين ، هو معنا في الحرم ، غير أنه في أراك عرفة يرعى إبلا لنا .
فركب عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، على حمارين لهما ، وخرجا من مكة ، وأسرعا إلى أراك عرفة ، ثم جعلا يتخللان الشجر ، ويطلبانه ، فإذا هما به في طمرين من صوف أبيض ، قد صف صف قدميه يصلي إلى الشجرة ، وقد رمى ببصره إلى موضع سجوده ، وألقى يديه على صدره ، والإبل حوله ترعى ، قال عمر لعلي رضي الله عنهما : يا أبا الحسن إن كان في الدنيا أويس القرني فهذا هو ، وهذه صفاته ، ثم نزلا عن حماريهما وشدا بهما إلى أراكه ، ثم أقبلا يريدانه .
فلما سمع أويس حسهما ، أوجز في صلاته ، ثم تشهد وسلم ، وتقدما إليه فقالا له : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فقال : عمر رضي الله عنه من الرجل؟ قال راعي إبل وأجير فقال عمر رضي الله عنه ليس عن الرعاية أسألك ، ولا عن الإجارة ، إنما أسألك عن اسمك ، فمن أنت يرحمك الله ؟ فقال أنا عبدالله وابن امته ، فقالا : قد علمنا أن كل من في السموات والأرض عبيدا لله ، وإنا لنقسم عليك إلا أخبرتنا باسمك الذي سمتك به أمك ، قال : ياهذان ما تريدان إلي ؟ أنا أويس بن عبدالله فقال:عمر رضي الله عنه : الله اكبر ، يجب أن توضح عن شقك الأيسر ، قال:وما حاجتكما إلى ذلك ؟ فقال : علي رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفك لنا ، وقد وجدنا الصفة كما خبرنا ، غير أنه أعلمنا أن بشقك الأيسر لمعة بيضاء كمقدار الدينار أو الدرهم ، ونحن نحب أن ننظر إلى ذلك ، فأوضح لهما عن شقه الأيسر .
فلما نظر علي وعمررضي الله عنهما ، إلى اللمعة البيضاء ابتدرا أيهما يقبل قبل صاحبه ، وقالا يا أونيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقرئك منه السلام ، وأمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا ، فإن رأيت أن تستغفر لنا ، يرحمك الله ، فقد خبرنا بأنك سيد التابعين ، وأنك تشفع يوم القيامة في عدد ربيعة ومضر ، فبكى بكاء شديدا ، ثم قال: عسى أن يكون ذلك غيري ، فقال علي رضي الله عنه ، إنا قد تيقنا أنك هو ، لا شك في ذلك ، فادع الله لنا رحمك الله بدعوة وأنت محسن ، فقال:أويس ما أخص باستغفار نفسي ، ولا أحد من ولد آدم ، ولكنه في البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات في ظلم الليل ، وضياء النهار ، ولكن من أنتما يرحمكما الله ؟ فإني قد خبرتكما وشهرت لكما أمري ، ولم أحب أن يعلم بمكاني أحد من الناس ، فقال علي رضي الله عنه : أما هذا فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وأما أنا فعلي بن أبي طالب ، فوثب أويس فرحا مستبشرا فعانقهما ، وقال: جزاكما الله عن هذه الأمة خيرا ، قالا وأنت جزاك الله عن نفسك خيرا ، ثم قال: أويس ومثلي يستغفر لأمثالكما ؟ فقالا: نعم إنا قد احتجنا إلى ذلك منك ، فخصنا رحمك الله بدعوة حتى نؤمن على دعائك ، فرفع أويس رأسه ، وقال: اللهم إن هذان يذكران أنهما يحباني فيك ، وقد رأوني فاغفر لهما ، وأدخلهما في شفاعة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال: عمر رضي الله عنه ، مكانك رحمك الله ، حتى أدخل مكة فأتيك بنفقة من عطائي ، وفضل كسوة من ثيابي ، فإني أراك رث الحال ، هذا المكان الميعاد بيني وبينك غدا ، فقال: يا أمير المؤمنين ، لا ميعاد بيني وبينك ، ولا أعرفك بعد اليوم ولا تعرفني ، ما أصنع بالنفقة ؟ وما أصنع بالكسوة ؟ أما ترى علي إزارا وردا من صوف ! متى أراني أخلفهما ؟ أما ترى نعلي مخصوفتين ، متى تراني أبليهما ؟ ومعي أربعة دراهم أخذت من رعايتي متى تراني آكلها ؟
يا أمير المؤمنين إن بين يدي عقبة لا يقطعها إلا كل مخف مهزول ، فأخف يرحمك الله يا أبا حفص ، إن الدنيا غرارة غدارة زائلة فانية ، فمن أمسى وهمته فيها اليوم مد عنقه إلى غد ، ومن مد عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجمعة ، ومن أعلق قلب بالجمعه لم ييأس من الشهر ، ويوشك أم يطلب السنة ، وآجله أقرب إليه من أمله ، زمن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غدا من مجاورة الجبار ، وجرت من تحت منازله الثمار .
فما سمع عمر رضي الله عنه ، كلامه ضرب بدرته الأرض ، ثم نادى بأعلى صوته ألا ليت عمر لم تلده أمه ، ليتها عاقر لم تعالج حملها ، ألا من يأخذها بما فيها ولها ؟
فقال:أويس يا أمير المؤمنين خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا ها هنا ، ومضى أويس يسوق الإبل بين يديه ، وعمر وعلي رضي الله عنهما ، ينظران إليه حتى غاب ، وولى عمر وعلي رضي الله عنهما نحو مكة .

وحديث فضل أويس القرني ثابت في صحيح مسلم وغيره وقد أفرد الإمام مسلم في صحيحه ، باباً من فضائل أويس القرني رضي الله عنه .

هذه مشاركة من الأخ عبدالعزيز سعيد


أويس القرني رضي الله عنه
أويس بن عامر بن عمرو القرني اليمني العابد ، من الأتقياء الصالحين ،
ذكر أن عمر طلب منه أن يستغفر له ففطن له الناس فهام على وجهه ، ونزل الكوفة ، توفي في صفين مع علي رضي الله عنه .
أخرج الحاكم فى المستدرك عن العباس بن محمدالدوري قال : سمعت يحيى بن معين يقول : قتل أويس القرني بين يدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوم صفين .



وعند مسلم عن أسير بن جابرأن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس فقال عمر هل هاهنا أحد من القرنيين فجاء ذلك الرجل فقال عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم "
وعن عمر بن الخطاب قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم .
راجع مسلم فى كتاب الفضائل باب فضائل أويس القرنى
وعند أحمد فى المسند عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال :
" نادى رجل من أهل الشام يوم صفين أفيكم أويس القرني قالوا نعم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من خير التابعين أويسا القرني " .
وعند الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : لما كان يوم صفين نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب علي : أفيكم أويس القرني ؟ قالوا : نعم ، فضرب دابته حتى دخل معهم ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « خير التابعين أويس القرني »
وعن الأصبغ بن نباتة قال : شهدت عليا رضي الله عنه يوم صفين وهو يقول : « من يبايعني على الموت ؟ » أو قال : « على القتال ؟ » فبايعه تسع وتسعون ، قال : فقال : « أين التمام ؟ أين الذي وعدت به ؟ » قال : فجاء رجل عليه أطمار صوف محلوق الرأس ، فبايعه على الموت والقتل ، قال : فقيل : هذا أويس القرني ، فما زال يحارب بين يديه حتى قتل رضي الله عنه .


وعند ابن أبى شيبة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل ربيعة ومضر " ، قال : حدثني حوشب : قال : فقلنا للحسن : هل سمى لكم ؟ قال : نعم أويس القرني.
وعند الحاكم عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ، ومضر » قال هشام : فأخبرني حوشب عن الحسن ، أنه أويس القرني قال أبو بكر بن عياش : فقلت لرجل من قومه أويس : « بأي شيء بلغ هذا ؟ » قال : فضل الله يؤتيه من يشاء


وعن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" سيقدم عليكم رجل يقال له أويس كان به بياض ،
فدعا الله له فأذهبه الله ، فمن لقيه منكم فمرره فليستغفر له " ، قال : فلقيه عمر فقال : استغفر لي ، فاستغفر له.
وأخرج ابن عساكر عن أويس القرني رضي الله عنه قال : لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان .
وقد حكي عن أويس القرني وهرم بن حيان أنهما التقيا يوماً ، فقال هرم لأويس : ادعُ الله . فقال : يصلح لك نيتك وقلبك فلن تعالج شيئاً أشد منهما ، بينما قلبك مقبل إذ هو مدبر ، وبينما هو مدبر إذ هو مقبل ، ولا تنظر إلى صغير الخطيئة ، وانظر إلى عظمة من عصيت ، فإنك إن عظمتها فقد عظمت الله تعالى ، وإن صغرتها فقد صغرت الله تعالى .
وكان أويس القرنى يقتات من المزابل ويكتسى منها فنبحه يوما كلب على مزبلة فال له أويس كل مما يليك وأنا آكل مما يلينى ولا تنبحنى فان جزت الصراط فانا خير منك والا فانت خير منى .
وهذا تفسيرا لقول الله عز وجل : "إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) " سورة البينة
والكلب داخل فى البرية وهذا كلام أهل الخشية من الله عز وجل ومقام الإنصاف فإن أهل الحق لا يرون لأنفسهم فضلا .
وعن أبى الأحوص قال : حدثني صاحب لنا قال : جاء رجل من مراد إلى أويس القرني ، فقال : السلام عليكم ، قال : « وعليكم » ، قال : كيف أنتم يا أويس ؟ قال : « الحمد لله » ، قال : كيف الزمان عليكم ؟ قال : « لا تسأل الرجل إذا أمسى لم ير أنه يصبح ، وإذا أصبح لم ير أنه يمسي يا أخا مراد ، إن الموت لم يبق لمؤمن فرحا ، يا أخا مراد ، إن عرفان المؤمن بحقوق الله لم تبق له فضة ولا ذهبا ، يا أخا مراد ، إن قيام المؤمن بأمر الله لم يبق له صديقا ، والله إنا لنأمرهم بالمعروف ، وننهاهم عن المنكر ، فيتخذوننا أعداء ، ويجدون على ذلك من الفاسقين أعوانا حتى والله لقد يقذفوننا بالعظائم ، ووالله لا يمنعني ذلك أن أقول بالحق »


وقيل : أنه رضي الله عنه كان إذا أصبح أو أمسى تصدق بما فى بيته من الفضل من الطعام والثياب ثم يقول اللهم من مات جزعا فلا تؤاخذنى به ومن مات عريانا فلا تؤاخذنى به .
وكان دائما يقول : كن فى أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم .
ومن أقواله رضى الله عنه : أُفٍّ لقلوب قد خالطها الشك فما تنفعها العظة .
وإليك حديث هرم بن حيان قال : « قدمت الكوفة فلم يكن لي بها هم إلا أويس القرني أطلبه وأسأل عنه ، حتى سقطت عليه جالسا وحده على شاطئ الفرات نصف النهار ، يتوضأ ويغسل ثوبه ، فعرفته بالنعت ، فإذا رجل لحم ، أدم ، شديد الأدمة ، أشعر ، محلوق الرأس - يعني ليس له جمة - كث اللحية ، عليه إزار من صوف ، ورداء من صوف ، بغير حذاء ، كبير الوجه ، مهيب المنظر جدا ، فسلمت عليه ، فرد علي ونظر إلي ، فقال : حياك الله من رجل ؟ فمددت يدي إليه لأصافحه ، فأبى أن يصافحني ، وقال : وأنت فحياك الله ، فقلت : رحمك الله يا أويس وغفر لك ، كيف أنت رحمك الله ؟ ثم خنقتني الغيرة من حبي إياه ، ورقتي له لما رأيت من حاله ، ما رأيت حتى بكيت وبكى ، ثم قال : وأنت فرحمك الله يا هرم بن حيان كيف أنت يا أخي ؟ من دلك علي ؟ قلت : الله ، قال : لا إله إلا الله سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا حين سماني والله ما كنت رأيته قط ، ولا رآني ، ثم قلت : من أين عرفتني ، وعرفت اسمي ، واسم أبي ، فوالله ما كنت رأيتك قط قبل هذا اليوم ، قال : نبأني العليم الخبير ، عرفت روحي روحك حيث كلمت نفسي نفسك ، أن الأرواح لها أنفس كأنفس الأحياء ، إن المؤمنين يعرف بعضهم بعضا ، ويتحدثون بروح الله ، وإن لم يلتقوا ، وإن لم يتكلموا ويتعارفوا ، وإن نأت بهم الديار ، وتفرقت بهم المنازل ، قال : قلت ، حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث أحفظه عنك ، قال : إني لم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن لي معه صحبة ، ولقد رأيت رجالا قد رأوه ، وقد بلغني من حديثه كما بلغكم ، ولست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي أن أكون محدثا أو قاضيا ومفتيا ، في النفس شغل يا هرم بن حيان ، قال : فقلت : يا أخي ، اقرأ علي آيات من كتاب الله أسمعهن منك ، فإني أحبك في الله حبا شديدا ، وادع بدعوات ، وأوص بوصية أحفظها عنك ، قال : فأخذ بيدي على شاطئ الفرات وقال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، قال : فشهق شهقة ، ثم بكى مكانه ، ثم قال : قال ربي تعالى ذكره ، وأحق القول قوله ، وأصدق الحديث حديثه ، وأحسن الكلام كلامه :
" وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق " حتى بلغ
" إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم "، ثم شهق شهقة ، ثم سكت فنظرت إليه ، وأنا أحسبه قد غشي عليه ، ثم قال : يا هرم بن حيان مات أبوك ، وأوشك أن تموت ، ومات أبو حيان ، فإما إلى الجنة وإما إلى النار ، ومات آدم ، وماتت حواء يا ابن حيان ، ومات نوح وإبراهيم خليل الرحمن ، يا ابن حيان ، ومات موسى نجي الرحمن ، يا ابن حيان ، ومات داود خليفة الرحمن ، يا ابن حيان ، ومات محمد رسول الرحمن ، ومات أبو بكر خليفة المسلمين ، يا ابن حيان ، ومات أخي وصفيي وصديقي عمر بن الخطاب ، ثم قال : واعمراه رحم الله عمر ، وعمر يومئذ حي ، وذلك في آخر خلافته ، قال : فقلت له : رحمك الله ، إن عمر بن الخطاب بعد حي ، قال : بلى ، إن تفهم فقد علمت ما قلت أنا ، وأنت في الموتى ، وكان قد كان ، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعا بدعوات خفاف ، ثم قال : هذه وصيتي إليك يا هرم بن حيان ، كتاب الله ، واللقاء بالصالحين من المسلمين ، والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقد نعيت على نفسي ، ونعيتك فعليك بذكر الموت ، فلا يفارقن عليك طرفة وأنذر قومك إذا رجعت إليهم ، وانصح أهل ملتك جميعا ، واكدح لنفسك وإياك إياك أن تفارق الجماعة فتفارق دينك ، وأنت لا تعلم فتدخل النار يوم القيامة ، قال : ثم قال : اللهم إن هذا يزعم أنه يحبني فيك ، وزارني من أجلك ، اللهم عرفني وجهه في الجنة ، وأدخله علي زائرا في دارك دار السلام ، واحفظه ما دام في الدنيا حيث ما كان ، وضم عليه ضيعته ورضه من الدنيا باليسير ، وما أعطيته من الدنيا فيسره له ، واجعله لما تعطيه من نعمتك من الشاكرين ، واجزه خير الجزاء ، استودعتك الله يا هرم بن حيان ، والسلام عليك ورحمة الله ، ثم قال لي : لا أراك بعد اليوم رحمك الله ، فإني أكره الشهرة ، والوحدة أحب إلي لأني شديد الغم ، كثير الهم ، ما دمت مع هؤلاء الناس حيا في الدنيا ، ولا تسأل عني ، ولا تطلبني ، واعلم أنك مني على بال ، ولم أرك ، ولم ترني ، فاذكرني وادع لي ، فإني سأذكرك وأدعو لك إن شاء الله تعالى ، انطلق ها هنا حتى أخذ ها هنا ، قال : فحرصت على أن أسير معه ساعة فأبى علي ، ففارقته يبكي وأبكي ، قال : فجعلت أنظر في قفاه حتى دخل في بعض السكك ، فكم طلبته بعد ذلك ، وسألت عنه ، فما وجدت أحدا يخبرني عنه بشيء ، فرحمه الله ، وغفر له " .
وذكر أحمد فى كتاب الزهد : عن محارب بن دثار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من أمتي من لا يستطيع أن يأتي مسجده أو مصلاه من العري ، يحجزه إيمانه أن يسأل الناس ، منهم أويس القرني وفرات بن حيان العجلي »

ا.حنان
19-08-2009, 09:50 PM
قرأت قصة عم الرسول صلى الله عليه وسلم [ حمزة بن عبدالمطلب ] ,,,
مؤثرة جداً ...


وكًل الشكر لك أخي الاستاذ ( نايف ) وأختي الغالية ( فاطمة ),,


مُلاحظة :
كل قصة تحتآج إلى 3 أيآم على الأقل ليتسنى للجميع قراءتها , وكمآ فهمت يُفترض أن يكون الموضوع أخي نآيف مُشاركة الجميع في نفس الصحابي وعدم الإنتقال إلأ بعد الإنتهآء من حيآته ...وياحبذا بأن يكون هناك تعليق لكل من يحضر القصة وإبداء الرأي ,, لتعم الفائدة بشكل أكبر ..

وفقكم الله , ونفع بكم الأمة .

نايف الشريف
20-08-2009, 04:22 AM
أستاذة / حنان اشكرك على هذا

كان ذلك ما نبغي ، ونظراً في البداية لقلة عدد المساهمين اضطررنا إلى أن يكون بهذا الشكل ، ونحن معك في أن يشارك الجميع ، بما يعرفونه عن أي صحابي ، ويكون هناك شي من التعليق ،ووفقك الله في ذلك .
والله يجزي خيرا كل من يشارك .
وكل عام وأنتم بخير

اللهم بلغنا رمضان ، بأحسن ما نكون ، وأعنا على صيامه ، وقيامه ..........
اللهم آمين .................................

فاطمة الشمري
24-08-2009, 04:50 AM
الصحابي رقم ( 9 )

معاذ بن جبل


هو أبو عبد الرحمن، معاذ بن جبل بن عمرو لأنصاري الخزرجي، كان طويلا حسن الشعر عظيم العينين، أبيض براق الثنايا لم يولد له قط.، شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا إلى الجند من اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم.

وقال أبو نعيم في الحلية: إمام الفقهاء وكنز العلماء، شهد العقبة وبدرا والمشاهد، وكان من أفضل شباب الأنصار حلما وحياء وسخاء، وكان جميلا وسيما.. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر والزهري عن بن كعب بن مالك: كان معاذ شابا جميلا سمحا، لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه.


إسلامه:

أسلم معاذ رضي الله عنه وهو ابن ثمان عشرة سنة، وخرج إلى اليمن بعد أن غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك وهو ابن ثمان وعشرين سنة.


كان من قراء الصحابة:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل.

وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام:

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرحم أمتى بأمتى أبو بكر، وأشدهم في الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذة الأمة أبو عبيدة بن الجراح.


وعن فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال بن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن إنما قال الله عز وجل: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله.. الآية، قال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ فقلت: الله أعلم، قال: الأمة الذي يُعلّم الخير، والقانت المطيع لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان معاذ بن جبل، كان مُعلّم الخير وكان مطيعا لله ولرسوله r

عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: كان معاذ بن جبل رضي الله عنه شابا حليما سمحا، من أفضل شباب قومه، ولم يكن يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين.. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم غرماؤه، فلو تركوا أحدا من أجل أحد لتركوا معاذ من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى قام معاذ بغير شيء.

ومن مناقبه:


1) شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم له بالصلاح:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، وبئس الرجل حتى عد سبعة.


يحادث الشيطان ويعترك معه:

عن أبي الأسود الديلي قال: قلت لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: حدثني عن قصة الشيطان حين أخذته، فقال: جعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقة المسلمين، فجعلت الثمر في غرفة فوجدت فيه نقصانا، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا الشيطان يأخذه، قال: فدخلت الغرفة فأغلقت الباب عليّ، فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب، ثم تصور في صورة فيل ثم تصور في صورة أخرى فدخل من شق الباب، فشددت إزاري عليّ، فجعل يأكل من التمر.

قال: فوثبت إليه فضبطته فالتقت يداي عليه، فقلت: ياعدو الله، فقال: خل عني فإني كبير ذو عيال كثير، وأنا فقير وأنا من جن نصيبين، وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم فلما بعث أخرجنا عنها، فخل عني فلن أعود إليك فخليت عنه.

وجاء جبريل عليه السلام فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فنادى مناديه: أين معاذ بن جبل؟ فقمت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك يا معاذ؟ فأخبرته فقال: أما أنه سيعود فعاد.

قال: فدخلت الغرفة وأغلقت عليّ الباب، فدخل من شق الباب فجعل يأكل من التمر، فصنعت به كما صنعت في المرة الأولى، فقال: خل عني فإني لن أعود إليك، فقلت: يا عدو الله، ألم تقل لا أعود؟ قال: فإني لن أعود، وآية ذلك على أن لا يقرأ أحد منكم خاتمة البقرة، فدخل أحد منا في بيته تلك الليلة.

عن بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.


عن الصنابحي عن معاذ بن جبل أنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بيدي فقال لي: يا معاذ، والله إني لأحبك، فقلت: بأبي أنت وأمي والله إني لأحبك.

قال: يا معاذ، إني أوصيك: لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأوصى بذلك معاذ الصنابحي، وأوصى به الصنابحي أبا عبد الرحمن الحبلي، وأوصى به أبو عبد الرحمن عقبة بن مسلم.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال: يا نبي الله أوصني، قال: اعبد الله لا تشرك به شيئا، قال: يا نبي الله، زدني، قال: إذا أسأت فأحسن، قال: يا رسول الله، زدني، قال: استقم وليحسن خلقك.

عن أبي وائل عن معاذ بن جبل قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله، ألا تخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت، ثم قال:أدلك على أبواب الخير:

الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم قرأ: [تتجافى جنوبهم عن المضاجع - حتى - جزاء بما كانوا يعملون] ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروه سنامه؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال:

رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: اكفف عليك هذا، فقلت: يا رسول الله، أوإنا لمأخوذون بما نتكلم؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟!!


عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.

فائدة:

هذا الحديث فيه الكثير والكثير مما يتعلق بفقه الأولويات في الدعوة وتقديم النصح والتربية والإرشاد، ويا حبذا لو أخذ به الدعاة وسلكوا طريق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوتهم، حتى وإن كان مثل هذا مع المسلمين أنفسهم؛ فيبدأون تدريجيا على غرار ما جاء في هذا الحديث الشريف، مع الوضع في الحسبان البيئة أو المكان، ومستوى الناس فيما يدعونهم إليه، وأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب.

وإذا كان قد قدمت الشهادتين على الصلاة في هذا الحديث وقدمت الصلاة على الزكاة، ورتب ذلك كله على بعضه بالفاء، فلا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة مثلا إسقاط الزكاة.

وقد قيل: " الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقر بالتوحيد ويجحد الصلاة يكفر بذلك فيصير ماله فيئا؛ فلا تنفعه الزكاة.. وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة ".

من شرح الحديث من فتح الباري:


مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ـ عن أبي سفيان حدثني أشياخ منا قالوا: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حُبلى، فشاور عمر رضي الله عنه ناسا في رجمها، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع، فتركها فولدت غلاما قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه فيه فقال: ابني ورب الكعبة، فقال عمر رضي الله عنه: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر. وهذا إن ثبت ففيه دلالة على أن الحمل يبقى أكثر من سنتين وقول عمر رضي الله عنه في امرأة المفقود تربص أربع سنين يشبه أن يكون إنما قاله لبقاء الحمل أربع سنين والله أعلم

عن عطاء بن أبي رباح عن أبي مسلم الخولاني قال: قلت لمعاذ بن جبل: والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك، قال: فلأي شيء؟ قلت: لله، قال:

فجذب حبوتي ثم قال: أبشر إن كنت صادقا؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء.

ثم قال {أبو مسلم}: فخرجت فأتيت عبادة بن الصامت فحدثته بحديث معاذ فقال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن ربه تبارك وتعالى:

حقت محبتي على المتحابين في، وحقت محبتي على المتناصحين في، وحقت محبتي على المتزاورين في، وحقت محبتي على المتباذلين في، وهم على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون بمكانهم.


عن معاذ بن جبل قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت معه ألتمسه أسأل كل من مررت به فيقول: مر قبل، حتى مررت فوجدته يصلي فانتظرته حتى انصرف وقد أطال الصلاة، فقلت: لقد رأيتك طولت تطويلا ما رأيتك صليتها هكذا، قال: إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي غرقا فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يلقي بأسهم بينهم فرد علي.

عن مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم، ورفع أصواتكم وسل سيوفكم، وبيعكم وشراءكم، وإقامة حدودكم وخصومتكم، وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا مطاهركم على أبوابها.

قربه من الرسول صلى الله عليه وسلم:

لزم معاذ بن جبل النبي -صلى الله عليه وسلم- منذ هجرته الى المدينة فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الاسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحسبه شهادة له قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( استقرئـوا القرآن من أربعـة: ( من ابن مسعـود وسالم مولى أبي حذيفـة وأبي ومعاذ بن جبل ) وقوله - صلى الله عليه وسلم-: ( وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل)
قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( يا مُعاذ، والله إني لأُحِبّك فلا تنْسَ أن تقول في عَقِب كل صلاة: اللهم أعِنّي على ذِكْرك وشكرك وحُسْن عبادتك ) ولقد حَـذِق معاذ الدرس وأجاد التطبيـق فقد لقيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذات صباح فسأله: ( كيف أصبحت يا معاذ؟) قال: ( أصبحت مؤمنا حقّا يا رسول الله ) قال النبي: ( إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟) قال معاذ: ( ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمْسي، ولا أمْسَيت مساء إلا ظننت أني لا أُصْبح، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتْبِعُها غيره، وكأني أنظر الى كل أمّة جاثية تُدْعى الى كتابه، وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنَعَّمون، وأهل النار في النار يُعَذّبون ) فقال له الرسول: ( عرفتَ فالزم)

إرساله الى اليمن:

وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ مع رسل ملوك اليمن يعلم الناس دينهم وأوصاه بأمور عدة
فقد سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بما تحكم يا معاذ؟) قال معاذ: ( بكتاب الله )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( فان لم تجد؟) قال معاذ: ( بسنة رسول الله )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( فان لم تجد؟) قال معاذ: ( أجتهد رأي ولا آلو )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله

فضله:

لقد كان عمـر بن الخطـاب -رضي اللـه عنه- يستشيـره كثيرا وكان يقول في بعـض المواطـن التي يستعيـن فيها برأي مُعاذ وفقهـه: ( لولا معاذ بن جبـل لهلك عمـر
ولقد أجاد ابـن مسعـود وصفه حيـن قال: ( إن معـاذاً كان أمِّـةً قانتـاً للـهِ حَنيف، ولقد كنّـا نُشَبِّـه معاذا بإبراهيـم عليـه السـلام
دخل ( عائذ الله بن عبد الله ) المسجد يوما مع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول خلافة عمر فيحدثنا ويقول: ( فجلست مجلسا فيه بضعٌ وثلاثون كلهم يَذْكرون حديثا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي الحلقة شاب شديد الأُدْمَة حلو المنطق وضيء، وهو أشَبُّ القوم سِنّ، فإذا اشتبـه عليهم من الحديـث شيء رَدّوه إليه فَأفْتاهم، ولا يحدثهم إلا حين يسألونه، ولما قُضيَ مجلسهم دَنَـوْتُ منه وسَألْتُه: ( من أنت يا عبد الله؟)قال: ( أنا معاذ بن جبل )
ويقول ( أبو مسلم الخولاني ): (دخلت مسجد حمص فإذا جماعة من الكهول يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا صامت لا يتكلم، فإذا امْتَرَى القوم في شيء تَوَجَّهوا إليه يسألونه، فقلت لجليس لي: ( من هذ؟) قال: ( مُعاذ بن جبل ) فوقع في نفسي حُبُّه )
كما قال ( شهر بن حَوْشَب ) : ( كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل، نظروا إليه هيبة له

حُبّ العلم:

وكان يرى العلم معرفة وعملا فيقول: ( تعلموا ماشئتـم أن تتعلمو، فلن ينفعـكم الله بالعلم حتى تعْمَلوا )وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضارا دائما لعظمته ومراجعة دائمة لسلوك النفس، يقول الأسود بن هلال: ( كُنّا نمشي مع مُعاذ، فقال لن: اجلسوا بنا نُؤْمِنْ ساعة )

طهارته:

مات الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعاذ بن جبل في اليمن، وفي خلافة أبي بكر رجِع معاذ الى اليمن، وكان عمر بن الخطاب قد علِمَ أن معاذاً أثرى فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله، ولم ينتظر عمر بل نهض مسرعا الى معاذ وأخبره، وقد كان معاذ -رضي الله عنه- طاهر الكف والذمّة، ولئن كان قد أثرى فإنه لم يكتسب إثما ومن ثم فقد رفض عرض عمر وناقشه رأيه، وتركه عمر وانصرف، وفي الغداة سارع معاذ الى عمر يلقاه ولا يكاد يراه حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول: ( لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حَوْمَة ماء، أخشى على نفسي الغرق، حتى جئت فخلصتني يا عمر )وذهبا معا الى أبي بكر وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله فقال أبو بكر: ( لا آخذ منك شيئاً )فنظر عمر الى معاذ وقال له: ( الآن حَلَّ وطاب )فما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درهما واحد، لو علم أنه أخذه بغير حق

أمانته وورعه:

كما أرسله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بواجبه خير قيام وعاد الى زوجـه بحلسه (ما يوضع على ظهر الدابة) الذي خرج به فقاـلت له امرأته: ( أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهـم؟) فقال معاذ: ( لقد كان معي رقيب يقظ يحصي علي )فقالت امرأته: ( لقد كنت أمينا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك )وشاعت ذلك عند نساء عمر وشكته لهن فبلغ عمر فأرسل الى معاذ وسأله: (أنا أرسلت معك رقيبا)فقال: ( يا أمير المؤمنين لم أجد ما اعتذر به الا هذا وقصدت بالرقيب الله عزوجل )فأعطاه عمر شيئا وقال: ( أرضها به)


معلما ثم واليا للشام:

وفي خلافة عمر -رضي الله عنه- أرسل اليه واليه على الشام يقول: ( يا أمير المؤمنين ان أهل الشام قد كثروا وملأوا المدائن واحتاجوا الى من يعلمهم القرآن،ويفقههم في الدين، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم)فأرسل اليه عمر من يعلمهم وكان أحدهم معاذ بن جبل -رضي الله عنه-فلما مات أمير الشام ( أبو عبيدة ) استخلفه أمير المؤمنين على الشام، ولم يمضِ عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه منيب، وكان عمر بن الخطاب يقول: ( لو اسْتَخْلفْت معاذ بن جبل فسألني ربي: لماذا استخلفته؟لقلت: سمعت نبيك يقول: إن العلماء إذا حضروا ربهم عزَّ وجل كان معاذ بين أيديهم )وهذا رأيه على خلافة المسلمين جميعا

نبذة من مواعظه وكلامه:


عن أبي إدريس الخولاني أن معاذ بن جبل قال إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر والأسود فيوشك قائل أن يقول ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره إياكم وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول علي في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه فلا يثنكم فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون.


وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني، قال وهل أنت مطيعي قال: إني على طاعتك لحريص قال: صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم.


وعن معاوية بن قرة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا بني، إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن أنك تعود إليها أبدًا واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة أخرها. وعن أبي إدريس الخولاني قال: قال معاذ: إنك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات. رواهما الإمام أحمد.


ومن أقواله رضي الله عنه:

عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ:

ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.


عن ربيعة بن يزيد قال: قال معاذ بن جبل:

يفتح القرآن على الناس حتى يقرأه المرأة والصبي والرجل، فيقول الرجل: قد قرأت القرآن فلم أتبع، والله لأقومن به فيهم لعلي أتبع، فيقوم به فيهم فلا يتبع فيقول: قد قرأت القرآن فلم أتبع وقد قمت به فيهم فلم أتبع، لأحتظرن في بيتي مسجدا لعلي أتبع، فيحتظر في بيته مسجدا فلا يتبع، فيقول: قد قرأت القرآن فلم أتبع، وقمت به فيهم فلم أتبع، وقد احتظرت في بيتي مسجدا فلم أتبع، والله لآتينهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلي أتبع، قال معاذ: فإياكم وما جاء به؛ فإن ما جاء به ضلالة.


وفاته:

عن يزيد بن عميرة أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قالوا: يا أبا عبد الرحمن، أوصنا، قال: أجلسونى ثم قال: إن العمل والإيمان مظانهما من التمسهما وجدهما، والعلم والإيمان مكانهما من التمسهما وجدهما، فالتمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه عاشر عشرة في الجنة.


ولما وقع الطاعون بالشام قال معاذ: اللهم أدخل على آل معاذ نصيبهم من هذا، فطعنت له امرأتان فماتتا، ثم طعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم طعن معاذ بن جبل فجعل يغشى عليه فإذا أفاق قال: اللهم غمني غمك فوعزتك إنك لتعلم أني أحبك، ثم يغشى عليه فإذا أفاق قال مثل ذلك.

وقال عمرو بن قيس: إن معاذ بن جبل لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ فقيل:لم نصبح، حتى أتي فقيل: أصبحنا، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، مرحبا بالموت مرحبا زائر حبيب جاء على فاقة.

اللهم تعلم أني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمإ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

مات سنة ثمان عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة

في طاعون عمواس، و قبره رضي الله عنه بقصير خالد من عمل دمشق

نايف الشريف
28-08-2009, 12:42 AM
الصحابي رقم ( 10 )

خباب بن الأرت
ولد خباب في قبيلة تميم ، وأسر في مكة ، فاشترته أم أنمار بنت سباع ، وكان صانعا للسيوف ، يبيعها ويأكل من عمل يده ، فلما سمع عن الإسلام أسرع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ليسمع منه عن هذا الدين الجديد ، فشرح الله صدره للإسلام ، ثم أعلن إسلامه ليصبح من أوائل المسلمين .
خرج نفر من القرشيين، يغدّون الخطى، ميممين شطر دار خبّاب ليتسلموا منه سيوفهم التي تعاقدوا معه على صنعها..
وقد كان خباب سيّافا، يصنع السيوف ويبيعها لأهل مكة، ويرسل بها الى الأسواق..
وعلى غير عادة خبّاب الذي لا يكاد يفارق بيته وعمله، لم يجده ذلك النفر من قريش فجلسوا ينتظرونه..
وبعد حين طويل جاء خباب على وجهه علامة استفهام مضيئة، وفي عينيه دموع مغتبطة.. وحيّا ضيوفه وجلس..
وسألوه عجلين: هل أتممت صنع السيوف يا خباب؟؟
وجفت دموع خباب، وحل مكانها في عينيه سرور متألق، وقال وكأنه يناجي نفسه: ان أمره لعجب..
وعاد القوم يسألونه: أي أمر يا رجل..؟؟ نسألك عن سيوفنا، هل أتممت صنعها..؟؟
ويستوعبهم خبّاب بنظراته الشاردة الحالمة ويقول:
هل رأيتموه..؟ هل سمعتم كلامه..؟
وينظر بعضهم لبعض في دهشة وعجب..
ويعود أحدهم فيسأله في خبث:
هل رأيته أنت يا خبّاب..؟؟
ويسخر خبّاب من مكر صاحبه، فيردّ عليه السؤال قائلا:
من تعني..؟
ويجيب الرجل في غيظ: أعني الذي تعنيه..؟
ويجيب خبّاب بعد اذ أراهم أنه أبعد منالا من أن يستدرج، وأنه اعترف بايمانه الآن أمامهم، فليس لأنهم خدعوه عن نفسه، واستدرجوا لسانه، بل لأنه رأى الحق وعانقه، وقرر أن يصدع به ويجهر..
يجيبهم قائلا، وهو هائم في نشوته وغبطة روحه:
أجل... رأيته، وسمعته.. رأيت الحق يتفجر من جوانبه، والنور يتلألأ بين ثناياه..!!
وبدأ عملاؤه القرشيون يفهمون، فصاح به أحدهم:
من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أمّ أنمار..؟؟
وأجاب خبّاب في هدوء :
ومن سواه، يا أخا العرب.. من سواه في قومك، من يتفجر من جوانبه الحق، ويخرج النور بين ثناياه..؟!
وصاح آخر وهبّ مذعورا:
أراك تعني محمدا..
وهز خبّاب رأسه المفعم بالغبطة، وقال:
نعم انه هو رسول الله الينا، ليخرجنا من الظلمات الى االنور..
ولا يدري خبّاب ماذا قال بعد هذه الكلمات، ولا ماذا قيل له..
كل ما يذكره أنه أفاق من غيبوبته بعد ساعات طويلة ليرى زوّاره قد انفضوا.. وجسمه وعظامه تعاني رضوضا وآلاما، ودمه النازف يضمّخ ثوبه وجسده..!!
وحدّقت عيناه الواسعتان فيما حوله.. وكان المكان أضيق من أن يتسع لنظراتهما النافذة، فتحمّل على آلامه، ونهض شطر الفضاء وأمام باب داره وقف متوكئا على جدارها، وانطلقت عيناه الذكيتان في رحلة طويلة تحدّقان في الأفق، وتدوران ذات اليمين وذات الشمال..انهما لا تقفان عند الأبعاد المألوفة للناس.. انهما تبحثان عن البعد المفقود...أجل تبحثان عن البعد المفقود في حياته، وفي حياة الناس الذين معه في مكة، والناس في كل مكان وزمان..
ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من محمد عليه الصلاة والسلام اليوم، هو النور الذي يهدي الى ذلك البعد المفقود في حياة البشر كافة..؟؟
واستغرق خبّاب في تأمّلات سامية، وتفكير عميق.. ثم عاد الى داخل داره.. عاد يضمّد جراح جسده، ويتهيء لاستقبال تعذيب جديد
وآلام جديدة..!!
ومن ذلك اليوم أخذ خبّاب مكانه العالي بين المعذبين والمضطهدين..
أخذ مكانه العالي بين الذين وقفوا برغم فقرهم، وضعفهم يواجهون كبرياء قريش وعنفها وجنونها..
أخذ مكانه العالي بين الذين غرسوا في قلوبهم سارية الراية التي أخذت تخفق في الأفق الرحيب ناعية عصر الوثنية، والقيصرية.. مبشرة بأيام المستضعفين والكادحين، الذين سيقفون تحت ظل هذه الراية سواسية مع أولئك الذين استغلوهم من قبل، وأذاقوهم الحرمان والعذاب..
وفي استبسال عظيم، حمل خبّاب تبعاته كرائد..
يقول الشعبي:
" لقد صبر خبّاب، ولم تلن له أيدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه"..!!
أجل كان حظ خبّاب من العذاب كبيرا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..
لقد حوّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبّاب والذي كان يصنع منه السيوف.. حولوه كله الى قيود وسلاسل، كان يحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوّق بها جسده ويداه وقدماه..
ولقد ذهب يوما مع بعض رفاقه المضطهدين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا جوعين من التضحية، بل راجين العافية، فقالوا:" يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا..؟؟" أي تسأل الله لنا النصر والعافية...
ولندع خبّابا يروي لنا النبأ بكلماته:
" شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا..؟؟
فجلس صلى الله عليه وسلم، وقد احمرّ وجهه وقال:
قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل، فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بمنشار، فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه..!!
وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخشى الله الله عز وجل، والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون"..!
سمع خبّاب ورفاقه هذه الكلمات، فازداد ايمانهم واصرارهم وقرروا أن يري كل منهم ربّه ورسوله ما يحبّان من تصميم وصبر، وتضحية.
وخاض خبّاب معركة الهول صابرا، صامدا، محتسبا.. واستنجد القرشيون أم أنمار سيدة خبّاب التي كان عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت واشتركت في حملة تعذيبه..
وكانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب، وتضعه فوق رأسه ، وخبّاب يتلوى من الألم، لكنه يكظم أنفاسه، حتى لا تخرج منه زفرة ترضي غرور جلاديه..!!
ومرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، والحديد المحمّى فوق رأسه يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانا وأسى، ولكن ماذا يملك عليه الصلاة والسلام يومها لخبّاب..؟؟
لا شيء الا أن يثبته ويدعو له..
هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين الى السماء، وقال:
" اللهم أنصر خبّابا"..
ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قصاص عاجل، كأنما جعله القدر نذيرا لها ولغيرها من الجلادين، ذلك أنها أصيبت بسعار عصيب وغريب جعلها كما يقول المؤرخون تعوي مثل الكلاب..!!
وقيل لها يومئذ لا علاج سوى أن يكوى رأسها بالنار..!!
وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمّى يصبّحه ويمسّيه..!

كانت قريش تقاوم الايمان بالعذاب.. وكان المؤمنون يقاومون العذاب بالتضحية.. وكان خبّاب واحدا من أولئك الذين اصطفتهم المقادير لتجعل منهم أساتذة في فن التضحية والفداء..
ومضى خبّاب ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه..
ولم يكتف رضي الله عنه في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة، بل استثمر قدرته على التعليم، فكان يغشى بيوت بعض اخوانه من المؤمنين الذين يكتمون اسلامهم خوفا من بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم اياه..
ولقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آية آية.. وسورة، سورة حتى ان عبدالله بن مسعود، وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقراه بقراءة ابن أم عبد"..
نقول:
حتى عبد الله بن مسعود كان يعتبر خبّابا مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة..
وهو الذي كان يدرّس القرآن لـ فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندام فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الاسلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة التي كان يعلّم منها خبّاب، حتى صاح صيحته المباركة:
" دلوني على محمد"...!!
وسمع خبّاب كلمات عمر هذه، فخرج من مخبئه الذي كان قد توارى فيه وصاح:
" يا عمر..
والله اني لأرجوا أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فاني سمعته بالأمس يقول: اللهم أعز الاسلام بأحبّ الرجلين اليك.. أبي الحكم بن هشام، وعمربن الخطاب"..
وسأله عمر من فوره: وأين أجد الرسول الآن يا خبّاب:
" عند الصفا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم"..
ومضى عمر الى حظوظه الوافية، ومصيره العظيم..!!

شهد خبّاب بن الأرت جميع المشاهد والغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش عمره كله حفيظا على ايمانه ويقينه....
وعندما فاض بيت مال لمسلمين بالمال أيام عمر وعثمان، رضي الله عنهما، كان خبّاب صاحب راتب كبير بوصفه من المهاجرين لسابقين الى الاسلام..
وقد أتاح هذا الدخل الوفير لخبّاب أن يبتني له دارا بالكوفة، وكان يضع أمواله في مكان ما من الدار يعرفه أصحابه وروّاده.. وكل من وقعت عليه حاجة، يذهب فيأخذ من المال حاجته..
ومع هذا فقد كان خبّاب لا يرقأ له جفن، ولا تجف له دمعة كلما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه الذين بذلوا حياهم لله، ثم ظفروا بلقائه قبل أن تفتح الدنيا على المسلمين، وتكثر في أيديهم الأموال.
اسمعوه وهو يتحدث االى عوّاده الذين ذهبوا يعودونه وهو رضي الله عنه في مرض موته.
قالوا له:
أبشر يا أبا عبدالله، فانك ملاق اخوانك غدا..
فأجابهم وهو يبكي:
" أما انه ليس بي جزع .. ولكنكم ذكّرتموني أقواما، واخوانا، مضوا بأجورهم كلها ام ينالوا من الدنيا شيئا..
وانّا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا الا التراب"..
وأشار الى داره المتواضعة التي بناها.
ثم أشار مرة أخرى الى المكان الذي فيه أمواله وقال:
" والله ما شددت عليها من خيط، ولا منعتها من سائل"..!
ثم التفت الى كنفه الذي كان قد أعدّ له، وكان يراه ترفا واسرافا وقال ودموعه تسيل:
" أنظروا هذا كفني..
لكنّ حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجد له كفن يوم استشهد الا بردة ملحاء.... اذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، واذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه"..!!
ومات خبّاب في السنة السابعة والثلاثين للهجرة..
مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم، ويحييهم، عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، وللفراء من أمثال :خبّاب، وصهيب، وبلال يوما آخر.
فاذا القرآن العظيم يختص رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم، وتهل آياته قائلة للرسول الكريم:
( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين * وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين* سورة الأنعام 53
وهكذا، لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يراهم بعد نزول الآيات حتى يبالغ في اكرامهم فيفرش لهم رداءه، ويربّت على أكتافهم، ويقول لهم:
" أهلا بمن أوصاني بهم ربي"..
أجل.. مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي، وجيل التضحية...
ولعل خير ما نودّعه به، كلمات الامام علي كرّم الله وجهه حين كان عائدا من معركة صفين، فوقعت عيناه على قبر غضّ رطيب، فسأل: قبر من هذا..؟
فأجابوه: انه قبر خبّاب..
فتملاه خاشعا آسيا، وقال:
رحم الله خبّابا..
لقد أسلم راغبا.
وهاجر طائعا..
وعاش مجاهدا..

فاطمة الشمري
29-08-2009, 11:36 PM
الله يجزاك خير اخي نايف دعني اذكر القليل عن خباب بشكل اكثر تفصيل لبعض النقاط ...........حتى يستزيد القارئ ......مع ان ماكتبت اخي قد شمل كل جوانب حياته الله لايحرمك اجر ماكتبت ولكن هي نقاط بسيطة احببت ان اضيفها فاسمح لي مشكورا ..............

كان مايميز خباب جرأته في الحق فعند اسلامه اهتز شيوخ قريش لأمر خباب.. فما كان يخطر على بالهم أن قيناً كقين أم أنمار لا عشيرة له تحميه ولا عصبية عنده تمنعه وتؤويه، تصل به الجرأة إلى أن يخرج على سلطانها، ويجهر بسب آلهتها ويسفه دين أبائها وأجدادها أيقنت قريش ان هذا اليوم له ما بعده..

ولم تكن قريش على خطأ فيما توقعته، فلقد أغرت جرأة خباب كثيراً من أصحابه بأن يعلنوا إسلامهم، فطفقوا يصدعون بكلمة الحق واحداً بعد الآخر.


ثباته على الإسلام وصبره:

رغم كل ما تعرض له من التعذيب الشديد على يد مشركي مكة إلا أنه رضي الله عنه ثبت على الحق ولم يغيّرولم يبدّل، وقد يستعملون معه رضي الله عنه كل أنواع الإغراءات، ليرتد عن دينه، يروى البخاري بسنده عن خباب قال كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفا فجئت أتقاضاه فقال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد قلت لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى يميتك الله ثم يحييك قال إذا أماتني الله ثم بعثني ولي مال وولد فأنزل الله أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا

بعض المواقف من حياته
مع الرسول صلى الله عليه وسلم:عن عبد الله بن خباب بن الأرت عن أبيه وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة كلها حتى كان مع الفجر فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته جاءه خباب فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها".



من مراجع البحث:

الإصابة في تمييز الصحابة.................. ابن حجر

البداية والنهاية........................... ابن كثير

صفة الصفوة............................ ابن الجوزي

صور من حياة الصحابة................... عبد الرحمن رأفت باشا

نايف الشريف
30-08-2009, 06:55 AM
أختي فاطمة الله يغفرك ولوالديكِ ، وهذا ما أتفقنا عليه ، أن يكتب أحدنا ويكمل الآخر .

الصحابي رقم ( 11 )

إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه . وجعلت قريش ، حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة - ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها - فمشى إليه رجال من قريش - وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا - فقالوا له يا طفيل إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وقد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا .

قال فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه . قال فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة . قال فقمت منه قريبا ، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله . قال فسمعت كلاما حسنا . قال فقلت في نفسي : واثكل أمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته .

قال فمكثت حتى انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت : يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا - فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك ، فسمعته قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك . قال فعرض علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه قال فأسلمت ، وشهدت شهادة الحق وقلت : يا نبي الله إني امرئ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه فقال اللهم اجعل له آية .

قال فخرجت إلى قومي ، حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت : اللهم في غير وجهي ، إني أخشى ، أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم . قال فتحول فوقع في رأس سوطي . قال فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط إليهم من الثنية ، قال حتى جئتهم فأصبحت فيهم

إسلام والد الطفيل وزوجته

قال فلما نزلت أتاني أبي ، وكان شيخا كبيرا ، قال فقلت : إليك عني يا أبت فلست معك ، ولست مني ، قال ولم يا بني ؟ قال قلت : أسلمت ، وتابعت دين محمد - صلى الله عليه وسلم - قال أي بني فديني دينك ، قال فقلت : فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت . قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه . قال ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم . قال ثم أتتني صاحبتي ، فقلت : إليك عني ، فلست منك ولست مني ، قالت لم ؟ بأبي أنت وأمي ، قال قلت : قد فرق بيني وبينك الإسلام وتابعت دين محمد - صلى الله عليه وسلم - قالت فديني دينك ، قال قلت : فاذهبي إلى حنا ذي الشرى - قال ابن هشام : ويقال حمى ذي الشرى - فتطهري منه . ذو الشرى صنما لدوس ، وكان الحمى حمى حموه له به وشل من ماء يهبط من جبل .

قال قالت بأبي أنت وأمي ، أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا ، قال قلت : لا ، أنا ضامن لذلك فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت . ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا علي ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، فقلت له يا نبي الله أنه قد غلبني على دوس الزنا ، فادع الله عليهم فقال اللهم اهد دوسا ، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم قال فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، ومضى بدر وأحد والخندق ، ثم قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن أسلم معي من قومي ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ، ثم لحقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين ثم لم أزل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا فتح الله عليه مكة ، قال قلت : يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه

قال ابن إسحاق : فخرج إليه فجعل طفيل يوقد عليه النار ويقول

يا ذا الكفين لست من عبادكا

ميلادنا أقدم من ميلادكا

إني حشوت النار في فؤادكا

قال ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان معه بالمدينة ، حتى قبض الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلما ارتدت العرب ، خرج مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ، ومن أرض نجد كلها .

ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة - ومعه ابنه عمرو بن الطفيل - فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة ، فقال لأصحابه إني قد رأيت رؤيا ، فاعبروها لي ، رأيت أن رأسي حلق وأنه خرج من فمي طائر وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها ، وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا ، ثم رأيته حبس عني ، قالوا : خيرا . قال أما أنا والله فقد أولتها ، قالوا : ماذا ؟ قال أما حلق رأسي فوضعه وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي وأما المرأة التي أدخلتني فرجها ، فالأرض تحفر لي ، فأغيب فيها ، أما طلب ابني إياي ثم حبسه عني ، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني ، فقتل رحمه الله شهيدا باليمامة ، وجرح ابنه جراحة شديدة ثم استبل منها ، ثم قتل عام اليرموك في زمن عمر رضي الله عنه شهيدا

تلميذة ميرتون
31-08-2009, 01:41 AM
مراحب أخي نايف وأختي فاطمة وددت مشاركتكما في هذا الطرح الأكثر من رائع وأسأل الله أن يجزيكما خير الجزاء....

الصحابي رقم ( 12 )

ابن الإسلام
سلمان الفارسي

إنه الصحابي الجليل سلمان الفارسي، أو سلمان الخير، أو الباحث عن الحقيقة، وكان -رضي الله عنه- إذا سئل مَنْ أنت؟ قال: أنا ابن الإسلام، من بني آدم، وقد اشتهر بكثرة العبادة، وكثرة مجالسته للنبي (، فلم يفارقه إلا لحاجة، وكان النبي ( يحبه حبًّا شديدًا، وسماه أبو هريرة صاحب الكتابين (يعني الإنجيل والفرقان)، وسمَّاه علي بن أبي طالب لقمان الحكيم، وقد آخى النبي ( بينه وبين أبي الدرداء.
يقول سلمان -رضي الله عنه- عن نفسه: (كنت رجلاً من أهل أصبهان من قرية يقال لها جيّ، وكان أبي دُهْقانها (رئيسها)، وكنت من أحب عباد الله إليه، وقد اجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار (ملازمها) الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة.
وكان لأبي ضَيْعَة (أرض)، أرسلني إليها يومًا فخرجت فمررت بكنيسة للنصارى، فسمعتهم يصلُّون، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فأعجبني ما رأيت من صلاتهم، وقلت لنفسي: هذا خير من ديننا الذي نحن عليه فما برحتهم (تركتهم) حتى غابت الشمس، ولا ذهبت إلى ضيعة أبي، ولا رجعت إليه حتى بعث في أثري من يبحث عني، وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم وصلاتهم عن أصل دينهم، فقالوا: في الشام، وقلت لأبي حين عُدت إليه: إني مررت على قوم يُصلّون في كنيسة لهم فأعجبتني صلاتهم، ورأيت أن دينهم خير من ديننا، فحاورني وحاورته، ثم جعل في رجلي حديدًا وحبسني.
وأرسلت إلى النصارى أخبرهم أني دخلت في دينهم، وسألتهم إذا قدم عليهم ركب من الشام أن يخبروني قبل عودتهم إليها؛ لأرحل معهم، وقد فعلوا فحطمت الحديد، وخرجت، وانطلقت معهم إلى الشام، وهناك سألت عن عالمهم فقيل لي: هو الأسقف (رئيس من رؤساء النصارى) صاحب الكنيسة، فأتيته وأخبرته خبري، فأقمت معه أخدم وأصلي وأتعلم، وكان هذا الأسقف رجل سوء في دينه، إذ كان يجمع الصدقات من الناس ليوزعها على الفقراء، ولكنه كان يكتنـزها لنفسه.
فلما مات جاءوا بآخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلاً على دينهم خيرًا منه، ولا أعظم رغبة في الآخرة وزهدًا في الدنيا، ودأبًا على العبادة، فأحببته حبًّا ما علمت أنني أحببت أحدًا مثله قبله، فلما حضره قدره (الموت)، قلت له: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، فبم تأمرني؟ وإلى مَنْ توصى بي؟ قال: أي بني، ما أعرف من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلاً بالموصل.
فلما توفي أتيت صاحب الموصل، فأخبرته الخبر، وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم، ثم حضرته الوفاة، فسألته فدلني على عابد في نصيبين، فأتيته وأخبرته خبري، ثم أقمت معه ما شاء الله أن أقيم، فلما حضرته الوفاة سألته، فأمرني أن ألحق برجل في عمورية من بلاد الروم، فرحلت إليه وأقمت معه، واصطنعت لمعاشي بقرات وغنيمات، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إلى من توصي بي؟ فقال لي: يا بني ما أعرف أحدًا على مثل ما كنا عليه، آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك (أتى عليك) زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفًا، يهاجر إلى أرض ذات نخل بين حرتين، فإن استطعت أن تخلص (تذهب) إليه فافعل، وإن له آيات لا تخفى، فهو لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وإن بين كتفيه خاتم النبوة، إذا رأيته عرفته.
ومرَّ بي ركب ذات يوم، فسألتهم عن بلادهم فعلمت أنهم من جزيرة العرب، فقلت لهم: أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم إلى أرضكم؟ قالوا: نعم. واصطحبوني معهم حتى قدموا بي وادي القرى، وهناك ظلموني وباعوني إلى رجل من يهود، وأقمت عنده حتى قدم عليه يومًا رجل من يهود بني قريظة، فابتاعني منه، ثم خرج بي حتى قدمت المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وُصِفَتْ لي.
وأقمت معه أعمل له في نخله، وإني لفي رأس نخلة يومًا، وصاحبي جالس تحتها، إذ أقبل رجل من بني عمه فقال يخاطبه: قاتل الله بني قيلة (الأوس والخزرج)، إنهم ليقاصفون (يجتمعون) على رجل بقباء قادم من مكة يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلا أن قالها حتى أخذتني العُرَوَاءُ (ريح باردة)، فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق صاحبي، ثم نزلت سريعًا أقول ما هذا الخبر؟ فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، فأقبلت على عملي.
ولما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله ( بقُباء، فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه، فقلت له: إنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذُكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به، ثم وضعته، فقال الرسول ( لأصحابه: كلوا باسم الله، وأمسك هو فلم يبسط إليه يدًا، فقلت في نفسي: هذه والله واحدة، إنه لا يأكل الصدقة.
ثم رجعت، وعدت إلى الرسول ( في الغداة أحمل طعامًا، وقلت له عليه السلام: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية، ووضعته بين يده، فقال لأصحابه: كلوا باسم الله، وأكل معهم، قلت لنفسي: هذه والله الثانية، إنه يأكل الهدية، ثم رجعت فمكثت ما شاء الله، ثم أتيته فوجدته في البقيع قد تبع جنازة، وحوله أصحابه وعليه شملتان (الشملة: كساء من الصوف) مؤتزرًا بواحدة، ومرتديًا الأخرى، فسلّمت عليه، ثم عدلت لأنظر أعلى ظهره، فعرف أني أريد ذلك، فألقى بردته عن كاهله، فإذا العلامة بين كتفيه خاتم النبوة، كما وصفه لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي.
ثم دعاني عليه الصلاة والسلام فجلست بين يديه، وحدثته كما أحدثكم الآن، ثم أسلمت، وحال الرقُّ بيني وبين شهود (حضور) بدر وأحد، وفي ذات يوم قال الرسول (: (كاتب سيدك حتى يعتقك)، فكاتبته، وأمر الرسول ( الصحابة كي يعاونوني وحرر الله رقبتي، وعشت حُرًّا مسلمًا، وشهدت مع رسول الله ( غزوة الخندق والمشاهد كلها. [أحمد والطبراني].
وكان سلمان هو الذي أشار بحفر الخندق حول المدينة عندما أرادت الأحزاب الهجوم على المدينة، وعندما وصل أهل مكة المدينة، ووجدوا الخندق، قال أبو سفيان: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها. ووقف الأنصار يومها يقولون: سلمان منا، ووقف المهاجرون يقولون: بل سلمان منا، وعندها ناداهم الرسول ( قائلاً: (سلمان منا آل البيت) [ابن سعد].
ومما يحكى عن زهده أنه كان أميرًا على المدائن في خلافة الفاروق عمر، وكان عطاؤه من بيت المال خمسة آلاف دينار، لا ينال منه درهمًا واحدًا، ويتصدق به على الفقراء والمحتاجين، ويقول: (أشتري خوصًا بدرهم فأعمله، ثم أبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهمًا فيه، وأنفق درهمًا على عيالي، وأتصدق بالثالث، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيتُ) [أبو نعيم].
ويروى أنه كان أميرًا على سرية، فمرَّ عليه فتية من الأعداء وهو يركب حمارًا، ورجلاه تتدليان من عليه، وعليه ثياب بسيطة مهلهلة، فسخروا منه، وقالوا للمسلمين في سخرية وازدراء: هذا أميركم؟ فقيل لسلمان: يا أبا عبد الله ألا ترى هؤلاء وما يقولون؟ فقال سلمان: دعهم فإن الخير والشر فيما بعد اليوم.
[ابن سعد].
ومما رُوي في تواضعه أنه كان سائرًا في طريق، فناداه رجل قادم من الشام ليحمل عن متاعه، فحمل سلمان متاع الرجل، وفي الطريق قابل جماعة من الناس فسلم عليهم، فأجابوا واقفين: وعلى الأمير السلام، وأسرع أحدهم نحوه ليحمل عنه قائلا: عنك أيها الأمير، فعلم الشامي أنه سلمان الفارسي أمير المدائن، فأَسْقَطَ ما كان في يديه، واقترب ينتزع الحمل، ولكن سلمان هزَّ رأسه رافضًا وهو يقول: لا، حتى أبلغك منزلك. [ابن سعد].
ودخل صاحب له بيته، فإذا هو يعجن فسأله: أين الخادم؟ فقال سلمان: لقد بعثناها في حاجة، فكرهنا أن نجمع عليها عملين.
وحين أراد سلمان بناء بيت له سأل البنَّاء: كيف ستبنيه؟ وكان البنَّاء ذكيًّا يعرف زهد سلمان وورعه، فأجابه قائلاً: لا تخف، إنها بناية تستظل بها من الحر، وتسكن فيها من البرد، إذا وقفت فيها أصابت رأسك، وإذا اضطجعت (نمت) فيها أصابت رجلك. فقال له سلمان: نعم، هكذا فاصنع. وتوفي -رضي الله عنه- في خلافة عثمان بن عفان سنة (35هـ).

نايف الشريف
31-08-2009, 04:26 AM
أختي تلميذة جزاك الله خيرا لتفاعلك وزادك الله من علمه .
وأحب أن أتطرق إلى بعض أشياء بشئ من التوضيح .

غزوة الخندق :

في غزوة الخندق جاءت جيوش الكفر الى المدينة مقاتلة تحت قيادة أبي سفيان، ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب، وجمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ليشاورهم في الأمر، فتقدم سلمان وألقى من فوق هضبة عالية نظرة فاحصة على المدينة، فوجدها محصنة بالجبال والصخور محيطة بها، بيد أن هناك فجوة واسعة يستطيع الأعداء اقتحامها بسهولة...

وكان سلمان -رضي الله عنه- قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب وخدعها، فتقدم من الرسول -صلى الله عليه وسلم- واقترح أن يتم حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة، وبالفعل بدأ المسلمين في بناء هذا الخندق الذي صعق قريش حين رأته، وعجزت عن اقتحام المدينة، وأرسل الله عليهم ريح صرصر عاتية لم يستطيعوا معها الا الرحيل والعودة الى ديارهم خائبين...

وخلال حفر الخندق اعترضت معاول المسلمين صخرة عاتية لم يستطيعوا فلقها، فذهب سلمان إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مستأذنا بتغيير مسار الحفر ليتجنبوا هذه الصخرة، فأتى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع سلمان وأخذ المعول بيديه الكريمتين، وسمى الله وهوى على الصخرة فإذا بها تنفلق ويخرج منها وهجا عاليا مضيئا وهتف الرسول مكبرا: (الله أكبر... أعطيت مفاتيح فارس، ولقد أضاء الله لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإن أمتي ظاهرة عليها).

ثم رفع المعول ثانية وهوى على الصخرة، فتكررت الظاهرة وبرقت الصخرة، وهتف الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (الله أكبر... أعطيت مفاتيح الروم، ولقد أضاء لي منها قصور الحمراء، وإن أمتي ظاهرة عليها)... ثم ضرب ضربته الثالثة فاستسلمت الصخرة وأضاء برقها الشديد، وهلل الرسول والمسلمون معه وأنبأهم أنه يبصر قصور سورية وصنعاء وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوما، وصاح المسلمون: (هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله).


فضله :
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة تشتاقُ إليهم الحُور العين: عليّ وعمّار وسلمان).

حسبه :
سُئِل سلمان -رضي الله عنه- عن حسبه فقال (كرمي ديني، وحَسَبي التراب، ومن التراب خُلقتُ، وإلى التراب أصير، ثم أبعث وأصير إلى موازيني، فإن ثقلت موازيني فما أكرم حسبي وما أكرمني على ربّي يُدخلني الجنة، وإن خفّت موازيني فما ألأَمَ حَسبي وما أهوَننِي على ربّي، ويعذبني إلا أن يعود بالمغفرة والرحمة على ذنوبي).

سلمان والصحابة :

لقد كان إيمان سلمان الفارسي قويا، فقد كان تقي زاهد فطن وورع، أقام أياما مع أبو الدرداء في دار واحدة، وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقوم الليل ويصوم النهار، وكان سلمان يرى مبالغته في هذا فحاول أن يثنيه عن صومه هذا فقال له أبو الدرداء: (أتمنعني أن أصوم لربي، وأصلي له؟)... فأجاب سلمان: (إن لعينيك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، صم وافطر، وصلّ ونام)... فبلغ ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: (لقد أشبع سلمان علما).

وفي غزوة الخندق وقف الأنصار يقولون: (سلمان منا)... ووقف المهاجرون يقولون: (بل سلمان منا)... وناداهم الرسول قائلا: (سلمان منا آل البيت).

في خلافة عمر بن الخطاب جاء سلمان الى المدينة زائرا، فجمع عمر الصحابة وقال لهم: (هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان)... وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة...

وكان علي بن أبي طالب يلقبه بلقمان الحكيم، وسئل عنه بعد موته فقال: (ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم ؟... أوتي العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحرا لا ينزف).


عطاؤه :
لقد كان -رضي الله عنه- في كبره شيخا مهيبا، يضفر الخوص ويجدله، ويصنع منه أوعية ومكاتل، ولقد كان عطاؤه وفيرا... بين أربعة آلاف و ستة آلاف في العام، بيد أنه كان يوزعه كله ويرفض أن ينال منه درهما، ويقول: (أشتري خوصا بدرهم، فأعمله ثم أبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهما فيه، وأنفق درهما على عيالي، وأتصدق بالثالث، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيت).


الإمارة :

لقد كان سلمان الفارسي يرفض الإمارة ويقول: (إن استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميرا على اثنين فافعل).

في الأيام التي كان فيها أميرا على المدائن وهو سائر بالطريق، لقيه رجل قادم من الشام ومعه حمل من التين والتمر، وكان الحمل يتعب الشامي، فلم يكد يرى أمامه رجلا يبدو عليه من عامة الناس وفقرائهم حتى قال له: (احمل عني هذا)... فحمله سلمان ومضيا، وعندما بلغا جماعة من الناس فسلم عليهم فأجابوا: (وعلى الأمير السلام).

فسأل الشامي نفسه: (أي أمير يعنون ؟!)... ودهش عندما رأى بعضهم يتسارعون ليحملوا عن سلمان الحمل ويقولون: (عنك أيها الأمير)... فعلم الشامي أنه أمير المدائن سلمان الفارسي فسقط يعتذر ويأسف واقترب ليأخذ الحمل، ولكن رفض سلمان وقال: (لا حتى أبلغك منزلك).

سئل سلمان يوما: (ماذا يبغضك في الإمارة ؟)... فأجاب: (حلاوة رضاعها، ومرارة فطامها).


زهده وورعه :
هم سلمان ببناء بيتا فسأل البناء: (كيف ستبنيه ؟)... وكان البناء ذكيا يعرف زهد سلمان وورعه فأجاب قائلا: (لا تخف، إنها بناية تستظل بها من الحر، وتسكن فيها من البرد، إذا وقفت فيها أصابت رأسك، وإذا اضطجعت فيها أصابت رجلك)... فقال سلمان: (نعم، هكذا فاصنع).


زواجه :

في ليلة زفافه مشى معه أصحابه حتى أتى بيت امرأته فلما بلغ البيت قال: (ارجعوا آجركم الله)... ولم يُدخلهم عليها كما فعل السفهاء، ثم جاء فجلس عند امرأته، فمسح بناصيتها ودعا بالبركة فقال لها: (هل أنت مطيعتني في شيءٍ أمرك به)... قالت: (جلستَ مجلسَ مَنْ يُطاع)... قال: (فإن خليلي أوصاني إذا اجتمعت إلى أهلي أن أجتمع على طاعة الله)... فقام وقامت إلى المسجد فصلّيا ما بدا لهما، ثم خرجا فقضى منها ما يقضي الرجل من امرأته.

فلمّا أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: (كيف وجدتَ أهلك ؟)... فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم ثم قال: (إنّما جعل الله الستورَ والجُدُرَ والأبواب ليُوارى ما فيها، حسب امرئٍ منكم أن يسأل عمّا ظهر له، فأما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (المتحدث عن ذلك كالحمارين يتسافران في الطريق)...


عهده لسعد :
جاء سعد بن أبي وقاص يعود سلمان في مرضه، فبكى سلمان، فقال سعد: (ما يبكيك يا أبا عبدالله ؟... لقد توفي رسول الله وهو عنك راض)... فأجاب سلمان: (والله ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد إلينا عهدا، فقال: (ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب)... وهأنذا حولي هذه الأساود-الأشياء الكثيرة- !)... فنظر سعد فلم ير إلا جفنة ومطهرة... قال سعد: (يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه عنك)... فقال: (يا سعد: اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت).


وفاته :

كان سلمان يملك شيئا يحرص عليه كثيرا، ائتمن زوجته عليه، وفي صبيحة اليوم الذي قبض فيه ناداها: (هلمي خبيك الذي استخبأتك)... فجاءت بها فإذا هي صرة مسك أصابها يوم فتح جلولاء، احتفظ بها لتكون عطره يوم مماته، ثم دعا بقدح ماء نثر به المسك وقال لزوجته: (انضحيه حولي، فإنه يحضرني الآن خلق من خلق الله، لا يأكلون الطعام وإنما يحبون الطيب).

فلما فعلت قال لها: (اجفئي علي الباب وانزلي)... ففعلت ما أمر، وبعد حين عادت فإذا روحه المباركة قد فارقت جسده، وكان ذلك وهو أمير المدائن في عهد عثمان بن عفان في عام (35 هـ)، وقد اختلف أهل العلم بعدد السنين التي عاشها، ولكن اتفقوا على أنه قد تجاوز المائتين والخمسين.

فاطمة الشمري
31-08-2009, 03:08 PM
شكرا لتلميذه مرتون ان تحدثت عن هذا الصحابي الفضيل سلمان الفارسي
والشكر للاخ نايف الذي اشمل الموضوع بذكر بعض جوانب حياته .......

ودت ان اعقب على الاخ نايف في وفاه الصحابي الجليل حيث اختلف العلماء عن عمر سلمان ولم يتفقوا وسوف اذكر ماوجدته الا ان العمر لايحسب بالسنيين ولكن بقدر الاعمال ولكن كما تعرفون اعمار الصحابه قد تكون مهمه للمشتغليين في سند الامور والاحاديث والرويات والاحداث .........ودت ان اضع هذه الفتوى عن عمرة رضي الله عنه ...




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:


فإن سلمان الفارسي رضي الله عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضلاء وأعلام هذه الأمة الكبار.

جاء في كتاب سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي: سلمان ابن الإسلام الفارسي سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي صلى الله عليه وسلم وخدمه وحدث عنه، وكان لبيبا حازما ومن عقلاء الرجال ونبلائهم وعبادهم.

ثم قال الذهبي: قال الواقدي: مات سلمان في خلافة عثمان بالمدائن سنة ست وثلاثين وقيل سبع وثلاثين. وفي رواية أخرى أنه مات سنة ثلاث وثلاثين.

ثم نقل عن العباس بن يزيد البحراني أن سلمان عاش ثلاث مائة وخمسين سنة، فأما مائتان وخمسون فلا يشكون فيها...

وعلى هذا، فإن عمر سلمان رضي الله عنه حين توفي ثلاث مائة وخمسون سنة أو مائتان وخمسون أو بين هذا وذاك ولكن هذا أمر مستبعد جدا، فإن الإمام الذهبي رحمه الله تعالى شكك في أنه بلغ هذا العمر، ورجح أن عمره كان بضعا وسبعين أو فوق ذلك ولم يبلغ مائة سنة.

فقال معقبا على الرواية المذكورة، وقد فتشت فما ظفرت في سنه بشيء سوى قول البحراني، وذلك منقطع لا إسناد له، ومجموع أمره وأحواله وغزوه وهمته وتصرفه وسفه الجريد وأشياء مما تقدم ينبئ بأنه ليس بمعمر ولا هرم، فقد فارق وطنه وهو حدث، ولعله قدم الحجاز وله أربعون سنة أو أقل، فلم ينشب أن سمع بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم هاجر، فلعله عاش بضعا وسبعين، وما أراه بلغ المائة.. وقد نقل طول عمره ابن الجوزي وغيره وما علمت في ذلك شيئا يركن إليه.

ثم عزز ما ذهب إليه بحديث رواه ابن أبي حاتم في العلل فقال: لما مرض سلمان خرج سعد من الكوفة يعوده فقدم فوافقه وهو يبكي فسلم وجلس وقال: ما يبكيك يا أخي؟ ألا تذكر صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة؟ قال: والله ما يبكيني واحدة من اثنتين، ما أبكي حبا للدنيا، ولا كراهية للقاء الله، قال سعد: ما يبكيك بعد ثمانين؟ قال: يبكيني أن خليلي عهد إلي عهدا قال: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، وإنا خشينا أنا قد تعدينا. قال أبو حاتم: وهذا يوضح لك أنه من أبناء الثمانين.

والحاصل أن رواية أنه عاش ثلاثمائة وخمسين غير صحيحة، والراجح أنه عاش حوالي ثمانين سنة.

والله أعلم.
المصدر موقع اسلام ويب http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?lang=A&Id=56648&Option=FatwaId

الشكر للجميع على هذه الجهود التي تزهر القلب بسير عطرة مع واتمنى تفاعل اكثر من اعضاء اكثر واتمنى ايضا ان نضع سيرة واحدة كل ثلاث الي يوميين حتى يتسنى لنا قراتها بشكل جيد كما اقترحت الاخت حنان الله يجزاه خير.......

ا.حنان
01-09-2009, 12:10 AM
رضي الله عن (( خبّاب بن الأرت )) ..[[ الصبور المُجاهِد العظيم ]] ..

سبحآن الله رحم الله (( صحآبة رسول الله صلى الله عليه وسلم )) عاشوا مرارة
الحيآة وأنواع العذابات , فلم يتضجروا ويتأففوا ويتركوا دينهم .
ونحن لاتصيبنآ مثقال ذرة من مصيبة إلا ونحن باكون متذمرون معترضون على ما أصابنا , [[ أرجو الله أن يغفر لنآ ويرحمنآ ويجعلنآ من عباده الصالحين المتقين ]] .

الله يجزاكم خير استاذ (( نآيف )) وَ الاستاذة (( فآطمة )) على جهودكم , جعلها الله في ميزان حسناتكم .

مُلاحظة : أرجو كتابة المصدر .

نايف الشريف
03-09-2009, 02:43 AM
أول الرماة في سبيل الله

الصحابي رقم ( 13 )

سعد بن أبي وقاص
إنه الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.
وكان سعد قد رأى وهو ابن سبع عشرة سنة في منامه أنه يغرق في بحر الظلمات، وبينما هو يتخبط فيها، إذ رأى قمرًا، فاتبعه، وقد سبقه إلى هذا القمر ثلاثة، هم: زيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، ولما طلع الصباح سمع أن رسول الله ( يدعو إلى دين جديد؛ فعلم أن هذا هو القمر الذي رآه؛ فذهب على الفور؛ ليلحق بركب السباقين إلى الإسلام.
وتظهر روعة ذلك البطل عندما حاولت أمه مرارًا أن ترده عن طريق الإيمان عبثًا، فباءت محاولاتها بالفشل أمام القلب العامر بالإيمان، فامتنعت عن الطعام والشراب، ورفضت أن تتناول شيئًا منه، حتى يرجع ولدها سعد عن دينه، ولكنه قال لها: أماه إنني أحبك، ولكن حبي لله ولرسوله أكبر من أي حب آخر.
وأوشكت أمه على الهلاك، وأخذ الناس سعدًا ليراها عسى أن يرق قلبه، فيرجع عما في رأسه، فيقول لها سعد: يا أمه، تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني فإن شئت كلي، وإن شئت لا تأكلي، وعندها أدركت الأم أن ابنها لن يرده عن دينه شيء؛ فرجعت عن عزمها، وأكلت، وشربت لينزل وحي الله -عز وجل- يبارك ما فعل سعد، قال تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) [لقمان: 15].
ولازم سعد -رضي الله عنه- رسول الله ( بمكة حتى أذن الله للمسلمين بالهجرة إلى المدينة المنورة، فهاجر مع المسلمين ليكون بجوار رسول الله ( في محاربة المشركين، ولينال شرف الجهاد في سبيل الله، وحسبه أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله وأول من أراق دماء الكافرين، فقد بعث رسول الله ( سرية فيها
سعد بن أبي وقاص إلى مكان في أرض الحجاز اسمه سابغ، وهو من جانب الجحفة، فانكفأ المشركون على المسلمين، فحماهم سعد يومئذ بسهامه، فكان أول قتال في الإسلام.
ويوم أحد، وقف سعد يدافع عن رسول الله (، ويحارب المشركين، ويرميهم حتى نالته دعوة الرسول (، حين رآه فسر منه وقال: "يا سعد، ارم فداك أبي وأمي" [متفق عليه]، فكان سعد يقول: ما جمع رسول الله ( أبويه لأحد قبلي، وكانت ابنته عائشة بنت سعد تباهي بذلك وتفخر، وتقول: أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله ( يوم أحد بالأبوين.
وذات يوم، مرض سعد، فأتاه رسول الله ( ليزوره، ويطمئن عليه؛ فتساءل سعد قائلاً: إن قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ فقال له النبي (: لا، فقال سعد: بالشطر (نصفه)، قال النبي ( لا. ثم قال (: "الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيّ (فم) امرأتك" [متفق عليه]، وقد رزق الله سعدًا الأبناء، فكان له إبراهيم، وعامر، وعمر، ومحمد، وعائشة.
وقد كان رسول الله ( يحب سعدًا، فعن جابر قال: كنا مع رسول الله (، إذ أقبل سعد، فقال (: "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله" [الترمذي والطبراني وابن سعد].
وكان سعد مستجاب الدعوة أيضًا، فقد دعا له النبي ( قائلا: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك" [الترمذي].
وعين سعد أميرًا على الكوفة، أثناء خلافة الفاروق عمر -رضي الله عنه- الذي كان يتابع ولاته ويتقصى أحوال رعيته، وفي يوم من الأيام اتجه عمر -رضي الله عنه- إلى الكوفة ليحقق في شكوى أهلها أن سعدًا يطيل الصلاة، فما مر عمر بمسجد إلا وأحسنوا فيه القول، إلا رجلا واحدًا قال غير ذلك، فكان مما افتراه على سعد: أنه لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية -يخرج بالجيش- فدعا سعد عليه قائلاً: اللهم إن كان كاذبًا، فأعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن، فكان ذلك الرجل يمشي في الطريق، ويغمز الجواري، وقد سقط حاجباه من عينيه لما سئل عن ذلك قال: شيخ مفتون، أصابته دعوة سعد.
وذات يوم سمع سعد رجلاً يسب عليّا وطلحة والزبير، فنهاه فلم ينته، فقال سعد للرجل: إذن أدعو عليك؛ فقال الرجل: أراك تتهددني كأنك نبي؛ فانصرف سعد، وتوضأ، وصلى ركعتين، رفع يديه، وقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقوامًا سبقت لهم منك الحسنى؛ وأنه قد أسخطك سبه إياهم؛ فاجعله آية وعبرة؛ فلم يمر غير وقت قصير حتى خرجت ناقة هوجاء من أحد البيوت، وهجمت على الرجل الذي سب الصحابة؛ فأخذته بين قوائمها، وما زالت تتخبط حتى مات.
وحينما اشتد خطر الفرس على حدود الدولة الإسلامية أرسل إليهم الخليفة
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جيشًا بقيادة سعد بن أبي وقاص، ليقابلهم سعد في معركة القادسية، واشتد حصار المسلمين على الفرس وأعوانهم، حتى قتل الكثير منهم، وعلى رأسهم القائد رستم، ودب الرعب في باقي جنود الفرس، فكان النصر العظيم للمسلمين يوم القادسية، ولم يكن لسعد هذا اليوم فقط في قتال الفرس، بل كان هناك يوم مجيد آخر للمسلمين تحت قيادته، في موقعة المدائن؛ حيث تجمع الفرس في محاولة أخيرة للتصدي لزحف المسلمين، وأدرك سعد أن الوقت في صالح الفرس، فقرر أن يهاجمهم فجأة، وكان نهر دجلة قد امتلأ عن آخره، في وقت الفيضان، فسبحت خيول المسلمين في النهر وعبرته إلى الضفة الأخرى لتقع المواجهة، ويحقق المسلمون نصرًا كبيرًا.
وعندما طعن أبو لؤلؤة المجوسي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، اختار عمر ستة من المسلمين ليتم اختيار خليفة منهم، وأخبر عمر أن الرسول ( مات وهو عنهم راض، وكان من هؤلاء الستة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، حتى قال عمر: لو كنت مختارًا للخلافة واحدًا، لاخترت سعدًا، وقال لمن حوله: إن وليها سعد فذاك، وإن وليها غيره فليستعن بسعد، فكان عثمان بن عفان يستعين به في كل أموره.
وحدثت الفتنة آخر أيام الإمام علي -رضي الله عنه- فكان سعد بعيدًا عنهم؛ واعتزلها، وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا إليه شيئًا من أخبارها.
وعندما جاءه ابنه عامر يطلب منه أن يقاتل المتحاربين ويطلب الخلافة لنفسه، قال سعد في شفافية المسلم الصادق: أي بني، أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسًا؟ لا والله حتى أعطي سيفًا، إن ضربت به مسلمًا نبا عنه (أي لم يصبه بأذى)، وإن ضربت به كافرًا قتله، ولقد سمعت رسول الله ( يقول: "إن الله يحب الغني الخفي التقي" [أحمد ومسلم].
وفي سنة (55هـ) أوصى سعد أهله أن يكفوه في ثوب قديم، كان عنده، وياله من ثوب يشرف به أعظم أهل الأرض، قال لهم: لقد لقيت المشركين فيه يوم بدر، ولقد ادخرته لهذا اليوم.
وتوفي رحمة الله عليه بالعقيق، فحمل على الأعناق إلى المدينة، ودفن بها ليكون آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنة وآخر من مات من المهاجرين -رضي الله عنهم-.

كلماات
03-09-2009, 03:17 AM
جوزيتم خيرا ان شاء الله
مشكوراستاذ...نايف,....ومشكورةاستاذه..فاطمه
جعله اللهم فى ميزان حسناتكم

نايف الشريف
04-09-2009, 02:07 AM
صاحب الصوت الجميل

الصحابي رقم ( 14 )

أسيد بن حضير
إنه أسيد بن حضير بن عبد الأشهل الأنصاري -رضي الله عنه-، فارس قومه ورئيسهم، فأبوه حضير الكتائب زعيم الأوس، وواحد من كبار أشراف العرب في الجاهلية.
وكان أسيد أحد النقباء الذين اختارهم الرسول ( ليلة العقبة الثانية، فقد أسلم أسيد بعد بيعة العقبة الأولى، عندما بعث النبي ( مصعب بن عمير إلى المدينة، فجلس هو وأسعد بن زرارة في بستان، وحولهما أناس يستمعون إليهما، وبينما هم كذلك، كان أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ زعيما قومهما يتشاوران في أمر مصعب بن عمير الذي جاء يدعو إلى دين جديد.
فقال سعد لأسيد: انطلق إلى هذا الرجل، فازجره، فحمل أسيد حربته وذهب إليهما غضبان، وقال لهما: ما جاء بكما إلى حيِّنا (مدينتنا)، تسفهان ضعفاءنا)؟ اعتزلانا، إذا كنتما تريدان الحياة. فقال له مصعب: أَوَ تَجْلِس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره؟ فقال أسيد: لقد أنصفت، هاتِ ما عندك. فأخذ مصعب يكلمه عن الإسلام ورحمته وعدله، وراح يقرأ عليه آيات من القرآن، فأشرق وجه أسيد بالنور، وظهرت عليه بشاشة الإسلام حتى قال من حضروا هذا المجلس: والله (لقد عرفنا في وجه أسيد الإسلام قبل أن يتكلم، عرفناه في إشراقه وتسهله.
ولم يكد مصعب ينتهي من حديثه حتى صاح أسيد قائلاً: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين؟ فقال له مصعب: تطهّر بدنك وثوبك، وتشهد شهادة الحق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم تصلي.
فقام أسيد مسرعًا فاغتسل وتطهر ثم صلى ركعتين معلنًا إسلامه. وعاد أسيد إلى سعد بن معاذ، وما كاد يقترب من مجلسه، حتى قال سعد لمن حوله: أقسم، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به، ثم قال له سعد: ماذا فعلت؟ فقال أسيد: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما، فقالا لي: نفعل ما أحببت، ثم قال أسيد لسعد بن معاذ: لقد سمعت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وهم يعلمون أنه ابن خالتك، فقام سعد غضبان وفي يده حربته، ولما وصل إلى مصعب وأسعد وجدهما جالسين مطمئنين، عندها أدرك أن هذه حيلة من أسيد لكي يحمله على السعي إلى مصعب لسماعه، واستمع سعد لكلام مصعب واقتنع به وأعلن إسلامه، ثم أخذ حربته، وذهب مع أسيد بن حضير إلى قومهما يدعوانهم للإسلام، فأسلموا جميعًا.
وقد استقبل أسيد النبي ( لما هاجر إلى المدينة خير استقبال، وظل أسيد يدافع عن الإسلام والمسلمين، فحينما قال عبد الله بن أبي بن سلول لمن حوله من المنافقين أثناء غزوة بني المصطلق: لقد أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دياركم، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه منها إن شاء الله، هو والله الذليل، وأنت العزيز يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز (حبات يطرز بها التاج) ليتوجوه على المدينة ملكًا، فهو يرى أن الإسلام قد سلبه ملكًا.
وذات ليلة أخذ يقرأ القرآن، وفرسه مربوطة بجواره، فهاجت الفرس حتى كادت تقطع الحبل، وعلا صهيلها، فسكت عن القراءة فهدأت الفرس ولم تتحرك، فقرأ مرة ثانية فحدث للفرس ما حدث لها في المرة الأولى، وتكرر هذا المشهد عدة مرات، فسكت خوفًا منها على ابنه الصغير الذي كان ينام في مكان قريب منها، ثم نظر إلى السماء فإذا به يرى غمامة مثل الظلة في وسطها مصابيح مضيئة، وهى ترتفع إلى السماء.
فلما أصبح ذهب إلى الرسول ( وحدثه بما رأى، فقال له النبي (: (تلك الملائكة دنت (اقتربت) لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم) [البخاري].
وعاش أسيد -رضي الله عنه- عابدًا قانتًا، باذلا روحه وماله في سبيل الله، وندم أسيد على تخلفه عن غزوة بدر، وقال: ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه غزو ما تخلفت. [ابن سعد]، وقد جرح أسيد يوم أحد سبع جراحات، ولم يتخلف عن غزوة بعدها قط.
وبعد وفاة النبي ( اجتمع فريق من الأنصار في سقيفة بني ساعدة على رأسهم سعد بن عبادة، وأعلنوا أحقيتهم بالخلافة، وطال الحوار، واشتد النقاش بينهم، فوقف أسيد بن حضير مخاطبًا الأنصار قائلاً: تعلمون أن رسول الله ( كان من المهاجرين، فخليفته إذن ينبغي أن يكون من المهاجرين، ولقد كنا أنصار رسول الله، وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته.
وكان أبو بكر -رضي الله عنه- لا يقدم عليه أحدًا من الأنصار، تقول السيدة عائشة: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل، كلهم من بني
عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. [ابن هشام].
وتوفي أسيد -رضي الله عنه- في عام (20 هـ)، وأصرَّ أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب أن يحمل نعشه على كتفه، ودفنه الصحابة بالبقيع بعد أن صلوا عليه، ونظر عمر في وصيته، فوجد أن عليه أربعة آلاف دينار، فباع ثمار نخله (البلح أو التمر) أربع سنين بأربعة آلاف، وقضى دينه. [البخاري وابن سعد].

نايف الشريف
05-09-2009, 03:08 AM
الصحابي رقم ( 15)
أبو أيوب الأنصاري
إنه أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد -رضي الله عنه-، حفيد مالك بن النجار، وأمه هند بنت سعيد، آخى الرسول ( بينه وبين مصعب بن عمير، شهد بيعة العقبة الثانية.
وعندما وصل رسول الله ( إلى أرض النصرة والإيمان مختتمًا رحلته الطويلة التي هاجر فيها من مكة إلى المدينة، وصار وسط جموع المسلمين التي خرجت لاستقباله، وتزاحم الناس حول زمام ناقته، كل يريد أن يستضيف رسول الله (، والنبي ( يقول لهم: (خلوا سبيلها، فإنها مأمورة) [البيهقي].
ويمضي موكب رسول الله ( ويصل إلى حي بني ساعدة، فحي بني الحارث، فحي بني عدي، ويخرج من كل حي من يعترض طريق الناقة آملاً أن يسعدوا بنزول رسول الله ( في ديارهم، وفي كل مرة يجيبهم النبي ( (خلوا سبيلها، فإنها مأمورة) [البيهقي].
إن قدر الله -عز وجل- هو الذي يتحكم في اختيار مكان نزول النبي ( حيث سيكون لهذا المكان مكانته العظيمة، ففوق أرضه سيقام المسجد الذي تنطلق منه أشعة الهدى والنور؛ لتضيء الدنيا بأسرها، وبجوار هذا المسجد سيقيم النبي ( في حجرات متواضعة.
وأمام دار مالك بن النجار بركت الناقة، ثم نهضت وطوَّفت بالمكان، ثم عادت إلى مكانها الأول، ونزل رسول الله ( متفائلا، وتقدم أحد المسلمين، وقد عمرت الفرحة قلبه، فحمل متاع الرسول ( وأدخله بيته، ثم دعا رسول الله ( للدخول.
وكان بيت أبي أيوب مالك بن دينار طابقين، فاختار رسول الله ( الطابق الأسفل ليكون محل إقامته، وصعد أبو أيوب إلى الدور العلوي ولكنه لم ينم تلك الليلة، لأنه لم يستطع أن يتخيل نفسه وهو نائم في مكان أعلى من المكان الذي ينام فيه الرسول (. وفي الليل سال الماء في غرفته، فقام هو وزوجته أم أيوب ينظفانه خشية أن يصل إلى رسول الله ( منه شيء.
وفي الصباح ذهب أبو أيوب إلى النبي ( وأخذ يلح عليه ويرجوه أن ينتقل إلى الطابق العلوي، فاستجاب النبي ( لرجائه، وظل الرسول ( في بيت أبي أيوب حتى انتهى من بناء المسجد، وبناء حجرة له بجواره.
وكان -رضي الله عنه- محبًّا للجهاد في سبيل الله، فمنذ أن حضر بيعة العقبة الثانية وحتى منتصف القرن الأول الهجري وهو يعيش في جهاد متواصل، لا يغيب عن حرب، ولا يتكاسل عن غزو، وشهد مع رسول الله ( بدرًا وأحدًا والخندق، والغزوات كلها، وحتى بعد وفاة النبي ( لم يتخلف عن غزوة كُتب للمسلمين أن يخوضوها إلا غزوة قد أمَّر فيها على الجيش شاب لم يقنع أبو أيوب بإمارته، فقعد ولم يخرج معهم، ولكنه ما لبث أن ندم على موقفه هذا وقال: ما خبرني مَنْ استُعمِلَ عليّ؟ ثم خرج فلحق بالجيش.
ورغم أن عمره تجاوز الثمانين عامًا إلا أنه ما كاد يسمع منادى الجهاد يحثُّ المسلمين على الخروج لفتح القسطنطينية (إستامبول الآن) حتى حمل سيفه على عاتقه قائلا: أمرنا الله -عز وجل- أن ننفر في سبيله على كل حال، فقال تعالى: {انفروا خفافًا وثقالاً} [التوبة: 41].
وفي هذه المعركة أصيب أبو أيوب، فذهب قائد الجيش يزيد بن معاوية يعوده، وقال له: ما حاجتك أبا أيوب؟ فقال: إذا أنا مت فاحملوني إلى أرض العدو ثم ادفنوني، ثم قال لهم: أما إني أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ( سمعته يقول: (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) [متفق عليه]. وبالفعل كان له ما أراد، فلما كان الصباح قالت الروم للمسلمين: لقد كان لكم الليل شأن عظيم، فقالوا: هذا رجل من أكابر أصحاب نبينا (، وأقدمهم إسلامًا، قد دفناه حيث رأيتم، والله لئن نُبِشَ قبره لا يُضْرَب لكم ناقوس أبدًا (شعائر عبادتهم) في أرض العرب ما كانت لنا دولة، فكان الروم يتعاهدون قبره، ويزورونه.
وكان -رضي الله عنه- زاهدًا ورعًا لا يحب البذخ أو الترف، فقد دخل يومًا بيتًا من بيوت المسلمين فوجد أصحابه قد زينوه بالستائر فطأطأ رأسه ناكرًا لفعلهم، وتركهم وقفل راجعًا، وكان واحدًا من رهبان الليل وفرسان النهار، عشق الجهاد، وتمنى الشهادة.
وظل هكذا حتى لقى ربه بعد حياة طويلة شاقة قضاها جنديًّا من جنود الله الذين لم يرضوا لأنفسهم الركون إلى الدنيا، وخرجوا بأنفسهم وأموالهم فاتحين بلاد المشرق والمغرب، ليُخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وليسعدوا جميعًا بالإسلام في الأرض.

نايف الشريف
06-09-2009, 06:05 AM
أضافة إلى ماذكرت أختي عزوف جزاها الله كل خير
عن الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه .
الصحابي رقم ( 16)
أبو موسى الأشعري
إنه الصحابي الجليل عبدالله بن قيس بن سليم، المعروف بأبي موسى الأشعري، وقد رزقه الله صوتًا عَذْبًا فكان من أحسنِ الصحابة صوتًا في قراءة القرآن، قال عنه الرسول (: (لقد أُعْطِىَ أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود) [النسائي].
وقد مَرَّ به النبي ( ومعه السيدة عائشة، فوجداه يقرأ القرآن في بيته، فاستمعا لقراءته، فلما أصبح أخبره النبي ( بذلك، فقال أبو موسى: لو أعلم بمكانك لحبَّرْتُه لك تحبيرًا (أي جودته وحسنته).
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كلما رأى أبا موسى دعاه؛ ليتلو عليه من كتاب الله، وقال له: شوِّقْنَا إلى ربنا يا أبا موسى.
وقد جاء أبو موسى إلى مكة قبل ظهور الإسلام، واشتهر بين أهل مكة بالتجارة وحسن المعاملة، ولما ظهر الإسلام، ودعا رسول الله ( إليه، أسرع أبو موسى ليعلن إسلامه، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم طلب من النبي ( أن يرجع إلى قومه بني أشعر ليدعوهم إلى الله، وينشر بينهم الإسلام، ويعلمهم أمور الدين الحنيف، فأذن له رسول الله (.
فذهب أبو موسى إلى قومه، وأخذ يدعوهم إلى الإسلام، فاستجاب له كثيرون، فهاجر بهم إلى الحبشة، وكان عددهم يزيد على الخمسين رجلا، من بينهم شقيقاه؛ أبو رُهْم وأبو عامر، وأمه ظبية بنت وهب، وبعض النساء والصبيان.
وبعد أن هاجر الرسول ( إلى المدينة، واستقر له الأمر فيها، هاجر المسلمون من الحبشة إلى المدينة، وكان أبو موسى الأشعري وقومه من هؤلاء المهاجرين، وقد قال النبي ( لأصحابه: (يَقْدُمُ عليكم غدًا قوم هم أرقُّ قلوبًا للإسلام منكم).
فقدم الأشعريون، ولما اقتربوا من المدينة كانوا يقولون: غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه، ولما دخل أبو موسى الأشعري وقومه المدينة قال لهم الرسول (: (لكم الهجرة مرتين؛ هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إليَّ)
[متفق عليه].
ولما نزل قول الله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54]، قال النبي (: (هم قومك يا أبا موسى وأومأ (أشار) إليه)
[ابن سعد والحاكم].
واستعمله النبي ( على زُبيد وعَدَن، وغزا أبو موسى وجاهد مع النبي ( حتى قيل عنه: سيد الفوارس أبو موسى.
[ابن سعد]. ودعا له النبي ( فقال: (اللهم اغفر
لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريمًا) [متفق عليه].
وذات ليلة كان النبي ( واقفًا عند باب المسجد مع خادمه بريدة، فوجدا أبا موسى يصلي بخشوع وخضوع فقال النبي ( له: (يا بريدة أتراه يرائي؟) قال بريدة: الله ورسوله أعلم. قال: (بل هو مؤمن منيب، لقد أعطى مزمارًا من مزامير آل داود)، فأتاه بريدة فوجد الرجل الذي مدحه الرسول ( وأثنى عليه هو أبو موسى فأخبره. [مسلم].
وكان النبي ( يضرب بالأشعريين المثل في تكافلهم وتعاونهم فيقول: (إن الأشعريين إذا أرملوا (افتقروا) في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسَّوية، فهم منِّي وأنا منهم) [البخاري].
وظل أبو موسى الأشعري مصاحبًا رسول الله ( طوال حياته، وبعد وفاة الرسول ( اشترك أبو موسى في حروب الردة في عهد خليفة المسلمين أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وجاهد فيها جهادًا حسنًا.
وكان أبو موسى -رضي الله عنه- متواضعًا، يروى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ولاه إمارة البصرة، فقال أبو موسى لأهلها حين وصل إليهم: بعثني إليكم أمير المؤمنين أعلِّمكم كتاب ربكم -عز وجل- وسنة نبيكم (، وأنظف لكم طرقكم. فتعجب القوم إذ كيف ينظف الأمير طرق المدينة.
وكان أبو موسى بحرًا في العلم والفقه وأمور الدين، فقد قال عنه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين سُئِلَ عن علمه: صُبغ في العلم صبغة.
وغزا أبو موسى بالبصريين ابتغاء الأجر والثواب من الله -عز وجل-، فافتتح الأهواز، كما فتح الرها وسميساط وغير ذلك، وظل واليًا على البصرة في خلافة عثمان بن عفان حتى طلب أهل الكوفة من أمير المؤمنين أن يوليه عليهم، فوافق الخليفة عثمان على ذلك، وأقرَّه أميرًا على الكوفة.
ومكث أبو موسى في إمارة الكوفة حتى استشهد عثمان -رضي الله عنه-، وجاء من بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، فعاد أبو موسى إلى مكة المكرمة، وعكف على العبادة والصلاة حتى توفي -رضي الله عنه- سنة (42) من الهجرة.

نايف الشريف
07-09-2009, 06:21 PM
الصحابي رقم (17)

ذو الجناحين
جعفر بن أبي طالب
إنه جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- شهيد مؤتة، وابن عم رسول الله
(، والشقيق الأكبر لعلي -رضي الله عنه-، أسلم مبكرًا، وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عُميْس، وتحملا نصيبهما من الأذى والاضطهاد في شجاعة وثبات.
كان أشبه الناس خَلْقًا وخُلُقًا بالرسول (، كنَّاه الرسول
( بأبي المساكين، ولقبه بذي الجناحين، وقال عنه حين قطعت يداه: (إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء) [الحاكم].
وكان جعفر -رضي الله عنه- يحب المساكين ويطعمهم ويقربهم منه، ويحدثهم ويحدثونه، يقول عنه أبو هريرة: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب. ويقول عنه أيضًا: ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله ( أفضل من جعفر بن أبي طالب.
ولما خاف الرسول ( على أصحابه اختار لهم الهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد)، فخرج جعفر وأصحابه إلى الحبشة، فلما علمت قريش، أرسلت وراءهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة -وكانا لم يسلما بعد-، وأرسلت معهما هدايا عظيمة إلى النجاشي ملك الحبشة؛ أملا في أن يدفع إليهم جعفر وأصحابه فيرجعون بهم إلى مكة مرة ثانية ليردوهم عن دين الإسلام.
ووقف رسولا قريش عمرو وعبد الله أمام النجاشي فقالا له: أيها الملك! إنه قد ضوى (جاء) إلى بلادك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك (المسيحية)، بل جاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم لتردهم إليهم. فلما انتهيا من كلامهما توجَّه النجاشي بوجهه ناحية المسلمين وسألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا؟
فقام جعفر وتحدث إلى الملك باسم الإسلام والمسلمين قائلاً: أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى عبادة الله وحده، وخَلْعِ (ترك) ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، فصدقناه وآمنا به، فعذبنا قومنا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما ظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك.
استمع النجاشي إلى كلمات جعفر، فامتلأت نفسه روعة بها، ثم سأله: هل معك شيء مما أنزل على رسولكم؟ قال جعفر: نعم، فقال النجاشي: فاقرأه علي. فقرأ جعفر من سورة مريم، فبكى النجاشي، ثم توجه إلى عمرو وعبد الله وقال لهما: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة (يقصد أن مصدر القرآن والإنجيل واحد). انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما.
فأخذ عمرو يفكر في حيلة جديدة، فذهب في اليوم التالي إلى الملك وقال له: أيها الملك، إنهم ليقولون في عيسى قولاً عظيمًا، فاضطرب الأساقفة لما سمعوا هذه العبارة وطالبوا بدعوة المسلمين، فقال النجاشي: ماذا تقولون عن عيسى؟ فقال جعفر: نقول فيه ما جاءنا به نبينا (: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. عند ذلك أعلن النجاشي أن هذا هو ما قاله عيسى عن نفسه، ثم قال للمسلمين: اذهبوا، فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبكم أو آذاكم فعليه ما يفعل، ثم رد إلى قريش هداياهم.
وعاد جعفر والمسلمون من الحبشة بعد فتح خيبر مباشرة، ففرح الرسول ( فرحًا كبيرًا وعانقه وهو يقول: (ما أدرى بأيهما أنا أشد فرحًا؛ أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟) [الحاكم]. وبنى له الرسول ( دارًا بجوار المسجد ليقيم فيها هو وزوجته أسماء بنت عميس وأولادهما الثلاثة؛ محمد،
وعبد الله، وعوف، وآخى بينه وبين معاذ بن جبل -رضي الله عنهما-.
وفي العام الثامن من الهجرة، أرسل النبي ( جيشًا إلى الشام لقتال الروم، وجعل الرسول ( زيد بن حارثة أميرًا على الجيش وقال: (عليكم بزيد بن حارثة، فإن أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة) [أحمد والبخاري]. ودارت معركة رهيبة بين الفريقين عند مؤتة، وقتل زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر، ومضى يقاتل في شجاعة وإقدام وسط صفوف الروم وهو يردد بصوت عالٍ:
يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَــــا طَيَّبَةٌ، وَبَارِدٌ شَرَابُهَــــــا
وَالرُّومُ رومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَــا كَافِرَةٌ بَعيِدَةٌ أنْسَابُهَــــــا
عليَّ إِذْ لاقيتها ضرابهـــا
وظل يقاتل حتى قطعت يمينه، فحمل الراية بشماله فقطعت هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد. يقول ابن عمر: كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه فوجدناه وبه بضع وتسعون جراحة، ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، وعلم الرسول ( خبر استشهاده، فذهب إلى بيت ابن عمه، وطلب أطفال جعفر وقبلهم، ودعا لأبيهم -رضي الله عنه-.

نايف الشريف
10-09-2009, 07:17 AM
الصحابي رقم ( 18)

صاحب العمامة الحمراء
أبو دجانة الأنصاري
إنه الصحابي الجليل أبو دجانة الأنصاري، واسمه سِمَاك بن أوس بن خرشة، أسلم وآمن بالله ورسوله ، وقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين عتبة بن غزوان، وكان شديد الحب لله ولرسوله ، كثير العبادة، اشترك في غزوة بدر وحضر المعارك مع رسول الله ، وأبلى فيها بلاء حسنًا.
وقف يوم أحد إلى جانب فرسان المسلمين، يستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض عليهم سيفه، قائلا: (من يأخذ مني هذا؟) فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا ..أنا، فقال رسول الله : (فمن يأخذه بحقه؟)، فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه ، فأخذه أبو دجانة، ففلق به هام المشركين (أي شق رءوسهم) [مسلم].
وأخذ أبو دجانة عصابته الحمراء وتعصب بها، فقال الأنصار من قومه: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، ثم نزل ساحة المعركة، وهو ينشد:
أَنَا الذي عَاهَدَنِي خَلِيــلِي وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيــلِ
أَنْ لا أُقِيمَ الدَّهرَ في الكبُولِ أَضــْرِبُ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ
وأخذ يقتل المشركين، ويفلق رءوسهم بسيف الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بدأ النصر يلوح للمسلمين، فلما ترك الرماة أماكنهم، وانشغلوا بجمع الغنائم، عاود المشركون هجومهم مرة أخرى، ففر كثير من المسلمين، وثبت بعضهم يقاتل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم أبو دجانة الذي كان يدفع السهام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما رأى كتائب المشركين تريد الوصول إليه، فتصدى لهم بكل ما أوتى من قوة؛ أملا في الحصول على الشهادة.
ومات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو راض عنه ، فواصل جهاده مع خليفته
أبي بكر الصديق ، وشارك في حروب الردة ، وكان في مقدمة جيش المسلمين الذاهب إلى اليمامة لمحاربة مدعى النبوة مسيلمة الكذاب وقومه بني حنيفة ، وقاتل قتال الأسد حتى انكشف المرتدون ، وفروا إلى حديقة مسيلمة ، واختفوا خلف أسوارها وحصونها المنيعة ، فألقى المسلمون بأنفسهم داخل الحديقة وفي مقدمتهم أبو دجانة ، ففتح الحصن ، وحمى القتال ، فكسرت قدمه ، ولكنه لم يهتم، وواصل جهاده حتى امتلأ جسده بالجراح ، فسقط شهيدًا على أرض المعركة ، وانتصر المسلمون ، وفرحوا بنصر الله ، وشكروا لأبي دجانة صنيعه من تضحية وجهاد لإعلاء كلمة الله.

نايف الشريف
10-09-2009, 08:57 PM
الصحابي رقم ( 19)

المقداد بن عمرو
إنه الصحابي الجليل المقداد بن عمرو -رضي الله عنه-، وهو من المبكرين بالإسلام، حيث ذكر ضمن السبعة الأوائل الذين اعتنقوا الإسلام.
وكان المقداد قد جاء إلى مكة، فأخذه الأسود بن عبد يغوث وتبناه، فصار يدعى المقداد بن الأسود، فلما نزلت آية تحريم التبني نُسب لأبيه عمرو بن سعد.
وتزوج المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنه مولى وهى قرشية هاشمية شريفة؛ وذلك لأن الإسلام لا يفرق بين عبد أو سيد ولا بين شريف ووضيع ، فالكل في نظر الإسلام سواء ، لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى والعمل الصالح.
وهاجر المقداد إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، وحضر بدرًا ، وشهد المعارك كلها ، وكان أول من قاتل على فرس في سبيل الله ، وقيل إنه الوحيد الذي قاتل على فرس يوم بدر ، أما بقية المجاهدين فكانوا مشاة أو راكبين إبلاً .
وعُرف المقداد بالشجاعة والفروسية والحكمة ، وكانت أمنيته أن يموت شهيدًا في سبيل الله ، ويبقى الإسلام عزيزًا قويًّا ، فقال -رضي الله عنه-: لأموتن والإسلام عزيز.
وروى أنه لما وقف النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه قبيل غزوة بدر الكبرى تقدم هذا الصحابي الجليل بعد أن استمع إلى كلام أبي بكر وعمر
-رضي الله عنهما-، وقال مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، امض لما أراك الله، فنحن معك، والله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى -عليه السلام-: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (موضع في اليمن) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خيرًا، ودعا له. [ابن هشام].
انطلقت هذه الكلمات الطيبة من فم هذا الصحابي ، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعا له دعوة صالحة ، وتمنى كل صحابي لو أنه كان صاحب هذا الموقف العظيم ، يقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- لما سمع هذا الكلام: لقد شهدت من المقداد مشهدًا ، لأن أكون صاحبه ، أحب إلي مما في الأرض جميعًا.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب المقداد حبًّا كبيرًا ، ويقرِّبه منه ، وجعله ضمن العشرة الذين كانوا معه في بيت واحد ، عندما قسَّم المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة إلى عشرات ، وجعل كل عشرة في بيت.
وقال صلى الله عليه وسلم : (إن الله أمرني بحب أربعة ، وأخبرني أنه يحبهم) فقيل: يا رسول الله، سمهم لنا؟ قال: (عليٌّ منهم، يقول ذلك ثلاثًا، وأبوذرِّ، والمقداد، وسلمان، أمرني بحبهم، وأخبرني أنه يحبهم). [أحمد والترمذي].
وكان المقداد حكيمًا عاقلا ، وكانت مواقفه تعبِّر عن حكمته فها هو ذا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله: (كيف وجدت الإمارة؟) وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ولاه إحدى الإمارات ، فقال المقداد: لقد جعلتني أنظر إلى نفسي كما لو كنت فوق الناس ، وهم جميعًا دوني ، والذي بعثك بالحق ، لا أتأمرن على اثنين بعد اليوم أبدًا.
فالمقداد لا يخدع نفسه ، إنما يعرف ضعفه ، ويخاف على نفسه من الزهو والعجب ، فيقسم على عدم قبوله الإمارة ، ثم يبّر بقسمه فلا يكون أميرًا بعد ذلك، ويتغنى بحديث للرسولصلى الله عليه وسلم قال فيه: (إن السعيد لمن جنب الفتن)
[أبو داود].
وللمقداد موقف آخر تظهر فيه حكمته ، فيقول أحد أصحابه: جلسنا إلى المقداد يومًا فمر به رجل ، فقال مخاطبًا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ، لوددنا أنا رأينا ما رأيت ، وشهدنا ما شاهدت، فأقبل عليه المقداد، وقال: ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدًا غيبه الله عنه ، لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه؟ والله لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوامًا ، كبهم الله -عز وجل- على مناخرهم (أي: أنوفهم) في جهنم ، أو لا تحمدون الله الذي جنبكم مثل بلائهم ، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم.
[أبو نعيم].
وأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بحبه، فقال : (عليكم بحب أربعة: علي، وأبي ذر، وسلمان، والمقداد) [أحمد والترمذي
وابن ماجه].
وقد كان المقداد جوادًا كريمًا ، فقد أوصى للحسن والحسين بستة وثلاثين ألفًا، ولأمهات المؤمنين لكل واحدة سبعة آلاف درهم ، وتوفي المقداد -رضي الله عنه- بالمدينة سنة (33هـ) في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وعمره حينئذ سبعون عامًا.

نايف الشريف
13-09-2009, 12:02 AM
الصحابي رقم ( 20)

الحسن بن علي
إنه الحسن بن علي -رضي الله عنهما -، سيد شباب أهل الجنة، وحفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمه السيدة فاطمة الزهراءرضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبوه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه -. ولد في النصف الثاني من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمولده ذهب إلى بيت علي رضي الله عنه ، فقال: (أروني ابني، ما سميتموه؟) فقال علي -رضي الله عنه-: حرب. فقال النبي (: (بل هو حسن) [أحمد والطبراني].
وفي اليوم السابع من مولده، أقام النبي صلى الله عليه وسلم عقيقة له ، وذبح كبشًا، وحلق رأس الحسن ، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة. [أبوداود وابن حبان].
وكان جده ( يحبه كثيرًا، ويقول عنه وعن أخيه الحسين: (هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما، فأحبهما وأحب من يحبهما) [الترمذي]، وقال (: (هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم عليَّ ، ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة). [الترمذي].
وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا إلى المسجد ، فصعد به المنبر وأجلسه إلى جواره، وقال لأصحابه: (ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) [البخاري].
كان -رضي الله عنه - أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذات يوم رآه أبو بكر الصديق وهو طفل يلعب فحمله ، وقال له مداعبًا:
بأبي شبيه النبي ليس شبيهٌ بعلي
فتبسم والده الإمام علي من قول الصديق. [البخاري].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد يقفز الحسن والحسين على ظهره ، فلا يقوم النبي صلى الله عليه وسلم من سجوده حتى يتركاه ، وكان لا ينهرهما ولا يغضب منهما.
وذات يوم، رأى أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل الحسن على ظهره، فقال: نعم المركب ركبت يا غلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ونعم الراكب هو) [الترمذي].
ونشأ الحسن -رضي الله عنه- متصفًا بصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان عابدًا حليمًا، ورعًا، فاضلا، وكان ذا هيبة ووقار، فسمّي التقي، والطيب، والذكي، والولي.
سأل رجل الحسن ذات يوم: أتخاف من عذاب الله وعندك أسباب النجاة؟ ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفاعته ( لك، ورحمة الله التي وسعت كل شيء؟
فقال الحسن -رضي الله عنه-: أما إني ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله تعالى يقول: {إذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]. وأما عن الشفاعة؛ فالله سبحانه وتعالى يقول:
{من ذاالذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255]. وإما الرحمة التي وسعت كل شيء، فالله يقول: {فسأكتبها للذين يتقون}_[الأعراف: 156]، فكيف الأمان بعد ذلك؟!
وكان -رضي الله عنه- جوادًا كريمًا، شجاعًا بطلاً، وقد شارك في فتح شمال أفريقيا وطبرستان، والدفاع عن عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم قتل ، ووقف مع أبيه في موقعة الجمل وصفين وحروبه ضد الخوارج.
وكان -رضي الله عنه- حريصًا على المسلمين وعدم تفرقهم، فتنازل عن الخلافة لما علم أن ذلك سيؤدي إلى قيام حرب بين المسلمين، فلما تنازل عن الخلافة ؛ أصلح الله بذلك بين الفئتين كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) [البخاري].
وسمي العام الذي تنازل فيه الحسن عن الخلافة لمعاوية -رضي الله عنهما - بعام الجماعة، وكان ذلك سنة (40هـ).
وكان إذا تردد في أمرين لا يدرى أيهما أقرب إلى الحسن ؛ نظر إلى أيهما أقرب من هواه فخالفه واتقاه. وكان -رضي الله عنه- فصيحًا، له كثير من الأقوال المأثورة التي تحمل معاني الحكمة منها:
- إن المؤمن من تصغر الدنيا في عينه، ويخرج على سلطان بطنه وفرجه وجهله، لا يسخط ولا يشكو، إذا جالس العلماء كان أحرص الناس على أن يسمع منهم على أن يتكلم، لا يشارك في ادعاء، ولا يدخل في مراء (جدل).
- لا أدب لمن لا عقل له، ولا سؤددا (لا سيادة) لمن لا همة له ، ولا حياء لمن لا دين له.
- هلاك الناس في ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد؛ فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس. والحرص عدو النفس، وبه أخرج آدم من الجنة، والحسد رائد السوء، وبه قتل قابيل هابيل.
وفي ربيع الأول سنة (50 هـ) توفي الحسن -رضي الله عنه- ودفن بالبقيع، وقد روى -رضي الله عنه- كثيرًا من الأحاديث عن جده صلى الله عليه وسلم .

نايف الشريف
14-09-2009, 04:20 AM
الصحابي رقم ( 21)

سيد شباب أهل الجنة
الحسين بن علي
إنه الحسين بن علي -رضي الله عنه-، الحفيد الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، من ابنته فاطمة الزهراء -رضي الله عنها-، زوج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وقد وُلد الحسين -رضي الله عنه- يوم الخامس من شعبان سنة أربعة من الهجرة، وعند ولادته أخذه النبي صلى الله عليه وسلم وحمله بين ذراعيه ولثم فاه بقبلة حانية طاهرة ، وسماه حسينًا، وقال: (حسين مني وأنا من حسين، أَحَبَ اللهُ من أحب حسينًا) [الترمذي وأحمد].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحسين حبًّا شديدًا، فنشأ الحسين في حجر النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ السابعة من عمره لا يفارقه ، ولا يبعد عنه ، ويناديه يا أبت ، وكان الحسين أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذا أحبه الصحابة وعظمه الخلفاء منذ صغره.
وذات يوم دخل الحسين -رضي الله عنه- المسجد، فقال جابر ابن عبد الله
-رضي الله عنه-: (من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا)، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم [أبو يعلي].
وكان الحسين -رضي الله عنه- عابدًا يكثر الصوم والصلاة والحج والصدقة، وكان يحسن المعاملة مع مواليه وخدمه ، فيروى أنه دخلت عليه جارية وبيدها باقة من الريحان فحيته بها ، فقال لها الحسين: أنت حرَّة لوجه الله -تعالى-، فقيل له: جارية تحييك بطاقة (باقة) ريحان فتعتقها؟
فقال الحسين: هكذا أدبنا الله ، فقال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86]، وكان أحسن منها عتقها.
وأحب الحسين -رضي الله عنه- العلم حتى صار بحرًا في علوم القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والفقه، فكان يلقي دروسًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الصحابة والتابعون يحرصون على حضور حلقته واستماع العلم منه ، وفي هذا يقول معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-: إذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رءوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله الحسين.
وقد عُرف -رضي الله عنه- بشجاعته وجهاده العظيم في سبيل الله لنصْرة الدين ، فاشترك في فتح شمال إفريقية في خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وساهم في فتح طبرستان، وساند الحسين أباه الإمام عليَّا في حروبه بالجمل وصفين والخوارج.
ولما توفي الإمام على وقف الحسين مع أخيه الحسن يناصره ويؤازره ، فلما تنازل الحسن -رضي الله عنه- عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان؛ حقنًا لدماء المسلمين، وجمعًا لكلمتهم، قال الحسين لأخيه الحسن في أدب ووقار: أنت أكبر وَلَدِ عليّ، وأمرنا لأمرك تبع، فافعل ما بدا لك.
وعكف الحسين بعد ذلك على طلب العلم والعبادة، حتى مات معاوية بعد أن أخذ البيعة لابنه يزيد مخالفًا بذلك إحدى شروط الصلح ، وهو أن يُترك الأمر من بعده شورى بين المسلمين ، عندها لم يسكت الحسين، وبايعه كثير من المسلمين، وطلبوا منه أن يكون خليفتهم، وأرسل إليه أهل الكوفة يبايعونه، ويحثونه على أن يأتي إليهم، فخرج الحسين مع أهله وبعض مناصريه متوجهًا نحو الكوفة، وحاول ابن عباس وأبو سعيد الخدري وابن عمر -رضي الله عنهم- منعه عن الخروج من مكة لكنه -رضي الله عنه- عزم على الخروج.
وفي الطريق، قابل الفرزدق الشاعر المعروف فسأله: كيف تركت الناس في الكوفة؟ فأجابه الفرزدق: تركتهم قلوبهم معك وسيوفهم عليك. فقال الحسين: لله الأمر من قبل ومن بعد ، ثم أكمل سيره حتى وصل إلى مكان يسمى (كربلاء) على مقربة من نهر الفرات ؛ حيث دارت المعركة ، وراح ضحيتها الحسين شهيدًا مع كثير مـن أهله وصحبه ، وكان ذلك سنة (61 هـ).
وقد حفظ الله نسل النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين، فكل من ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يرجع نسبه إلى الحسن أو الحسين -رضي الله عنهما-.

نايف الشريف
14-09-2009, 08:12 PM
الصحابي رقم ( 22)

حبر الأمة وترجمان القرآن
عبد الله بن عباس
إنه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولد -رضي الله عنه- قبل الهجرة بثلاث سنين، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر إلى المدينة مع أبويه قبل فتح مكة.
وكان ابن عباس -رضي الله عنه- محبًا للعلم منذ صغره، يقبل عليه، ويهتم به حفظًا وفهمًا ودراسة، وما إن اشتد عوده حتى أصبح أعلم الناس بتفسير القرآن وأحكام السنة المطهرة، يأتي إليه الناس من كل مكان يتعلمون منه أحكام الدين على يديه. دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (اللهم فقهه في الدين) [البخاري]، وكان يسمى بـترجمان القرآن.
ولقِّب بالحَبْر لكثرة علمه بكتاب الله وسنة رسوله ، ويروى أنه كان معتكفًا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل على وجهه علامات الحزن والأسى، فسأله عن سبب حزنه؛ فقال له: يا ابن عم رسول الله، لفلان علي حق ولاء، وحرمة صاحب هذا القبر أي قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ما أقدر عليه؛ فقال له: أفلا أكلمه فيك؟ فقال الرجل: إن أحببت؛ فقام ابن عباس، فلبس نعله، ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟‍! (أي أنك معتكف ولا يصح لك الخروج من المسجد).
فرد عليه قائلاً: لا، ولكن سمعت صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم والعهد به قريب -فدمعت عيناه- وهو يقول: (من مشى في حاجة أخيه، وبلغ فيها كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى، جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين (المشرق والمغرب))
[الطبراني والبيهقي والحاكم].
وكان يحب إخوانه المسلمين، ويسعى في قضاء حوائجهم، وكان يقول: لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرًا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة بعد حجة، ولهدية أهديها إلى أخ لي في الله أحب إلي من دينار أنفقه في سبيل الله. وكان عمر -رضي الله عنه- يحب عبد الله بن عباس ويقربه من مجلسه ويستشيره في جميع أموره، ويأخذ برأيه رغم صغر سنه، فعاب ناس من المهاجرين ذلك على عمر، فقال لهم عمر: أما أني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عمر عن تفسير سورة {إذا جاء نصر الله والفتح}، فقال بعضهم: أمر الله نبيَّه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجًا أن يحمده ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس، تكلم. فقال عبدالله: أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم متى يموت، أي: فهي علامة موتك فاستعد، فسبح بحمد ربك واستغفره. [البخاري وأحمد والترمذي والطبراني وأبو نعيم].
وكان سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- يقول عن ابن عباس: ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا، ولا ألب لبًّا (عقلاً)، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله وإن حوله لأهل بدر. [ابن سعد]. وكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- تقول: أعلم مَن بقي بالحجِّ ابن عباس.
وكان ابن عباس يقيم الليل، ويقرأ القرآن، ويكثر من البكاء من خشية الله، وكان متواضعًا يعرف لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قدرهم، ويعظمهم ويحترمهم، فذات يوم أراد زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن يركب ناقته فأسرع ابن عباس إليه لينيخ له الناقة، فقال له زيد: تنيخ لي الناقة يا ابن عم رسول الله؟! فرد عليه ابن عباس قائلاً: هكذا أمرنا أن نأخذ بركاب كبرائنا.
وكان ابن عباس كريمًا جوادًا، وذات مرة نزل أبو أيوب الأنصاري البصرة حينما كان ابن عباس أميرًا عليها، فأخذه ابن عباس إلى داره وقال له: لأصنعن بك كما صنعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستضافه ابن عباس خير ضيافة. وحضر ابن عباس معركة صفين، وكان في جيش الإمام عليَّ، وأقبل ابن عباس على العلم والعبادة حتى أتاه الموت سنة (67 هـ)، حينما خرج من المدينة قاصدًا الطائف، وكان عمره آنذاك (70) سنة، وصلى عليه الإمام محمد بن الحنفية، ودفنه بالطائف وهو يقول: اليوم مات رَبَّاني هذه الأمة.
وكان ابن عباس -رضي الله عنه- من أكثر الصحابة رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ مسنده (1660) حديثًا، كما كان من أكثر الصحابة فقهًا، وله اجتهادات فقهية تميزه عن غيره من الصحابة.

نايف الشريف
15-09-2009, 07:39 PM
الصحابي رقم ( 23)

الشهيد أخو الشهيد
خالد بن سعيد
إنه خالد بن سعيد بن العاص -رضي الله عنه-، أسلم مبكرًا، فلم يكن قد سبقه إلى الإسلام سوى ثلاثة أو أربعة، وقيل إنه أسلم مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.
ويروى في إسلامه أنه قام مفزوعًا من نومه ذات يوم، وهو يقول: أحلف بالله إنها لرؤيا حق. فلقى أبا بكر الصديق -رضي الله عنه-، فقال: إني رأيت في منامي أني واقف على شفير نار عظيمة، وأبي يدفعني نحوها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعني من أن أقع فيها، ويجذبني من ملابسي بيده اليمنى المباركة.
فقال له أبو بكر -رضي الله عنه-: إنه لخير أريد لك، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، وإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع فيها، وأبوك واقع فيها.
وانطلق خالد يبحث عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وجده عند جبل بمكة يسمى أجياد، ثم سأله: يا محمد، إلى من تدعو؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتخلع (تترك) ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، ولا يدرى من عَبَده ممن لم يعبده. [البيهقي والحاكم].
فقال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، ففرح الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلامه.
ولما علم أبوه سعيد بن العاص بإسلامه، أرسل إليه أحد إخوته، ولم يكونوا أسلموا بعد، فجاء خالد ووقف أمام والده، فأخذ أبوه يشتمه، ويسبه، ويضربه بمقرعة كانت في يده حتى كسرها على رأسه، ثم قال: اتبعت محمدًا وأصحابه، وأنت ترى خلافه مع قومه، وما جاء به من عيب آلهتهم، وعيب من مضى من آبائهم!!
فقال خالد: نعم تبعته على ما جاء به، فصاح أبوه فيه قائلا: اذهب يا أحمق حيث شئت، فوالله لأمنعنك القوت (أي الطعام)، فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به، ثم طرده من بيته، وقال لإخوته: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت بهذا اللئيم. وغادر خالد دار أبيه بكل ما فيها من نعيم، وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وظل معه، يعيش بجواره، وينهل من علمه
وفضله.
وعندما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة الثانية إلى الحبشة، كان خالد من أوائل من خرج إليها، ومكث هناك ما شاء الله له أن يمكث، ورزقه الله بابنه سعيد وابنته أم خالد.
ثم يعود خالد مع إخوانه إلى المدينة بعد فتح خيبر، ويقيم بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشاركه في فتح مكة وحنين والطائف، وتبوك، لا يتخلف عن غزوة، ولا يتقاعس عن جهاد، ثم بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم واليًا على اليمن.
وشاء الله تعالى أن يهدى إخوته إلى الإسلام، فأسلموا جميعًا، وشاركوا الرسول صلى الله عليه وسلم غزواته، ثم جعلهم أمراء على بعض الإمارات، ولما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ترك خالد وإخوته الإمارات، ورجعوا إلى المدينة، فقال لهم أبو بكر: ما لكم رجعت عن عمالتكم، ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ارجعوا إلى أعمالكم.
فقالوا: نحن بنو أبي أحيحة (لقب لأبيهم) لا نعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا. ثم ذهبوا إلى الشام يجاهدون في سبيل الله حتى قتلوا جميعًا هناك.
وقد قيل: ما فتحت بالشام بلدة إلا وجد فيها رجل من بني سعيد بن العاص ميتًا. وكان خالد -رضي الله عنه- شديد الحب لله ولرسوله حتى إن أباه سعيد بن العاص مرض ذات يوم، فقال: لئن رفعني الله من مرضي هذا، لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة أبدًا (يقصد بابن أبي كبشة رسول اللهصلى الله عليه وسلم .
فلما سمع خالد ما يقوله أبوه قال: اللهم لا ترفعه. فمات أبوه في مرضه ذلك. واستشهد خالد بن سعيد -رضي الله عنه- في معركة أجنادين في جمادى الأولى سنة (13 هـ) قبل وفاة أبي بكر، وقيل: استشهد في معركة مرج الصفر سنة 14هـ في بداية خلافة عمر -رضي الله عنه-.

نايف الشريف
17-09-2009, 03:55 AM
الصحابي رقم (24)

أصغر النقباء
أسعد بن زرارة
إنه أبو أمامة أسعد بن زرارة الأنصاري الخزرجي -رضي الله عنه-، أول من قدم المدينة بالإسلام، ويروى أنه أول من صلى الجمعة بها مع أربعين من أصحابه.
وكان قد خرج مع صاحب له يدعى ذكوان بن عبد القيس إلى مكة يتحاكمان إلى عتبة بن ربيعة وكانا قد اختلفا فيما بينهما، فلما وصلا إلى مكة، وسمعا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبا إليه، فعرض عليهما الإسلام، وتلا آيات من القرآن الكريم، فأسلما، ولم يقربا عتبة بن ربيعة، ثم رجعا إلى المدينة فكانا أول من قدم بالإسلام إلى المدينة [ابن سعد].
شهد بيعة العقبة الأولى والثانية، وكان أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم ، واختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبًا على قبيلته، ولم يكن في النقباء أصغر سنًّا منه.
وعن أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة -قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس الصلوات الخمس، يجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل ابني رافع. قالت: فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما قدم في ذلك المسجد وبناه، فهو مسجده اليوم (أي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم [ابن سعد].
وكان -رضي الله عنه- كريمًا، وقد استضاف مصعب بن عمير -رضي الله عنه- عندما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ ليعلم أهلها الإسلام، وجلس مصعب وأسعد في أحد بساتين بني عبد الأشهل، فالتفَّ حولهما الناس، وأخذا يدعوان الناس إلى الإسلام فأسلم على يديهما جمع كبير من بني عبد الأشهل ووقف أسعد ابن زرارة -رضي الله عنه- مواقف بطولية تدل على نبل أخلاقه، وصدق إيمانه، وعظمة حبه لله ورسوله .
وعندما مرض أسعد بن زرارة، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بمرضه، ذهب يزوره، فوجده مريضًا بالذبحة (وجع في الحلق)، ثم مات -رضي الله عنه- في السنة الأولى للهجرة والرسول صلى الله عليه وسلم يبني مسجده، وصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ودفن بالبقيع، فكان -رضي الله عنه- أول صحابي من الأنصار يدفن بالبقيع. وقد أوصى أسعد ببناته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكن ثلاثًا، فكن في رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفالته. [ابن سعد].

نايف الشريف
18-09-2009, 05:56 AM
الصحابي رقم ( 25)

عدي بن حاتم الطائي ، والده حاتم الطائي كان مضرب المثل بالكرم ، وعدي بن حاتم له قصة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ففي السنة التاسعة للهجرة دان للإسلام ملِكٌ من ملوك العرب بعد نفور شديد ، ولان للإيمان بعد إعراض و صدٍّ ، وأعطى الطاعة لرسول الله صلى الله عليه و سلم بعد طول إباء ، إنه عدي بن حاتم كان ملكًا من ملوك الجزيرة العربية
ورث عدي الرئاسة عن أبيه ، فكان ملكاً في الجزيرة ، ملَّكته قبيلة طيِّئ ، وفرضت له الربع في غنائمها ، وأسلمت له القيادة ، ولما صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الهدى والحق ، ودانت له الجزيرة العربية حيًّا بعد حي ، رأى عدي في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم زعامة واسعة النفوذ ، يوشك أن تقضي على زعامته ، وستفضي إلى إزالة رياسته ، فعادى النبيَّ صلى الله عليه وسلم.

ولإسلام عدي قصة لا تنسى ، فلنترك للرجل نفسه يحدثنا عن قصته ، وأروع ما في قصص الصحابة حينما يتولى الصحابي نفسه الحديث عن نفسه .

يقول عدي بن حاتم : ما من رجل من العرب كان أشدَّ مني كراهةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمعت به ، فقد كنت امرأ شريفاً ، وكنت نصرانياً ، وكنت أسير في قومي بالمرباع ، معه أموال طائلة ، ربع أموال قومه ، وله زعامة وملك وشرف ، ووالده أكرم العرب وربع دخلهم له وحده ، فماذا يريد من الإسلام ؟ بالمنطق المادي هو وصل إلى قمة الدنيا.
فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرِهتُه ، ولما عظم أمره ، وامتدت شوكته ، وجعلتْ جيوشُه وسراياه تشرِّق وتغرِّب في أرض العرب ، قلت لغلام لي يرعى إبلي : لا أبا لك ، أعدد لي من إبلي نوقاً سماناً سهلة القياد، واربطها قريباً مني ، فإذا سمعت بجيش لمحمد أو بسرية من سراياه قد وطئت هذه البلاد فأعلِمْني، وفي ذات غداة أقبل علي غلامي ، وقال : يا مولاي ما كنت تنوي أن تصنعه إذا وطئت أرضَك خيلُ محمد فاصنعه الآن ، فقلت : ولِمَ ثكلتك أمك ؟ فقال : إني رأيت رايات تجوس خلال الديار ، فسألت عنها فقيل لي : هذه جيوش محمد قد قدمت ، فقلت له : أعدد لي النوق التي أمرتك بها ، وقربها مني ، ثم نهضت من ساعتي ، فودعت أهلي وأولادي إلى الرحيل عن أرضي التي أحبها ، وجعلت أعد السير نحو بلاد الشام للِّحاق بأهل ديني من النصارى ، وأنزل بينهم ، وقد أعجلني الأمر عن استقصاء أهلي كلهم ، فلما اجتزت مواقع الخطر ، تفقدت أهلي فإذا لي أن تركت أختًا لي في مواطننا بنجد ، مع من بقي هناك من طيِّء ، ولم يكن مِن سبيل إلى الرجوع إليها ، فمضيت بمَن معي حتى بلغت الشام ، وأقمت فيها بين أبناء ديني ، أما أختي فقد نزل بها ما كنت أتوقعه وأخشاه ، أخته سفانة من أذكى نساء العرب ، ولها قصة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولقد بلغني وأنا في ديار الشام أن خيل محمد صلى الله عليه وسلم أغارت على ديارنا ، وأخذت أختي في جملة من أخذته من السبايا ، وسيقت إلى يثرب ، وهناك وضعت مع السبايا في حظيرة عند باب المسجد ، فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فوقفت ، وكانت ذكية جداً ، وقالت : يا رسول الله ، خاطبته بالرسالة وهذا عقل راجح ، وهي لم تسلم ، وقالت له : يا رسول الله ، هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فامننْ عليَّ مَنَّ الله عليك ، فقال عليه الصلاة والسلام : ومَن وافدُك ؟ الوالد معروف حاتم الطائي ، الوافد من ؟ قالت : عدي بن حاتم ، الوافد الذي يمكن أن يأتي إليك ليفتديني ، هرب ، فقال عليه الصلاة والسلام : الفار من الله ورسوله ، ثم مضى ، وتركها صلى الله عليه وسلم ، ولم يتكلم بشيء ، فلما كان الغد مر بها ، فقالت له مثل قولها بالأمس ، وقفت ، وقالت : يا رسول الله هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فامننْ عليَّ مَنَّ الله عليك ، قال : من الوافد ؟ قالت : عدي بن حاتم ، قال : الفار من الله ورسوله ، ثم تركها ومضى ، فلما كان بعد الغد مرَّ بها ، وقد يئست فلم تقل شيئاً ، وكان وراء النبي رجلٌ أشار لها من خلفه أن قومي وكلميه كما كلمته بالأمس ، فقامت إليه ، وقالت : يا رسول الله هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فامننْ عليَّ مَنَّ الله عليك ، وفي رواية أخرى أوسع قالت : يا رسول الله هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فإن رأيت أن تخلِّيَ عني ، ولا تشمت بي أحياء العرب ، لأنها شريفة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أكرموا عزيزَ قومٍ ذلَّ ، وغنيًّا افتقر ، وعالماً ضاع بين الجهال .

قالت : يا رسول الله ، هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فإن رأيت أن تُخلِّيَ عني ، ولا تشمت بي أحياء العرب ، فإن أبي كان سيد قومه ، يفكّ العاني ، ويعفو عن الجاني ، ويحفظ الجار ، ويحمي الذِّمار ، ويفرج عن المكروب ، ويطعم الطعام ، ويفشي السلام ، ويحمل الكَلَّ ، ويعين على نوائب الدهر ، وما أتاه أحد في حاجة فردَّه خائب ، أنا بنت حاتم طيِّء .

هناك تعليق للنبي عميق جداً ، فقالت له : فإن أبي كان سيد قومه ، يفكّ العاني ، ويعفو عن الجاني ، ويحفظ الجار ، ويحمي الذِّمار ، ويفرج عن المكروب ، ويطعم الطعام ، ويفشي السلام، ويحمل الكَلَّ ، ويعين على نوائب الدهر ، وما أتاه أحد في حاجة فردّه خائبًا ، أنا بنت حاتم طيِّء، فقال عليه الصلاة والسلام : يا جارية ، أيْ يا امرأة ، هذه صفات المؤمنين حقاً ، ولو كان أبوك مسلماً لترَحمْنا عليه وامتن عليها بقومها ، فأطلقهم جميعاً تكريماً لها فاستأذنته بالدعاء ، فأذن لها ، وقال لأصحابه : اسمعوا ، وعوا، فقالت : أصاب الله ببرك مواقعه ، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ، ولا سلب نعمةً عن كريم إلا جعلك سبباً في ردِّها عليه .

فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي ، وهو بدومة الجندل ، قالت له : يا أخي ايتِ هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله ، فإني قد رأيت هدياً ورأياً يغلب أهل الغلبة ، ورأيت خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير ، ويفك الأسير ، ويرحم الصغير ، ويعرف قدر الكبير ، ولا رأيت أجود ولا أكرم منه ، فإن يكن نبياً فلسَابِقِ فضله ، ألحقْ نفسك ، وإن يكن ملكاً فلن تزال في عز ملكه ، لقد أقنعت أخاها عدي بن حاتم أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم
لما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام : خلوا سبيلها فإنّ أباها يحب مكارم الأخلاق ، والآن اسمعوا دقة موقف النبي ، قال لها : يا جارية إلى أين تريدين أن تذهبي ؟ قالت : أريد اللحاق بأهلي في الشام ، فقال : ولكن لا تعجلي بالخروج حتى تجدي من تثقين به من قومك ، ليبلغك بلاد الشام ، فإذا وجدت الثقة فأعلميني ، وكأنها ابنته لما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام سألت عن الرجل الذي أشار إليها أن تكلمه فقيل لها إنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ثم أقامت حتى قدم ركب فيهم من تثق به ، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالت : يا رسول الله لقد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ ، فكساها النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنحها ناقة تحملها ، وأعطاها نفقة تكفيها ، وأطلق سراح قومها كلهم إكراماً لها ، ولم يسمح لها بالخروج إلا مع من تثق به ، كي يبلغها أهلها بسلام ، فخرجت مع الركب .

فلْنعُدْ إلى عدي بن حاتم في بلاد الشام ، وهو هارب ، قال عدي : ثم جعلنا بعد ذلك نتنسم أخبارها ، ونترقب قدومها ، ونحن لا نكاد نصدق ما روي لنا من خبرها مع محمد ، لقد كان يتوقَّع قتلها ، وعلمتُ إحسانه إليها كل ذلك الإحسان ، على ما كان مني اتجاهه ، فوالله إني لقاعد في أهلي إذ أبصرت امرأة في هودجها تتجه نحونا ، فقلت : ابنة حاتم ، فإذا هي هي ، فلما وقفت علينا بادرتني بقولها القاطع الظالم ، لقد احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك وعورتك ، فقلت : أيْ أُخَيَّة لا تقولي إلا أنْ تقولي خيراً ، وجعلتُ أسترضيها حتى رضيت ، وقصَّتْ علي خبرها ، فإذا هو كما تناهى إليَّ ، فقلت لها وكانت امرأة حازمة عاقلة : ما ترين في هذا الرجل ، يعني محمداً ، قالت : أرى والله أن تلحق به سريعاً ، فإن يكن نبياً فلسابق فضله ، وإن يكن ملكاً فلن تذل عنده ، وأنت أنت ، وعلى الحالتين الذهاب إليه غنيمة ، فإذا كان نبياً فأنت من السابقين ، وإذا كان ملكًا فلن تذلَّ عنده .

قال عدي : فهيأتُ جَهازي ، ومضيتُ حتى قدمتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير كتاب ولا أمان ، وكان عديّ بن حاتم يتصور أن يقتله النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع من أخته ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم قال : ذهبت إليه بلا كتاب ولا أمان ، وكان بلغني أنه قال : "إني لأرجو أن يجعل الله يد عدي في يدي" ، نتعاون ، وقد بعث له بهذا الخبر ، "إني لأرجو أن يجعل الله يد عدي في يدي"، فدخلت عليه وهو في المسجد ، فسلمت عليه ، قال : من الرجل ؟ قلت : عدي بن حاتم ، فقام إلي ، وأخذ بيدي ، وانطلق بي إلى بيته ، فوالله إنه لماضٍ بي إلى البيت إذ لقيَتْه امرأة ضعيفة كبيرة ، ومعها صبي صغير ، فاستوقفته ، وجعلت تكلمه في حاجة لها ، فظل معها حتى قضى حاجتها ، وأنا واقف ، وكانت أخته قد خاطبته : يا نبي ، ولم تقل : يا ملِك ، فقلت في نفسي : والله ما هذا بملِك ، ثم أخذ بيدي حتى أتينا منزله ، منزل من ؟ منزل النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن تأخذه إلى بيتك فهذا منتهى الإكرام

وفي البيت فتناول وسادة من أدم محشوة ليفاً ، فألقاها إليَّ ، وقال : اجلس على هذه ، فاستحييت منه ، وقلت : بل أنت تجلس عليها ، قال: بل أنت ، فجلستُ عليها ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض ، إذْ لم يكن في بيته سواها ، سوى وسادة واحدة من أدم محشوة ليفًا ، فقلت في نفسي : والله ما هذا بأمر ملك ، ثم التفتَ إليَّ وقال : إيه يا عدي بن حاتم ، ألم تكن ركوسياً تدين بدين بين النصرانية والصابئة ؟! قلت بلى ؛ قال : ألم تكن تسير في قومك بالمرباع ، تأخذ ربع أموالهم ، فتأخذ منهم ما لا يحل لك في دينك ، فقلت: بلى ، وعرفت عندئذٍ أنه نبي مرسل ، يعلم ما نجهل ، - لعلك يا عدي فقال: «يا عدي بن حاتم الطائي، أسلم تسلم» فقلت: إني على دين، قال: «أنا أعلم بدينك منك»، قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: «نعم» قال هذا ثلاثا، قال: «ألست لوسيا» قلت: بلى، قال: «ألست ترأس قومك» قلت: بلى، قال: «ألست تأخذ المرباع» قلت: بلى، قال: «فإن ذلك لا يحل لك في دينك» قال: فوجدت بها على غضاضة.
ثم قال: «لعله أن يمنعك أن تسلم أن ترى عندنا خصاصة، وترى الناس علينا ألبا واحدا، هل رأيت الحيرة؟ » قلت: لم أرها وقد علمت مكانها، قال: «فإن الظعينة سترحل من الحيرة تطوف بالبيت بغير جوار، وليفتحن الله علينا كنوز كسرى ابن هرمز» قلت: كسرى ابن هرمز! قال: «كنوز كسرى ابن هرمز، وليفيض المال حتى يهتم الرجل من يقبل منه صدقته» قال: فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن، ووالله لتكونن الثالثة، إنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عُمِّرَ عدي طويلاً ، وكان يقول : لقد تحققت اثنتان ، وبقيت الثالثة ، وإنها والله لا بد كائنة ، فقد رأيت المرأة تخرج من الحيرة على بعيرها لا تخاف شيئاً ، حتى تبلغ البيت ، وكنتُ في أول خيل أغارت على كنوز كسرى ، هو نفسه وأخذتها ، وأحلف بالله لتجيئَن الثالثة ، ولقد شاء الله أن يحقق قول نبيه عليه الصلاة والسلام ، فجاءت الثالثة في عهد الخليفة الزاهد العابد عمر بن عبد العزيز ، حيث فاضت الأموال على المسلمين حتى جعل مناديه ينادي : من يأخذ أموال الزكاة ، من فقراء المسلمين ، فلا يجد أحداً ، سيدنا عمر بن عبد العزيز لا يجد فقيرًا يعطيه الزكاة ، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام ، وبرّ عدي بن حاتم بقسمه .

أهم ملامح شخصيته:
جوده وكرمه أخرج أحمد، عن تميم بن طرفة، قال: سأل رجلٌ عديَّ بن أبي حاتم مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم، والله لا أعطيك. وسنده صحيح.. وقال الشعبي: أرسل الأشعث بن قيس إلى عدي بن حاتم يستعير منه قدور حاتم فملأها وحملها الرجال إليه فأرسل إليه الأشعث: إنما أردناها فارغة! فأرسل إليه عدي: إنا لا نعيرها فارغة.

قال ابن عيينة: حدثت عن الشعبي، عن عدي، قال: ما دخل وقت الصلاة حتى أشتاق إليه.

بعض المواقف من حياته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ولما أسلم عدي بن حاتم سنة سبع أكرمه النبي صلى الله عليه وسلم وألقى له وسادة وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه". وعن عدي بن حاتم قال: ما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا وسع لي أو تحرك لي وقد دخلت عليه يوما في بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسع لي حتى جلست إلى جنبه.

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:
روى قيس بن أبي حازم، أن عدي بن حاتم جاء إلى عمر، فقال: أما تعرفني؟ قال: أعرفك، أقمت إذ كفروا، ووفيت اذ غدروا، وأقبلت إذ أدبرو.

ـ أرسل خالد بن الوليد عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم الأنصاري طليعةً وكان ذلك في حروب الردة، فلقيهما حبال أخو طليحة فقتلاه، فبلغ خبره طليحة فخرج هو وأخو سلمة، فقتل طليحة عكاشة وقتل أخوه ثابتاً ورجعا. وأقبل خالد بالناس فرأوا عكاشة وثابتاً قتيلين، فجزع لذلك المسلمون، وانصرف بهم خالد نحو طيء، فقالت له طيء: نحن نكفيك قيساً، فإن بني أسد حلفاؤنا. فقال: قاتلوا أي الطائفتين شئتم. فقال عدي بن حاتم: لو نزل هذا على الذين هم أسرتي فالأدنى لجاهدتهم عليه، والله لا أمتنع عن جهاد بني أسد لحلفهم. فقال له خالد: إن جهاد الفريقين جهادٌ، لا تخالف رأي أصحابك وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط.

بعض الأحاديث التي نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ـ روى الشعبي عن عدي بن حاتم قال
سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه قلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر قال فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر..

ـ وعن محل بن خليفة الطائي قال سمعت عدي بن حاتم رضي الله عنه يقول
كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة والآخر يشكو قطع السبيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له ألم أوتك مالا فليقولن بلى ثم ليقولن ألم أرسل إليك رسولا فليقولن بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة..

ـ وأخبر حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال لما نزلت (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار..

وشارك في حرب الصحابه بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنهم وكان إلى جانب علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
ـ قال ابن الكلبي: مات عدي سنة سبع وستين، وله مائة وعشرون سنة.

نايف الشريف
19-09-2009, 11:05 AM
الصحابي رقم ( 26)

أبو ذر الغفاري
مقدمة
هو أبو ذَرّ، ويقال أبو الذَرّ جندب بن جنادة الغفاري وقد اختلف في اسمه فقيل: جندب بن عبد الله وقيل: جندب بن السكن والمشهور جندب بن جنادة، وأم أبي ذَرّ هي رملة بنت الوقيعة الغفارية، وقد أسلمت رضي الله عنها.

كان رضي الله عنه آدم طويلا أبيض الرأس واللحية، أسمر اللون نحيفا، قال أبو قلابة عن رجل من بني عامر: دخلت مسجد منى فإذا شيخ معروق آدم - أي أسمر اللون - عليه حلة قطرى فعرفت أنه أبو ذَرّ بالنعت...

حاله في الجاهلية:
ولد أبو ذَرّ ونشأ في قبيلة غفار بين مكة والمدينة، وقد اشتهرت هذه القبيلة بالسطو، وقطع الطريق على المسافرين والتجار وأخذ أموالهم بالقوة، وكان أبو ذَرّ رجلا يصيب الطريق، وكان شجاعا يتفرد وحده يقطع الطريق، ويغير على الناس في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع فيطرق الحي ويأخذ ما يأخذ..
ومع هذا كان أبو ذَرّ ممن تأله في الجاهلية والتَّأَلُّهُ التَّنَسُّك والتَّعَبُّد والتأْليهُ التَّعْبيد، وكان يقول لا إله إلا الله ولا يعبد الأصنام، قال أبو ذَرّّ: أخذ أبو بكر بيدي فقال يا أبا ذَرّ فقلت: لبيك يا أبا بكر فقال هل كنت تأله في جاهليتك قلت: نعم لقد رأيتني أقوم عند الشمس - أي عند شروقها - فلا أزال مصليا - أي لله - حتى يؤذيني حرّها فأخرّ كأني خفاء فقال لي: فأين كنت توجه قلت لا أدري إلا حيث وجهني الله، حتى أدخل الله علي الإسلام...
النور يسري إلى قلب أبي ذَرّ وقبيلته
عن ابن عباس قال: قال أبو ذَرّ: كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي انطلق إلى هذا الرجل كلمه وائتني بخبره فانطلق فلقيه ثم رجع فقلت ما عندك فقال والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر فقلت له لم تشفني من الخبر فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد قال فمر بي علي فقال كأن الرجل غريب قال قلت نعم قال فانطلق إلى المنزل قال فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه وليس أحد يخبرني عنه بشيء قال فمر بي علي فقال أما نال للرجل يعرف منزله بعد قال قلت لا قال انطلق معي قال فقال ما أمرك وما أقدمك هذه البلدة قال قلت له إن كتمت علي أخبرتك قال فإني أفعل قال قلت له بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر فأردت أن ألقاه فقال له أما إنك قد رشدت هذا وجهي إليه فاتبعني ادخل حيث أدخل فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنت فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له اعرض علي الإسلام فعرضه فأسلمت مكاني فقال لي يا أبا ذَرّ اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقلت والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضُربت لأموت فأدركني العباس فأكب علي ثم أقبل عليهم فقال ويلكم تقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فأقلعوا عني فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي مثل ما صنع بالأمس وأدركني العباس فأكبّ علي وقال مثل مقالته بالأمس قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذَرّ رحمه الله...
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يتبسم قال لأبي ذَرّ: "يا أبا ذَرّ حدثني بيدء إسلامك" قال: كان لنا صنم يقال له: "نهم" فأتيته فصببت له لبنا ووليت فحانت مني التفاتة فإذا كلب يشرب ذلك اللبن فلما فرغ رفع رجله فبال على الصنم فأنشأت أقول:
ألا يا نهم إني قد بدا لـي مدى شرف يبعد منك قربا
رأيت الكلب سامك خط خسف فلم يمنع قفاك اليوم كلبا
فسمعتني أم ذَرّ فقالت:
لقد أتيت جرما وأصبت عظما
حين هجوت نهما
فخبرتها الخبر فقالت:
ألا فابنـنا ربـا كريمـا جوادا في الفضائل يا بن وهب
فما من سامه كلب حقير فلم يمنـع يداه لنـا برب
فما عبد الحجارة غير غاوٍ ركيك العقل ليس بذي لب
قال فقال صلى الله عليه وسلم: "صدقت أم ذَرّ فما عبد الحجارة غير غاو".
قال ابن عبد البر:
كان أبو ذرّ من كبار الصحابة، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة فكان خامسا ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة.

وكان أبو ذَرّ رضي الله عنه يقول:
كنت ربع الإسلام أسلم قبلى ثلاثة وأنا الرابع أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت له السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أنت؟ فقلت: إني جندب رجل من بنى غفار قيل: قول أبي ذَرّ: كنت رابع الإسلام أراد من قومه لأن في ذلك الوقت أسلم الخلق من قريش وغيرهم...

وبعد أن أسلم آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة وهو المعنق ليموت...

وقال عنه ابن الأثير:
هو أول من حيّا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام، ولما أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه بالمدينة بعدما ذهبت بدر وأحد والخندق وصحبه إلى أن مات، وكان يعبد الله تعالى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين...
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
كان للنبي صلى الله عليه وسلم أثرًا كبيرًا وواضحًا في حياة أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، نظرًا لقدم إسلامه، وطول المدة التي قضاها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعن حاطب قال قال أبو ذَرّ ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما صبه جبريل وميكائيل عليهما السلام في صدره إلا قد صبه في صدري...

وعن أبي ذَرّ قال: بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ قال: "انظر أرفع رجل في المسجد في عينيك" فنظرت فإذا رجل في حلة جالس يحدث قوما فقلت: هذا قال: "انظر أوضع رجل في المسجد في عينيك" قال: فنظرت فإذا رويجل مسكين في ثوب له خلق قلت: هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "هذا خير عند الله يوم القيامة من قرار الأرض مثل هذا"

وعن أبي هريرة قال: قال أبو ذَرّ: يا رسول الله ذهب أصحاب الدثور بالأخر يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضول أموال يتصدقون بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذَرّ ألا أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك ولا يلحقك من خلفك إلا من أخذ بمثل عملك قال بلى يا رسول الله قال تكبر الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمده ثلاثا وثلاثين وتسبحه ثلاثا وثلاثين وتختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

عن أبى ذَرّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا ذَرّ كيف تفعل إذا جاع الناس حتى لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك" فقلت: الله ورسوله أعلم قال: "تعفف" ثم قال: "كيف تصنع إذا مات الناس حتى يكون البيت بالوصيف" قلت: الله ورسوله أعلم قال: "تصبر" ثم قال: "كيف تصنع إذا اقتتل الناس حتى يغرق حجر الزيت" قلت: الله ورسوله أعلم قال: "تأتي من أنت فيه" فقلت: أرأيت إن أتى علي قال: "تدخل بيتك" قلت: أرأيت إن أتى علي قال: "إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فالق طائفة ردائك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه" فقلت: أفلا أحمل السلاح؟ قال: "إذا تشركه"

أهم ملامح شخصيته
الزهد الشديد والتواضع:
كان رضي الله عنه من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول الحق سئل علي رضي الله عنه عن أبي ذَرّ فقال ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس ثم أوكأ عليه فلم يخرج شيئا منه... وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أبو ذَرّ في أمتي شبيه عيسى بن مريم في زهده ". وبعضهم يرويه: "من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذَرّ"

ومرّ فتى على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: نعم الفتى، فتبعه أبو ذَرّ فقال: يا فتى استغفر لي، فقال: يا أبا ذَرّ أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: استغفر لي، قال: لا أو تخبرني، فقال: إنك مررت على عمر رضي الله عنه فقال: نعم الفتى، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"

وقيل لأبي ذرٍّ ألا تتخذ أرضا كما اتخذ طلحة والزبير؟ فقال: وما أصنع بأن أكون أميرا وإنما يكفيني كل يوم شربة من ماء أو نبيذ أو لبن وفي الجمعة قفيز من قمح.

وعن أبي ذَرّ قال: "كان قوتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من التمر فلست بزائد عليه حتى ألقى الله تعالى".

صدق اللهجة:
قال أبو ذَرّ: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تقلّ الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفي من أبي ذَرّ، شبيه عيسى بن مريم" قال: فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا نبي الله أفنعرف ذلك له قال: "نعم فاعرفوا له".

الحرص على الجهاد رغم الصعوبات:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذَرّ وأبطأ به بعيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه فتلوم أبو ذَرّ رضي الله عنه على بعيره فأبطأ عليه فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره فخرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله هذا رجل يمشي على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا ذَرّ فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذَرّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله أبا ذَرّ يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده...
بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
عن المعرور قال: لقيت أبا ذَرّ بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك فقال إني ساببت رجلا فعيرته بأمه فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا ذَرّ أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم.

وعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال سمعت أبا ذَرّ رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول قال المسجد الحرام قال قلت ثم أي قال المسجد الأقصى قلت كم كان بينهما قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه

وروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر قال خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده ليس معه إنسان قال فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال من هذا فقلت أبو ذر جعلني الله فداءك قال يا أبا ذر تعاله قال فمشيت معه ساعة فقال إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا قال فمشيت معه ساعة فقال اجلس ها هنا قال فأجلسني في قاع حوله حجارة فقال لي اجلس ها هنا حتى أرجع إليك قال فانطلق في الحرة حتى لا أراه فلبث عني فأطال اللبث ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول وإن سرق وإن زنى قال فلما جاء لم أصبر فقلت يا نبي الله جعلني الله فداءك من تكلم في جانب الحرة ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا قال ذاك جبريل عرض لي في جانب الحرة فقال بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فقلت يا جبريل وإن سرق وإن زنى قال نعم قال قلت وإن سرق وإن زنى قال نعم قال قلت وإن سرق وإن زنى قال نعم وإن شرب الخمر

وفي صحيح مسلم عن أبي ذَرّ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال "نور أنى أراه" قال النووي: أي حجابه نور فكيف أراه
وعن أبي ذَرّ قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها قال قلت فما تأمرني قال صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة.
وعن أبي ذَرّ قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة، قال: فجئت حتى جلست فلم أتقارّ أن قمت فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس".

عن أبي ذَرّ قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذَرّ إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.

عن عبد الله بن الصامت قال قال أبو ذَرّ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل يعمل لنفسه ويحبه الناس قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن"
عن أبي عاصم عن أبيه قال لقينا أبا ذَرّ وهو عند الجمرة الوسطى فسألته عن ليلة القدر فقال ما كان أحد بأسأل لها رسول الله مني قلت يا رسول الله ليلة القدر أنزلت على الأنبياء بوحي إليهم فيها ثم ترجع فقال بل هي إلى يوم القيامة فقلت يا رسول الله أيتهن هي قال لو أذن لي لأنبأتكم ولكن التمسوها في السبعين ولا تسألني بعدها قال ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فجعل يحدث فقلت يا رسول الله في أي السبعين هي فغضب علي غضبة لم يغضب علي قبلها ولا بعدها مثلها ثم قال ألم أنهك أن تسألني عنها لو أذن لي لأنبأتكم عنها لأنبأتكم بها ولكن لا آمن أن تكون في السبع الآخر

وعن أبي ذَرّ قال دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده قال يا أبا ذَرّ إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان فقم فاركعهما قال فقمت فركعتهما ثم عدت فجلست إليه فقلت يا رسول الله إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة قال خير موضوع استكثر أو استقل قال قلت يا رسول الله أي العمل أفضل قال إيمان بالله وجهاد في سبيل الله قال قلت يا رسول الله فأي المؤمنين أكمل إيمانا قال أحسنهم خلقا قلت يا رسول الله فأي المؤمنين أسلم قال من سلم الناس من لسانه ويده قال قلت يا رسول الله فأي الصلاة أفضل قال طول القنوت قال قلت يا رسول الله فأي الهجرة أفضل قال من هجر السيئات قال قلت يا رسول الله فما الصيام قال فرض مجزىء وعند الله أضعاف كثيرة قال قلت يا رسول الله فأي الجهاد أفضل قال من عقر جواده وأهريق دمه قال قلت يا رسول الله فأي الصدقة أفضل قال جهد المقل يسر إلى فقير قلت يا رسول الله فأي ما أنزل الله عليك أعظم قال آية الكرسي ثم قال يا أبا ذَرّ ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وعشرون ألفا قلت يا رسول الله كم الرسل من ذلك قال ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا قال قلت يا رسول الله من كان أولهم قال آدم قلت يا رسول الله أنبي مرسل قال نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا ثم قال يا أبا ذَرّ أربعة سريانيون آدم وشيث وأخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم ونوح وأربعة من العرب هود وشعيب وصالح ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله كم كتابا أنزله الله قال مائة كتاب وأربعة كتب أنزل على شيث خمسون صحيفة وأنزل على أخنوخ ثلاثون صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن قال قلت يا رسول الله ما كانت صحيفة إبراهيم قال كانت أمثالا كلها أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى قال كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح وعجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل قلت يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله قلت يا رسول الله زدني قال عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء قلت يا رسول الله زدني قال إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه قلت يا رسول الله زدني قال عليك بالصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان عنك وعون لك على أمر دينك قلت يا رسول الله زدني قال عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي قلت يا رسول الله زدني قال أحب المساكين وجالسهم قلت يا رسول الله زدني قال انظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك قلت يا رسول الله زدني قال قل الحق وإن كان مرا قلت يا رسول الله زدني قال ليردك عن الناس ما تعرف من نفسك ولا تجد عليهم فيما تأتي وكفي بك عيبا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك أو تجد عليهم فيما تأتي ثم ضرب بيده على صدري فقال يا أبا ذَرّ لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق

عن أبي ذَرّ قال صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو نقلنا بقية ليلتنا هذه قال إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر فقام بنا في الثالثة وجمع أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح قلت وما الفلاح قال السحور

وعن أبي ذَرّ أنه قال: يا رسول الله الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل كعملهم قال: "إنك يا أبا ذَرّ مع من أحببت" قال: فإني أحب الله ورسوله قال: "أنت يا أبا ذَرّ مع من أحببت"

بعض المواقف من حياته مع الصحابة
مع معاوية:
عن زيد بن وهب قال مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذَرّ رضي الله عنه فقلت له ما أنزلك منزلك هذا قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في "الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله" قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب فقلت: نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذاك وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني فكتب إلي عثمان أن اقدم المدينة فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذاك لعثمان فقال لي إن شئت تنحيت فكنت قريبا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمّروا علي حبشيا لسمعت وأطعت

مع أبي بن كعب:
عن أبي ذَرّ أنه قال دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلست قريبا من أبي بن كعب فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة براءة فقلت لأبي متى نزلت هذه السورة قال فتجهمني ولم يكلمني ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم قلت لأبي سألتك فتجهمتني ولم تكلمني قال أبي ما لك من صلاتك إلا ما لغوت فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا نبي الله كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة فسألته متى نزلت هذه السورة فتجهمني ولم يكلمني ثم قال مالك من صلاتك إلا ما لغوت قال النبي صلى الله عليه وسلم صدق أبي

مع صعصعة بن معاوية:
قال صعصعة بن معاوية عم الأحنف بن قيس أتيت أبا ذَرّ بالربذة فقلت يا أبا ذَرّ ما مالك؟ فقال: مالي عملي قلت حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا سمعته منه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم.

بعض المواقف من حياته مع التابعين
مع الأحنف بن قيس
روى البخاري بسنده أن الأحنف بن قيس حدثهم قال جلست إلى ملإ من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل ثم ولى فجلس إلى سارية وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو فقلت له لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت قال إنهم لا يعقلون شيئا قال لي خليلي قال قلت من خليلك قال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر أتبصر أحدا قال فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار وأنا أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسلني في حاجة له قلت نعم قال ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير وإن هؤلاء لا يعقلون إنما يجمعون الدنيا لا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله

مع عبد الله بن الصامت:
عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذَرّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود" قلت: يا أبا ذَرّ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال الكلب الأسود شيطان.

مع مطرف بن عبد الله:
عن مطرف بن عبد الله قال: كان يبلغني عن أبي ذَرّ حديث فكنت أشتهي لقاءه فلقيته فقلت يا أبا ذَرّ كان يبلغني عنك حديث فكنت أشتهي لقاءك قال لله أبوك فقد لقيتني قال قلت حدثني بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثك قال إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة قال فلا أخالني أكذب على خليلي قال قلت من هؤلاء الذين يحبهم الله قال رجل غزا في سبيل الله صابرا محتسبا مجاهدا فلقي العدو فقاتل حتى قتل وأنتم تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل ثم قرأ هذه الآية إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص قلت ومن قال رجل له جار سوء يؤذيه فيصبر على إيذائه حتى يكفيه الله إياه أما بحياة أو موت قلت ومن قال رجل يسافر مع قوم فادلجوا حتى إذا كانوا من آخر الليل وقع عليهم الكرى والنعاس فضربوا رؤوسهم ثم قام فتطهر رهبة لله ورغبة لما عنده قلت فمن الثلاثة الذين يبغضهم الله قال المختال الفخور وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل أن الله لا يحب كل مختال فخور قلت ومن قال البخيل المنان قال ومن قال التاجر الحلاف أو البائع الحلاف

مع صدقة بن أبي عمران:
عن صدقة بن أبي عمران بن حطان قال أتيت أبا ذَرّ فوجدته في المسجد مختبئا بكساء أسود وحده فقلت يا أبا ذَرّ ما هذه الوحدة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الوحدة خير من جليس السوء والجليس الصالح خير من الوحدة وإملاء الخير خير من السكوت والسكوت خير من إملاء الشر.

بعض الأحاديث التي رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
روى البخاري بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل قال إيمان بالله وجهاد في سبيله قلت فأي الرقاب أفضل قال أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها قلت فإن لم أفعل قال تعين ضايعا أو تصنع لأخرق قال فإن لم أفعل قال تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك
وفي البخاري بسنده أيضًا عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادعى قوما ليس له فيهم فليتبوأ مقعده من النار
وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرارا قال أبو ذر خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال "المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"
وفي مسلم بسنده عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.
وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك".

أثره في الآخرين
منذ أسلم رضي الله عنه أصبح من الدعاة إلى الله فدعا أباه وأمه وأهله وقبيلته، ولما أسلم أبو ذر قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف قال فكان ذلك أول طعام أكلته بها فلبثت ما لبثت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل ولا أحبسها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم قال فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا قال فقال لي ما صنعت قال قلت صنعت إني أسلمت وصدقت قال فما بي رغبة عن دينك فاني قد أسلمت وصدقت ثم أتينا أمنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما فاني قد أسلمت وصدقت فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار قال فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان يؤمهم خفاف بن إيما بن رخصة الغفاري وكان سيدهم يومئذ وقال بقيتهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمنا قال فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم بقيتهم قال وجاءت "أسلم" فقالوا يا رسول الله إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله"

وعن المنذَرّ بن جهم قال قال حويطب بن عبد العزى لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح خفت خوفا شديدا فخرجت من بيتي وفرقت عيالي في مواضع يأمنون فيها فانتهيت إلى حائط عوف فكنت فيه فإذا أنا بأبي ذَرّ الغفاري وكانت بيني وبينه خلة والخلة أبدا مانعة فلما رأيته هربت منه فقال أبا محمد فقلت لبيك قال ما لك قلت الخوف قال لا خوف عليك أنت آمن بأمان الله عز وجل فرجعت إليه فسلمت عليه فقال اذهب إلى منزلك قلت هل لي سبيل إلى منزلي والله ما أراني أصل إلى بيتي حيا حتى ألفي فأقتل أو يدخل على منزلي فأقتل وأن عيالي لفي مواضع شتى قال فاجمع عيالك في موضع وأنا أبلغ معك إلى منزلك فبلغ معي وجعل ينادي على أن حويطبا آمن فلا يهج ثم انصرف أبو ذَرّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال أو ليس قد أمن الناس كلهم إلا من أمرت بقتلهم قال فاطمأننت ورددت عيالي إلى منازلهم وعاد إلي أبو ذَرّ فقال لي يا أبا محمد حتى متى وإلى متى قد سبقت في المواطن كلها وفاتك خير كثير وبقي خير كثير فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم تسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أبر الناس وأوصل الناس وأحلم الناس شرفه شرفك وعزه عزك قال قلت فأنا أخرج معك فآتيه فخرجت معه حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء وعنده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فوقفت على رأسه وسألت أبا ذَرّ كيف يقال إذا سلم عليه قال قل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فقلتها فقال وعليك السلام حويطب فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي هداك قال وسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي.
وقد روى عن أبي ذر الكثير من الصحابة والتابعين، فممن روى عنه من الصحابة أنس بن مالك، وحذيفة بن أسيد، حميل بن بسرة بن وقاص، وصعصعة بن معاوية، وعدي بن حاتم، وغضيف بن الحارث، ومعاوية بن حديج، ونعيم بن قعنب وغيرهم، وروى عنه من التابعين أيضا العدد الكبير...

مواقف خالدة في حياة أبي ذرّ
موقفه من الثروات
ينتقل الزاهد الورع خليفة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى جوار ربه ورسوله، تاركا خلفه فراغا هائلا، ويبايع المسلمون عثمان بن عفان رضي الله عنه وتستمر الفتوحات وتتدفق الأموال من البلاد المفتوحة، فارس والروم ومصر، وظهرت بين العرب طبقات غنية كنزت الأموال وبنت القصور وعاشت عيشة الأمراء، كما ظهرت بجانبهم طبقات فقيرة لا تجد ما تقتات به. وخرج أبو ذر إلى معاقل السلطة والثروة، يغزوها بمعارضته معقلا معقلا وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفت حولها الجماهير والكادحون، وكان إذا نزل بأرض ردد قول الله تعالى "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون"، ولقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة، هناك بالشام حيث معاوية بن أبى سفيان يحكم أرضا من أكثر بلاد الإسلام خصوبة وخيرا وفيئ، ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف قدره، فلا يقربه بسوء، ويكتب من فوره للخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويكتب عثمان لأبى ذر يستدعيه إلى المدينة، ويجرى بينهما حوارا طويل ينتهى بأن يقول له أبو ذر:" لا حاجة لى في دنياكم" وطلب أبو ذر من عثمان، رضي الله عنهما، أن يسمح له بالخروج إلى" الربذة " فأذن له.

قالت أم ذر: والله ما سير عثمان أبا ذر ولكن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها فلما بلغ البناء سلعا وجاوز خرج أبو ذر إلى الشام.
موقفه من الثورات:
أتى أبا ذر وفد من الكوفة وهو في الربذة، يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فزجرهم بكلمات حاسمة قائلا:" والله لو أن عثمان صلبنى على أطول خشبة، أو جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورأيت ذلك خير لي ولو سيرنى ما بين الأفق إلى الأفق، لسمعت وأطعت وصبرت وأحتسبت ورأيت ذلك خير لي، ولو ردني إلى منزلي، لسمعت وأطعت وصبرت وأحتسبت ورأيت ذلك خير لي" وهكذا أدرك ما تنطوي، عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاها...
بعض كلماته:
قال أبو ذَرّ: لو وضعتم الصمصامة - أي السيف القاطع - على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.
عن أبي ذَرّ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصى في الصلاة فقال واحدة أو دع
عن أبي ذَرّ قال أوصاني حبيبي بثلاث لا أدعهن إن شاء الله أبدا أوصاني بصلاة الضحى وبالوتر قبل النوم وبصوم ثلاثة أيام من كل شهر
عن أبي ذَرّ قال تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم قال أبو حاتم معنى عندنا منه يعني بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحاته صلى الله عليه وسلم
عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذَرّ قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير أوصاني بأن لا أنظر إلى من هو فوقي وأن أنظر إلى من هو دوني وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة
ومن أقواله رضي الله عنه: حجوا حجة لعظائم الأمور وصوموا يوماً شديد الحر لطول يوم النشور وصلوا ركعتين في سوداء الليل لوحشة القبور.
موقف الوفاة
عن أم ذَرّ قالت لما حضرت أبا ذَرّ الوفاة بكيت فقال ما يبكيك فقلت مالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنا قال فلا تبكي وأبشري فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية جماعة وأنا الذي أموت بفلاة والله ما كذبت ولا كذبت فأبصري الطريق قالت وأنى وقد ذهب الحاج وانقطعت الطرق قال اذهبي فتبصري قالت فكنت أجيء إلى كثيب فأتبصر ثم أرجع إليه فأمرضه فبينما أنا كذلك إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم فأقبلوا حتى وقفوا علي وقالوا ما لك أمة الله قلت لهم امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه قالوا من هو فقلت أبو ذَرّ قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نعم قالت ففدوه بآبائهم وأمهاتهم وأسرعوا إليه فدخلوا عليه فرحب بهم وقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم ليموتن منكم رجل بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا هلك في قرية وجماعة وأنا الذي أموت بفلاة أنتم تسمعون إنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب لي أو لها أنتم تسمعون إني أشهدكم أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا فليس أحد من القوم إلا قارف بعض ذلك إلا فتى من الأنصار فقال يا عم أنا أكفنك لم أصب مما ذكرت شيئا أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي حاكتهما لي فكفنه الأنصاري في النفر الذين شهدوه منهم حجر بن الأدبر ومالك بن الأشتر في نفر كلهم يمان

وقد توفي رضي الله عنه وأرضاه بالربذة سنة 32 هـ، 652 م، واختلفوا فيمن صلى عليه فقيل: عبد الله بن مسعود، وقيل جرير بن عبد الله البجلي.

من مراجع البحث:

أسد الغابة في معرفة الصحابة...................... ابن الأثير

الاستيعاب في معرفة الأصحاب.................... ابن عبد البر

المعجم الكبير.................................... الطبراني

المستدرك على الصحيحين........................ الحاكم النيسابوري

صحيح ابن حبان................................ ابن حبان

نايف الشريف
21-09-2009, 03:16 PM
الصحابي رقم ( 27)

سفينة مولى الرسول
سفينة أبو عبد الرحمن ويقال: أبو البختري مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عبدا لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم حياته يقال: اسمه مهران بن فروخ، ويقال: اسمه نجران قاله: محمد بن سعد ويقال: اسمه رومان ويقال: رباح ويقال: قيس ويقال: شنبه بن مارفنه.(1)

وهو من مولدي العرب وأصله من أبناء فارس وهو سفينة بن مافنة.(2)

من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
كان الرسول صلي الله عليه وسلم هو الذي سماه سفينة يقول رضي الله عنه كان اسمي قيسا فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة قلت: لم سماك سفينة؟ قال: خرج و معه أصحابه فثقل عليهم متاعهم فقال: ابسط كساءك فبسطته فجعل فيه متاعهم ثم حمله علي فقال: احمل ما أنت إلا سفينة فقال: لو حملت يومئذ وقر بعير أو بعبرين أو خمسة أو ستة ما ثقل علي. (3)

من الأحاديث التي رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
عن سفينة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وخلف له خيرا منها قالت: فلما توفى أبو سلمة قلت من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قالت: ثم عزم الله عز وجل لي فقلتها اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها قالت فتزوجت رسول الله {صلى الله عليه وسلم}. وهذا درس لنا نحن المسلمين أن نقول هذا الدعاء في كل ضائقة نتعرض له، حتى يخلف علينا الله عز وجل بأحسن منها.

وعن سفينة أبي عبد الرحمن: أن رجلا أضاف علي بن أبي طالب فصنع له طعاما فقالت فاطمة لو دعونا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأكل معنا فدعوه فجاء فوضع يده على عضادتي الباب فرأى القرام ( القرام الستر كره الزينة والتصنع ) قد ضرب به في ناحية البيت فرجع فقالت فاطمة لعلي الحقه فانظر ما رجعه فتبعته فقلت يارسول الله ما ردك؟ فقال " إنه ليس لي أو لنبي أن يدخل بيتا مزوقا "(4)

فما تعلق صحابة رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) بالدني، وتعاملوا مع الدنيا من منطلق أنها قنطرة للآخرة، ووجودهم فيها من أجل تحصيل الثواب، والوصول إلي جنة عرضها السموات والأرض.

وعن سفينة مولى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال: خطبنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ألا إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد حذر الدجال أمته هو أعور عينه اليسرى بعينه اليمنى ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه كافر يخرج معه واديان أحدهما جنة والآخر نار فناره جنة وجنته نار معه ملكان من الملائكة يشبهان نبيين من الأنبياء لو شئت سميتهما بأسمائهما وأسماء آبائهما واحد منهما عن يمينه والآخر عن شماله وذلك فتنة فيقول الدجال ألست بربكم ألست أحي وأميت فيقول له أحد الملكين كذبت ما يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه فيقول له صدقت فيسمعه الناس فيظنون إنما يصدق الدجال وذلك فتنة ثم يسير حتى يأتي المدينة فلا يؤذن له فيها فيقول هذه قرية ذلك الرجل ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله عز وجل عند عقبة أفيق.(5)

الوفاة:
توفي سفينة في زمن الحجاج.(6)

مصادر الدراسة:
1- تهذيب الكمال [ جزء 11 - صفحة 204 ]
2- البداية والنهاية [ جزء 5 - صفحة 315 ]
3- المستدرك [ جزء 3 - صفحة 701 ]
4- سنن أبي داود [ جزء 2 - صفحة 371 ]
5- مسند أحمد بن حنبل [ جزء 5 - صفحة 221 ]
6- الاستيعاب [ جزء 1 - صفحة 207 ]

نايف الشريف
22-09-2009, 01:56 PM
الصحابي رقم ( 28)

الأقرع بن حابس الدارمي

مقدمة
هو الأقرع بن حابس بن عقال التميمي المجاشعي الدرامي، وقال ابن دريد: اسمه فراس بن حابس، ولقب الأقرع لقرع كان به في رأسه والقرع: انحصاص الشعر.

والقرعة بالقاف هي: نخبة الشيء وخياره وقريع الإبل: فحلها وقريع القبيلة: سيدها ومنه اشتق الأقرع بن حابس وغيره ممن سمي من العرب بالأقرع

وهو عم الشاعر المشهور الفرزدق وأم الفرزدق هي ليلَى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس...

حاله في الجاهلية:
كان من سادات العرب في الجاهلية......
وقيل عنه: كان شريفا في الجاهلية والإسلام....
وكان - رضي الله عنه - من وجوه قومه ( بني تميم ).
وكان قد رأس وتقدم في قومه قبل أن يسلم ثم أسلم.
وقال الزبير في النسب كان الأقرع حكما في الجاهلية وفيه يقول جرير، وقيل غيره، لما تنافر إليه هو والفرافصة أو خالد بن أرطاة: يا أقرع بن حابس يا أقرع... إن تصرع اليوم أخاك تصرع
قال المرزباني في معجمعه: وهو أحد حكام العرب في الجاهلية كان يحكم في كل موسم، وهو أول من حرم القمار.

قصة إسلامه :
لما قدم وفد تميم كان معهم فلما قدموا المدينة قال الأقرع بن حابس حين نادى: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلكم الله سبحانه.

وقيل: بل الوفد كلهم نادوا بذلك فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ذلكم الله فما تريدون؟
قالوا: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا لنشاعرك ونفاخرك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالشعر بعثنا ولا بالفخار أمرنا ولكن هاتوا فقال الأقرع بن حابس لشاب منهم: قم يا فلان فاذكر فضلك وقومك فقال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء فنحن خير من أهل الأرض أكثرهم عددا وأكثرهم سلاحا فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقول هو أحسن من قولنا وبفعال هو أفضل من فعالنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم: قم فأجبه فقام ثابت فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله دعا المهاجرين من بني عمه أحسن الناس وجوها وأعظم الناس أحلاما فأجابوه والحمد لله الذي جعلنا أنصاره ووزراء رسوله وعزا لدينه فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فمن قالها منع منا نفسه وماله ومن أباها قاتلناه وكان رغمه في الله تعالى علينا هينا أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات فقال الزبرقان بن بدر لرجل منهم: يا فلان قم فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك فقال:

نحن الكرام فلا حي يعادلنا... نحن الرؤوس وفينا يقسم الربع
ونطعم الناس عند المحل كلهم... من السديف إذا لم يؤنس القزع
إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد... إنا كذلك عند الفخر نرتفع .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بحسان بن ثابت فحضر وقال: قد آن لكم أن تبعثوا إلى هذا العود والعود: الجمل المسن. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم فأجبه فقال: أسمعني ما قلت فأسمعه فقال حسان:

نصرنا رسول الله والدين عنوة... على رغم عات من معد وحاضر
بضرب كإبزاغ المخاض مشاشه... وطعن كأفواه اللقاح الصوادر
وسل أحدا يوم استقلت شعابه... بضرب لنا مثل الليوث الخوادر
ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى... إذا طاب ورد الموت بين العساكر
ونضرب هام الدارعين وننتمي... إلى حسب من جذم غسان قاهر
فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى... وأمواتنا من خير أهل المقابر
فلولا حياء الله قلنا تكرما... على الناس بالخيفين هل من منافر

فقام الأقرع بن حابس فقال: إني والله يا محمد لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء قد قلت شعرا فأسمعه قال: هات فقال:

أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا... إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وأنا رؤوس الناس من كل معسر... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا حسان فأجبه فقال:
بني دارم لا تفخروا إن فخركم... يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم... لنا خول من بين ظئر وخادم
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كنت غنيا يا أخا بني دارم أن يذكر منك ما كنت ترى أن الناس قد نسوه " ؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد عليهما من قول حسان

ثم رجع حسان إلى قوله:
وأفضل ما نلتم ومن المجد والعلى... ردافتنا من بعد ذكر المكارم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا... ولا تفخروا عند النبي بدارم
وإلا ورب البيت مالت أكفنا... على رؤوسكم بالمرهفات الصوارم

فقام الأقرع بن حابس فقال: يا هؤلاء ما أدري ما هذا الأمر تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أرفع صوتا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أرفع صوتا وأحسن قولا ثم دنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يضرك ما كان قبل هذا "

وفي وفد بني تميم نزل قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ] {الحجرات:4}

ثم أسلم القوم وبقوا بالمدينة مدة يتعلمون القرآن والدين ثم أرادوا الخروج إلى قومهم فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم وكساهم...

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
موقف قدومه هو وقومه، وقد سبق ذكره عند إسلامه...

شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف
من حديث أبي سعيد الخدري قال بعث علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية من اليمن فقسمها بين أربعة أحدهم الأقرع بن حابس...
وأعطى يعني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من غنائم حنين في العرب الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل

وهذه الأحاديث الصحيحة تشير إلى بعض مواقفه مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ):

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ قَالَ رَجُلٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ { البخاري - كتاب فرض الخمس - حديث رقم 2917 }

حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ عُمَرُ بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي قَالَ عُمَرُ مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا] حَتَّى انْقَضَتْ البخاري - كتاب المغازي - حديث رقم 4019 }

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ الْأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ {البخاري - كتاب الدب - حديث رقم 5538 }

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ كُلُّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ فَقَالَ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ ثُمَّ إِذًا لَا تَسْمَعُونَ وَلَا تُطِيعُونَ وَلَكِنَّهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ { النسائي - كتاب مناسك الحج - حديث 2573 }

قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَنَّهُ نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَدَّثَ أَبُو سَلَمَةَ ذَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {مسند أحمد - حديث رقم 15422}

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ مِنْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَيْنَةَ وَأَحْسِبُهُ وَجُهَيْنَةَ ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ شَكَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَأَحْسِبُهُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ خَابُوا وَخَسِرُوا قَالَ نَعَمْ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ { البخاري - كتاب المناقب - حديث رقم 3254 }

وكان - رضي الله عنه من المؤلفة قلوبهم:
عن ابن عباس قال: كانت المؤلفة قلوبهم خمسة عشر رجلا منهم: أبو سفيان بن حرب والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزاري وسهيل بن عمرو العامري...

بعض المواقف من حياته مع الصحابة :
شهد الأقرع بن حابس رضي الله عنه مع خالد بن الوليد رضي الله عنه حرب أهل العراق وشهد معه فتح الأنبار وكان على مقدمة خالد بن الوليد...
واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش وذلك في زمن عثمان
عن عبيدة بن عمرو السلماني أن عيينة والأقرع استقطعا أبا بكر أرضا فقال لهما عمر إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفكما على الإسلام فأما الآن فاجهدا جهدكما وقطع الكتاب...
سار الأقرع بن حابس إلى الجوزجان بعثه الأحنف في جريدة خيل إلى بقية كانت بقيت من الزحوف الذين هزمهم الأحنف فقاتلهم فجال المسلمون جولة فقتل فرسان من فرسانهم ثم أظفر الله المسلمين بهم فهزموهم وقتلوهم
فتح الأنبار و عين التمر و تسمى هذه الغزوة ذات العيون:
ثم سار خالد على تعبيته إلى الأنبار و على مقدمته الأقرع بن حابس و كان بالأنبار شيرزاد صاحب ساباط فحاصرهم و رشقوهم بالنبال حتى فقأوا منهم ألف عين ثم نحر ضعاف الإبل و ألقاها في الخندق حتى ردمه بها و جاز هو و أصحابه فوقها فاجتمع المسلمون و الكفار في الخندق و صالح شيرزاد على أن يلحقوه بمأمنه و يخلي لهم عن البلد و ما فيها ببهمن حاذويه...
وقد صحب خالد بن الوليد رضي الله عه في أكثر معاركه باليمامة أيام الردة وشارك كذلك في حروب العراق وأبلى فيها بلاء حسنا...

وفاته
استشهد رضي الله عنه بجوزجان - - سنة 31 هـ

المراجع
الوفيات......................... ابن خلكان
أسد الغابة..................... ابن الأثير
الاستيعاب..................... ابن عبد البر
الإصابة......................... ابن حجر
الروض الأنف................... السهيلي

نايف الشريف
23-09-2009, 12:54 PM
الصحابي رقم (29)

سلمة بن الأكوع

سلمة بن الأكوع هكذا يقول جماعة أهل الحديث ينسبونه إلى جده وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع. والأكوع هو سنان بن عبد الله بن قشير ابن خزيمة كان ممن بايع تحت الشجرة سكن بالربذة.

كان لقرب سلمة من النبي صلى الله عليه وسلم أكبر الأثر في تكوين شخصية مثالية بما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم فيها من شجاعة ومروءة وتضحية في سبيل الله هذا الأثر لاحظه الصحابة، وعرفوا أنه ما كانت هذه الصفات لتكون في سلمة إلا بتربية الرسول صلى الله عليه وسلم له.

أهم ملامح شخصيته:
1- الشجاعة وخير مثال على ذلك موقفه في غزوة ذي قرد، فقد تصدى لمن أغار علي إبل رسول الله صلي الله عليه وسلم، أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أغير على سرحه، قال: وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت: ثلاث مرات يا صباحاه، ثم اتبعت القوم ومعي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأقول... أنا ابن الأكوع... واليوم يوم الرضع فألحق برجل فأرميه وهو على رحله فيقع سهمي في الرجل حتى انتظمت كبده فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، فإذا كنت في الشجرة أحدقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرميتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، واستنقذته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنية ضيقة ثم علوت الجبل فأنا فوقهم قال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ثم قال: ليقم إليه نفر منكم، فقام إلي نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت لهم أتعرفونني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت أنا ابن الأكوع والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم: إن ذا ظن، قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أثر أبي قتادة المقداد، فولى المشركون مدبرين.(1)

2- حب الرسول وطاعته ومن الأمثلة الواضحة على هذا الكرم هبته جارية وقعت في سهمه في إحدى السرايا للنبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من أنها كانت من أجمل بنات العرب كما قال سلمة.

ومما يدل علي حبه للنبي صلي الله عليه وسلم أنه كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف فيصلي قريبا منه. فأقول له ألا تصلي هاهنا؟ وأشير إلى بعض نواحي المسجد. فيقول إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى هذا المقام.(2)

يا لها من صفات عظيمة تلك التي يتصف بها صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم كان الواحد فيهم ينظر ماذا كان يصنع رسول الله ويفعله وهو في سعادة لا توصف.

من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
مواقف عديدة حدثت بين سلمة بن الأكوع والرسول صلي الله عليه وسلم، وذلك لقرب سلمة منه وحبه الشديد له.

فعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر فقال الناس: أصيب سلمة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة. (3)

وجاء عين للمشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما طعم انسل قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بالرجل اقتلوه قال: فابتدر القوم قال: وكان أبي يسبق الفرس شد. قال: فسبقهم إليه فأخذ بزمام ناقته أو بخطامه. قال: ثم قتله. قال: فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه. (4) إنه لموقف رائع لسلمة فعندما يأمر رسول الله بأمر يبادر الصحابة بالتنفيذ.

وعن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الحديبة ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع قلت قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيض. فبايعته الثانية. فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ قال: على الموت.فعلي الموت كان يبايع الصحابة رسول الله، والرحيل عن الدنيا إلي جنة عرضها السموات والأرض.

وعن سلمة بن الأكوع قال: كنت أرمي الوحش وأصيدها وأهدي لحمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " سلمة أين تكون؟ ". فقلت: نبعد على الصيد يا رسول الله فإنما أصيد بصدر قناة اسم مكان من نحو بيت. فقال: " أما لو كنت تصيد بالعقيق( اسم مكان) لسبقتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق.(5)

وقال سلمة رضي الله عنه: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا ومسح رأسي مرارا واستغفر لي ولذريتي عدد ما بيدي من الأصابع.

وقدم سلمة رضي الله عنه المدينة فلقيه بريدة بن الخصيب فقال: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟ فقال: معاذ الله إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أبدوا يا أسلم فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب؟ ". فقالو: إنا نخاف يا رسول الله أن يضرنا ذلك في هجرتنا. فقال: " أنتم مهاجرون حيث كنتم.(6)

من مواقفه مع التابعين:
كان سلمة رضي الله عنه ممن بايع عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين.

بعض الأحاديث التي نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم:

عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: إن من أكل فليتمَّ أو فليصم ومن لم يأكل فلا يأكل.(7)

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان علي رضي الله عنه تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر وكان به رمد فقال أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لأعطين الراية - أو قال ليأخذن - غداَ رجلا يحبه الله ورسوله أو قال يحب الله ورسوله يفتح الله عليه فإذا نحن بعلي وما نرجوه فقالوا هذا علي فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الله عليه.(8)

عن سلمة بن الأكوع: أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه.(9)

الوفاة:
توفي سلمة بن الأكوع بالمدينة سنة أربع و سبعين و هو ابن ثمانين سنة.
(10)

المصادر:
1- الطبقات الكبرى [ جزء 2 - صفحة 81 ]
2- سنن ابن ماجه [ جزء 1 - صفحة 459 ]
3- مختصر تاريخ دمشق [ جزء 1 - صفحة 1359 ]
4- مختصر تاريخ دمشق [ جزء 1 - صفحة 1359 ]
5- مجمع الزوائد [ جزء 3 - صفحة 688 ]
6- مجمع الزوائد [ جزء 5 - صفحة 461 ]
7- صحيح البخاري [ جزء 2 - صفحة 679 ]
8- صحيح البخاري [ جزء 3 - صفحة 1086 ]
9- صحيح مسلم [ جزء 3 - صفحة 1599 ]
10- المستدرك [ جزء 3 - صفحة 649 ]

تلميذة ميرتون
24-09-2009, 06:50 AM
الصحابي رقم ( 30)

أمين هذه الأمة
أبو عبيدة عامر بن الجراح
رضي الله عنه


إنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من أحبِّ الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها : أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه ؟ قالت: أبو بكر. قيل: ثم من ؟ قالت: عمر. قيل ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح0
لقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وسمَّاه أمين الأمة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وقال صلى الله عليه وسلم: ما من أصحابي أحد إلا لو شئت أخذت عليه إلا أبا عبيدة0


كان أول من لقب بأمير الأمراء..؟؟

طويل القامة نحيف الجسم، معروق الوجه، خفيف اللحية، الأثرم، ساقط الثنيتين..؟؟

قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه:

" لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سالني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله"..؟؟

قبل الإسلام :
كان أبو عبيدة في الجاهلية بين الناس مهيباً وفي قومه مستشاراً ؛ مشهور بحسن الرأي والتفكير الصائب والنظر البعيد 0
إن سمو مكانة أبي عبيدة في الجاهلية مع علو منزلته في الإسلام تعتبر من أسطع الدلائل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا 0
نسبه :
أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة ابن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر القرشي ، أسلمت أمه أمَيْمة بنت عثمان بن جابر ، بينما كان أبوه من ألَّد أعداء الإسلام0

إسلامه :

أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للاسلام، قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الرقم، حيث انطلق هو وعثمان بن مظعون ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ،وعبيدة بن الحارث حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهم الإسلام، وعرَّفهم بشرائعه؛ فشرح الله صدورهم للإسلام، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف الى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة.

هجرته : كان أبو عبيدة رضي الله عنه، ممن هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة ، إلا إنه لم يُطِل المُكْث بها؛ فقد عاد إلى مكة مرة أخرى، ثم هاجر إلى المدينة المنورة 0

قوة إيمان أبي عبيدة :
لم يتخلف أبو عبيدة رضي الله عنه عن غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت له مواقف عظيمة في البطولة والتضحية، ففي غزوة بدر رأى أبو عبيدة أباه في صفوف المشركين فابتعد عنه، بينما أصرَّ أبوه على قتله، فلم يجد الابن المؤمن مهربًا من التصدي لأبيه، وتقابل السيفان، فوقع الأب المشرك قتيلاً، بيد ابنه الذي آثر حب الله ورسوله على حب أبيه، فنزل قوله تعالى:
لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ") (المجادلة: 22)



وهاهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصف لنا هذا المشهد بكلماته: لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى إذا توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيّته إحدى حلقتي المغفر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه ، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم0

بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وحينما تُوفِّي النبي صلى الله عليه وسلم كان أبو عبيدة من أقوى المرشحين لخلافته، فأتاه بعض المسلمين، ومنهم عمر بن الخطاب ؛ ليبايعوه على الخلافة، إلا أنه أبى، وقال: أتأتوني وفيكم أبو بكر؟
وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أميناً، عاش بعد وفاة الرسول جديراً بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعاً وبسماحة رحبة وتواضع عظيم يُسَلِّم أبو عبيدة قيادته لخالد بن الوليد، فيجعله خالد على المشاة، وانطلق جيش المسلمين ليحاصر دمشق ، فنزل خالد على الباب الشرقي، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية، وبقية القوَّاد على الأبواب الأخرى0
وأحاط المسلمون بالمدينة الحصينة، وضيَّقوا عليها الحصار، وحاول أهل دمشق المقاومة والدفاع عن مدينتهم بكل قوة0
ووسط هذه الأحداث الصعبة جاء خطاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة ينعي إليه نبأ وفاة أبي بكر ، ويخبره بعزل خالد بن الوليد عن قيادة الجيش، وتوليته هو القيادة بدلاً منه.

فتح دمشق وصلح أبي عبيدة :

ولكن أبو عبيدة يتكتم الأمر، ويظل جندياً تحت إمرة خالد حتى لا يفتّ ذلك في عضد الجنود، وتجنباً لما قد يثيره نبأ عزل خالد من القيادة من فوضى واضطراب؛ خاصة أن المسلمين يواجهون عدواً قوياً قد ضربوا حوله حصاراً محكماً؛ لكنه لم يَلِن ولم يستسلم0
وسعى أبو عبيدة إلى إبرام صلح مع أهل دمشق في الوقت الذي تمكَّن فيه خالد من اقتحام باب شرقي ودخل دمشق عَنوة0
والتقى القائدان في المدينة، ويثور الجدل بينهما حول مصير المدينة: هل فتحت عنوة أم صلحاً؟! ويُصِرُّ أبو عبيدة على الوفاء بصلحه مع أهلها، فلا يملك خالد إلا إقرار عقد الصلح وفاءً لذمة أبي عبيدة، وإبراءً لعهده مع أهل دمشق، وينزل له طائعاً عن قيادة الجيش بعد أن يعلم بقرار الخليفة الجديد عمر بن الخطاب رضي الله عنه جميعًا0

مكانة أبي عبيدة :

وأورد الإمام البخاري في صحيحه ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجلسائه يوماً: تمنوا0
فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم، فأنفقها في سبيل الله0
فقال: تمنوا0

فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهبًا، فأنفقه في سبيل الله. فقال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً من أمثال أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعلمهم في طاعة الله0


وأيام اتسعت مسؤوليات الصحابة وعظمت، كان أبو عبيدة في مستواها دوما بصدقه وبأمانته..

فاذا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين وليس معهم زاد سوى جراب تمر.. والمهمة صعبة، والسفر بعيد، استقبل ابو عبيدة واجبه في تفان وغبطة، وراح هو وجنوده يقطعون الأرض، وزاد كل واحد منهم طوال اليوم حفنة تملا، حتى اذا أوشك التمر أن ينتهي، يهبط نصيب كل واحد الى تمرة في اليوم.. حتى اذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيّدون الخبط، أي ورق الشجر بقسيّهم، فيسحقونه ويشربون عليه الامء.. ومن اجل هذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط..

لقد مضوا لا يبالون بجوع ولا حرمان، ولا يعنيهم الا أن ينجزوا مع أميرهم القوي الأمين المهمة الجليلة التي اختارهم رسول الله لها..!!


لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا.. وآثره كثيرا...

ويوم جاء وفد نجلاان من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والاسلام، قال لهم رسول الله:

" لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين.. حق أمين"..!!

وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه..

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

" ما أحببت الامارة قط، حبّي اياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت الى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني..

فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟..!!

ان هذه الواقعة لا تعني طبعا أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره..

انما تعني أنه كان واحدا من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية، وهذا التقدير الكريم..

ثم كان الواحد أو الوحيد الذي تسمح ظروف العمل والدعوة يومئذ بغيابه عن المدينة، وخروجه في تلك المهمة التي تهيئه مزاياه لانجازها..

أبوعبيدة الزاهد :

وكان أبو عبيدة رضي الله عنه كثير العبادة يعيش حياة القناعة والزهد، وقد دخل عليه عمربن الخطاب رضي الله عنه وهو أمير على الشام، فوجد بيته كأفقر ما يكون، فقال: أعندك طعام؟ فقام وأحضر كسيرات، فبكى الفاروق رضى الله عنه وقال: غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة0 وبعد أن طعموا لم يجد في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعاً (أو قال: شيئًا) فقال أبو عبيدة:
يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلِّغنا المقيل 0أي : سيكفينا 0

وفاته رضي الله عنه بالطاعون :

وفي سنة (18) هجرية أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشًا إلى الأردن بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، ونزل الجيش في عمواس بالأردن، فانتشر بها مرض الطاعون أثناء وجود الجيش ثم توفي أبو عبيدة رضي الله عنه وعمره (58) سنة، وصلى عليه معاذ بن جبل، ودفن ببيسان بالشام0
وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يقول وهو في سكرات الموت : لئن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي لأستخلفنه فإن سألني ربي لأقولن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن لكل أمة أميناً ؛وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح0

نايف الشريف
24-09-2009, 01:05 PM
وكان أبو عبيدة على خبرة كبيرة بفنون الحرب، وحيل القتل لذا جعله الرسول صلى الله عليه وسلم قائدًا على كثير من السرايا، وقد حدث أن بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرًا على سرية سيف البحر، وكانوا ثلاثمائة رجل فقل ما معهم من طعام، فكان نصيب الواحد منهم تمرة في اليوم ثم اتجهوا إلى البحر، فوجدوا الأمواج قد ألقت حوتًا عظيمًا، يقال له العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله وفي سبيل الله، فكلوا، فأكلوا منه ثمانية عشر يومًا. [متفق عليه].

وقد أرسل إليه عمر أربعمائة دينار مع غلامه، وقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- ثم انتظر في البيت ساعة حتى ترى ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال لأبي عبيدة: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال أبو عبيدة: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. [ابن سعد].

وكان يقول: ألا رب مبيض لثيابه، مدنس لدينه، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات. [أبو نعيم وابن عبد البر].

وكتب أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما يقول له: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غني بي عنك فيها، فعجل إلي.
فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب عرف أن أمير المؤمنين يريد إنقاذه من الطاعون، فتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطاعون شهادة لكل مسلم" [متفق عليه]. فكتب إلى عمر يقول له: إني قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك، فإني في جند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم. فلما قرأ عمر الكتاب، بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟! قال: لا، وكأن قد (أي: وكأنه مات). [الحاكم].
فكتب أمير المؤمنين إليه مرة ثانية يأمره بأن يخرج من عمواس إلى منطقة الجابية حتى لا يهلك الجيش كله، فذهب أبو عبيدة بالجيش حيث أمره أمير المؤمنين، ومرض بالطاعون، فأوصى بإمارة الجيش إلى معاذ بن جبل، ثم توفي -رضي الله عنه- . وقد روي أبو عبيدة -رضي الله عنه- أربعة عشر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم .

نايف الشريف
25-09-2009, 09:52 AM
الصحابي رقم (31)

أبو مسعود البدري
هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة أبو مسعود البدري وهو مشهور بكنيته

لم يشهد بدرا وإنما سكن بدرا. وشهد العقبة الثانية وكان أحدث من شهدها سنا قاله ابن إسحاق.وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وقال البخاري وغيره: إنه شهد بدرا ولا يصح.

ويحدث عمر بن عبد العزيز في أمارته: أن المغيرة بن شعبة أخر العصر وهو أمير الكوفة فدخل أبو مسعود عقبة ابن عمرو الأنصاري جد زيد بن حسن شهد بدرا فقال لقد علمت نزل جبريل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات ثم قال هكذا أمرت.

وبذلك عده البخاري في البدريين وقال مسلم بن الحجاج في الكنى شهد بدرا وقال أبو أحمد الحاكم يقال أنه شهد بدرا.

وسكن الكوفة وكان من أصحاب علي واستخلفه علي على الكوفة لما سار إلى صفين.

أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته:
قال أبو مسعود البدري كنت أضرب غلاما لي بالسوط فسمعت صوتا من خلفي اعلم أبا مسعود فلم أفهم الصوت من الغضب قال فلما دنا مني إذ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود قال فألقيت السوط من يدي فقال اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام قال فقلت لا أضرب مملوكا بعده أبدا

مواقفه مع الصحابة:
يقول أبو وائل: دخل أبو موسى الأشعري و أبو مسعود البدري على عمار وهو يستنفر الناس فقالا له: ما رأينا منك أمرا منذ أسلمت أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر قال فكساهما عمار حلة حلة وخرج إلى الصلاة يوم الجمعة.

وعن همام بن الحرث قال صلى بنا حذيفة على دكان مرتفع فسجد عليه فجبذه أبو مسعود البدري فتابعه حذيفة فلما قضى الصلاة قال أبو مسعود: أليس قد نهى عن هذا فقال له حذيفة ألم ترني قد تابعتك.

دخل أبو مسعود الأنصاري على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فاعتنقه فقال الفراق فقال نعم حبيب جاء على فاقة ألا أفلح من ندم أليس بعد ما أعلم من اليقين.

وحدث أن المغيرة بن شعبة آخر الصلاة يوما فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بهذا أمرت.

مواقفه مع التابعين :
مع أهل الكوفة:
يقول خيثمة بن عبد الرحمن: لما خرج علي استخلف أبا مسعود على الكوفة وتخبأ رجال لم يخرجوا مع علي فقال أبو مسعود على المنبر أيها الناس من كان تخبأ فليظهر فلعمري لئن كان إلى الكثرة إن أصحابنا لكثير وما نعده قبحاً أن يلتقي هذان الجبلان غداً من المسلمين فيقتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء. حتى إذا لم يبق إلا رجرجة من هؤلاء وهؤلاء ظهرت إحدى الطائفتين. ولكن نعد قبحاً أن يأتي الله بأمر من عنده يحقن به دماءهم ويصلح به ذات بينهم.

أثره في الآخرين:
يقول سعيد بن جبير رآني أبو مسعود البدري في يوم عيد ولي ذؤابة فقال يا غلام أو يا غليِّم إنه لا صلاة في مثل هذا اليوم قبل صلاة الإمام فصل بعدها ركعتين وأطل القراءة.
وعن عطاء بن السائب حدثني سالم البراد وكان أوثق عندي من نفسي قال: قال لنا أبو مسعود البدري: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه وفرق بين أصابعه وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه ثم كبر ثم سجد وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه ثم كبر فاستوى قاعدا حتى استقر كل شيء منه فصلى بنا أربع ركعات هكذا ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أو هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال بشير بن عمرو: قلنا لأبي مسعود: أوصنا. قال: عليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع الأمة على ضلالة حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر.
بعض ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم :
روى أبو مسعود البدري مرفوعا إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)
وحدث أبو مسعود البدري [ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا - أو قال – سلما
يقول أبو مسعود الأنصاري كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فقال إن هذا الأمر لا يزال فيكم وأنتم ولاته ما لم تحدثوا عملا فينزعه الله منكم فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شرارا من خلقه فالتحوكم كما يلتحي القضيب.
وروى أبو مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل فقال يا رسول الله! إنه أبدع بي فاحملني فقال له ائت فلانا فاستحمله فأتاه فحمله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الدال على الخير كفاعله)

وفاته:
قال خليفة مات قبل سنة أربعين وقال المدائني مات سنة أربعين قلت والصحيح أنه مات بعدها فقد ثبت أنه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة وذلك بعد سنة أربعين قطعا قيل مات بالكوفة وقيل مات بالمدينة.

المراجع:
أسد الغاب ــــ صحيح البخاري ـــ تهذيب التهذيب ــــ صحيح مسلم ـــالمستدرك
مسند الشافعي ــــ مصنف ابن أبي شيبة ـــ الطبقات الكبرى ــــالمعجم الكبير
مختصر إرواء الغليل ــــ سنن الدارمي ـــ سير أعلام النبلاءــــ الشرح الكبير
جلاء الأفهام ــــ العلل للدارقطني ــــ الاستذكار ـــالإصابة في تمييز الصحابة

تلميذة ميرتون
26-09-2009, 06:05 AM
الصحابي رقم (32)

نسبه

الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ بنِ خُوَيْلِدِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى

حَوَارِيُّ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَابْنُ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَحَدُ العَشرَةِ المَشْهُوْدِ لَهُم بِالجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَهْلِ الشُّوْرَى، وَأَوَّلُ مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَسْلَمَ وَهُوَ حَدَثٌ، لَهُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ رَجُلاً طَوِيْلاً، إِذَا رَكِبَ خَطَّتْ رِجْلاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ خَفِيْفَ اللِّحْيَةِ وَالعَارِضَيْنِ.



نشأته

كَانَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدٌ، أترابا، يَعْنِي: وُلِدُوا فِي سَنَةٍ.

وَكَانَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ تَضْرِبُهُ ضَرْباً شَدِيْداً، وَهُوَ يَتِيْمٌ.

فَقِيْلَ لَهَا: قَتَلْتِهِ، أَهْلَكْتِهِ.

قَالَتْ:

إِنَّمَا أَضْرِبُهُ لِكَي يَدِبّ * وَيَجُرَّ الجَيْشَ ذَا الجَلَبْ

وَعَنْ عُمَرَ بنِ مُصْعَبِ بنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَاتَلَ الزُّبَيْرُ مَعَ نَبِيِّ اللهِ وَلَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ.



ثباته فى الاسلام

هَاجَرَ الزُّبَيْرُ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَمُّهُ يُعَلِّقُهُ، وَيُدَخِّنُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُوْلُ: لاَ أَرْجِعُ إِلَى الكُفْرِ أَبَداً.

وَهُوَ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، فِيْمَا نَقَلَهُ مُوْسَى بنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَلَمْ يُطَوِّلِ الإِقَامَةَ بِهَا.



أول سيف شهر فى الاسلام

أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ ابْنُ ثَمَانِ سِنِيْنَ، وسمع أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ أُخِذَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ غُلاَمٌ ابْنُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَةً بِيَدِهِ السَّيْفُ، فَمَنْ رَآهُ عَجِبَ، وَقَالَ: الغُلاَمُ مَعَهُ السَّيْفُ، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (مَا لَكَ يَا زُبَيْرُ؟).

فَأَخْبَرَهُ، وَقَالَ: أَتَيْتُ أَضْرِبُ بِسَيْفِي مَنْ أَخَذَكَ.

و فى رواية أخرى : جَاءَ الزُّبَيْرُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا لَكَ؟).

قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّكَ أُخِذْتَ.

قَالَ: (فَكُنْتَ صَانعاً مَاذَا؟).

قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ بِهِ مَنْ أَخَذَكَ، فَدَعَا لَهُ وَلِسَيْفِهِ.



رَوَى أَحَادِيْثَ يَسِيْرَةً.

عنَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:

قُلْتُ لأَبِي: مَا لَكَ لاَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا يُحَدِّثُ عَنْهُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟

قَالَ: مَا فَارَقْتُهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً:

سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).



غزواته فى سبيل الله



قَالَ الزُّبَيْرُ: مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا المُسْلِمُوْنَ، إِلاَّ أَنْ أُقْبِلَ، فَأَلْقَى نَاساً يَعْقِبُوْنَ.

وَعَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ نَجْدَةُ الصَّحَابَةِ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ.

و قد روى مَنْ رَأَى الزُّبَيْرَ أن َفِي صَدْرِهِ أَمْثَالُ العُيُوْنِ مِنَ الطَّعْنِ وَالرَّمْي.

عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَ فِي الزُّبَيْرِ ثَلاَثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ: إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ، إِنْ كُنْتُ لأُدْخِلُ أَصَابِعِي فِيْهَا، ضُرِب ثِنْتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَوَاحِدَةً يَوْمَ اليَرْمُوْكِ.



غزوة بدر

كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَارِسَانِ: الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسٍ، عَلَى المَيْمَنَةِ، وَالمِقْدَادُ بنُ الأَسْوَدِ عَلَى فَرَسٍ، عَلَى المَيْسَرَةِ.

وَقَالَ هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ: عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:

كَانَتْ عَلَى الزُّبَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ عمَامَةٌ صَفْرَاءُ، فَنَزَلَ جِبْرِيْلُ عَلَى سِيْمَاءِ الزُّبَيْرِ.



يوم أحد

قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي! كَانَ أَبُوَاكَ -يَعْنِي: الزُّبَيْرَ، وَأَبَا بَكْرٍ - مِن: {الَّذِيْنَ اسْتَجَابُوا لِلِّهِ وَالرَّسُوْلِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ}

لَمَّا انْصَرَفَ المُشْرِكُوْنَ مِنْ أُحُدٍ، وَأَصَابَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، فَقَالَ: (مَنْ يُنْتَدَبُ لِهَؤُلاَءِ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ بِنَا قُوَّةً؟).

فَانْتُدِبَ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ فِي سَبْعِيْنَ، فَخَرَجُوا فِي آثَارِ المُشْرِكِيْنَ، فَسَمِعُوا بِهِم، فَانْصَرَفُوا.

قَالَ تَعَالَى: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ} لَمْ يَلْقَوا عَدُوّاً.



يوم الخندق

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الخَنْدَقِ: (مَنْ يَأْتِيْنَا بِخَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ؟).

فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَذَهَبَ عَلَى فَرَسٍ، فَجَاءَ بِخَبَرِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ.

فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَذَهَبَ.

ثُمَّ الثَّالِثَةَ.

فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ).

و روى أَنَّ الزبَيْرَ خَرَجَ غَازِياً نَحْوَ مِصْرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَمِيْرُ مِصْرَ: إِنَّ الأَرْضَ قَدْ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُوْنُ، فَلاَ تَدْخُلْهَا.

فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْتُ لِلطَّعْنِ وَالطَّاعُوْنِ، فَدَخَلَهَا فَلَقِيَ طَعْنَةً فِي جَبْهَتِهِ



حوارى رسول الله

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيّاً، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ).

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي، وَحَوَارِيَّ مِنْ أُمَّتِي).

أَخَذَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِي، فَقَالَ: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ، وَابْنُ عَمَّتِي).



جاراى فى الجنة

عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الجَنَّةِ).



فضائله

أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُم: عُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى الوَرَثَةِ مِنْ مَالِهِ، وَيَحْفَظُ أَمْوَالَهُمْ

وقد كَانَ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّام أَلفُ مَمْلُوْكٍ يُؤَدُّوْنَ إِلَيْهِ الخَرَاجَ، فَلاَ يُدْخِلُ بَيْتَهُ مِنْ خَرَاجِهِمْ شَيْئاً. بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا.

قَالَ جُوَيْرِيَةُ بنُ أَسْمَاءَ: بَاعَ الزُّبَيْرُ دَاراً لَهُ بِسِتِّ مَائَةِ أَلفٍ، فَقِيْلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! غُبِنْتَ.

قَالَ: كَلاَّ، هِيَ فِي سَبِيْلِ اللهِ.



الشورى

عندما طُعن عمر بن الخطاب و أراد أن يستخلف

قَالَ عُمَرُ: إِنَّهُمْ يَقُوْلُوْنَ: اسْتَخْلِفْ عَلَيْنَا، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَالأَمْرُ فِي هَؤُلاَءِ السِّتَّةِ الَّذِيْنَ فَارَقَهُمْ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، ثُمَّ سَمَّاهُمْ.

و منهم الزبير بن العوام



أَصَابَ عُثْمَانَ رُعَافٌ سَنَةَ الرُّعَافِ، حَتَّى تَخَلَّفَ عَنِ الحَجِّ، وَأَوْصَى، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: اسْتَخْلِفْ.

قَالَ: وَقَالُوْهُ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ الرجل.

فَقَالَ عُثْمَانُ: قَالُوا: الزُّبَيْرَ؟

قَالُوا: نَعْم.

قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ كَانَ لأَخْيَرَهُمْ مَا عَلِمْتُ، وَأَحَبَّهُم إِلَى رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

قَالَ عُمَرُ:

لَوْ عَهِدْتَ أَوْ تَرَكْتَ تَرِكَةً كَانَ أَحَبُّهُمْ إِليَّ الزُّبَيْرُ، إِنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّيْنِ.



الزبير و الفتنة

بعد استشهاد عثمان بن عفان خرج الزبير و طلحة الى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت ( موقعة الجمل ) عام 36 هجري طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر

عَنْ مُطَرِّفٍ، قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: مَا جَاءَ بِكُمْ، ضَيَّعْتُمُ الخَلِيْفَةَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ جِئْتُمْ تَطْلُبُوْنَ بِدَمِهِ؟

قَالَ: إِنَّا قَرَأْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيْبَنَّ الَّذِيْنَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} لَمْ نَكُنْ نَحْسِبُ أَنَّا أَهْلُهَا حَتَّى وَقَعَتْ مِنَّا حَيْثُ وَقَعَتْ.

قَالَ عَلِيٌّ: حَارَبَنِي خَمْسَةٌ: أَطْوَعُ النَّاسِ فِي النَّاسِ: عَائِشَةُ، وَأَشْجَعُ النَّاسِ: الزُّبَيْرُ، وَأَمْكَرُ النَّاسِ: طَلْحَةُ، لَمْ يُدْرِكْهُ مَكْرٌ قَطُّ، وَأَعْطَى النَّاسِ: يَعْلَى بنُ مُنْيَةَ، وَأَعَبَدُ النَّاسِ: مُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ، كَانَ مَحْمُوداً حَتَّى اسْتَزَلَّهُ أَبُوْهُ.



موقعة الجمل

عَنْ أَبِي جَرْوٍ المَازِنِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيّاً وَالزُّبَيْرَ حِيْنَ تَوَاقَفَا، فَقَالَ عَلِيٌّ:

يَا زُبَيْرُ! أَنْشُدُكَ اللهَ، أَسَمِعْتَ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (إِنَّكَ تُقَاتِلُنِي وَأَنْتَ لِي ظَالِمٌ).

قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَذْكُرْهُ إِلاَّ فِي مَوْقِفِي هَذَا، ثُمَّ انْصَرَفَ.

فانْصَرَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ عَنْ عَلِيٍّ، فَلَقِيَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ: جُبْناً جُبْناً!

قَالَ: قَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنِّي لَسْتُ بِجَبَانٍ، وَلَكِنْ ذَكَّرَنِي عَلِيٌّ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَحَلَفْتُ أَنْ لاَ أُقَاتِلَهُ



الشهادة
كانت وفاته رضي الله عنه يوم الجمل عند مُنْصَرَفه تائبًا من قتال أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان ذلك سنة ست وثلاثين للهجرة

لمّا كان الزبير بوادي السباع نزل يصلي فأتاه ابن جرموز من خلفه فقتله فَوَقَعَ، وَدُفِنَ بِوَادِي السِّبَاعِ، وَجَلَسَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَبْكِي عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ.

عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ:

اسْتَأْذَنَ ابْنُ جُرْمُوْزٍ عَلَى عَلِيٍّ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ:

بَشَّرْ قَاتِلَ ابْنَ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ، سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ).

جِيْءَ بِرَأَسِ الزُّبَيْرِ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ عَلِيٌّ:

تَبَوَّأْ يَا أَعْرَابِيُّ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ، حَدَّثَنِي رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ قَاتِلَ الزُّبَيْرِ فِي النَّارِ.



وصيته

عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ:

لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ، دَعَانِي.

فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ:

يَا بُنَيَّ! إِنَّهُ لاَ يُقْتَلُ اليَوْمَ إِلاَّ ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُوْمٌ، وَإِنِّي لاَ أُرَانِي إِلاَّ سَأُقْتَلُ اليَوْمَ مَظْلُوْماً، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتَرَى دَيْنَنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئاً؟

يَا بُنَيَّ! بِعْ مَا لَنَا، فَاقْضِ دَيْنِي، فَأُوْصِي بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِ الثُّلُثِ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَثُلُثٌ لِوَلَدِكَ.

قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِيْنِي بِدَيْنِهِ، وَيَقُوْلُ: يَا بُنَيَّ! إِنْ عَجِزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَاسْتَعِنْ بِمَوْلاَيَ.

قَالَ: فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ مَا عَنَى حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ، مَنْ مَوْلاَكَ؟

قَالَ: اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-.

قَالَ: فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ، إِلاَّ قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ، فَيَقْضِيَهُ.

واشتهر عن حسان بن ثابت أبيات قالها في الزبير هي:

أقام على عهد النبي وهـديه * حَواريُّهُ والقـول بالفعــل يُعدَلُ
أقام على منهاجه وطريقه * يُـوالي وليَّ الحـق والحق أعـدلُ
هو الفارس المشهور والبطل الذي * يصول إذا مـا كـان يوم محجَّلُ
إذا كشفت عن ساقها الحرب حَشَّها * بأبيض سباق إلى الموت يُـرقِلُ
وإن امرءًا كانت صـفـية أمَّهُ * ومن أسد في بـيتها لمــؤثّلُ
له من رسـول الله قربى قريبة * ومن نصـرة الإسـلام مجدٌ مؤثَّـلُ
فكم كربة ذبَّ الـزبـير بسيفه * عن المصطفى والله يُعطي ويُجْزِلُ
ثناوك خير من فَعالِ معاشر * وفعلك يا ابـن الهـاشمية أفضــلُ


رحم الله الزبير بن العوام صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نايف الشريف
26-09-2009, 04:32 PM
وهو ابن عمة رسول الله ( صفية بنت عبد المطلب)، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى بعد مقتل عمر.

دعاه الصديق رضي الله عنه للإسلام، فكان من أوائل من أسلموا اسلم بمكة قديما وكان عمره حينئذ 12 سنة، وتربى تربية قاسية،وعذبه قومه حتى يرجع عن دينه، فقد كان عم الزبير يعلقه في حصير، ويدحض عليه ليرجع إلى الكفر، فيقول: لا أكفر أبدا، وقال الزبير بن بكار في كتاب النسب:حدثني عمى مصعب، عن جدي عبد الله بن مصعب، أن العوام لما مات كان نوفل بن خويلد يلي ابن أخيه الزبير، وكانت صفية تضربه وهو صغير، وتغلظ عليه فعاتبها نوفل،وقال:ما هكذا يضرب الولد،إنك لتضربينه ضرب مبغضة،فرجزت به صفية.

هجرته رضي الله عنه
كان من المهاجرين بدينهم إلى الحبشـة..

تزوج " أسماء" بنت أبي بكر رضي الله عنهم: عن مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي

. وهاجرا إلى المدينة، فولدت له أول مولود للمسلمين في المدينة ( عبد الله بن الزبير)، ثم مصعب .

قلة روايته للحديث:

كان رضي الله عنه حريصًا على ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لم يرو الكثير من الأحاديث فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا لِي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَسْمَعُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَفُلَانًا وَفُلَانًا قَالَ أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ

كما كان أول من سل سيفًا في سبيل الله: عن عروة وابن المسيب قالا:أول رجل سل سيفه فى الله الزبير،وذلك أن الشيطان نفخ نفخة،فقال:اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل الزبير يشق الناس بسيفه،النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة.

شهد المشاهد كلها مع رسول الله...

في غزوة بـدر :
كان الزبير أحد مغاوير الإسلام وأبطاله فى يوم الفرقان،وكان على الميمنة،وقد قتل الزبير في هذا اليوم العظيم عبيدة بن سعيد بن العاص،كما قتل السائب بن أبى السائب بن عابد،ونوفل بن خويلد بن أسد عمه.وفل فلة في سيفه وجرح جرحين غائرين،بأبي وأمي فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، من نزلت بسيماه الملائكة في يوم بدر .

عن الزبير قال:لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص،وهو مدجج لا يرى إلا عيناه وكان يكنى:أبا ذات الكرش،فحملت عليه بالعنزة،فطعنته فى عينه،فمات.فأخبرت أن الزبير قال:لقد وضعت رجلي عليه،فكان الجهد أن نزعتها –يعنى الحربة،فلقد انثنى طرفها. رواه البخاري

الزبير يوم حنين
ولما انهزمت هوازن في حنين وقف ملكهم مالك بن عوف النصري على ثنية مع طائفة من اصحابه فقال قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أخراكم قال ابن إسحاق فبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم فقال هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي ثم طلعت خيل أخرى تتبعها فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى قوما عارضي رماحهم إغفالا على خيلهم فقال هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بني سليم ثم طلع فارس فقال لأصحابه ماذا ترون فقالوا نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء قال هذا الزبير بن العوام وأقسم باللات ليخالطنكم فأثبتوا له فلما انتهى الزبير الى اصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت من الإبل والغنم والرقيق وأمر أن تساق إلى الجعرانة فتحبس هناك قال ابن إسحاق وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري .

من أخلاقـه رضي الله عنه
كان وقافًا عند أوامر رسول الله:

عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ أَسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ .

ومما روى عن رسول الله:

عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعَرِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ.أحمد

موقعة الجمل... واستشهاده:

بعد استشهاد عثمان بن عفان أتم المبايعة الزبير و طلحة لعلي -رضي الله عنهم جميعا- وخرجوا الى مكة معتمرين، ومن هناك خرجوا الى البصرة للأخذ بثأر عثمان، وكانت ( وقعة الجمل ) عام 36 هجري... طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر، وانهمرت دموع علي -رضي الله عنه- عندما رأى أم المؤمنين ( عائشة ) في هودجها بأرض المعركة، وصاح بطلحة:( يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها، وخبأت عرسك في البيت؟)0ثم قال للزبير:( يا زبير: نشدتك الله، أتذكر يوم مر بك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، الا تحب عليا؟؟0فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني؟؟...فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم )... فقال الزبير:( نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك )...
وأقلع طلحة و الزبير -رضي الله عنهما- عن الاشتراك في هذه الحرب، ولكن دفعا حياتهما ثمنا لانسحابهما، و لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا فالزبير تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته...

الشهادة :
لمّا كان الزبير بوادي السباع نزل يصلي فأتاه ابن جرموز من خلفه فقتله و سارع قاتل الزبير إلى علي يبشره بعدوانه على الزبير ويضع سيفه الذي استلبه بين يديه، لكن عليا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن وأمر بطرده قائلا:( بشر قاتل ابن صفية بالنار )...وحين أدخلوا عليه سيف الزبير قبله الإمام وأمعن في البكاء وهو يقول:( سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله )...
وبعد أن انتهى علي -رضي الله عنه- من دفنهما ودعهما بكلمات أنهاها قائلا:( إني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمان من الذين قال الله فيهم:( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين )...ثم نظر إلى قبريهما وقال:
( سمعت أذناي هاتان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
( طلحة و الزبير، جاراي في الجنة )...0

قتل الزبير بن العوام في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين من الهجرة،وله ست أو سبع وستون سنة .

تلميذة ميرتون
27-09-2009, 08:28 AM
الصحابي رقم (33)

الشاعر الشهيد.

عبدالله بن رواحة - يا نفس، الا تقتلي تموتي


عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مستخفيا من كفار قريش مع الوفد القادم من المدينة هناك عند مشترف مكة، يبايع اثني عشر نقيبا من الأنصار بيعة العقبة الأولى، كان هناك عبدالله بن رواحة واحدا من هؤلاء النقباء، حملة الاسلام الى المدينة، والذين مهدّت بيعتهم هذه للهجرة التي كانت بدورها منطلقا رائعا لدين الله، والاسلام..

وعندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبايع في العام التالي ثلاثة وسبعين من الأنصار أهل المدينة بيعة العقبة الثانية، كان ابن رواحة العظيم واحدا من النقباء المبايعين...
وبعد هجرة الرسول وأصحابه الى المدينة واستقرارهم بها، كان عبدالله بن رواحة من أكثر الأنصار عملا لنصرة الدين ودعم بنائه، وكان من أكثرهم يقظة لمكايد عبد الله بن أبيّ الذي كان أهل المدينة يتهيئون لتتويجه ملكا عليها قبل أن يهاجر الاسلام اليها، والذي لم تبارح حلقومه مرارة الفرصة الضائعة، فمضى يستعمل دهاءه في الكيد للاسلام. في حين مضى عبدالله بن رواحة يتعقب هذا الدهاء ببصيرةمنيرة، أفسدت على ابن أبيّ أكثر مناوراته، وشلّت حركة دهائه..!!

وكان ابن رواحة رضي الله عنه، كاتبا في بيئة لا عهد لها بالكتابة الا يسيرا..

وكان شاعرا، ينطلق الشعر من بين ثناياه عذبا قويا..

ومنذ أسلم، وضع مقدرته الشعرية في خدمة الاسلام..

وكان الرسول يحب شعره ويستزيده منه..



جلس عليه السلام يوما مع أصحابه، وأقبل عبدالله بن رواحة، فسأله النبي:

" كيف تقول الشعر اذا أردت أن نقول"..؟؟

فأجاب عبدالله:" أنظر في ذاك ثم أقول"..

ومضى على البديهة ينشد:

يا هاشم الخير ان الله فضّلكم

على البريّة فضلا ما له غير

اني تفرّست فيك الخير أعرفه

فراسة خالفتهم في الذي نظروا

ولو سألت أو استنصرت بعضهمو

في حلّ أمرك ما ردّوا ولا نصروا

فثّبت الله ما آتاك من حسن

تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

فسرّ الرسول ورضي وقال له:

" واياك، فثّبت الله"..
وحين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يطوف بالبيت في عمرة القضاء

كان ابن رواحة بين يديه ينشد من رجزه:

يا ربّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام ان لاقينا

ان الذين قد بغوا علينا اذا أرادوا فتنة ألبنا

وكان المسلمون يرددون أنشودته الجميلة..وحزن الشاعر المكثر، حين تنزل الآية الكريمة:

( والشعراء يتبعهم الغاوون)..

ولكنه يستردّ غبطة نفسه حين تنزل آية أخرى:

( الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا..)



**




وحين يضطر الاسلام لخوض القتال دفاعا عن نفسه، يحمل ابن رواحة سيفه في مشاهد بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر جاعلا شعاره دوما هذه الكلمات من شعره وقصيده:

" يا نفس الا تقتلي تموتي"..

وصائحا في المشركين في كل معركة وغزاة:

خلوا بني الكفار عن سبيله

خلوا، فكل الخير في رسوله




**




وجاءت غزوة مؤتة..

وكان عبدالله بن رواحة ثالث الأمراء..


ووقف ابن رواحة رضي الله عنه والجيش يتأهب لمغادرة المدينة..

وقف ينشد ويقول:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع وتقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حرّان مجهرة بحربة تنفد الأحشاء والكبدا

حتى يقال اذا مرّوا على جدثي يا أرشد الله من غاز، وقد رشدا

أجل تلك كانت أمنيته ولا شيء سواها.. ضربة سيف أ، طعنة رمح، تنقله الى عالم الشهداء والظافرين..!!




**




وتحرّك الجيش الى مؤتة، وحين استشرف المسلمون عدوّهم حزروا جيش الروم بمائتي ألف مقاتل، اذ رأوا صفوفا لا آخر لها، وأعداد نفوق الحصر والحساب..!!

ونظر المسلمون الى عددهم القليل، فوجموا.. وقال بعضهم:

" فلنبعث الى رسول الله، نخبره بعدد عدوّنا، فامّا أن يمدّنا بالرجال، وأمّا أن يأمرنا بالزحف فنطيع"..

بيد أن ابن رواحة نهض وسط صفوفهم كالنهار، وقال لهم:

" يا قوم..

انّا والله، ما نقاتل الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به..

فانطلقوا.. فانما هي احدى الحسنيين، النصر أو الشهادة"...

وهتف المسلمون الأقلون عددا، الأكثرون ايمانا،..

هتفوا قائلين:

"قد والله صدق ابن رواحة"..

ومضى الجيش الى غايته، يلاقي بعدده القليل مائتي ألف، حشدهم الروم للقال الضاري الرهيب...




**




والتقى الجيشان كما ذكرنا من قبل..

وسقط الأمير الأول زيد بن حارثة شهيدا مجيدا..

وتلاه الأمير الثاني جعفر بن عبد المطلب حتى أدرك الشهادة في غبطة وعظمة..

وتلاه ثالث الأمراء عبدالله بن رواحة فحمل الراية من يمين جعفر.. وكان القتال قد بلغ ضراوته، وكادت القلة المسلمة تتوه في زحام العرمرم اللجب، الذي حشده هرقل..

وحين كان ابن رواحة يقاتل كجندي، كان يصول ويجول في غير تردد ولا مبالاة..

أما الآن، وقد صار أميرا للجيش ومسؤولا عن حياته، فقد بدا أمام ضراوة الروم، وكأنما مرّت به لمسة تردد وتهيّب، لكنه ما لبث أن استجاش كل قوى المخاطرة في نفسه وصاح..



أقسمت يا نفس لتنزلنّه مالي أراك تكرهين الجنّة؟؟

يا نفس الا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنّت فقد أعطيت ان تفعلي فعلهما هديت

يعني بهذا صاحبيه الذين سبقاه الى الشهادة: زيدا وجعفر..

"ان تفعلي فعلهما هديت.



انطلق يعصف بالروم عصفا..

ولا كتاب سبق بأن يكون موعده مع الجنة، لظلّ يضرب بسيفه حتى يفني الجموع المقاتلة.. لكن ساعة الرحيل قد دقّت معلنة بدء المسيرة الى الله، فصعد شهيدا..

هوى جسده، فصعدت الى الرفيق الأعلى روحه المستبسلة الطاهرة..

وتحققت أغلى أمانيه:

حتى يقال اذا مرّوا على جدثي

يا أرشد الله من غار، وقد رشدا

نعم يا ابن رواحة..

يا أرشد الله من غاز وقد رشدا..!!




**




وبينما كان القتال يدور فوق أرض البلقاء بالشام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه في المدينة، يحادثهم ويحادثونه..

وفجأة والحديث ماض في تهلل وطمأنينة، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسدل جفنيه قليلا.. ثم رفعهما لينطلق من عينيه بريق ساطع يبلله أسى وحنان..!!

وطوفّت نظراته الآسية وجوه أصحابه وقال:

"أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا.

ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدا"..

وصمت قليلا ثم استأنف كلماته قائلا:

" ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها، حتى قتل شهيدا"..

ثم صمت قليلا وتألقت عيناه بومض متهلل، مطمئن، مشتاق. ثم قال:

" لقد رفعوا الى الجنة"..!!

أيّة رحلة مجيدة كانت..

وأي اتفاق سعيد كان..

لقد خرجوا الى الغزو معا..

وكانت خير تحيّة توجّه لذكراهم الخالدة، كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لقد رفعوا الى الجنة"..!!


رضى **** عنة وعن صحابة رسول صلى **** علية وسلم ...

نايف الشريف
27-09-2009, 03:19 PM
ولقد كان لتربية الرسول صلى الله عليه وسلم أثراً واضحاً وملموساً في حياته فإذا أمره سارع ونفذ وإذا نهاه عن أمر اجتنبه وتركه فروي أن عبد الله بن رواحة أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول: اجلسو. فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله". ومن أثر النبي صلى الله عليه وسلم فيه ما يرويه دابر بن عبد الله، قال: كنت رفيق عبد الله بن رواحة في غزوة المريسيع، فاقبلنا حتى انتهينا إلى وادي العقيق في وسط الليل فإذا الناس معرسون. قلنا: فأين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: في مقدم الناس، قد نام فقال لي عبد الله بن رواحة: يا جابر، هل لك بنا في التقدم والدخول على أهلنا؟ فقلت: يا أبا محمد، لا أحب أن أخالف الناس، لا أرى أحداً تقدم. قال ابن رواحة: والله، ما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تقدم. قال جابر: أما أنا فلست ببارح. فودعني وانطلق إلى المدينة، فأنظر إليه على ظهر الطريق ليس معه أحد، فطرق أهله بلحارث بن الخزرج، فإذا مصباحٌ في وسط بيته وإذا مع امرأته إنسانٌ طويل، فظن أنه رجل، وسقط في يديه وندم على تقدمه. وجعل يقول، الشيطان مع الغر، فاقتحم البيت رافعاً سيفه، قد جرده من غمده يريد أن يضربهما. ثم فكر واذكر، فغمز امرأته برجله فاستيقظت فصاحت وهي توسن، فقال: أنا عبد الله، فمن هذا؟ قالت: رجيلة ماشطتي، سمعنا بمقدمكم فدعوتها تمشطني فباتت عندي. فبات فلما أصبح خرج معترضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه ببئر أبي عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسير بين أبي بكر وبشير بن سعد، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بشير فقال: يا أبا النعمان. فقال: لبيك. قال: إن وجه عبد الله ليخبرك أنه قد كره طروق أهله. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله: خبرك يا ابن رواحة. فأخبره كيف كان تقدم وما كان من لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطرقوا النساء ليلاً. قال جابر: فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر: فلم أر مثل العسكر ولزومه والجماعة، لقد أقبلنا من خيبر، وكنا مررنا على وادي القرى فانتهينا إلى الجرف ليلاً، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطرقوا النساء ليلاً.

كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك موقفاً أوحدثاً يمر على أصحابه دون أن يربيهم أو يعلمهم فيقول ابن عباس: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم فقال: لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم.

أهم ملامح شخصيته
كان عبد الله بن رواحة ممن انعم الله عليهم بالجهاد بالسيف واللسان فهو الذي جاهد مع النبي في بدر وأحد وحفر الخندق مع الصحابة وبايع بيعة الرضوان وكان أحد القواد الثلاثة في غزوة مؤتة التي استشهد فيها. وكما جاهد بسيف جاهد بلسانه فكان شعره سيفاً مصلتاً على رقاب المشركين ولا يقل أهمية عن السيف في المعركة.

وكان يحمل سيفه وشعره في كل الغزوات: فكان يقول:

خلُّوا بني الكفار عن سبيله ***** خلوا فكل الخير في رسوله

واستخلفه الرسول -صلى الله عليه وسلم- على المدينة حين خرج إلى غزوة بدر الموعد، وبعثه في سرية في ثلاثين راكباً إلى أسير بن رازم اليهودي بخيبر، فقتله.

وكان عبد الله بن رواحة صواماً قواماً فيقول أبو الدرداء: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته في حر شديد حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه أو كفه على رأسه من شدة الحر ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. وتزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة فسألها عن صنيعه فقالت كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين وإذا دخل بيته صلى ركعتين لا يدع ذلك.

وكان عادلاً ورعاً ذا أمانة يخاف الله ويتقه فعن سليمان بن يسار:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر قال فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا له هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم فقال عبد الله بن رواحة يا معشر اليهود والله انكم لمن ابغض خلق الله الي وما ذاك بحاملي على ان أحيف عليكم فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض.

بعض المواقف من حياته مع الرسول:

كان لعبد الله بن رواحة مواقف جمة مع النبي صلى الله عليه وسلم ففي ليلة العقبة قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال [ أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ] قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال [ الجنة ] قالو: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } الآية

ولما كان يوم بدر وانتصر المسلمون وأُسر المشركون شاور الرسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في شأن هؤلاء الأسرى فقال: [ ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم وقال عمر يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنت في واد كثير الحطب أضرم الوادي عليهم نارا ثم ألقهم فيه قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا ثم قام فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس: يأخذ بقول عمر وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة

وكان عبد الله حريصاً على أن يقتبس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعن عطاء بن أبي مسلم؛ قال: لما ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة قال ابن رواحة: يا رسول الله، مرني بشيءٍ أحفظه عنك! قال: إنك قادمٌ غداً بلداً، السجود به قليلٌن فأكثر السجود. قال عبد الله: زدني يا رسول الله! قال: اذكر الله، فإنه عون لك على ما تطلب. فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهباً رجع إليه فقال: يا رسول الله، إن الله وتر يحب الوتر! قال: يا ابن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن أسأت عشراً أن تحسن واحدةً. فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شيءٍ بعد

وأخبر عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد عبد الله بن رواحة قال فما تحوز له عن فراشه فقال أتدرون من شهداء أمتي قالوا قتل المسلم شهادة قال ان شهداء أمتي إذا لقليل قتل المسلم شهادة والطاعون شهادة والمرأة يقتلها ولدها جمعاء
ومن ذلك ما رواه عروة أن أسامة بن زيد أخبره:أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية وأردف أسامة وراءه يعود سعد بن عبادة قبل وقعة بدر فسار حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه قال لا تغبروا علينا فسلم النبي صلى الله عليه وسلم ووقف ونزل فدعاهم إلى الله فقرأ عليهم القرآن فقال له عبد الله بن أبي يا أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. قال ابن رواحة بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا فركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له ( أي سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب ). يريد عبد الله بن أبي قال سعد يا رسول الله اعف عنه واصفح فلقد أعطاك الله ما أعطاك ولقد اجتمع أهل هذه البحرة أن يتوجوه فيعصبوه فلما رد ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك فذلك الذي فعل به ما رأيت

بعض المواقف من حياته مع الصحابة
يقول أبو الدرداء: أعوذ بالله أن يأتي عليّ يومٌ لا أذكر فيه عبد الله بن رواحة، كان إذا لقيني مقبلاً ضربَ بين ثدييّ، وإذا لقيني مدبراً ضربَ بين كتفيّ ثم يقول:( يا عُويمر، اجلس فلنؤمن ساعة )000فنجلس فنذكر الله ما شاء، ثم يقول:( يا عويمر هذه مجالس الإيمان )000

وقال ابن إسحاق: كان زيد بن أرقم يتيما في حجر عبد الله بن رواحة فخرج به معه إلى مؤتة يحمله على حقيبة رحله فسمعه زيد بن أرقم من الليل وهو يتمثل أبياته التي يقول فيه:

إذا أدنيتني وحملت رحلي... مسيرة أربع بعد الحساء

فشأنك فأنعمي وخلاك ذم... ولا أرجع إلى أهلي ورائي

وجاء المؤمنون وغادروني... بأرض الشام مشتهى الثواء

فبكى زيد بن أرقم فخفقه عبد الله بن رواحة بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل

ومن مواقفه مع زوجته ما يرويه عكرمة قال: بينا عبد الله بن رواحة مع أهله إذ خطرت جارية له في ناحية الدار فقام إليها فواقعها فأدركته امرأته وهو عليها فذهبت لتجيء بالسكين فجاءت وقد فرغ وقام عنها فقالت: لم أرك حيث كنت!

قال: فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن يقرأ أحدنا القرآن جنب. قالت: فإن كنت صادقا فاقرأ. قال: نعم. وقال:

أتانا رسول الله يتلو كتابه... كما لاح مشهور من الصبح ساطع

أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا... به موقنات أن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

وقيل: إنما قال غير هذه الأبيات. فقالت: آمنت بالله وكذبت بصري. قال عبد الله: غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فضحك حتى بدت نواجذه.

كان لعبد الله بن رواحة أثرًا واضحاً في الآخرين فعن أنس قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعال نؤمن بربنا ساعة.

فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة ".

وكان له الأثر الواضح في إسلام أبو الدرداء كان أبو الدرداء آخر أهل داره إسلاما فجاء عبد الله بن رواحة وكان أخا له في الجاهلية والإسلام فأخذ قدوما فجعل يضرب صنم أبي الدرداء وهو يقول... تبرا من أسماء الشياطين كله... ألا كل ما يدعى مع الله باطل وجاء أبو الدرداء فأخبرته امرأته بما صنع عبد الله بن رواحة ففكر في نفسه فقال لو كان عند هذا خير لدفع عن نفسه فانطلق حتى أتى رسول الله صومعة عبد الله بن رواحة فأسلم.

ويقول قيس ابن أبي حازم كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته فبكت امرأته فقال ما يبكيك قالت رأيتك تبكي فبكيت قال إني ذكرت قول الله تعالى وإن منكم إلا واردها ولا أدري أنجو منها أم لا.

لقد كان عبد الله بن رواحة من هواة الجهاد، يحفزه إليه عقيدته الإسلامية، ورغبته الصادقة في نيل أجر المجاهدين في سبيل الله والشهداء لإعلاء كلمة الله، فهو الذي شجع المسلمين في سرية مؤتة على لقاء الكفار،وكان المسلمين ثلاثة آلاف، والكفار مئتي ألف، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون بأمرهم، فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون ـ الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة..

كما أنه كان قادراً على إصدار القرار السريع الصحيح، فهو من القلة النادرة التي تحسن القراءة والكتابة في المجتمع السائد حينذاك إلا القلائل الذين يعدون على الأصابع ويشار إليهم بالبنان، مما يدل على ذكائه الألمعي..

بعض كلماته:

يقول عبد الله بن رواحة وهو يأخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء:

خلوا بني الكفار عن سبيله... خلوا فكل الخير مع رسوله

نحن ضربناكم على تأويله... كما ضربناكم على تنزيله

ضربا يزيل الهام عن مقيله... ويذهل الخليل عن خليله

يا رب إني مؤمن بقيله

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلـن سكينة علينـا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا.

نايف الشريف
28-09-2009, 08:07 PM
الصحابي رقم (34)

المغيرة بن شعبة
هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي. أبو عبد الله. من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة والدهاء..
كان ضخم القامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أصهب الشعر جعده وكان لا يفرقه..

وعن الزهري قال: قالت عائشة: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام المغيرة بن شعبة ينظر إليها، فذهبت عينه.

حاله في الجاهلية ثم إسلامه:
عن المغيرة بن شعبة قال: إنّ أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّي أمشي أنا وأبو جهل، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأبي جهل: يا أبا الحكم هلّم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله، فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سبّ آلهتنا، هل تريد إلاّ أن نشهد أن قد بلّغت، فوالله لو أنّي أعلم أن ما تقول حق ما اتّبعتك، فانصرف رسول الله صلى اله عليه وسلم، وأقبل عليّ فقال: والله إنّ لأعلم أنّ ما يقول حق، ولكن بنو قصيّ قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، فقالوا: فينا النّدوة، قلنا، نعم، ثم قالوا: فينا اللّواء، فقلنا: نعم، وقالوا: فينا السّقاية، فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منّا نبيّ، والله لا أفعل.
وروى الواقدي ; عن محمد بن يعقوب بن عتبة، عن أبيه، وعن جماعة قالوا: قال المغيرة بن شعبة: كنا متمسكين بديننا ونحن سدنة اللات، فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتهم. فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس وإهداء هدايا له، فأجمعت الخروج معهم، فاستشرت عمي عروة بن مسعود ، فنهاني، وقال: ليس معك من بني أبيك أحد، فأبيت، وسرت معهم، وما معهم من الأحلاف غيري ; حتى دخلنا الإسكندرية، فإذا المقوقس في مجلس مطل على البحر، فركبت زورقا حتى حاذيت مجلسه، فأنكرني، وأمر من يسألني، فأخبرته بأمرنا وقدومنا، فأمر أن ننزل في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافة، ثم أدخلنا عليه، فنظر إلى رأس بني مالك، فأدناه، وأجلسه معه، ثم سأله، أكلكم من بني مالك؟ قال نعم، سوى رجل واحد، فعرَّفه بي. فكنت أهون القوم عليه، وسُرَّ بهداياهم، وأعطاهم الجوائز، وأعطاني شيئا لا ذكر له. وخرجنا، فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم، ولم يعرض علي أحد منهم مواساة، وخرجوا، وحملوا معهم الخمر، فكنا نشرب، فأجمعت على قتلهم، فتمارضت، وعصبت رأسي، فوضعوا شرابهم، فقلت: رأسي يُصدع ولكني أسقيكم، فلم ينكروا، فجعلت أصرف لهم ، وأترع لهم الكأس، فيشربون ولا يدرون، حتى ناموا سكرا، فوثبت، وقتلتهم جميعا، وأخذت ما معهم. فقدمت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فأجده جالسا في المسجد مع أصحابه، وعلي ثياب سفري، فسلمت، فعرفني أبو بكر <25> فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الحمد لله الذي هداك للإسلام، قال أبو بكر: أمن مصر أقبلتم؟ قلت: نعم، قال: ما فعل المالكيون؟ قلت: قتلتهم، وأخذت أسلابهم، وجئت بها إلى رسول **** ليخمسها. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أما إسلامك فنقبله، ولا آخذ من أموالهم شيئا ؛ لأن هذا غدر، ولا خير في الغدر " فأخذني ما قرب وما بعد (أصابني خوف أو حزن)، وقلت: إنما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثم أسلمت الساعة، قال: " فإن الإسلام يجُبُّ ما كان قبله "

أثر الرسول في تربيته:
أقام المغيرة بن شعبة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى اعتمر عمرة الحديبية، فكانت أول سفرة خرجت معه فيها. وكنت أكون مع الصديق وألزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمن يلزمه.

أهم ملامح شخصيته:
ـ كان يقال له مغيرة الرأي، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق. وقال الشعبي: كان من دهاة العرب؛ وكذا ذكره الزهري.

وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة؛ فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها، وولاه عمر البصرة، ففتح ميسان، وهمذان، وعدة بلاد إلى أن عزله لمَّا شهد عليه أبو بكرة ومن معه.

ومن دهاء المغيرة بن شعبة أنه لما شكا أهل الكوفة عماراً، فاستعفى عمار عمر بن الخطاب، فولى عمر جبير بن مطعم الكوفة، وقال له: لا تذكره لأحد. فسمع المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير، فأرسل امرأته إلى امرأة جبير بن مطعم لتعرض عليها طعام السفر، ففعلت، فقالت: نعم ما حييتني به. فلما علم المغيرة جاء إلى عمر فقال له: بارك الله لك فيمن وليت! وأخبره الخبر فعزله وولى المغيرة بن شعبة الكوفة، فلم يزل عليها حتى مات عمر.

ويقول المغيرة بن شعبة لم يخدعني غير غلام من بني الحرث بن كعب فإني ذكرت امرأة منهم لأتزوجها فقال أيها الأمير لا خير لك فيها فقلت ولم؟ قال رأيت رجلا يقبلها فاعرض عنها فتزوجها الفتى فلمته وقلت ألم تخبرني أنك رأيت رجلا يقبلها؟ قال نعم رأيت أباها يقبلها.

بعض المواقف من حياته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ـ يقول المغيرة بن شعبة بعثت قريش عام الحديبية عروة بن مسعود إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليكلمه، فأتاه، فكلمه، وجعل يمس لحيته، وأنا قائم على رأس رسول الله مقنع في الحديد، فقال المغيرة لعروة: كُفَّ يدك قبل أن لا تصل إليك، فقال: من ذا يا محمد؟ ما أَفَظَّه وأغلظه، قال: ابن أخيك، فقال: يا غدر، والله ما غسلت عني سوءتك إلا بالأمس.

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:
مع عمر رضي الله عنه:
حسين بن حفص، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه; أن عمر استعمل المغيرة بن شعبة على البحرين، فكرهوه، فعزله عمر فخافوا أن يرده. فقال دهقانهم: إن فعلتم ما آمركم لم يرده علينا. قالوا: مرنا. قال: تجمعون مائة ألف حتى أذهب بها إلى عمر فأقول: إن المغيرة اختان هذا، فدفعه إلي. قال: فجمعوا له مائة ألف، وأتى عمر، فقال ذلك. فدعا المغيرة، فسأله، قال: كذب أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، قال: فما حملك على هذا؟ قال: العيال والحاجة. فقال عمر للعِلْج: ما تقول؟ قال: لا والله لأصدقنك ما دفع إلي قليلا ولا كثيرا. فقال عمر للمغيرة: ما أردت إلى هذا؟ قال: الخبيث كذب علي، فأحببت أن أخزيه.

مع علي رضي الله عنه:
قال المغيرة بن شعبة لعلي حين قتل عثمان اقعد في بيتك ولا تدع إلى نفسك، فإنك لو كنت في جحر بمكة لم يبايعوا غيرك. وقال لعلي إن لم تطعني في هذه الرابعة،لأعتزلنك، ابعث إلى معاوية عهده، ثم اخلعه بعد. فلم يفعل، فاعتزله المغيرة باليمن. فلما شغل علي ومعاوية فلم يبعثوا إلى الموسم أحدا ; جاء المغيرة، فصلى بالناس، ودعا لمعاوية.

مع معاوية رضي الله عنه:
يقول الزهري: دعا معاوية عمرو بن العاص بالكوفة، فقال: أعني على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: أستعمل عليها ابنك عبد الله بن عمرو قال: فنِعْمَ. فبينا هم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة - وكان معتزلا بالطائف - فناجاه معاوية. فقال المغيرة: تؤمر عَمْرا على الكوفة، وابنه على مصر، وتكون كالقاعد بين لحيي الأسد. قال: ما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة. قال: فافعل. فقال معاوية لعمرو حين أصبح: إني قد رأيت كذا، ففهم عمرو فقال: ألا أدلك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستغن برأيه وقوته عن المكيدة، واعزله عن المال، قد كان قبلك عمر وعثمان ففعلا ذلك، قال: نعم ما رأيت. فدخل عليه المغيرة، فقال: إني كنت أمرتك على الجند والأرض، ثم ذكرت سُنة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلت.

موقفه مع رجل من الأنصار:
ـ كان لبعض ثقيف غلامٌ نصراني، فقتل، فبينما رجل من الأنصار يستلب قتلي ثقيف إذ كشف العبد فرآه أغزل، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر العرب إن ثقيفاً لا تختتن. فقال له المغيرة بن شعبة: لا تقل هذا، إنما هو غلامٌ نصراني، وأراه قتلى ثقيف مختتنين.

موقفه مع أبي بكرة: كان بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة منافرة، وكانا متجاورين بينهما طريق، وكانا في مشربتين في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته، فهبت الريح ففتحت باب الكوة، فقام أبو بكرة ليسده فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا. فقاموا فنظروا، وهم أبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد بن أبيه، وهو أخو أبي بكرة لأمه، وشبل بن معبد البجلي، فقال لهم: اشهدوا، قالوا: ومن هذه؟ قال: أم جميل بن الأفقم، وكانت من بني عامر بن صعصعة، وكانت تغشي المغيرة والأمراء والأشراف، وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها، فلما قامت عرفوها. فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منعه أبو بكرة وكتب إلى عمر بذلك، فبعث عمر أبا موسى أميراً على البصرة وأمره بلزوم السنة، فقال: أعني بعدة من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإنهم في هذه الأمة كالملح لا يصلح الطعام إلا به. قال له: خذ من أحببت. فأخذ معه تسعة وعشرين رجلاً، منهم: أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر، وخرج معهم فقدم البصرة فدفع الكتاب بإمارته إلى المغيرة، وهو أوجز كتاب وأبلغه: (أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميراً، فسلم إليه ما في يدك والعجل). فأهدى إليه المغيرة وليدة تسمى عقيلة. ورحل المغيرة ومعه أبو بكرة والشهود، فقدموا على عمر، فقال له المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني أمستقبلهم أم مستدبرهم، وكيف رأوا المرأة أو عرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي؟ والله أتيت إلا امرأتي! وكانت تشبهها. فشهد أبو بكرة أنه رآه على أم جميل يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة وأنه رآهما مستدبرين، وشهد شبل ونافع مثل ذلك. وأما زياد فإنه قال: رأيته جالساً بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان واستين مكشوفتين وسمعت حفزاً شديداً. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. قال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا ولكن أشبهها. قال: فتنح. وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد. فقال المغيرة: اشفني من الأعبد. قال: اسكت أسكت الله نأمتك، أما والله لو تمت لرجمتك بأحجارك.

موقفه مع قومه ثقيف: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثقيف وفداً، وأمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة. فلما قدموا عمدوا اللات ليهدموها، واستكفت ثقيف كلها، حتى خرج العواتق، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة. فقام المغيرة فأخذ الكرزين وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم منهم. فضرب بالكرزين، ثم سقط يركض. فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة، وقالوا: أبعد الله المغيرة، قد قتلته الربة. وفرحوا، وقالوا: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها، فوالله لا يستطاع أبداً. فوثب المغيرة بن شعبة فقال: قبحكم الله؛ إنما هي لكاع حجارة ومدر، فأقبلوا عافية الله واعبدوه. ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا على سورها، وعلا الرجال معه، فهدموها. وجعل صاحب المفتح يقول: ليغضبن الأساس، فليخسفن بهم. فقال المغيرة لخالد: دعني أحفر أساسها فحفره حتى أخرجوا ترابها، وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها. فبهتت ثقيف، فقالت عجوز منهم: أسلمها الرضاع وتركوا المصاع.
وأقبل الوفد حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بحليتها وكسوتها، فقسمه.
ـ أثره في الآخرين: أرسل رستم إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص أن ابعث إلينا برجل نكلمه فكان فيمن بعثه المغيرة بن شعبة، فأقبل إليهم وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب وبسطهم على غلوة لا يوصل إلى صاحبهم حتى يمشى عليها، فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره، فوثبوا عليه وأنزلوه ومعكوه، وقال: قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب لا نستعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعضٍ، فإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحدٌ، وإني لم آتكم ولكم دعوتموني اليوم، علمت أنكم مغلبون وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول. فقالت السفلة: صدق والله العربي. وقالت الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أولينا ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة! ثم تكلم رستم فحمد قومه وعظم أمرهم وقال: لم نزل متمكنين في البلاد ظاهرين على الأعداء أشرافاً في الأمم، فليس لأحد مثل عزنا وسلطاننا، ننصر عليهم ولا ينصرون علينا إلا اليوم واليومين والشهر للذنوب، فإذا انتقم الله منا ورضي علينا رد لنا الكرة على عدونا، ولم يكن في الأمم أمة أصغر عندنا أمراً منكم، كنتم أهل قشفٍ ومعيشةٍ لا نراكم شيئاً، وكنتم تقصدوننا إذا قحطت بلادكم فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ثم نردكم، وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا الجهد في بلادكم، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وآمر لكل منكم بوقر تمر وتنصرفون عنا، فإني لست أشتهي أن أقتلكم.
فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله خالق كل شيء ورازقه، فمن صنع شيئاً فإنما هو يصنعه، وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء والتمكن في البلاد فنحن نعرفه، فالله صنعه بكم ووضعه فيكم وهو له دونكم، وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال والضيق والاختلاف فنحن نعرفه ولسنا ننكره، والله ابتلانا به والدنيا دولٌ، ولم يزل أهل الشدائد يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل الرخاء يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم، ولو شكرتم ما آتاتتكم الله لكان شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما باتلينا به أهل كفر لكان عظيم ما بتلينا به مستجلباً من الله رحمةً يرفه بها عنا؛ إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولاً. ثم ذكر مثل ما تقدم من ذكر الإسلام والجزية والقتال، وقال له: وإن عيالنا قد ذاقوا طعام بلادكم، فقالوا: لا صبر لنا عنه.
فقال رستم: إذاً تموتون دونها. فقال المغيرة: يدخل من قتل منا الجنة ومن قتل منكم النار، ويظفر من بقي منا بمن بقي منكم.
فاستشاط رستم غضباً ثم حلف بالشمس أن لا يرتفع الصبح غداً حتى نقتلكم أجمعين. وانصرف المغيرة وخلص رستم بأهل فارس وقال: أين هؤلاء منكم! هؤلاء والله الرجال، صادقين كانوا أم كاذبين، والله لئن كان بلغ من عقلهم وصونهم لسرهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ لما ارادوا منهم، ولئن كانوا صادقين فيما يقوم لهؤلاء شيء! فلجوا وتجلدوا. وقال: والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم، وإن هذا منكم رثاء. فازدادوا لجاجة.
فأرسل رستم رسولاً خلف المغيرة وقال له: إذا قطع القنطرة فأعلمه أن عينه تفقأ غداً، فأعلمه الرسول ذلك، فقال المغيرة: بشرتني بخير وأجر، ولولا أن أجاهد بعد هذا اليوم أشباهكم من المشركين لتمنيت أن الأخرى ذهبت. فرجع إلى رستم فأخبره. فقال: أطيعوني يا أهل فارس، إني لأرى لله فيكم نقمة لا تستطيعون ردها عن أنفسكم.
ـ وكان أول من وضع ديوان البصرة كما قال البغوي.

بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:
ـ أخبر عروة بن المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وأنه ذهب لحاجة له وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين..

ـ وعن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال أملى على المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ـ وعن المغيرة بن شعبة قال كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله.

ـ وعن الشعبي قال سمعت المغيرة بن شعبة يخبر به الناس على المنبر قال سفيان رفعه أحدهما أراه ابن أبجر قال سأل موسى ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة قال هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب فيقول هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال ومصداقه في كتاب الله عز وجل فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين الآية

بعض كلماته:
قال المغيرة بن شعبة من أخَّر حاجة رجلٍ فقد ضَمِنها إن المعرفةَ لتنفع عند الكلب العقور والجمل الصؤل فكيف بالرجل الكريم؟

خطب المغيرة بن شعبة في حضرة رستم :
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله خالق كل شىء ورازقه فمن صنع شيئا فإنما هو يصنعه والذى له وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء والتمكن في البلاد وعظم السلطان في الدنيا فنحن نعرفه ولسنا ننكره فالله صنعة بكم ووضعه فيكم وهوله دونكم وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال وضيق المعيشة واختلاف القلوب فنحن نعرفه ولسنا ننكره والله ابتلانا بذلك وصيرنا إليه والدنيا دول ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ويصيروا إليها ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر كان شكركم يقصر عما أوتيتم وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه أو كنتم تعرفوننا به إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا ثم ذكر مثل الكلام الأول .
قال المغيرة بن شعبة أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنه لا بقاء للنعم إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت.

موقف الوفاة:
توفي المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- بالكوفة سنة خمسين للهجرة وهو ابن سبعين سنة...
المراجع
سير أعلام النبلاء، تاريخ الإسلام ،الكامل في التاريخ ،المستطرف
فتح الباري بشرح صحيح البخاري ،صحيح مسلم بشرح النووي
جمهرة خطب العرب ،مجمع الأمثال

نايف الشريف
29-09-2009, 08:21 PM
الصحابي رقم ( 35)

أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه
نسبه وقبيلته:
هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي صهر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وزوج ابنته زينب أكبر بناته كان يعرف بجرو البطحاء هو وأخوه.(1)

أهم ملامح شخصيته:
1-الوفاء بالعهد قال الذهبي في تاريخ الإسلام: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أثنى على أبي العاص في مصاهرته وقال: "حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي"
2-الأمانة فلقد كان أبو العاص من رجال قريش المعدودين مالا وأمانة وتجارة.(2)
إسلامه:
لم يزل أبو العاص مقيما على شركه حتى إذا كان قبيل فتح مكة خرج بتجارة إلى الشام بأموال من أموال قريش أبضعوها معه فلما فرغ من تجارته و أقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله (صلى الله عليه و سلم) و قيل إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كان هو الذي وجه السرية للعير التي فيها أبو العاص قافلة من الشام و كانوا سبعين و مائة راكب أميرهم زيد بن حارثة و ذلك في جمادى الأولى في سنة ست من الهجرة فأخذوا ما في تلك العير من الأثقال و أسروا أناسا من العير فأعجزهم أبو العاص هربا فلما قدمت السرية بما أصابوا أقبل أبو العاص من الليل في طلب ماله حتى دخل على زينب ابنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فاستجار بها فأجارته فلما خرج رسول الله
( صلى الله عليه و سلم) إلى صلاة الصبح فكبر و كبر الناس معه.

فعن عائشة( رضي الله عنها) قالت: صرخت زينب (رضي الله عنها): أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع قال فلما سلم رسول الله
( صلى الله عليه و سلم) من صلاته أقبل على الناس فقال: أيها الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا: نعم قال: أما و الذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم إنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فدخل على ابنته زينب فقال: أي بنية أكرمي مثواه و لا يخلص إليك فإنك لا تحلين له

وعن عائشة (رضي الله عنها): أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص و قال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم و قد اصبتم له مالا فإن تحسنوا تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك و إن أبيتم ذلك فهو فيىء الله الذي أفاءه عليكم فأنتم أحق به قالوا: يا رسول الله بل نرده عليه قال: فردوا عليه ماله حتى إن الرجل ليأتي بالحبل و يأتي الرجل بالشنة و الأداوة حتى أن أحدهم ليأتي بالشطاط حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان أبضع منه ثم قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا: لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله و ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوفا أن تظنوا اني إنما أردت أخذ أموالكم فلما أداها الله عز و جل إليكم و فرغت منها أسلمت ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم. (3)

من مواقفه مع الصحابة:
مع زينب بنت رسول الله قبل إسلامه فعن عائشة زوج النبي( صلى الله عليه وسلم* ) قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله( صلى الله عليه وسلم) في فداء أبي العاص وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رق لها رقة شديدة وقال: " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا ". فقالوا: نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذي لها. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه ووعده ذلك أن يخلي سبيل زينب إليه إذ كان فيما شرط عليه في إطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله بعث رسول الله( صلى الله عليه وسلم) زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال: " كونا ببطن ناجح حتى تمر بكما زينب فتصحبانها فتأتياني بها ". فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت جهرة.(4)

الوفاة:
قال إبراهيم بن المنذر مات أبو العاص بن الربيع في خلافة أبي بكر في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة من الهجرة وفيها أرخه ابن سعد.(5)
المصادر:
1- الاستيعاب [ جزء 1 - صفحة 545 ] 2- تاريخ الإسلام [ جزء 1 - صفحة 260 ] 3- المستدرك [ جزء 3 - صفحة 262 ]
4- مجمع الزوائد [ جزء 9 - صفحة 343 ]
5- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 7 - صفحة 251 ]

نايف الشريف
30-09-2009, 08:30 PM
الصحابي رقم ( 36)

عبد الله بن سلام بن الحارث
هو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري يكنى أبا يوسف وهو من ولد يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام كان حليفا للأنصار.

يقال كان حليفا للقواقلة من بني عوف بن الخزرج.
وكان اسمه في الجاهلية الحصين فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله.

وهو من ذرية يوسف النبي -عليه السلام-، وجزم بذلك الطبري وابن سعد، وأخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن عبد العزيز قال: كان اسم عبد الله بن سلام الحصين، فسماه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عبد الله.
أسلم أول ما قدم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- المدينة..

حاله في الجاهلية:
كان عبد الله بن سلام حبراً من أحبار اليهود الكبار في المدينة المنوّرة، وكان أهل المدينة على اختلاف مللهم ونحلهم يُجلُّونه ويعظِّمونه، وقد اقتنع بالإسلام وأسلم ،ونزل فيه قول الله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وآية {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}

قصة إسلامه:
يروي عبد اللـه بن سلام قصة إسلامه فيقول:( لمّا سمعت رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- عرفت صفتَهُ واسمَهُ وزمانه وهيئته، والذي كنّا نتوكّف -نتوقع- له، فكنت مُسِرّاً ولذلك صامتاً عليه حتى قدم رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- المدينة، فلمّا قَدِمَ نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمّتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلمّا سمعتُ الخبر بقدوم رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- كبّرت، فقالت لي عمّتي حين سمعت تكبيري:( لو كنتَ سمعت بموسى بن عمران قادماً ما زدت!؟)...قُلتُ له:( أيْ عمّة، هو واللـه أخـو موسـى بن عمران وعلى دينـه، بُعِـثَ بما بُعِثَ به)...فقالت لي:(أيْ ابن أخ، أهو النبي الذي كُنّا نُخبَرُ به أنه بُعث مع نَفَسِ السّاعة)... فقلت:(نعم)...قالت:( فذاك إذاً )...
فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:( إنّي سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهُنَّ إلى نبي، فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما يَنْزعُ الولدُ إلى أبيه أو إلى أمه؟ )...قال -صلى الله عليه وسلم-:( أخبرني بهن جبريل آنفاً )...قال:( جبريل؟)...قال:( نعم )...قال:( وذاك عدو اليهود من الملائكة )...فقرأ هذه الآية... قوله تعالى:( مَنْ كانَ عدوّاً لجبريلَ فإنّهُ نزَّلَهُ على قلبكَ )...سورة البقرة آية (97)...

أمّا أول أشراط الساعة، فنار تحشُرُ النّاس من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام أهل الجنّة فزيادة كَبِد الحوتِ، وإذا سبقَ ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ نزع الولد، وإذا سبق ماءُ المرأةِ نزعتْ )...قال:( أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله )...

اثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته:
كان الصحابي الجليل عَبْد اللَّه بْن سلام ممّن أسلم مبكراً، فقد بدأت قصّته مع قدوم النّبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة، فلما سمِع بقدوم النّبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة، وعَرَفَ أنّ الناس قد تجمّعوا لاستقباله انطلق معهم، وهو يحمل الثمر الذي كان يقطفه في أرضه، فلما نظر إليه عرف أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب، ولنَدَع سيدنا عبد الله بن سلام يروي قصّة لقائه بالنّبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه الترمذي: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، وَقِيلَ:قد قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، ثَلاثًا، فجِئْتُ في النَّاسِ لأَنْظرَ، فلمَّا تَبيَّنْتُ وجْههُ عرَفتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فكان أوَّلُ شيْءٍ سمعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ"، فدنوت منه وشهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، فالتفتَ النبي عليه الصلاة والسلام وقال: "ما اسمك؟" فقلتُ: الحصين بن سلام، فقال عليه الصلاة والسلام: "بل عبد الله بن سلام"، قلت: نعم، عبد الله بن سلام، والذي بعثك بالحق ما أُحبُّ أنّ لي اسماً آخر بعد اليوم.... الحديث.

أهم ملامح شخصيته:
كان الحصين بن سلام معروفاً بين الناس بالتُّقَى والصلاح، موصوفاً بالاستقامة والصدق، وكان يحيا حياةً هادئةً وديعة، ولكنها كانت في الوقت نفسه جادةً نافعة، فقد قسم وقته أقساماً ثلاثة ؛ شطرًا للوعظ والعبادة، وشطرًا في بستان له يتعهد نخله بالتشذيب والتأبير، وشطرًا مع التوراة للتفقه في الدين، هكذا وصفوه، وكان كلما قرأ التوراة وقف طويلاً عند الأخبار التي تبشر بظهور نبي في مكة، يتمم رسالات الأنبياء السابقين، ويختمها.

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
ـ يروي ابن سيرين، عن قيس بن عباد، قال: كنت في مسجد المدينة، فجاء رجل بوجهه أثر من خشوع، فقال القوم: هذا من أهل الجنة، فصلى ركعتين، فأوجز فيهم. فلما خرج، اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه، فحدثته ; فلما استأنس، قلت: إنهم قالوا لما دخلت المسجد: كذا وكذا. قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم. وسأحدثك: إني رأيت رؤيا، فقصصتها على النبي -صلى الله عليه وسلم-: رأيت كأني في روضة خضراء، وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه. فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقيل: استمسك بالعروة. فاستيقظت وإنها لفي يدي، فلما أصبحت، أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقصصتها عليه، فقال: أما الروضة، فروضة الإسلام، وأما العمود، فعمود الإسلام، وأما العروة ; فهي العروة الوثقي ; أنت على الإسلام حتى تموت. قال: وهو عبد الله بن سلام.

ـ وعن سعد بن أبي وقّاص: أنّ النّبي -صلى الله عليه وسلم- أتِيَ بقصعةٍ فأكل منه، فَفَضَلتْ فضلة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(يجيء رجل مِنْ هذا الفجِّ من أهل الجنّة يأكل معي هذه الفضلة )...فجاء عبد الله بن سلام فأكله...

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:
نهى عبد الله بن سلام عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن خروجه إلى العراق، وقال:(الْزَمْ مِنْبرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن تركته لا تراه أبداً)...فقال عليّ:(إنّه رجلٌ صالحٌ منّا)موقفه مع سلمان يقول المغيرة بن عبد الرحمن: لقى سلمان الفارسي عبد الله بن سلام، قال: إن مت قبلي فأخبرني ما تلقى، وإن مت قبلك أخبرك، قال: فمات سلمان فرأه عبد الله بن سلام، فقال: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال: بخير، قال: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: وجدت التوكل شيئاً عجيباً.

بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:
روى محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر في يوم الجمعة ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته.

وعن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن بني فلان أسلموا لقوم من اليهود وإنهم قد جاعوا فأخاف أن يرتدوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم من عنده فقال رجل من اليهود عندي كذا وكذا لشيء قد سماه أراه قال ثلاث مائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بني فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعر كذا وكذا إلى أجل كذا وكذا وليس من حائط بني فلان..

بعض كلماته:
قال عبد الله بن سلام ينهى عن قتل عثمان: يا قوم لا تسلوا سيف الله فيكم، فوالله إن سللتموه لا تغمدوه! ويلكم! إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم! إن مدينتكم محفوفة بالملائكة فإن قتلتموه ليتركنها.

مناقبه:
عن معاذ بن جبل قال:( سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:( إن عبد الله بن سلام عاشر عشرة في الجنة )...وعن يزيد بن عَميرة السّكسَكي -وكان تلميذاً لمعاذ-، أنّ مُعاذ أمره أن يطلب العلم من أربعة: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي وعُويمر أبو الدرداء...

ـ وأنه ممن يؤتون أجورهم مرتين فعبد الله بن سلام من الذين يؤتون أجرهم مرتين. لقوله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمةٌ يطؤها فأدبـها فأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران. أخرجه البخاري ومسلم. وفيه _ أي في عبد الله بن سلام _ نـزل قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) فعلى رأي بعض المفسرين أن الذي عنده علم من الكتاب هو عبد الله بن سلام.

وفاته:
توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة ثلاث وأربعين.

نايف الشريف
02-10-2009, 05:06 PM
الصحابي رقم ( 37)

شرحبيل بن حسنة
شرحبيل بن حسنة وهي أمه، وهي عدوية وهو ابن عبد الله بن المطاع بن عمرو من كندة حليف لبني زهرة ويكنى أبا عبد الله، وقد أسلم شرحبيل قديما بمكة وهو من مهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية.

وكان رضي الله عنه يتميز بالشجاعة والإقدام يشهد له بذلك جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع الخلفاء الراشدين من بعده، ويكفى أن يذكر التاريخ عنه أنه فاتح الأردن وأنه كان لجهاده في أرض الشام أثر كبير في اندحار الروم ونشر الإسلام في تلك الربوع

وكان صريحا لا يخشى في الحق أحدا، فقد خطب عمرو بن العاص لما انتشر مرض الطاعون بالشام فقال:إن هذا الطاعون رجس فتفرقوا في هذه الشعاب وفى هذه الأودية، فبلغ ذلك شرحبيل فغضب وجاء وهو يجر ثوبه معلقا نعله بيده (1) وقال لعمرو بن العاص: إن الطاعون وقع فقال عمرو بن العاص: إنه رجس فتفرقوا عنه، وقال شرحبيل بن حسنة: إني قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو أضل من جمل أهله وربما قال شعبة أضل من بعير أهله وإنه قال: إنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، فاجتمعوا ولا تفرقوا عنه، قال: فبلغ ذلك عمرو بن العاص فقال: صدق.(2)

وكان شرحبيل رضي الله عنه يجيد القراءة والكتابة، فقد كان من كتاب الوحي.

من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
حدث موقف يدل علي حبه للنبي صلي الله عليه وسلم، وأنه يفضله علي نفسه فعن الشفاء ابنة عبد الله قالت: جئت يوما حتى دخلت على النبي (صلى الله عليه و سلم) فسألته و شكوت إليه فجعل يعتذر إلي و جعلت ألومه قالت: ثم حانت الصلاة الأولى فدخلت بيت ابنتي و هي عند شرحبيل بن حسنة فوجدت زوجها في البيت فجعلت ألومه و قلت: حضرت الصلاة و أنت هاهنا فقال: يا عمه لا تلومني كان لي ثوبان استعار أحدهما النبي (صلى الله عليه و سلم) فقلت: بأبي و أمي أنا ألومه و هذا شأنه فقال شرحبيل: إنما كان أحدهما درعا فرقعناه..(3)

وكان شرحبيل ( رضي الله عنه ) هو الذي أخذ أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان من الحبشة بعد أن تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد زوجها إياه عثمان بن عفان وهي بنت عمته أمها ابنة أبي العاص زوجها إياه النجاشي وجهزها إليه وأصدقها أربعمائة دينار وأولم عليها عثمان بن عفان لحما وثريدا وبعث إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شرحبيل بن حسنة فجاء بها.

من مواقفه مع الصحابة:
إن أبا بكر رضي الله عنه لما حدث نفسه أن يغزو الروم لم يطلع عليه أحد إذ جاءه شرحبيل بن حسنة فجلس إليه فقال: يا خليفة رسول الله تحدثك نفسك أنك تبعث إلى الشام جند؟ فقال: نعم قد حدثت نفسي بذلك وما أطلعت عليه أحدا وما سألتني عنه إلا لشيء قال: أجل يا خليفة رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق حرشفة ( الحرشفة: الأرض الغليظة ) من الجبل ثم أقبلت تمشي حتى صعدت قنة ( قنة: القن بالضم الجبل الصغير.من القنان العالية فأشرفت على الناس ومعك أصحابك ثم إنك هبطت من تلك القنان إلى أرض سهلة دمثة ( دمثة: دمث المكان وغيره كفرح سهل ولان والدماثة سهولة الخلق. فيها الزرع والقرى والحصون فقلت للمسلمين شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة فشد المسلمون وأنا فيهم معي راية فتوجهت بها إلى أهل قرية فسألوني الأمان فأمنتهم ثم جئت فأجدك قد جئت إلى حصن عظيم ففتح الله لك وألقوا إليك السلم ووضع الله لك مجلسا فجلست عليه ثم قيل لك يفتح الله عليك وتنصر فاشكر ربك واعمل بطاعته ثم قر: { إذا جاء نصر الله والفتح } إلى آخرها ثم انتبهت فقال له أبو بكر: نامت عيناك خيرا رأيت وخيرا يكون إن شاء الله.

ثم قال: بشرت بالفتح ونعيت إلي نفسي ثم دمعت عينا أبي بكر ثم قال: أما الحرشفة التي رأيتنا نمشي عليها حتى صعدنا إلى القنة العالية فأشرفنا على الناس فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا وأما نزولنا من القنة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزرع والعيون والقرى والحصون فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش وأما قولي للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة فإن ذلك دنو المسلمين إلى بلاد المشركين وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم وأما الراية التي كانت معك فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها واستأمنوا فأمنتهم فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك وأما الحصن الذي فتح الله لي فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي وأما العرش الذي رأيتني عليه جالسا فإن الله يرفعني ويضع المشركين قال الله تعالى ليوسف: { ورفع أبويه على العرش } وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ علي السورة فإنه نعى إلي نفسي وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة. (4)


ومن مواقفه مع التابعين أن شرحبيل بن حسنة أغار على ساسمة مصبحا فقال لمن معه من المسلمين: صلوا على الظهر. فمر بالأشتر يصلي على الأرض. فقال: مخالف خالف الله به. ومضى شرحبيل ومن معه فاستحوذ على ساسمة فخربها فهي خراب إلى اليوم. (5)

وفاته:
وقد اختلف في وفاته رضي الله عنه فقيل مات يوم اليرموك.(6)

ويقال: طعن - أي مات بالطاعون - هو وأبو عبيدة في يوم واحد ومات في طاعون عمواس وهو ابن سبع وستين وحديثه في الطاعون ومنازعته لعمرو بن العاص في ذلك مشهورة.(7)
المصادر:
1- أسد الغابة [ج2ص391]
2- مسند أحمد بن حنبل [ جزء 4 - صفحة 196]
3 - المستدرك [جزء 4 - صفحة 64]
4- كنز العمال [جزء 5 - صفحة 858]
5- مختصر تاريخ دمشق [جزء 1 - صفحة 3192]
6- مختصر تاريخ دمشق [جزء 1 - صفحة 3192]
7 - الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 3 - صفحة 328]

نشمية
03-10-2009, 07:16 PM
جد موضوع مميز من شخص مميز يستحق كل الشكر والتقدير على هذا المجهود والاستفادة منه
بارك الله فيك وجزاك كل خير
تحياتي

نايف الشريف
03-10-2009, 07:33 PM
الصحابي رقم ( 38)

عمار بن ياسر
هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك المذحجي ثم العنسي أبو اليقظان.

وكان عمار رضي الله عنه آدم طويلا مضطربا أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين. وكان لا يغير شيبه وقيل: كان أصلع في مقدم رأسه شعرات.
وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام وهو حليف بني مخزوم. وأمه سمية وهي أول من استشهد في سبيل الله عز وجل وهو وأبوه وأمه من السابقين. وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين. وهو ممن عذب في الله.
وهاجر إلى المدينة وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حاله في الجاهلية:
قال الواقدي وغيره من أهل العلم بالنسب والخبر: إن ياسرا والد عمار عرني قحطاني مذحجي من عنس إلا أن ابنه عمارا مولى لبني مخزوم لأن أباه ياسرا تزوج أمة لبعض بني مخزوم فولدت له عمارا..

وكان سبب قدوم ياسر مكة أنه قدم هو وأخوان له يقال لهما الحارث ومالك في طلب أخ لهما رابع فرجع الحارث ومالك إلى اليمن وأقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وتزوج أمة له يقال له: " سمية " فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فمن هنا صار عمار مولى لبني مخزوم وأبوه عرني كما ذكرنا..

قصة إسلامه:
أسلم عمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم هو وصهيب بن سنان في وقت واحد: قال عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقلت: أردت أن أدخل على محمد وأسمع كلامه. فقال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا...

وكان إسلامهم بعد بضعة وثلاثين رجلا.
وروى يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن بيان عن وبرة عن همام قال: سمعت عمارا يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر..
وقال مجاهد: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله وأبو بكر وبلال وخباب وصهيب وعمار وأمه سمية .
واختلف في هجرته إلى الحبشة. وعذب في الله عذابا شديدا.

أثر الرسول في تربيته:
ـ أخبر أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال:أخذ المشركون عمارا، فلم يتركوه حتى نال من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله. والله ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: " فكيف تجد قلبك "؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: " فإن عادوا فعد ".

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
روى أبو بلج عن عمرو بن ميمون قال عذب المشركون عماراً بالنار فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر به فيمر يده على رأسه ويقول: "يا نار كوني برداً وسلاماً" الأنبياء: 69، على عمار كما كنت على إبراهيم. تقتلك الفئة الباغية".

ويحدث أبو إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي قال استأذن عمار على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من هذا؟" قال عمار قال: "مرحباً بالطيب المطيب"

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:
مع عمر:
روي أن عمر بن الخطاب عزل عمار بن ياسر عن الكوفة واستعمل أبا موسى. وسبب ذلك أن أهل الكوفة شكوه وقالوا له: إنه لا يحتمل ما هو فيه وإنه ليس بأمين، ونزا به أهل الكوفة. فدعاه عمر، فخرج معه وفدٌ يريد أنهم معه، فكانوا أشد عليه ممن تخلف عنه، وقالوا: إنه غير كافٍ وعالم بالسياسة ولا يدري على ما استعملته. وكان منهم سعد بن مسعود الثقفي، عم المختار، وجرير بن عبد الله، فسعيا به، فعزله عمر. وقال عمر لعمار: أساءك العزل؟ قال: ما سرني حين استعملت ولقد ساءني حين عزلت. فقال له: قد علمت ما أنت بصاحب عمل ولكني تأولت: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين) القصص: 5.

مع على:
يقول أبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا صفين مع علي فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين غلا رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبعونه كأنه علم لهم قال: وسمعته يومئذ يقول لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص: يا هاشم تفر من الجنة!

الجنة تحت البارقة اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على حق وأنهم على الباطل.

وقال أبو البختري: قال عمار بن ياسر يوم صفين: ائتوني بشربة. فأتي بشربة لبن فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن " وشربها ثم قاتل حتى قتل.
كان عمار بن ياسر وهو يجول في المعركة يؤمن أنه واحد من شهدائها ، وكانت نبوءة الرسول -- أمام عينيه تقتل عماراَ الفئة الباغية )000من أجل هذا كان يغرد قائلا اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه )000ولقد حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمَّارا ما استطاعوا ، حتى لا تقتله سيوفهم فيتبين للناس أنهم الفئة الباغية ، ولكن شجاعة عمار ابن الثالث والتسعين وقتاله كجيش لوحده أفقدهم صوابهم حتى إذا تمكنوا منه أصابوه ، وانتشر الخبر ، وتذكر الناس نبوءة الرسول -- فزادت فريق علي بن أبي طالب إيمانا بأنهم على الحق ، وحدثت بلبلة في صفوف معاوية ، وتهيأ الكثير منهم للتمرد والإنضمام الى علي ، فخرج معاوية خاطبا فيهم إنما قتله الذين خرجوا به من داره ، وجاءوا به الى القتال )000وانخدع الناس واستأنفت المعركة000
وقال الذهبي الكف عن الخوض في هذه الفتنة هو الأفضل .
فالله قد عفانا منها ، فلنحفظ اللسنتنا من الخوض بها هو الارجح .
وكان عمره يومئذ أربعا وتسعين سنة وقيل: ثلاث وتسعون وقيل: إحدى وتسعون.

مع خالد بن الوليد:
يروي سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمار بن ياسر كلام فقال: عمار لقد هممت ألا أكلمك أبدا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا خالد مالك ولعمار رجل من أهل الجنة قد شهد بدرا وقال لعمار: إن خالدا - يا عمار - سيف من سيوف الله على الكفار ". قال: خالد فما زلت أحب عمارا من يومئذ.

أثره في الآخرين:
عبد الله بن عمر قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون أنا عمار بن ياسر هلموا إلي وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تدبدب وهو يقاتل أشد القتال.

بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:
وروي عن الحسن بن أبي الحسن عن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوق والجنب إلا أن يتوضأ.

ـ وعن يحيى بن يعمر عن عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة

وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح..
مناقبه:

أنه أول من بنى مسجدا في الإسلام.
فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن الحكم بن عتيبة قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أول ما قدمها ضحى فقال عمار: ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم بد أن نجعل له مكانا إذا استظل من قائلته ليستظل فيه ويصلي فيه: فجمع حجارة فبنى مسجد قباء فهو أول مسجد بني وعمار بناه..

وعن عمرو بن شرحبيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عمار ملئ إيماناً إلى مشاشه".

روي أن حذيفة أتى وهو ثقيل بالموت، فقيل له: قتل عثمان فما تأمرن؟ فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول: " أبو اليقظان على الفطرة " ثلاث مرات " لن يدعها حتى يموت أو يلبسه الهرم ". أبو نعيم: حدثنا سعد بن أوس عن بلال بن يحيي، أن حذيفة أتي وهو ثقيل بالموت، فقيل له: قتل عثمان فما تأمرن؟ فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول: " أبو اليقظان على الفطرة " ثلاث مرات " لن يدعها حتى يموت أو يلبسه الهرم ".

موقف الوفاة:
روى عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيف. وشهد صفين ولم يقاتل وقال: لا أقاتل حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تقتله الفئة الباغية". فلما قتل عمار قال خزيمة: ظهرت لي الضلالة. ثم تقدم فقاتل حتى قُتل.
ولما قُتل عمار قال: " ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم "
وقد اختلف في قاتله فقيل: قتله أبو الغادية المزني وقيل: الجهني طعنه طعنة فقط فلما وقع أكب عليه آخر فاحتز رأسه فأقبلا يختصمان كل منهما يقول: " أنا قتلته ". فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلا في النار والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة وقيل: حمل عليه عقبة بن عامر الجهني وعمرو بن حارث الخولاني وشريك بن سلمة المرادي فقتلوه.

وكان قتله في ربيع الأول أو: الآخر - من سنة سبع وثلاثين ودفنه علي في ثيابه ولم يغسله. وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه وهو مذهبهم في الشهيد أنه يصلي عليه ولا يغسل.

نايف الشريف
04-10-2009, 11:07 PM
الصحابي رقم ( 39)

النعمان بن بشير

هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس بن زيد الأنصارى الخزرجى ويكنى عبد الله.
ولم يدرك النعمان الجاهلية فقد كان أول مولود ولد في الإسلام من الأنصار بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا.
وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة رضي الله عنه. (1)
وكان النعمان أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة للأنصار في جمادى الأول سنة ثنتين من الهجرة فأتت به أمه تحمله إلى النبي (صلي الله عليه وسلم) فحنكه وبشرها بأنه يعيش حميدا ويقتل شهيدا ويدخل الجنة.(2)

من مواقفة مع الصحابة:
كان النعمان ذا منزلة من معاوية( رضي الله عنه ) وكان معاوية يقول يا معشر الأنصار تستبطئونني وما صحبني منكم إلا النعمان بن بشير وقد رأيتم ما صنعت به وكان ولاه الكوفة وأكرمه.(3)

من مواقفه مع التابعين:
قيل إن أعشى همدان قدم على النعمان بن بشير وهو على حمص وهو مريض فقال له النعمان ما أقدمك قال لتصلني وتحفظ قرابتي وتقضى ديني فقال والله ما عندي ولكني سائلهم لك شيئا ثم قام فصعد المنبر ثم قال يا أهل حمص إن هذا ابن عمكم من العراق وهو مسترفدكم شيئا فما ترون فقالوا احتكم في أموالنا فأبى عليهم فقالوا قد حكمنا من أموالنا كل رجل دينارين وكانوا في الديوان عشرين ألف رجل فعجلها له النعمان من بيت المال أربعين ألف دينار فلما خرجت أعطياتهم أسقط من عطاء كل رجل منهم دينارين.(4)

وقال أبو مخنف (وهو شيعي ) بعث يزيد بن معاوية إلي النعمان بن بشير الأنصاري فقال له ائت الناس وقومك فافثأهم عما يريدون فإنهم إن لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترئ الناس على خلافي وبها من عشيرتي من لا أحب أن ينهض في هذه الفتنة فيهلك.

فأقبل النعمان بن بشير فأتى قومه ودعا الناس إليه عامة وأمرهم بالطاعة ولزوم الجماعة وخوفهم الفتنة وقال لهم إنه لا طاقة لكم بأهل الشأم فقال عبد الله بن مطيع العدوي ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا فقال النعمان أما والله لكأني بك لو قد نزلت تلك التي تدعو إليها وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف ودارت رحا الموت بين الفريقين قد هربت على بغلتك تضرب جنبيها إلى مكة وقد خلفت هؤلاء المساكين يعني الأنصار يقتلون في سككهم ومساجدهم وعلى أبواب دورهم فعصاه الناس.(5)

من الأحاديث التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم

عن النعمان بن بشير قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مسير له إذ خفق رجل على راحلته فأخذ رجل من كنانته سهما فانتبه الرجل مذعورا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلما "

عن النعمان بن بشير أن أباه نحله غلاما وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده فقال: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا قال: فاردده.(6)

وعن الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول وأومأ النعمان بإصبعيه إلى أذنيه إن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشتبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه ومن وقع في المشتبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى أوشك أن يقع فيه ألا إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه.

عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.(7)

وعن النعمان بن بشير قال صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه فقال" سووا صفوفكم ولا تختلفوا فيخالف الله عز وجل بينكم يوم القيامة ".

فلقد رأيتنا وإن الرجل منا ليلتمس بمنكبه منكب أخيه وبركبته ركبة أخيه وبقدمه قدم أخيه.(8)

كلماته.
عن سماك بن حرب قال سمعت النعمان بن بشير يقول ألستم في طعام وشراب ما شئتم لقد رأيت نبيكم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه.

الوفاة:
وبعد موت يزيد بن معاوية بايع النعمان لإبن الزبير فتنكر له أهل حمص، فخرج هارباً فتبعه خالد بن خليّ الكلاعي فقتله سنة خمس وستين للهجرة.
المصادر:
1- البداية والنهاية [ جزء 3 - صفحة 230 ]
2- البداية والنهاية [ جزء 8 - صفحة 244 ]
3- طبقات فحول الشعراء [ جزء 2 - صفحة 463 ]
4- البداية والنهاية [ جزء 8 - صفحة 245 ]
5- تاريخ الطبري [ جزء 3 - صفحة 351 ]
6- كنز العمال [ جزء 16 - صفحة 820 ]
7- الأربعون الصغرى [ جزء 1 - صفحة 150 ]
8- الفوائد [ جزء 2 - صفحة 129 ]

نايف الشريف
06-10-2009, 12:25 AM
الصحابي رقم ( 40)

الفضل بن العباس بن عبد المطلب

هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، يكنى أبا عبد الله وقيل: بل يكنى أبا محمد. أمه أم الفضل لبابة الصغرى بنت الحارث..أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم...وهو أكبر ولد العباس وبه كان العباس يكنى...

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
وقد قيل إن الفضل بن العباس غسَّل إبراهيم - يعني ابن النبي صلى الله عليه وسلم - ونزل في قبره مع أسامة ابن زيد....

وكان رضي الله عنه ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين..
....وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وانحط بهم الوادي في عماية الصبح فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم فانكفأ الناس منهزمين وركبت الإبل بعضها بعضا فلما رأى رسول الله أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته ورهط من المهاجرين والعباس آخذ بحكمة البغلة البيضاء وقد شجرها. وثبت معه من أهل بيته: علي بن أبي طالب وأبو سفيان بن الحارث والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وغيرهم. وثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمر. فثبتوا حتى عاد الناس...

وفي سنن الدارمي...
وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا فَلَمَّا دَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالظُّعُنِ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَوَضَعَهَا عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ رَأْسَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ...{ حديث رقم 1778 }

روى الإمام أحمد بسنده...
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة وهو مردف أسامة بن زيد فقال: " هذا الموقف وكل عرفة موقف..." - وفي آخر الحديث -... قال العباس يا رسول الله إني رأيتك تصرف وجه ابن أخيك - يعني الفضل - قال: "إني رأيت غلاما شابا وجارية شابة فخشيت عليهما الشيطان." { مسند أحمد - حديث رقم 532 }

" كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة قال فجعل الفتى يلحظ النساء وينظر اليهن قال وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجهه بيده من خلفه مرارا قال وجعل الفتى يلاحظ اليهن قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بن أخي إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له....

غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا وشهد معه حجة الوداع وشهد غسله صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان يصيب الماء على علي يومئذ....
وكان فيمن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي دفنه...

أثره في الآخرين ( دعوته - تعليمه ):
من تلاميذه رضي الله عنه والذين رووا عنه أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم:
1- ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب
2- رفيع بن مهران
3- سليمان بن يسار
4- عامر بن واثلة
5- عباس بن عبيد الله بن عباس القرشي الهاشمي
6- أبو هريرة ( عبد الرحمن بن صخر ).
7- عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي.
8- عكرمة مولى ابن عباس.
9- كريب بن أبي مسلم مولى ابن عباس.

بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:
وجدت للصحابي الجليل في موسوعة الحديث الشريف " حرف " أربعة وثمانين حديثا، منها ستة أحاديث في البخاري، وخمسة في مسلم، وثلاثة في الترمذي، وخمسة عشر حديثا في النسائي، وثلاثة أحاديث في سنن أبي داود، وحديثين في ابن ماجة، وخمسة وأربعين حديثا في مسند الإمام أحمد، وخمسة في سنن الدارمي

وهذا بعضها:
روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة.

وروى مسلم بسنده عن ابن عباس عن الفضل بن عباس وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا عليكم بالسكينة وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة وقال لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة و حدثنيه زهير بن حرب حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير بهذا الإسناد غير أنه لم يذكر في الحديث ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة وزاد في حديثه والنبي صلى الله عليه وسلم يشير بيده كما يخذف الإنسان

وفي النسائي عن الفضل بن العباس أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال يا رسول الله إن أمي عجوز كبيرة إن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه قال نعم قال فحج عن أمك.

متى توفي؟
خرج إلى الشام - يعني خرج مجاهدا - فمات بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب.

أين دفن؟
والفضل بن العباس بن عبد المطلب مدفون بالأردن...
لم يترك ولدا إلا أم كلثوم تزوجها الحسن بن علي رضي الله عنهما ثم فارقها فتزوجها أبو موسى الأشعري..

المصادر:
الاستيعاب ،أسد الغابة ،الطبقات الكبرى .

نايف الشريف
07-10-2009, 12:46 AM
الصحابي رقم ( 41)

المثنى بن حارثة

المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان الربعي الشيباني..

حاله في الجاهلية :
كان المشهور عن المثنى بن حارثة أنه من أشراف قبيلته وشيخ حربها ورجاحة عقله وإدارته المتميزة في المعارك.

وفي الجاهلية أغار المثنى بن حارثة الشيباني، وهو ابن أخت عمران ابن مرة، على بني تغلب، وهم عند الفرات، فظفر بهم فقتل من أخذ من مقاتلتهم وغرق منهم ناسٌ كثير في الفرات وأخذ أموالهم وقسمها بين أصحابه.

قصة إسلامه:
وفد المثنَى بن حارثة بن ضَمضَم الشّيبانيّ إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- سنة تسع مع وفد قومه، وكان شهماً شجاعاً ميمون النقيبة حسن الرأي..

أهم ملامح شخصيته:
ـ حسن إدارته الشديدة للمعارك: كانت أنباء هزيمة الجسر ثقيلة على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب ظل أشهرا طويلة لا يتكلم في شأن العراق؛ نظرا لما أصاب المسلمين هناك، ثم ما لبث أن أعلن النفير العام لقتال الفرس في العراق؛ فتثاقل الناس عليه، وعندما رأى ذلك قرر أن يسير هو بنفسه للقتال والغزو، فأشعل سلوكه ذلك الحماسة في قلوب المسلمين، فقدمت عليه بعض القبائل من الأزد تريد الجهاد في الشام، فرغبهم في الجهاد في العراق، ورغبهم في غنائم كسرى والفرس، وقدمت عليه قبيلة بجيلة، واشترطوا أن يقاتلوا في العراق على أن يأخذوا ربع الغنائم التي يحصلون عليها، فوافق عمر، وبدأت الجموع المجاهدة تتوافد على المثنى، الذي لم يكف عن ترغيب العرب في الجهاد.

واكتملت قوات المسلمين تحت قيادة المثنى بن حارثة، في مكان يسمى "البويب" (يقع حاليا قرب مدينة الكوفة)، وكان نهر الفرات بين الجيشين، وكان يقود الفرس "مهران الهمداني" الذي أرسل إلى المثنى يقول له: "إما أن تعبروا إلينا أو أن نعبر إليكم"، فرد عليه المثنى "أن اعبروا أنتم إلينا". وكان ذلك في (14 من رمضان 14هـ = 31 من أكتوبر 1635م). ويرى بعض المؤرخين أنها وقعت في رمضان سنة 13هـ، إلا أن تتبع ما وقع من أحداث في العراق يجعل الرأي الأقرب للصواب هو 14هـ. وقد أمر المثنى المسلمين بالفطر حتى يقووا على القتال، فأفطروا عن آخرهم، ورأى المثنى أن يجعل لكل قبيلة راية تقاتل تحتها؛ حتى يعرف من أين يخترق الفرس صفوف المسلمين، وفي هذا تحفيز للمسلمين للصمود والوقوف في وجه الفرس. وأوصى المثنى المسلمين بالصبر والصمت والجهاد؛ لأن الفرس عندما عبروا إلى المسلمين كانوا يرفعون أصواتهم بالأهازيج والأناشيد الحماسية، فرأى المثنى أن ذلك من الفشل وليس من الشجاعة. وخالط المثنى جيشه مخالطة كبيرة فيما يحبون وفيما يكرهون؛ حتى شعر الجنود أنه واحد منهم، وكانوا يقولون: "لقد أنصفتنا من نفسك في القول والفعل". ونظم المثنى جيشه، وأمرهم ألا يقاتلوا حتى يسمعوا تكبيرته الثالثة، ولكن الفرس لم يمهلوه إلا أن يكبر تكبيرة واحدة حتى أشعلوا القتال، وكان قتالا شديدا عنيفا، تأخر فيه النصر على المسلمين، فتوجه المثنى إلى الله تعالى وهو في قلب المعركة بالدعاء أن ينصر المسلمين، ثم انتخب جماعة من أبطال المسلمين وهجموا بصدق على الفرس فهزموهم، وعندما استشهد "مسعود بن حارثة" وكان من قادة المسلمين وشجعانهم وهو أخو المثنى قال المثنى: "يا معشر المسلمين لا يرعكم أخي؛ فإن مصارع خياركم هكذا"، فنشط المسلمون للقتال، حتى هزم الله الفرس. وقاتل مع المثنى في هذه المعركة أنس بن هلال النمري وكان نصرانيا، قاتل حمية للعرب، وكان صادقا في قتاله، وتمكن أحد المسلمين من قتل "مهران" قائد الفرس، فخارت صفوف الفرس، وولوا هاربين، فلحقهم المثنى على الجسر، وقتل منهم أعدادا ضخمة، قدرها البعض بمائة ألف، ولكن هذا الرقم لا يشير إلى العدد الفعلي، ولكنه كناية عن الكثرة فقط. وقد سميت معركة البويب بـ"يوم الأعشار"؛ لأنه وجد من المسلمين مائة رجل قتل كل منهم عشرة من الفرس، ورأى المسلمون أن البويب كانت أول وأهم معركة فاصلة بين المسلمين والفرس، وأنها لا تقل أهمية عن معركة اليرموك في الشام. ومن روعة المثنى أنه اعترف بخطأ ارتكبه أثناء المعركة رغم أنه حسم نتيجة المعركة، فقال: "عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر حتى أحرجتهم؛ فلا تعودوا أيها الناس إلى مثلها؛ فإنها كانت زلة فلا ينبغي إحراج من لا يقوى على امتناع."

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
ذكر قاسم بن ثابت فيما رأيته عنه من حديث عبد الله ابن عباس عن علي بن أبي طالب في خروجهما هو وأبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك قال علي وكان أبو بكر في كل خير مقدماً فقال ممن القوم فقالوا من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمر وهانئ بن قبيصة ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق بن عمر قد غلبهم جمالاً ولساناً وكانت له غديرتان وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر رضي الله عنه فقال له أبو بكر رضي الله عنه كيف العدد فيكم فقال مفروق أنا لنزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة فقال أبو بكر كيف المنعة فيكم فقال مفروق علينا الجهد ولكل قوم جد فقال أبو بكر فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم فقال مفروق إنا لأشد ما نكون غضباً لحين نلقى وأنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا ويديل علينا أخرى لعلك أخو قريش فقال أبو بكر أوقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا فقال مفروق قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلام تدعو يا أخا قريش فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤوني وتنصروني فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد فقال مفروق وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" فقال مفروق وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" فقال مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال هذا هانئ ابن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى قد سمعت مقالتك يا أخا قريش والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر وإنا إنما نزلنا بين صريي اليمامة والسمامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذان الصريان فقال أنهار كسرى ومياه العرب فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما يكرهه الملوك فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسأتم في الرد إذ فصحتم في الصدق وإن دين الله لن ينصره إلا من حاط من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نسائهم أتسبحون الله وتقدسونه فقال النعمان بن شريك اللهم لك ذا فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا" ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فقال يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتجاوزون فيما بينهم

بعض مواقفه مع الصحابة:
ـ عندما أسلم المثنى بن حارثة كان يغِير هو ورجال من قومه على تخوم ممتلكات فارس، فبلغ ذلك الصديق أبا بكر رضي الله عنه، فسأل عن المثنى، فقيل له: "هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد".

ولم يلبث المثنى أن قدم على المدينة المنورة، وقال للصديق: "يا خليفة رسول الله استعملني على من أسلم من قومي أقاتل بهم هذه الأعاجم من أهل فارس"، فكتب له الصديق عهدا، ولم يمضِ وقت طويل حتى أسلم قوم المثنى..

أثره في الآخرين ـ وعندما رأى المثنى البطء في الاستجابة للنفير قام خطيبا في الناس فقال ":أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه؛ فإنا قد فتحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، ونلنا منهم، واجترأنا عليهم، ولنا إن شاء الله ما بعده".

بعض كلماته:
وقال المرزباني: كان مخضرما وهو الذي يقول:
سألوا البقية والرماح تنوشهم شرقي الأسنة والنحور من الدم
فتركت في نقع العجاجة منهم جزرا لساغبة ونسر قشعم

الوفاة:
لمّا ولي عمر بن الخطاب الخلافة سيّر أبا عبيد بن مسعود الثقفي في جيش الى المثنى، فاستقبله المثنى واجتمعوا ولقوا الفرس بـ( قس الناطف ) واقتتلوا فاستشهد أبو عبيد، وجُرِحَ المثنى فمات من جراحته قبل القادسية، رضي الله عنهما...
المراجع
الإصابة في تمييز الصحابة. عيون الأثر في المغازي والسير.
موقع إسلام أون لاين.

نايف الشريف
08-10-2009, 12:21 AM
الصحابي رقم (42)

سمرة بن جندب

سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة بن حزن بن عمرو يكنى أبا سليمان قدمت به أمه بعد موت أبيه فتزوجها رجل من الأنصار.
ولم يدرك الجاهلية ولاقى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعد طفل.

من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض غلمان الأنصار فمر به غلام فأجازه في البعث وعرض عليه سمرة فرده فقال لقد أجزت هذا ورددتني ولو صارعته لصرعته قال فدونكه فصارِعْهُ، فصَرَعَهُ سمرةَ فأجازَه.(1)
وهذا يدل علي حرص الفتيان من الصحابة علي أن ينالوا شرف الجهاد في سبيل الله.

أهم ملامح شخصيته:
خلال عذبة، وشمائل كريمة تمتع بها الصحابي الجليل منها الشجاعة وعدم التسامح مع المخطئين وقد ظهر هذا في تعامله مع الخوارج.

ولما مرض سمرة بن جندب مرضه الذي مات فيه أصابه برد شديد فأوقدت له نار فجعل كانونا بين يديه وكانونا خلفه وكانونا عن يمينه وكانونا عن يساره قال فجعل لا ينتفع بذلك ويقول كيف أصنع بما في جوفي فلم يزل كذلك حتى مات.

إنه لموقف رائع من الصحابي الجليل في يوم وفاته، وهو موقف ما أحرانا في هذه الأيام أن نتعلم من موقف سمرة رضي الله عنه وأن نخاف من الله ونعمل ليوم تشخص فيه الأبصار.

بعض ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم:
عن سمرة بن جندب: أن امرأة ماتت في بطن فصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقام وسطها.(2) أي وقف في الصلاة عليها محاذيا الوسط.

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا؟. فقال الذي رأيته في النهر آكل الربا.

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك قالا أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم.(3)

وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار.(4)

وفاته:
مات سمرة قبل سنة ستين قال ابن عبد البر سقط في قدر مملوء ماء حارا فكان ذلك تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولأبي هريرة ولأبي محذورة آخركم موتا في النار قيل مات سنة ثمان وقيل سنة تسع وخمسين وقيل في أول سنة ستين.(5)

المصادر:
1- الإصابة في تمييز الصحابة [جزء 3 - صفحة 178 ]
2- صحيح البخاري [جزء 1 - صفحة 125]
3- صحيح البخاري [ جزء 4 - صفحة 1717]
4- سنن أبي داود [ جزء 2 - صفحة 695 ]
5- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 3 - صفحة 178]

نايف الشريف
09-10-2009, 12:43 AM
الصحابي رقم (43)

ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله أصح وهو ثوبان بن بجدد من أهل السراة والسراة موضع بين مكة واليمن وقيل إنه من حمير وقيل إنه حكمي من حكم بن سعد العشيرة أصابه سباء فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وقال له: " إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم وإن شئت أن تكون منا أهل البيت " فثبت على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا...

قال ابن سعد في الطبقات:
وكان ثوبان رجلا من أهل اليمن ابتاعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأعتقه وله نسب في اليمن.

مواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
عن ثوبان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "أصلح هذا اللحم" قال فأصلحته فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة

أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته:
كان ثوبان رضي الله عنه من أكثر الناس تأثرا بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث أنه رضي الله عنه حظِي بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم فكان قريبًا منه، وعظيم النفع بصحبته...

الرسول يعلمه التعفف:
روى أبو داود بسنده عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يتكفل لي أن لا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة؟" فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئاً.

أهم ملامح شخصيته
استغناؤه عن الناس:
كان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه، حتى ينزل فيتناوله.

حرصه على تعليم الغير حتى في مرضه:
لما بعث الأمير أن يزوره وكان مريضاً ولما أراد الأمير الخروج أخذ ثوبان بردائه وقال له أجلس حتى أحدثك"
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفاً".

بعض الأحاديث التي نقلها عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
روى مسلم بسنده عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت بأحب الأعمال إلى الله فسكت ثم سألته فسكت ثم سألته الثالثة فقال سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة قال معدان ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ما قال لي ثوبان.

وروى مسلم أيضًا بسنده أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على إثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به.

وعنه رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام قال الوليد فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار قال تقول أستغفر الله أستغفر الله.

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ قال: "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن" فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".

أثره في الآخرين:
قال ابن عبد البر:
كان ثوبان ممن حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدى ما وعى وروى عنه جماعة من التابعين منهم جبير بن نفير الحضرمي وأبو إدريس الخولاني وأبو سلام الحبشي وأبو أسماء الرحبي ومعدان بن أبي طلحة وراشد بن سعد وعبد الله بن أبي الجعد وغيرهم...
وكان رضي الله عنه وأرضاه ممن شهدوا فتح مصر.

وفاته:
خرج إلى الشام ونزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وتوفى بها سنة أربع وخمسين.
المراجع
الإصابة في تمييز الصحابة................. ابن حجر العسقلاني
الاستيعاب................................... ابن عبد البر
أسد الغابة.................................. ابن الأثير

تلميذة ميرتون
09-10-2009, 01:09 AM
الصحابي رقم (44)

أبو سلمة

من هو:



أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ بنِ هِلاَلِ

ابْنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ مَخْزُوْمِ بنِ يَقَظَةَ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ.

السَّيِّدُ الكَبِيْرُ، أَخُو رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَابْنُ عَمَّتِهِ: بَرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

وَأَحَدُ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ، هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى المَدِيْنَةِ، وَشَهِدَ بَدْراً، وَمَاتَ بَعْدَهَا بِأَشْهُرٍ، وَلَهُ أَوْلاَدٌ صَحَابَةٌ: كَعُمَرَ، وَزَيْنَب، وَغَيْرِهِمَا.

وَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَوْجَتِهِ أُمّ سَلَمَةَ، تَزَوَّجَ بِهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وَرَوَتْ عَنْ زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ القَوْلَ عِنْدَ المُصِيْبَةِ، وَكَانَتْ تَقُوْلُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا ظَنَّتْ أَنَّ اللهَ يُخْلِفُهَا فِي مُصَابِهَا بِهِ بِنَظِيْرِهِ، فَلَمَّا فُتِحَ عَلَيْهَا بِسَيِّدِ البَشَرِ، اغْتَبَطَتْ أَيّمَا اغْتِبَاطٍ.

مَاتَ كَهْلاً، فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ مِنَ الهِجْرَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.


هجرته الى الحبشة



هُوَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَعَ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُوْنٍ حِيْنَ قَدِمَ مِنَ الحَبَشَةِ، فَأجَارَهُ أَبُو طَالِبٍ.

رَجَعُوا حِيْنَ سَمِعُوا بِإِسْلاَمِ أَهْلِ مَكَّةَ، عِنْدَ نُزُوْلِ سُوْرَة وَالنَّجْمِ.

قَالَ مُصْعَبُ بنُ عَبْدِ اللهِ: وَلَدَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِالحَبَشَةِ: سَلَمَةَ، وَعُمَرَ، وَدُرَّةَ، وَزَيْنَب

الرسول من أم سلمة بعد وفاته



عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ:

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِذَا حَضَرْتُمْ المَيِّتَ فَقُوْلُوا خَيْراً، فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُوْلُوْنَ).

قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ:

يَا رَسُوْلَ اللهِ! كَيْفَ أَقُوْلُ؟

قَالَ: (قُوْلِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَأَعْقِبْنَا منهُ عُقْبَى صَالِحَةً).

فَأَعْقَبَنِي اللهُ خَيْراً مِنْهُ؛ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.



عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ:

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِذَا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ مُصِيْبَةٌ، فَلْيَقُلْ: إِنَّا لِلِّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ، اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيْبَتِي، فَأْجُرْنِي فِيْهَا، وَأَبْدِلْنِي خَيْراً مِنْهَا).

فَلَمَّا احْتُضِرَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتَ ذَلِكَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَقُوْلَ: وَأَبْدِلْنِي خَيْراً مِنْهَا، فَقُلْتُ: وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟

فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى قُلْتُهَا، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، خَطَبَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَرَدَّتْهُ، وَخَطَبَهَا عُمَرُ، فَرَدَّتْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

فَقَالَتْ: مَرْحَباً بِرَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبِرَسُوْلِهِ



وفاته



شَهِدَ أَبُو سَلَمَةَ أُحُداً، وَكَانَ نَازِلاً بِالعَالِيَةِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ، فَجُرِحَ بِأُحُدٍ، وَأَقَامَ شَهْراً يُدَاوِي جُرْحَهُ.

فَلَمَّا هَلَّ المُحَرَّمُ، دَعَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: (اخْرُجْ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ).

وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَقَالَ: (سِرْ حَتَّى تَأْتِيَ أَرْضَ بَنِي أَسَدٍ، فَأَغِرْ عَلَيْهِم).

وَكَانَ مَعَهُ خَمْسُوْنَ وَمَائَةٌ، فَسَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَدْنَى قطنٍ مِنْ مِيَاهِهِم، فَأَخَذُوا سرْحاً لَهُم، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى المَدِيْنَةِ بَعْدَ بِضْع عَشْرَة لَيْلَةً.

لَمَّا دَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ المَدِيْنَةَ انْتَقَضَ جُرْحُهُ، فَمَاتَ لِثَلاَثٍ بَقِيْنَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، يَعْنِي: سَنَةَ أَرْبَعٍ.

وَقِيْلَ: مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ سَنَةَ ثَلاَثٍ.

نايف الشريف
10-10-2009, 03:25 AM
الصحابي رقم ( 45)

عجيبة لرجل أسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب انشقاق القمر وهو في الهند بينما كفر بذلك من كان موجودا عند رسول الله هذا ما ذكره الشيخ الزنداني حفظه الله في كتاب ( بينات الرسول ) ونصّه :

((مثال في العهد المكي : حادثة انشقاق القمر

في العهد المكي طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية (علامة على صحة نبوته) فشق الله له القمر نصفين، وذكر القرآن الكريم ذلك وسجّله. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(1) ﴾(القمر:1) .

فلو أن ذلك لم يحصل لتشكك المسلمون في دينهم وخرجوا منه، ولقال الكفار: إن محمداً يكذب علينا فما انشق القمر ولا رأينا شيئاً من ذلك، ولكن الذي حدث زاد المؤمنين إيماناً ، وتحير الكافرون أمام هذه المعجزة التي لم يملكوا سوى أن يفسروها بأنها سحر مستمر!!

قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(1)وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ(2)وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ(3)﴾ (القمر:1-3)(2) .

التوثيق التاريخي لانشقاق القمر :

سجل تاريخ الهند اسم ملك من ملوكهم هو : (جاكرواني فرماس) وأنه شاهد حادثة انشقاق القمر ، فسجلت إحدى المخطوطات التاريخية الهندية مايلي :

"شاهد ملك ما جبار "مالابار" بالهند (جاكرواني فرماس) انشقاق القمر ؛ الذي وقع لمحمد، وعلم عند استفساره عن انشقاق القمر بان هناك نبوة عن مجيء رسول من جزيرة العرب، وحينها عين ابنه خليفة له ، وانطلق لملاقاته. وقد أعتنق الإسلام على يد النبي ، وعندما عاد إلى وطنه – بناءً على توجيهات النبي – وتوفي في ميناء ظفار"(3) وهذه المعلومات في مخطوطة هندية محفوظة في مكتبة دائرة الهند تحتوي على عدة تفصيلات أخرى عن (جاكرواني فرماس) .

وقد جاء في كتب الحديث ذكر الملك الهندي ؛ الذي وصل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم فِفي مستدرك الحاكم : "عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: ثم أهدى ملك الهند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – جرة فيها زنجبيل، فأطعم أصحابه قطعة قطعة، وأطعمني منها قطعة. قال الحاكم ولم أحفظ في أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم - الزنجبيل سواه"(4) .

ومن المعلوم أن هذا الملك قد صار صحابياً ؛ بملاقته الرسول – صلى الله عليه وسلم –وإيمانه به وموته على ذلك .

وقد حفظت المراجع الإسلامية قصة هذا الصحابي الذي قدم من الهند. فذكره الإمام ابن حجر العسقلاني في الإصابة ، وفي لسان الميزان(5) وقال إن أسمه (سَرْبَانَك) وهذا هو الإسم الذي عرف به عند العرب .)))

نايف الشريف
11-10-2009, 04:09 AM
الصحابي رقم ( 46)

حذيفة بن اليمان
هو أبو عبد الله حذيفة بن حسيل ( اليمان) من بني عبس، جاء حذيفة هو وأخـوه ووالدهمـا إلى رسـول الله واعتنقوا الإسلام وكان صاحب سر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد نما -رضي الله عنه- في ظل هذا الديـن، وكانت له موهبـة في قراءة الوجوه و السرائر، فعاش مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن ومسالك الشرور ليتقيها.

لقد كان في إيمانه -رضي الله عنه- وولائه قوي، فها هو يرى والده يقتل خطأ يوم أحد بأيدي مسلمة، فقد رأى السيوف تنوشه فصاح بضاربيه:( أبي، أبي، انه أبي!!)...ولكن أمر الله قد نفذ، وحين علم المسلمون تولاهم الحزن والوجوم، لكنه نظر إليهم اشفاقا وقال:( يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين )...ثم انطلق بسيفه يؤدي واجبه في المعركة الدائرة...وبعد انتهاء المعركة علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فأمر بالدية عن والد حذيفة ( حسيل بن جابر) ولكن تصدق بها حذيفة على المسلمين، فازداد الرسول له حبا وتقديرًا...

يسأل عن الشر:
عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا فقال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.

قم يا حذيفة
عن بلال العبسي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن الناس تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جاثي من البرد وقال يا بن اليمان قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب فأنظر إلى حالهم قلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما قمت إليك إلا حياء منك من البرد قال فابرز الحرة وبرد الصبح انطلق يا بن اليمان ولا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إلي قال فانطلقت إلى عسكرهم فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله قد تفرق الأحزاب عنه قال حتى إذا جلست فيهم قال فحسب أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم قال ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه قال فضربت بيدي على الذي عن يميني وأخذت بيده ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده فلبثت فيهم هنية ثم قمت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي فأومأ إلي بيده أن ادن فدنوت ثم أومأ إلي أيضا أن ادن فدنوت حتى أسبل علي من الثوب الذي كان عليه وهو يصلي فلما فرغ من صلاته قال بن اليمان أقعد ما الخبر قلت يا رسول الله تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلا عصبة توقد النار قد صب الله عليه من البرد مثل الذي صب علينا ولكنا نرجو من الله ما لا يرجو.

ورواية أخرى: عندما دب الفشل في صفوف المشركين وحلفائهم واختلف أمرهم وفرق الله جماعتهم، دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- حذيفة بن اليمان، وكان الطقس باردا والقوم يعانون من الخوف والجوع، وقال له:( يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتين!)...فذهب ودخل في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لاتقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال:( يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟)...قال حذيفة:( فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت؟00قال: فلان بن فلان )...فأمن نفسه في المعسكر، ثم قال أبو سفيان:( يا معشر قريش، انكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنوقريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فاني مرتحل)...ثم نهض فوق جمله، وبدأ المسير، يقول حذيفة:( لولا عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلي ألا تحدث شيئا حتى تأتيني، لقتلته بسهم )...وعاد حذيفة إلى الرسول الكريم حاملا له البشرى...

صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حدثنا زيد ابن وهب قال: كنا عند حذيفة فقال ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين إلا أربعة. فقال أعرابي إنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تخبروننا فلا ندري فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟ قال أولئك الفساق أجل لم يبق منهم إلا أربعة أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده.

... قال العيني وحاصل معنى هذا الحديث أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المنافقين وكان يعرفهم ولا يعرفهم غيره وكان النبي صلى الله عليه وسلم أسر إليه بأسماء عدة من المنافقين وأهل الكفر والذين نزلت فيهم الآية ولم يسر إليه بأسماء جميعهم.

عن مسلم بن نذير عن حذيفة قال قلت يا رسول الله إني رجل ذرب اللسان وإن عامة ذلك على أهلي قال: فأين أنت من الاستغفار إني لأستغفر الله في اليوم - أو قال في اليوم والليلة - مائة مرة.

عن حذيفة قال: (أتيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي توفاه الله فيه، فقلت:( يا رسول الله، كيف أصبحت بأبي أنت وأمي؟!)...فردَّ عليّ بما شاء الله ثم قال:( يا حذيفة أدْنُ منّي )...فدنوتُ من تلقاء وجههِ، قال:( يا حُذيفة إنّه من ختم الله به بصومِ يومٍ، أرادَ به الله تعالى أدْخَلَهُ الله الجنة، ومن أطعم جائعاً أراد به الله، أدخله الله الجنة، ومن كسا عارياً أراد به الله، أدخله الله الجنة )...قلتُ:( يا رسول الله، أسرّ هذا الحديث أم أعلنه )...قال:( بلْ أعلنْهُ )...فهذا آخر شيءٍ سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)...

وفي مسند الشاميين عن ربعي بن حراش قال جلست إلى حذيفة بن اليمان وإلى أبي مسعود الأنصاري قال أحدهما للآخر حدث ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا بل حدث أنت فحدث أحدهما صاحبه وصدقه الآخر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى برجل يوم القيامة فيقول الله انظروا في عمله فيقول رب ما كنت أعمل خيرا غير أنه كان لي مال وكنت أخالط الناس فمن كان موسرا يسرت عليه ومن كان معسرا أنظرته إلى ميسرة قال الله عز وجل أنا أحق من يسر فغفر له فقال صدقت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى يوم القيامة برجل قد قال لأهله إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم استقبلوا بي ريحا عاصفا فاذروني فيجمعه الله تبارك وتعالى يوم القيامة فيقول له لم فعلت قال من خشيتك قال فيغفر له قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله

عن ربعي قال قال عقبة بن عمرو لحذيفة ألا تحدثنا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال سمعته يقول إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارا الذي يرى الناس إنها نار فماء بارد وأما الذي يرى الناس إنه ماء فنار تحرق فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى إنها نار فإنها ماء عذب بارد قال حذيفة وسمعته يقول إن رجلا ممن كان قبلكم أتاه ملك ليقبض نفسه فقال له هل عملت من خير فقال ما أعلم قيل له انظر قال ما أعلم شيئا غير إني كنت أبايع الناس وأجازفهم فانظر المعسر وأتجاوز عن المعسر فأدخله الله عز وجل الجنة قال وسمعته يقول إن رجلا حضره الموت فلما أيس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا ثم أوقدوا فيه نارا حتى إذا أكلت لحمى وخلص إلى عظمى فامتحشت فخذوها فاذروها في اليم ففعلوا فجمعه الله عز وجل إليه وقال له لم فعلت ذلك قال من خشيتك قال فغفر الله له قال عقبة بن عمرو أنا سمعته يقول ذلك وكان نباش.

وكان حريصًا على تعليم المسلمين:
فكما في مسلم عن حذيفة قال كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده وإنا حضرنا معه مرة طعاما فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها.

عن عبد الرحمن بن يزيد قال أتينا حذيفة فقلنا دلنا على أقرب الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم هديا وسمتا وولاء نأخذ عنه ونسمع منه فقال كان أقرب الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم هديا وسمتا ودلا بن أم عبد حتى يتوارى عنى في بيته ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن بن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفة

عن زاذان عن حذيفة قال قالوا يا رسول الله لو استخلفت قال إن أستخلف عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه .
وقال ليث بن أبي سليم: لما نزل بحذيفة الموت جزع جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا فقيل: ما يبكيك فقال: ما أبكي أسفا على الدنيا بل الموت أحب إلي ولكني لا أدري علام أقدم على رضى أم على سخط وقيل: لما حضره الموت قال: هذه آخر ساعة من الدنيا اللهم إنك تعلم أني أحبك فبارك لي في لقائك ثم مات.

عن أبي إسحاق أن صلة بن زفر حدثه أن حذيفة بن اليمان كفن في ثوبين قال بعثني وأبا مسعود فابتعنا له كفنا حلة عصب بثلاث مائة درهم فقال أرياني ما ابتعتما لي فأريناه فقال ما هذا لي بكفن إنما يكفيني ريطتان بيضاوان ليس معهما قميص وإني لا أترك إلا قليلا حتى أنال خيرا منهما أو شرا منهما فابتعنا له ريطتين بيضاوين

معركة نهاوند :
في معركة نهاوند حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألف، اختار أمير المؤمنين عمر لقيادة الجيوش المسلمة ( النعمان بن مقرن ) ثم كتب الى حذيفة أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة، وأرسل عمر للمقاتلين كتابه يقول:( إذا اجتمع المسلمون، فليكن كل أمير على جيشه، وليكن أمير الجيوش جميعا ( النعمان بن مقرن )، فإذا استشهد النعمان فليأخذ الراية حذيفة، فإذا استشهد فجرير بن عبد الله )...وهكذا استمر يختار قواد المعركة حتى سمى منهم سبعة...
والتقى الجيشان ونشب قتال قوي، وسقط القائد النعمان شهيد، وقبل أن تسقط الراية كان القائد الجديد حذيفة يرفعها عاليا وأوصى بألا يذاع نبأ استشهاد النعمان حتى تنجلي المعركة، ودعا ( نعيم بن مقرن ) فجعله مكان أخيه ( النعمان ) تكريما له، ثم هجم على الفرس صائح:( الله أكبر: صدق وعده، الله أكبر: نصر جنده )...ثم نادى المسلمين قائل:( يا أتباع محمد، هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم، فلا تطيلوا عليها الانتظار )...وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس...
وكان فتح همدان والريّ والدينور على يده، وشهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين، وتزوّج فيها...

اختياره للكوفة :
أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا، فكتب عمر لسعد بن أبي وقاص كي يغادرها فورا بعد أن يجد مكانا ملائما للمسلمين، فوكل أمر اختيار المكان لحذيفة بن اليمان ومعه سلمان بن زياد، فلما بلغا أرض الكوفة وكانت حصباء جرداء مرملة، قال حذيفة لصاحبه:( هنا المنزل ان شاء الله )0 وهكذا خططت الكوفة وتحولت الى مدينة عامرة، وشفي سقيم المسلمين وقوي ضعيفهم...

فضله رضي الله عنه :
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( ما من نبي قبلي إلا قد أعطيَ سبعة نُجباء رفقاء، وأعطيتُ أنا أربعة عشر: سبعة من قريش: عليّ والحسن والحسين وحمزة وجعفر، وأبو بكر وعمر، وسبعة من المهاجرين: عبد الله ابن مسعود، وسلمان وأبو ذر وحذيفة وعمار والمقداد وبلال )... رضوان الله عليهم...

قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-:( استخلفتَ )...فقال:( إنّي إنْ استخْلِفُ عليكم فعصيتم خليفتي عُذّبتُم، ولكم ما حدّثكم به حُذيفة فصدِّقوه، وما أقرأكم عبد الله بن مسعود فاقْرَؤُوه )...

قال عمر بن الخطاب لأصحابه:( تمنّوا )...فتمنّوا ملءَ البيتِ الذي كانوا فيه مالاً وجواهر يُنفقونها في سبيل الله، فقال عمر:( لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله عزّ وجلّ )...ثم بعث بمال إلى أبي عبيدة وقال:( انظر ما يصنع )...فقسَمَهُ، ثم بعث بمالٍ إلى حذيفة وقال:( انظر ما يصنع )...فقَسَمه، فقال عمر:( قد قُلتُ لكم )...

من أقواله:
لحذيفة بن اليمان أقوال بليغة كثيرة، فقد كان واسع الذكاء والخبرة، وكان يقول للمسلمين:( ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة، ولا الذين يتركون الآخرة للدني، ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه )...

يقول حذيفة:( أنا أعلم النّاس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اسرَّ إليَّ شيئاً لم يحدِّث به غيري، وكان ذكر الفتنَ في مجلس أنا فيه، فذكر ثلاثاً لا يذَرْنّ شيئُا، فما بقي من أهل ذلك المجلس غيري )...

كان -رضي الله عنه- يقول:( ان الله تعالى بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم-فدعا الناس من الضلالة الى الهدى، ومن الكفر الى الايمان، فاستجاب له من استجاب، فحيى بالحق من كان ميت، ومات بالباطل من كان حي، ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على منهاجه، ثم يكون ملكا عضوض، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه، أولئك استجابوا للحق، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه، كافا يده، فهذا ترك شعبة من الحق، ومنهم من ينكر بقلبه، كافا يده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الحق، ومنهم من لاينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميت الأحياء )...

ويتحدث عن القلوب والهدى والضلالة فيقول:( القلوب أربعة: قلب أغلف، فذلك قلب كافر...وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق...وقلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن...وقلب فيه نفاق وإيمان، فمثل الإيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب...ومثل المنافق كمثل القرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب غلب )...

مقتل عثمان:
كان حذيفة -رضي الله عنه- يقول: ( اللهم إنّي أبرأ إليك من دم عثمان، والله ما شهدتُ ولا قتلتُ ولا مالأتُ على قتله )...

وفاته:
لمّا نزل بحذيفة الموت جزع جزعاً شديداً وبكى بكاءً كثير، فقيل:( ما يبكيك؟)...فقال:( ما أبكي أسفاً على الدنيا، بل الموت أحب إليّ، ولكنّي لا أدري على ما أقدم على رضىً أم على سخطٍ )...
ودخل عليه بعض أصحابه، فسألهم:( أجئتم معكم بأكفان؟)...قالو:( نعم )...قال:( أرونيها )...فوجدها جديدة فارهة، فابتسم وقال لهم:( ما هذا لي بكفن، إنما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص، فاني لن أترك في القبر إلا قليل، حتى أبدل خيرا منها، أو شرا منها )...ثم تمتم بكلمات:( مرحبا بالموت، حبيب جاء على شوق، لا أفلح من ندم )...وأسلم الروح الطاهرة لبارئها في أحد أيام العام الهجري السادس والثلاثين بالمدائن.

نايف الشريف
12-10-2009, 08:38 AM
الصحابي رقم ( 47)

شهر بن باذام
هو شهر بن باذام الفارسي
قصة إسلامه:
لم تذكر المراجع أية تفاصيل عن حياة شهر بن باذام ولكن ذكرت قصة إسلام أبيه باذام والتي من خلالها عرفنا أن باذام قد أسلم وأن النبي استعمل شهر على اليمن بعد وفاة أبيه ولكن متى كان إسلام شهر بن باذام؟ وكيف حدث ذلك وهل كان بالغا وقت إسلام أبيه أم هل كان طفلا فنشأ مسلم؟ وهل قابل النبي أم لا؟ كل هذه التساؤلات لم نجد لها إجابة في كتب السيرة أو كتب التاريخ.

وقد أوردنا قصة إسلام أبيه فهي القصة الوحيدة التي ذكر فيها استعمال النبي لشهر بعد وفاته.

كتب (كسرى) إلى عامله على اليمن وكان اسمه باذام، أما بعد، فإذا جاءك كتابي هذا فابعث من قِبَلَكَ أميرًا إلى هذا الرجل الذي بجزيرة العرب الذي يزعم أنه نبي، فابعثه إلي في جامعة، فلما جاء لكتاب إلى باذام بعث من عنده أميرين عاقلين، وقال: اذهبا إلى هذا الرجل فانظرا ما هو، فإن كان كاذبا فخذاه في جامعة حتى تذهبا به إلى كسرى، وإن كان غير ذلك فارجعا إليَّ فاخبراني ما هو حتى أنظر في أمره، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فوجداه على أسد الأحوال وأرشدها ورأيا منه أمورا عجيبة يطول ذكرها، ومكثا عنده شهرا حتى بلغا ما جاءا له ثم تقاضاه الجواب بعد ذلك، فقال لهما: ارجعا إلى صاحبكما فأخبراه أن ربي قد قتل الليلة ربه، فأرخا ذلك عندهما ثم رجعا سريعا إلى اليمن، فأخبرا باذام بما قال لهما فقال: احصوا تلك الليلة، فان ظهر الأمر كما قال فهو نبي، فجاءت الكتب من عند ملكهم أنه قد قُتل كسرى في ليلة كذا وكذا لتلك الليلة، وكان قد قتله بنوه، ولهذا قال بعض الشعراء...
وكسرى إذ تقاسمه بنوه... بأسياف كما اقتسم اللحام...
تمخضت المنون له بيوم... أنى ولكل حاملة تمام...
وقام بالملك بعده ولده يزدجرد، وكتب إلى باذام أن خذ لي البيعة من قبلك، واعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه وأكرمه، فدخل الإسلام في قلب باذام وذريته من أبناء فارس ممن باليمن، وبعث إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بإسلامه، فبعث إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بنيابة اليمن بكمالها فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استناب ابنه شهر بن باذام على صنعاء وبعض مخاليف وبعث طائفة من أصحابه نوابا على مخاليف أخر فبعث أولا في سنة عشر عليا وخالدا ثم أرسل معاذا وأبا موسى الأشعري وفرق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة فمنهم شهر بن باذام وعامر بن شهر الهمذاني.(1)

الوفاة:
خرج الأسود العنسي واسمه عبهلة بن كعب بن غوث من بلد يقال لها كهف حنان في سبعمائة مقاتل وكتب إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها المتمردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به وأنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجه إلى نجران، فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه، ثم قصد إلى صنعاء فخرج إليه شهر بن باذام فتقاتلا فغلبه الأسود وقتله وكسر جيشه من الأبناء واحتل بلدة صنعاء لخمس وعشرين ليلة من مخرجه.(2)
المصادر:
1- البداية والنهاية [ جزء 6 - صفحة 306 ]
2- البداية والنهاية [ جزء 6 - صفحة 307 ]

نايف الشريف
13-10-2009, 02:26 AM
الصحابي رقم ( 48)

أبو سعيد الخدري

هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو سعيد الخدري.. مشهور بكنيته..

كان ممن حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سننا كثيرة، وروى عنه علما جما، وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلائهم.

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
يقول أبو سعيد، قال: أتى علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ونحن أناس من ضعفة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدا منهم، وإن بعضهم ليتوارى من بعض من العري. فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: "بما كنتم تراجعون"؟ قالو: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعو لنا، قال: "فعودوا لما كنتم فيه"، ثم قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" ثم قال: "ليبشر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام، هؤلاء في الجنة يتنعمون، وهؤلاء يحاسبون"
تابعه جعفر بن سليمان عن المعلى، أخرجه أبو داود وحده..

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:
لما بايع الناس معاوية ليزيد كان الحسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم، فأبى وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه وقال: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بن، ويشيطوا دماءن. فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الإقامة. فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاء، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف.

بعض المواقف من حياته مع التابعين:
وقد اختفى جماعة من سادات الصحابة، منهم جابر بن عبد الله، وخرج أبو سعيد الخدري فلجأ إلى غار في جبل، فلحقه رجل من أهل الشام. قال: فلما رأيته انتضيت سيفي فقصدني، فلما رآني صمم على قتلي، فشمت سيفي، ثم قلت إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فلما رأى ذلك قال: من أنت؟ قلت: أنا أبو سعيد الخدري قال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم. فمضى وتركني.

ـ وعن عياض بن عبد الله قال: رأيت أبا سعيد الخدري جاء ومروان يخطب فقام فصلى ركعتين فجاء إليه الأحراس ليجلسوه فأبي أن يجلس حتى صلى الركعتين فلما أقضينا الصلاة أتيناه فقلنا يا أبا سعيد: كاد هؤلاء أن يفعلوا بك ، فقال: ما كنت لأدعها لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء رجل وهو يخطب فدخل المسجد بهيئة بذة فقال " أصليت "؟ قال: لا ، قال: " فصل ركعتين " ثم حث الناس على الصدقة فألقوا ثيابا فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل منها ثوبين فلما كانت الجمعة الأخرى جاء الرجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أصليت "؟ قال: لا قال: " فصل ركعتين " ، ثم حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " خذه " ، فأخذه ، ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " انظروا إلى هذا جاء تلك الجمعة بهيئة بذة فأمرت الناس بالصدقة فطرحوا ثيابا فأعطيته منها ثوبين فلما جاءت الجمعة وأمرت الناس بالصدقة فجاء فألقى أحد ثوبيه " ـ وعن عاصم عن ابن سيرين قال: كان أبو سعيد الخدري <317> قائما يصلي فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه فمنعه وأبى إلا أن يمضي فدفعه أبو سعيد فطرحه فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن فقال: والله لو أبى إلا أن آخذه بشعره لأخذت.

آثره في الآخرين (دعوته ـ تعليمه):
عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة عن أبيه قال: كنا عند أبي سعيد الخدري في مرضه الذي توفي فيه قال: فأغمي عليه فلما أفاق قال قلنا له الصلاة يا أبا سعيد قال: كفان قال: أبو بكر يريد كفان يعني أومأ بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:

ـ يحدث عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن..
ـ ويروي عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية..

قال وهيب حدثنا عمرو الحياة وقال خردل من خير
ـ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا فما أولت ذلك يا رسول الله قال الدين..

وعن صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري
قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار فقالت امرأة واثنتين فقال واثنتين

ـ وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني قال سمعت أبا حازم عن أبي هريرة قال ثلاثة لم يبلغوا الحنث..

ما قيل فيه:
قال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه كان من أفقه أحداث الصحابة
وقال الخطيب كان من أفاضل الصحابة وحفظ حديثا كثيرا

الوفاة:
قيل: مات سنة أربع وسبعين. وقيل: أربع وستين. وقال المدائني: مات سنة ثلاث وستين. وقال العسكري:مات سنة خمس وستين

المراجع:
الإصابة في تمييز الصحابة
سير أعلام النبلاء
الاستيعاب
مسند أحمد بن حنبل
فتح الباري بشرح صحيح البخاري

نايف الشريف
14-10-2009, 07:58 AM
الصحابي رقم ( 49)

كعب بن مالك
رضي الله عنه

" أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك "
حديث شريف

من هو؟
قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك 000

تخلفه عن بدر :
لم أتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزاة غزاها قط الا غزاة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ، ولم يعاتب أحد تخلف عنها ، وانما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وان كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر000

حاله في تبوك:
وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك ، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزاة000

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلما يريد غزوة يغزوها الا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز ، واستقبل عددا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثير ، لا يجمعهم كتاب حافظ ( الديوان ) 0 قال كعب فقل رجل يريد أن يتغيب الا ظن أن ذلك سيخفى عليه ، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل 000

تباطؤه في التجهيز :
وغزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال ، وأنا والله أصعر (أميل للبقاء) ، فتجهز اليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون معه ، فطفقت أغدو لكي اتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا ، فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك ان أردت !00فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس بالجد ، فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غاديا والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه !00فغدوت بعدما فصلوا (خرجوا) لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ، ثم غدوت فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو (فات وقته) ، فهممت أن ارتحل فألحقهم ، وليت اني فعلت ، ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت اذا خرجت في الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحزنني أني لا أرى الا رجلا مغموصا (متهما) في النفاق ، أو رجلا ممن عذره الله عز وجل 000

الرسول يسأل عنه :
ولم يذكرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك ( ما فعل كعب بن مالك ؟!)000فقال رجل من بني سلمة ( حبسه يا رسول الله براده والنظر في عطفيه )000فقال معاذ بن جبل ( بئسما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه الا خيرا )000 فسكت الرسول -صلى الله عليه وسلم- 000

عودة الرسل من تبوك :
قال كعب بن مالك فلما بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول ( بماذا أخرج من سخطه غدا ؟!)000وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أظل قادما زاح عني الباطل ، عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه000

صدقه مع الرسول:
فأصبح الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان اذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون ، فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فيقبل منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علانيتهم ، ويستغفر لهم ، ويكل سرائرهم الى الله تعالى ، حتى جئت 0 فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال لي ( تعال !)000فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ،فقال لي ( ما خلفك ! ألم تكن قد اشتريت ظهرا ؟!)000فقلت ( يا رسول الله ، اني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ، لقد أعطيت جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك اليوم بحديث تجد علي فيه اني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل 0 ما كان لي عذر ، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك )000قال فقال الرسـول -صلى اللـه عليـه وسلم- ( أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك )000

فقمت وقام الي رجال من بني سلمة وأتبعوني فقالوا لي ( والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما اعتذر به المتخلفون ، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لك )000قال فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ، قال ثم قلت لهم ( هل لقي هذا معي أحد ؟)000قالوا ( نعم ، لقيه معك رجلان ، قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك )000فقلت ( فمن هما ؟)000قالوا ( مرارة بن الربيع العامري ، وهلال بن أمية الواقفي )000 فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، لي فيهما أسوة 000 قال فمضيت حين ذكروهما لي000

النهي عن كلامه :
قال ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس ، وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد000
وآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم ، وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟!00 ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فاذا أقبلت على صلاتي نظر الي فاذا التفت نحوه أعرض عني000
حتى اذا طال علي ذلك من هجر المسلمين ، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس الي ، فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام فقلت له ( يا أبا قتادة ، أنشدك الله ، هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟)000قال فسكت000قال فعدت له فنشدته000فسكت000فعدت له فنشدته فسكت000 فقال ( الله ورسوله أعلم )000

قال ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار ، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة اذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول ( من يدل على كعب بن مالك ؟)000قال فطفق الناس يشيرون له الي ، حتى جاء فدفع الي كتابا من ملك غسـان فاذا فيه ( أما بعد ، فقد بلغنا أن صاحبـك قد جفاك ، وأن اللـه لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعـة ، فالحق بنا نواسك )000قال فقلت حين قرأته وهذا أيضا من البلاء 0قال فيممت به التنور فسجرته به (أحرقته فيه)000

الأمر بالاعتزال :
حتى اذا ما مضت أربعون ليلة من الخمسين ، اذا برسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتيني يقول ( يأمرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تعتزل امرأتك )000قال فقلت ( أطلقها أم ماذا أفعل ؟)000فقال ( بل اعتزلها ولا تقرنها )000قال وأرسل الى صاحبي بمثل ذلك000 قال فلبثنا عشر ليال ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا000

قال ثم صليت صلاةالصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته ( أبشر يا كعب بن مالك )000 قال فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا 000فأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض الي رجل فرسا ، وسعى ساع من "أسلم" وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جائني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما اياه ببشارته ، والله ما أملك يومئذ غيرهما 000

البشارة والفرج :
واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أؤم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله ، يقولون ( ليهنك توبة الله عليك )000 حتى اذا دخلت المسجد ، فاذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد والناس حوله ، فقام الي طلحة بن عبدالله يهرول حتى صافحني وهنأنـي ، فلما سلمت على رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- قال (وهو يبرق وجهه من السرور) ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك )000قال قلت ( أمن عندك يا رسول الله ، أم من عند الله ؟)000قال ( لا، من عند الله )000

قال وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، حتى يعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه قلت ( يا رسول الله ، ان من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة الى الله والى رسوله)000قال ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك )000قال فقلت ( فاني أمسك سهمي الذي بخيبر )000 وقلت ( يا رسول الله انما نجاني الله بالصدق ، وان من توبتي ألا أحدث الا صدقا ما بقيت )000 قال ( فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن مما أبلاني الله تعالى ، ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى يومي هذا ، واني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقى )000

وأنزل الله تعالى ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم انه بهم رءوف رحيم ، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله الا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم ، يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )000
سورة التوبة(117-119)000

نايف الشريف
18-10-2009, 05:26 PM
الصحابي رقم (50)

مرارة بن الربيع

مرارة- بزيادة هاء- هو‏:‏ مرارة بن الربيع، وقيل‏:‏ ابن ربيعة الأنصاري العمري، من بني عمرو بن عوف، قاله أبو عمر‏.‏

وقال هشام بن الكلبي‏:‏ هو مرارة بن ربعي بن عدي بن زيد بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس‏.‏

شهد بدراً، وهو أحد الثلاثة الذي تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فنزل القرآن في شأنهم‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ التوبة الآية‏.‏

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي بن سويدة بإسناده إلى أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي قال‏:‏ أنبأنا أحمد بن الحسين الحيري، أنبأنا حاجب بن أحمد، حدثنا محمد بن حماد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذينَ خُلِّفوا‏}‏ قال‏:‏ هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أُمية، كلهم من الأنصار‏.‏

نايف الشريف
18-10-2009, 05:29 PM
الصحابي رقم ( 51)

هلال بن أمية الواقفي

هو هلال بن أمية بن عامر بن قيس واسمه مالك الأنصاري الواقفي.
وكان قديم الإسلام كان يكسر أصنام بني واقف وكانت معه رايتهم يوم الفتح.(1)
وشهد هلال بن أمية بدرا وأحد.(2)

من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
تخلف هلال بن أمية عن رسول الله في غزوة تبوك فقد ذكر ابن كثير أن قوله تعالي "وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم"

أنهم هم الثلاثة الذين خلفوا أي عن التوبة وهم مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال لا شكا ونفاقا فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجي هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار } الآية { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت }.

وقد ذكر البخاري قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك:
يقول كعب بن مالك "حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال لا بل اعتزلها ولا تقربه. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك (يقصد هلال بن أمية ومرارة بن الربيع) فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال ( لا ولكن لا يقربك ). قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه

فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه؟ فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول رسول الله{ صلى الله عليه وسلم} إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون ".(3)

قصة اللعان:
وفي أحد الأيام لاعن هلال بن أمية زوجته، وأقسم لرسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) إنه لصادق.

عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم (البينة أو حد في ظهرك) . فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك) . فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه "والذين يرمون أزواجهم" - فقرأ حتى بلغ - "إن كان من الصادقين". فانصرف النبي (صلى الله عليه وسلم) فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب. ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة. قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء. فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن.(4)
المصادر:
1- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1093 ]
2- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1093 ]
3- صحيح البخاري [ جزء 4 - صفحة 1603 ]
4- صحيح البخاري [ جزء 4 - صفحة 1772

نايف الشريف
19-10-2009, 08:54 PM
الصحابي رقم ( 52)

تميم بن أوس
رضي الله عنه

تميم بن أوس بن خارجة بن سُود بن جَذيمة بن وداع الدَّاري ، أسلم في السنة التاسعة
من الهجرة ، وروى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، كانت له ابنة اسمها رقية 000

إيمانه:
كان من علماء الكتابين ( نصرانياً ) ، وكان يختم في ركعة ، وكان كثير التهجّد ، وقام ليلة بآية حتى أصبح وهي قوله تعالى ( أم حَسِبَ الذين اجترحوا السّيئات ) سورة الجاثية000

كما أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أقْطَعه بيت حَبْرون عندما سكن في فلسطين ، وهو أول من أسْرَج السِّراج في المسجد ، وأول من قصّ القصص في عهد عمر000

حديث تميم الكبير:
نادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( الصلاة جامعة )000فخرج المسلمون الى المسجد وصلوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فلمّا قضى رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- صلاتـه جلس على المنبـر وهو يضحـك فقال ( ليلْزَمْ كلُ إنسانٍ مصّلاه )000ثم قال ( أتدرون لِمَ جمعتُكم ؟)000 قالوا ( الله ورسوله أعلم )000قال ( إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا رهبة ، ولكن جمعتكم لأنّ تميماَ الداري كان رجلاً نصرانياً ، فجاء فبايعَ وأسلمَ ، وحدّثني حديثاً وافقَ الذي كنتُ أحدّثكم عن المسيح الدَّجال000
حدّثني أنه ركب في سفينة بحرية ، مع ثلاثين رجلاً من لخم وجُذام ، فلعب بهم الموجُ شهراً في البحر ، ثم ارْفَؤوا إلى جزيرةٍ في البحر ، حتى مغرب الشمس ، فجلسوا في أقْرُب السفينة -أي في السفن الصغيرة تكون مع السفينة الكبيرة- فدخلوا الجزيرة ، فلقيتهم دابّةٌ أهلب -أي غليظة الشعر- كثيرة الشعر ، لا يدرون ما قُبُلُـه من دُبـُره ، من كثرة الشعـر ، فقالوا ( ويلك ما أنتِ ؟!)000فقالت ( أنا الجسّاسة )000قالوا ( وما الجسّاسة ؟)000قالت ( أيها القوم ! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدّير ، فإنه إلى خبركم بالأشواق )000قال لمّا سمّتْ لنا رجلاً فرِقْنا منها -أي خِفنا منها- أن تكون شيطانة000
قال فانطلقنا سْرَاعاً ، حتى دخلنا الدّير ، فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناه قطّ خَلْقاً ، وأشدُّهُ وِثاقاً ، مجموعةٌ يداه إلى عُنقه ، ما بين رُكبتيه إلى كعبيه بالحديد ، قلنا ( وَيْلَك ! ما أنت ؟)000قال ( قد قَدَرْتُم على خبري ! فأخبروني ما أنتم ؟)000قالوا ( نحن أناس من العرب ، ركبنا في سفينة بحريّة ، فصادفنا البحر حين اغتَلم -أي هاج- فلعب بنا الموجُ شهراً ، ثم أرفأنا إلى جزيرتِكَ هذه ، فجلسنا في أقرُبها ، فدخلنا الجزيرة ، فلقِيَتْنا دابّة أهلبُ كثير الشعر ، لا يُدرى ما قُبُلُهُ من دُبِرِه من كثرة شعره ، فقلنا ( ويلك ! ما أنتِ ؟)000فقالت ( أنا الجسّاسة )000قلنا ( وما الجسّاسة ؟)000قالت ( اعمِدُوا إلى هذا الرجل في الدّير فإنّه إلى خبركم بالأشواق )000فأقبلنا إليك سْرَاعاً ، وفزِعْنا منها ، ولم نأمن أن تكون شيطانة ؟)000

فقال ( أخبروني عن نخـل بَيْسَـانَ -قرية بالشام-)000قلنا ( عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبـِر ؟)000قال ( هل في العيـن ماءٌ ؟ وهل يزرع أهلهـا بماء العيـن ؟)000قلنا له ( نعم ، هي كثيرة الماء ، وأهلها يزرعون من مائها )000قال ( أخبروني عن نبيِّ الأمّيّين ما فَعل ؟)000قالوا ( قد خرج من مكة ونزل يثرب )000قال ( أقاتله العرب ؟)000قلنا ( نعم )000قال ( كيف صنع بهم ؟)000فأخبرناه أنّه قد ظهرَ على من يليه من العرب وأطاعوه )000قال لهم ( قد كان ذلك ؟)000قلنا ( نعم )000قال ( أما أنّ ذاك خيرٌ لهم أن يطيقوهُ ، وإني مخبركم عني000

إني أنا المسيح ، وإني أوشك أن يُؤذن لي في الخروج ، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدعُ قريةً إلاّ هبطتها في أربعين ليلة ، غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليّ كلتاهما ، كلّما أردت أن أدخل واحدةً أو واحداً منها ، استقبلني مَلَكٌ بيده السيفُ صلْتاً ، يصدُّني عنها ، وإنّ على كلِّ نقبٍ منها ملائكةً يحرسونها )000

فقال رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- وطعَنَ بمخْصرتِهِ في المنبـر ( هذه طَيْبَةٌ ! هذه طَيْبَةٌ ! هذه طَيْبَةٌ -يعني المدينة- ، ألا هلْ كنتُ حدّثتكم ذلك ؟)000فقال الناس ( نعم )000قال ( فإنّه أعجبني حديثُ تميمٍ أنّه وافق الذي كنت أحدّثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن ، لا بل من قِبَلِ المشرق ما هو ، من قِبَلِ المشرق ما هو ، من قِبَلِ المشرق ما هو )000وأوْمَأ بيدِهِ إلى المشرق000

فضله:
قدِمَ معاوية بن حَرْمـَل المدينـة ، فلبث في المسجد ثلاثاً لا يُطْعِـم ، فأتى عمـر فقال ( يا أمير المؤمنيـن تائبٌ من قبل أن يُقْـدَرَ عليـه ؟)000قال ( من أنت ؟)000قال ( أنا معاوية بن حَرْمَل )000قال ( اذهب إلى خير المؤمنين فانزل عليه )000وكان تميم الدّاري إذا صلى ضربَ بيده عن يمينه وعن شماله فأخذ رجلين فذهَبَ بهما ، فصلّى معاوية إلى جنبه ، فضرب يده فأخذ بيده فذهب به ، فأتيا الطعام ، فأكل أكلاً شديداً ما شبع من شدة الجوع000

وفاته:
انتقل الى الشام بعد قتل عثمان -رضي اللـه عنه- ونـزل بيـت المقـدس ، ووجِدَ على قبـره أنه مات سنـة (40 للهجرة )000وقبره في بيت جِبْرون ( حَبرون ) في فلسطين000

نايف الشريف
23-10-2009, 02:36 PM
الصحابي رقم ( 53)

المهاجر بن أمية

هو المهاجر بن أمية بن المغيرة القرشي المخزومي أخو أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) لأبيها وأمها وكان اسمه الوليد فكره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اسمه وقال لأم سلمة: "هو المهاجر". (1)

وشهد بدرا مع المشركين وقتل أخواه يومئذ هشام ومسعود وكان اسمه الوليد.(2)

وأخبار المهاجر في المصادر المعتمدة قليلة جدا فلا نعرف عن أيامه الأولى قبل إسلامه شيئا كما لا نعرف متى أسلم بالضبط.

أثر الرسول في تربيته:
تخلف عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم) بتبوك فرجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عاتب عليه فشفعت فيه أخته أم سلمة فقبل شفاعتها فأحضرته فاعتذر إلى النبي فرضي عنه

ويبدو أنه كان لهذا العتاب - بالرغم من عفو النبي السريع- أثره فلم تذكر المراجع أن المهاجر تأخر عن رسول الله أو عن خليفته أبو بكر (رضي الله عنه) بعد ذلك بالرغم من صعوبة ما كلف به(سفارته لليمن على عهد رسول الله - حروب الردة في خلافة أبى بكر).

أهم ملامح شخصيته:
1- الشجاعة والكفاءة القتالية (فقد اختاره أبو بكر ليكون من قادة الجيوش في حروب الردة وكان على يديه الانتصار في معركة النجير.

2- الأمانة فقد استعمله رسول الله على صدقات كندة والصدف.

3- كان على جانب عظيم من الفصاحة وحسن الخلق وخير دليل على ذلك اختيار النبي له ليكون سفيرا من سفرائه.

وله مواقف مع النبي ( صلي الله عليه وسلم ) منها تغيير الرسول (صلي الله عليه وسلم ) اسمه من الوليد إلي المهاجر.

فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وعندها رجل فقال من هذا قالت أخي الوليد قدم مهاجرا فقال هذا المهاجر فقالت يا رسول الله هو الوليد فأعاد فأعادت فقال انكم تريدون أن تتخذوا الوليد حنانا انه يكون في أمتي فرعون يقال له الوليد.(3)

وفاته:
أما عن وفاته فإننا لا نعلم سنة وفاته فلم تذكرها المراجع وقد ورد ذكره في عمال أبى بكر ولم يرد ذكره بعد ذلك.(4)


المصادر:
1- الاستيعاب [ جزء 1 - صفحة 456 ]
2- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 6 - صفحة 228 ]
3- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 6 - صفحة 613 ]
4- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1050 ]

نايف الشريف
28-10-2009, 12:54 AM
الصحابي رقم ( 54)

الضحاك بن قيس

هو الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب الفهري، قال الطبري: مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو - أي الضحاك - غلام يافع. واستبعد بعضهم أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بعد فيه فإن أقل ما قيل في سنه عند موت النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ابن ثمان سنين.

من مواقفه مع النبي في حياته
عن جرير بن حازم قال: جلس إلينا شيخ في دكان أيوب فسمع القوم يتحدثون فقال: حدثني مولاي عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم) فقلت له: ما اسمه؟ قال: قرة بن دعموص النميري قال: قدمت المدينة فأتيت النبي( صلى الله عليه وسلم) وحوله الناس فجعلت أريد أن أدنو منه فلم أستطع فناديته: يا رسول الله استغفر للغلام النميري قال: " غفر الله لك " قال: وبعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الضحاك بن قيس ساعيا فلما رجع رجع بإبل جلة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ):

أتيت هلال بن عامر ونمير بن عامر وعامر ربيعة فأخذت حلة أموالهم؟

فقال: يا رسول الله إني سمعتك تذكر الغزو فأحببت أن أتيك بإبل جلة تركبها وتحمل عليها. فقال: " والله الذي تركت أحب إلي من الذي أخذت ارددها وخذ من حواشي أموالهم وصدقاتهم ". قال: فسمعت المسلمين يسمون تلك الإبل المسان المجاهدات.(1)

من مواقفه مع النبي في حياته
عن جرير بن حازم قال: جلس إلينا شيخ في دكان أيوب فسمع القوم يتحدثون فقال: حدثني مولاي عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم) فقلت له: ما اسمه؟ قال: قرة بن دعموص النميري قال: قدمت المدينة فأتيت النبي( صلى الله عليه وسلم) وحوله الناس فجعلت أريد أن أدنو منه فلم أستطع فناديته: يا رسول الله استغفر للغلام النميري قال: " غفر الله لك " قال: وبعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الضحاك بن قيس ساعيا فلما رجع رجع بإبل جلة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ):

أتيت هلال بن عامر ونمير بن عامر وعامر ربيعة فأخذت حلة أموالهم؟

فقال: يا رسول الله إني سمعتك تذكر الغزو فأحببت أن أتيك بإبل جلة تركبها وتحمل عليها. فقال: " والله الذي تركت أحب إلي من الذي أخذت ارددها وخذ من حواشي أموالهم وصدقاتهم ". قال: فسمعت المسلمين يسمون تلك الإبل المسان المجاهدات.(1)

من مواقفه مع الصحابة :
له موقف مع معاوية ( رضي الله عنه ) فعن معاوية بن أبي سفيان أنه قال على المنبر حدثني الضحاك بن قيس وهو عدل أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا يزال وآل من قريش قال الزبير كان الضحاك بن قيس مع معاوية بدمشق وكان ولاه الكوفة ثم عزله ثم ولاه دمشق وحضرموت معاوية.

ولما مات أخذ الضحاك بن قيس أكفانه وصعد المنبر وخطب الناس وقال: إن أمير المؤمنين معاوية كان حد العرب وعود العرب قطع الله به الفتنة وملكه على العباد وسير جنوده في البر والبحر وكان عبدا من عبيد الله دعاه فأجابه وقد قضى نحبه وهذه أكفانه فنحن مدرجوه ومدخلوه قبره ومخلوه وعمله فيما بينه وبين ربه إن شاء رحمه وإن شاء عذبه.(2) وصلى عليه الضحاك.

وموقف آخر مع مع مروان بن الحكم وابن الزبير.

لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان اختلف الناس بالشام. فكان أول من خالف من أمراء الأجناد النعمان بن بشير بحمص. دعا إلى ابن الزبير ودعا زفر بن الحارث بقنسرين لابن الزبير ودعا الضحاك بن قيس الفهري بدمشق إلى ابن الزبير سرا لمكان من بها من بني أمية وكلب. وبلغ حسان بن مالك بن بحدل ذلك وهو بفلسطين. وكان هواه في خالد بن يزيد فأمسك وكتب إلى الضحاك بن قيس كتابا يعظم فيه حق بني أمية وبلاءهم عنده ويذم ابن الزبير ويذكر خلافه ومفارقته الجماعة ويدعوا إلى أن يبايع إلى الرجل من بني حرب. وبعث بالكتاب إليه مع ناغضة بن كريب الطابخي وأعطاه نسخة الكتاب وقال: إن قرأ الضحاك كتابي على الناس وإلا فاقرأه أنت وكتب إلى بني أمية يعلمهم ما كتب به إلى الضحاك وما أمر به ناغضة ويأمرهم أن يحضروا ذلك. فلم يقرأ الضحاك كتاب حسان فكان في ذلك اختلاف وكلام فسكتهم خالد بن يزيد ونزل الضحاك فدخل الدار. فمكثوا أياما ثم خرج الضحاك ذات " يوم " فصلى بالناس صلاة الصبح ثم ذكر يزيد بن معاوية فشتمه فقام إليه رجل من كلب فضربه بعصا واقتتل الناس بالسيوف ودخل الضحاك دار الإمارة فلم يخرج وافترق الناس ثلاث فرق: فرقة زبيرية وفرقة بحدلية - هواهم لبني حرب - والباقون لا يبالون لمن كان الأمر من بني أمية. وأرادوا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان على البيعة له. فأبى وهلك تلك الليالي. فأرسل الضحاك بن قيس إلى بني أمية فأتاه مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية فاعتذر إليهم وذكر حسن بلائهم عنده وأنه لم يرد شيئا يكرهونه وقال: اكتبوا إلى حسان بن مالك بن بحدل حتى ينزل الجابية ثم نسير إليه فنستخلف رجلا منكم فكتبوا إلى حسان فنزل الجابية وخرج الضحاك بن قيس وبنوا أمية يريدون الجابية. فلما استقلت الرايات موجهة قال معن بن ثور السلمي ومن معه من قيس دعوتنا إلى بيعة رجل أحزم الناس رأيا وفضلا وبأسا. فلما أجبناك خرجت إلى هذا الأعرابي من كلب تبايع لابن أخته ! قال: فتقولون ماذا؟ قالوا: نصرف الرايات وننزل فنظهر البيعة لابن الزبير ففعل. وبايعه الناس. وبلغ ابن الزبير فكتب إلى الضحاك بعهده على الشام وأخرج من كان بمكة من بني أمية. وكتب إلى من بالمدينة بإخراج من بها من بني أمية إلى الشام. وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد ممن دعا إلى ابن الزبير

لما رأى ذلك مروان خرج يريد ابن الزبير ليبايع له ويأخذ منه أمانا لبني أمية وخرج معه عمرو بن سعيد فلقيهم عبيد الله بن زياد بأذرعات مقبلا من العراق فأخبروه بما أرادوا فقال لمروان: سبحان الله أرضيت لنفسك بهذا؟ تبايع لأبي خبيب وأنت سيد قريش وشيخ بني عبد مناف؟؟ والله لأنت أولى بها منه. فقال له مروان: فما الرأي؟ قال: الرأي أن ترجع وتدعو إلى نفسك وأنا أكفيك قريشا ومواليها فلا يخالفك منهم أحد. فرجع مروان وعمرو بن سعيد وقدم عبيد الله بن زياد دمشق فنزل بباب الفراديس فكان يركب إلى الضحاك كل يوم فيسلم عليه ثم يرجع إلى منزله. فعرض له يوما في مسيره رجل فطعنه بحربة في ظهره وعليه الدرع فأثبت الحربة فرجع عبيد الله إلى منزله. وأمام ولم يركب إلى الضحاك. فأتاه الضحاك إلى منزله فاعتذر إليه. وأتاه بالرجل الذي طعنه فعفا عنه عبيد الله وقبل من الضحاك وعاد عبيد الله يركب إلى الضحاك في كل يوم فقال له يوما: يا أبا أنيس العجب لك - وأنت شيخ قريش - تدعو لابن الزبير وتدع نفسك وأنت أرضى عند الناس منه لأنك لم تزل متمسكا بالطاعة والجماعة وابن الزبير مشاق مفارق مخالف. فادع إلى نفسك فدعا إلى نفسه ثلاثة أيام. فقالوا له: أخذت بيعتنا وعهودنا لرجل ثم دعوتنا إلى خلعه من غير حدث أحدثه والبيعة لك ! وامتنعوا عليه. فلما رأى ذلك الضحاك عاد إلى الدعاء إلى ابن الزبير فأفسده ذلك عند الناس وغير قلوبهم عليه فقال له عبيد الله بن زياد: من أراد ما تريد لم ينزل المدائن والحصون يتبرز ويجمع إليه الخيل فاخرج عن دمشق واضمم إليك الإجناد. وكان ذلك من عبيد الله بن زياد مكيدة له فخرج الضحاك فنزل المرج وبقي عبيد الله بدمشق ومروان وبنوا أمية بتدمر وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية بالجابية عند حسان بن مالك بن بحدل. فكتب عبيد الله إلى مروان أن ادع الناس إلى بيعتك ثم سر إلى الضحاك. فقد أصحر لك. فدعا مروان بني أمية فبايعوه وتزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية وهي ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة واجتمع الناس على بيعة مروان فبايعوه. وخرج عبيد الله حتى نزل المرج وكتب إلى مروان فأقبل في خمسة آلاف وأقبل عبيد الله بن زياد من حوارين في ألفين من مواليه وغيرهم من كلب ويزيد بن أبي النمس بدمشق قد أخرج عامل الضحاك منها. وأمد مروان بسلاح ورجال. وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد فقدم عليه زفر بن الحارث الكلابي من قنسرين وأمده النعمان بن بشير الأنصاري بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص فتوافوا عند الضحاك بالمرج. فكان الضحاك في ثلاثين ألفا ومروان في ثلاثة عشر ألفا أكثرهم رجالة. ولم يكن في عسكر مروان غير ثمانين عتيقا: أربعون منها لعباد بن زياد وأربعون لسائر الناس. فأقاموا بالمرج عشرين يوما يلتقون في كل يوم ويقتتلون. فقال عبيد الله بن زياد يوما لمروان: إنك على حق وابن الزبير ومن دعا إليه على باطل وهم أكثر منك عددا وعدة ومع الضحاك فرسان قيس فأنت لا تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة فكدهم فقد أحل الله ذلك لأهل الحق. والحرب خدعة فادعهم إلى الموادعة ووضع الحرب حتى تنظر. فإذا أمنوا وكفوا عن القتال فكر عليهم. فأرسل مروان إلى الضحاك يدعوه إلى الموادعة ووضع الحرب حتى ينظر فأصبح الضحاك والقيسية فأمسكوا عن القتال وهم يطمعون أن مروان يبايع لابن الزبير وقد اعد مروان اصحابه. فلم يشعر الضحاك وأصحابه إلا بالخيل قد شدت عليهم ففزع الناس إلى راياتهم وقد غشوهم وهم على غير عدة فنادى الناس: يا أبا أنيس أعجزا بعد كيس فقال الضحاك: نعم أنا أبو أنيس عجز لعمري بعد كيس فاقتتلوا ولزم الناس راياتهم وصبروا وصبر الضحاك فترجل مروان وقال: قبح الله من يوليهم اليوم ظهره حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين فقتل الضحاك بن قيس - قتله رجل من كلب يقال له زحمة بن عبيد الله - وصبرت قيس عند راياتها يقاتلون عندها. فنظر رجل من بني عقيل إلى ما تلقى قيس عند راياتها من القتل فقال: اللهم العنها من رايات واعترضها بسفيه فجعل يقطعها فإذا سقطت الراية تفرق أهلها. ثم انهزم الناس فنادى منادي مروان: لا تتبعوا موليا. فأمسك عنهم.(3)

من مواقفه مع التابعين :
عن عامر الشعبي قال: لما قاتل مروان الضحاك بن قيس أرسل إلى أيمن بن خريم الأسدي فقال: إنا نحب أن نقاتل معنا فقال: إن أبي وعمي شهدا بدرا فعهدا إلي أن لا أقاتل أحدا يشهد أن لا إله إلا الله فإن جئتني ببراءة من النار قاتلت معك فقال: اذهب ووقع فيه وسبه فأنشأ أيمن يقول:

ولست مقاتلا رجلا يصلي... على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلي إثمي... معاذ الله من جهل وطيش
أقاتل مسلما في غير شيء... فليس بنافعي ما عشت عيشي.(4)

بعض الأحاديث التي نقلها عن النبي :
جاء في كنز العمال للمتقي الهندي عن الضحاك بن قيس قال: كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تخفض الجواري فقال لها رسول الله( صلى الله عليه وسلم): يا أم عطية إذا خفضت ( خفضت: الخفض للنساء كالختان للرجال. فلا تنهكي فإنه أحظى للزوج وأسرى للزوج

وأورد ابن كثير في البداية والنهاية "عن على بن زيد عن الحسن أن الضحاك بن قيس كتب إلى الهيثم حين مات يزيد بن معاوية السلام عليك أما بعد فأنى سمعت رسول الله ص يقول إن بين يدى الساعة فتنا كقطع الليل المظلم فتنا كقطع الدخان يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يصبح الرجل مؤمنا ويسمى كافرا ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام أخلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا قليل"

وعن الضحاك بن قيس الفهري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا أتى الرجل القوم فقالوا: مرحبا فمرحبا به يوم يلقى ربه. وإذا أتى الرجل القوم فقالوا: قحطا فقحطا له يوم القيامة.(5)

وجاء في كنز العمال "أخلصوا أعمالكم لله فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له.
( قط ) عن الضحاك بن قيس"
"لا يزال على الناس وال من قريش" (6)

وفاته رضي الله عنه :
خدعة عبيد الله بن زياد فقال أنت شيخ قريش وتبايع لغيرك، فدعا إلى نفسه، فقاتله مروان ثم دعا إلى ابن الزبير، فقاتله مروان فقُتل الضحاك بمرج راهط سنة أربع وستين، وقال الطبري: كانت الوقعة في نصف ذي الحجة سنة أربع وستين، وبه جزم ابن منده وذكر ابن زيد في وفياته من طريق يحيى بن بكير عن الليث أن وقعة مرج راهط كانت بعد عيد الأضحى بليلتين.(7)

المصادر.
1- مجمع الزوائد [ جزء 3 - صفحة 233 ]
2- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 3 - صفحة 479 ]
3- مختصر تاريخ دمشق [ جزء 1 - صفحة 1523 ]
4- مجمع الزوائد [ جزء 7 - صفحة 579 ]
5-كنز العمال [ جزء 12 - صفحة 55 ]
6- مجمع الزوائد [ جزء 10 - صفحة 480 ]
7- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 3 - صفحة 479 ]

فكر وسطي
02-11-2009, 06:02 PM
http://www3.0zz0.com/2009/11/02/15/626105691.gif (http://www.0zz0.com)









الصحابي رقم (55)

خبيب بن عدي



انه من أوس المدينة وأنصارها ، تردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ هاجر
اليهم ، وآمن بالله رب العالمين ..
كان عذب الروح، شفاف النفس، وثيق الايمان، ريان الضمير ، عابدا ناسكا
كان كما وصفه حسان بن ثابت رضي الله عنه :
صقرا توسط في الأنصار منصبه
سمح الشجية محضا غير مؤتشب

لما رفعت غزوة بدر أعلامها، كان هناك جنديا باسلا، ومقاتلا مقداما ، وكان ممن
صرع يوم بدر المشرك بسيفه الحارث بن عمرو بن نوفل.
وبعد انتهاء المعركة، وعودة البقايا المهزومة من قريش الى مكة عرف بنو الحارث
مصرع أبيهم، وحفظوا جيدا اسم المسلم الذي صرعه في المعركة :
خبيب بن عدي رضي الله عنه
وعاد المسلمون من بدر الى المدينة ، يثابرون على بناء مجتمعهم الجديد ، وكان
خبيب عابدا ، وناسكا ، يحمل بين جبينه طبيعة الناسكين ، وشوق العابدين.
هناك أقبل على العبادة بروح عاشق ، قوم الليل ، ويصوم الناهر، ويقدس لله
رب العالمين..

||!¤*'~`(( يوم الرجيع ))`~'*¤!||
في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أحد نفر من عضل
والقارة فقالوا :
يا رسول الله إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين
ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام .
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم عشرة من اصحابه منهم مرثد بن أبي مرثد ،
وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن
طارق ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبي مرثد
فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع ( ماء لهذيل بناحية الحجاز ) ، غدروا بهم فاستصرخوا
عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم
فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب
بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم .
فقال عاصم بن ثابت رضي الله عنه :
أما أنا، فوالله لا أنزل في ذمة مشرك اللهم أخبر عنا نبيك
ودعا أصحابه الى صعود قمة عالية على رأس جبل ، وشرع الرماة المائة يرمونهم
بالنبال ، فأصيب عاصم واستشهد ، وأصيب معه سبعة واستشهدوا.
ونادوا الباقين ، أن لهم العهد والميثاق اذا هم نزلوا
فنزل الثلاثة : خباب بن عدي وصاحباه..
واقترب الرماة من خبيب وصاحبه زيد بن الدثنة فأطلقوا قسيهم، وربطوهما بها ،
ورأى زميلهم الثالث بداية الغدر ، فقرر أن يموت حيث مات عاصم واخوانه ،
واستشهد حيث أراد..
وهكذا قضى ثمانية من أعظم المؤمنين ايمانا، وأبرهم عهدا، وأوفاهم لله
ولرسوله ذمة..
وحاول خبيب وزيد أن يخلصا من وثاقهما، ولكنه كان شديد الاحكام ، وقادهما الرماة
البغاة الى مكة، حيث باعوهما لمشركيها ، ودوى في الآذان اسم خبيب..
وتذكر بنوالحارث بن عامر قتيل بدر ، تذكروا ذلك الاسم جيدا ، وحرك في صدورهم
الأحقاد ، وسارعوا الى شرائه ، ونافسهم على ذلك بغية الانتقام منه أكثر أهل مكة
ممن فقدوا في معركة بدر آباءهم وزعماءهم.
وأخيرا تواصوا عليه جميعا وأخذوا يعدون لمصير يشفي أحقادهم ، ليس منه وحده،
بل ومن جميع المسلمين..
أسلم خبيب رضي الله عنه قلبه ، وأمره ، ومصيره لله رب العالمين ، وأقبل على نسكه
ثابت النفس، رابط الجأش ، معه من سكينة الله التي افاءها عليه ما يذيب الصخر،
ويلاشي الهول .. كان الله معه.. وكان هو مع الله..
دخلت عليه يوما احدى بنات الحارث الذي كان أسيرا في داره، فغادرت مكانه مسرعة
الى الناس تناديهم لكي يبصروا عجبا..
فقالت : والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من عنب يأكل منه ، وانه لموثق في الحديد ،
وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة ، ما أظنه الا رزقا رزقه الله خبيبا
وحمل المشركون الى خبيب نبأ مصرع زميله وأخيه زيد رضي الله عنه ، ظانين أنهم
بهذا يسحقون أعصابه، ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن الله الرحيم قد
استضافه، وأنزل عليه سكينته ورحمته.
وراحوا يساومونه على ايمانه ، ويلوحون له بالنجاة اذا ما هو كفر لمحمد، ومن قبل بربه
الذي آمن به .. لكنهم كانوا كمن يحاول اقتناص الشمس برمية نبل.
فلقد كان ايمان خبيب كالشمس قوة، وبعدا، ونارا ونورا..
كان يضيء كل من التمس منه الضوء، ويدفئ كل من التمس منه الدفء، أما الذي
يقترب منه ويتحداه فانه يحرقه ويسحقه..

||!¤*'~`(( صلب خبيب ))`~'*¤!||
لما يئسوا مما يرجون، قادوا البطل الى مصيره، وخرجوا به الى مكان يسمى التنعيم
حيث يكون هناك مصرعه..
وما ان بلغوه حتى استأذنهم خبيب رضي الله عنه في أن يصلي ركعتين، وأذنوا له
ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه واعلان الكفران بالله وبرسوله
وبدينه.. وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام واخبات...
وتدفقت في روحه حلاوة الايمان، فود لو يظل يصلي، ويصلي ويصلي.. ولكنه التفت صوب
قاتليه وقال لهم :
( والله لولا أن تحسبوا أن بي جزعا من الموت، لازددت صلاة )
ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال :
( اللهم احصهم عددا.. واقتلهم بددا )


ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد :

ولست أبالي حين أقتل مسلما *** على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الاله وان يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع


ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب..
فلقد أعدوا من جذوع النخل صليبا كبيرا أثبتوافوقه خبيبا ، وشدوا فوق أطرافه
وثاقه ، واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة ، ووقف الرماة يشحذون رماحهم.
وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود امام البطل المصلوب ، الذي لم يغمض عينيه،
ولم تزايل السكينة العجيبة المضيئة وجهه.
وبدأت الرماح تنوشه، والسيوف تنهش لحمه ، وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش
وقال له :
- أتحب أن محمدا مكانك، وأنت سليم معافى في أهلك ؟؟
وهنا لا غير انتفض خبيب رضي الله عنه كالاعصار وصاح ، في قاتليه :
( والله ما أحب أني في اهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب
رسول الله بشوكة )
نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد وهم يهمون بقتله..
نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس.. ويقولها خبيب اليوم..
مما جعل أبا سفيان ، وكان لم يسلم بعد، يضرب كفا بكف ويقول مشدوها:
- والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا
كانت كلمات خبيب هذه ايذانا للرماح وللسيوف بأن تبلغ من جسد البطل غايتها،
فتناوشه في جنون ووحشية..
وعادت جماعة المشركين الى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية ، وبقي جثمان
الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسويف..
كان خبيب رضي الله عنه عندما رفعوه الى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا،
قد يمم وجهه شطر السماء وابتهل الى ربه العظيم قائلا :
( اللهم انا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا )
واستجاب الله دعاءه ، فبينما الرسول في المدينة اذ غمره احساس وثيق بأن أصحابه
في محنة ، وتراءى له جثمان أحدهم معلقا ، ومن فوره دعا المقداد بن عمرو،
والزبير بن العوام ، فركبا فرسيهما، ومضيا يقطعان الأرض وثبا.
وجمعهما الله بالمكان المنشود، وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب، حيث كانت بقعة طاهرة
من الأرض في انتظاره لتضمه تحت ثراها الرطيب.
ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب.
ولعل ذلك أحرى به وأجدر، حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ، وفي ضمير الحياة،
بطلا.. فوق الصليب
لقد كنا أمام أستاذ في فن التضحية جعلنا نتساءل ؟؟
أية عزة ، وأية منعة ، وأي ثبات ، وأي فداء، وأي ولاء ،
وبكلمة واحدة، أية عظمة خارقة وباهرة يفيئها الايمان بالحق على
ذويه المخلصين ..!!



http://www3.0zz0.com/2009/11/02/15/287621051.gif (http://www.0zz0.com)



من مراجع البحث:

الإصابة في تمييز الصحابة............. ابن حجر

البداية والنهاية......................... ابن كثير

فرسان النهار من الصحابة الأخيار.... د. سيد بن حسين العفاني

نايف الشريف
10-11-2009, 03:03 AM
الصحابي رقم (56)

الأشعث بن قيس الكندي

هو الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي أحد بني الحارث بن معاوية ويكنى أبا محمد... وإنما سمي الأشعث لشعوثة رأسه وكان اسمه معدي كرب فسمي الأشعث وغلب عليه هذا الاسم حتى عرف به...
ولد - رضي الله عنه - سنة 23 ق. هـ
وكان شريفا مطاعا جوادا شجاعا. له صحبة.
كان من ذوي الرأي والإقدام موصوفا بالهيبة هو أول راكب في الإسلام مشت معه الرجال يحملون الأعمدة بين يديه ومن خلفه.

حاله في الجاهلية:
كان في الجاهلية رئيسا مطاعا في كندة...
وكان من ملوك كندة وهو صاحب مرباع حضر موت
وكان الأشعث بن قيس من أصحاب النبي، صلى اللّه عليه وسلم، وكان قبل ذلك ملكاً على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معدي كرب ملكاً على جميع كندة أيضاً، عظيم الشأن، وهو الذي مدحه الأعشى، - أعشى بني قيس بن ثعلبة - بقصائدة الأربع الطوال التي أولاهن لعمرك ما طول هذا الزمن، والثانية رحلت سمية غدوة أجمالها، والثالثة أأزمعت من آل ليلى ابتكارا، والرابعة أتهجر غانية أم تلم، وكان أبوه معدي كرب بن معاوية ملكاً على بني الحرث الأصغر بن معاوية في حضرموت...

عمره عند الإسلام:
كان عمره - رضي الله عنه - عندما أسلم 33 سنة حيث أنه ولد قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة وقدم بوفد كندة سنة عشر من الهجرة.

قصة إسلامه :
عن الزهري قال قدم الأشعث بن قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بضعة عشر راكبا من كندة فدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم مسجده قد رجلوا جمعهم واكتحلوا وعليهم جباب الحبرة قد كفوها بالحرير وعليهم الديباج ظاهر مخوض بالذهب وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تسلموا قالوا بلى قال فما بال هذا عليكم فألقوه فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أجازهم بعشر أواق عشر أواق وأعطى الأشعث اثنتي عشرة أوقية...

وذكر الرشاطي أن الهمداني ذكر في نسب اليمن أن الشعبي ذكر عن رجل من قريش قال كنا جلوسا عند باب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل وفد كندة فاستشرف الناس قال فما رأيت أحسن هيئة منهم فلما دخل رجل متوسط منهم يضرب شعره منكبه فقلت من هذا قالوا الأشعث بن قيس قال فقلت الحمد لله يا أشعث الذي نصر دينه وأعز نبيه وأدخلك وقومك في هذا الدين كارهين قال فوثب إلي عبد حبشي يقال له يحموم فأقسم ليضربني ووثب عليه جماعة دوني وثار جماعة من الأنصار فصاح الأشعث به كف فكف عني ثم استزارني الأشعث فوهب لي الغلام وشيئا من فضة ومن غنم فقبلت ذلك ورددت عليه الغلام قال فمكثوا أياما بالمدينة ينحرون الجزر ويطعمون الناس

يقول الأستاذ: منير الغضبان: قال (ابن القيم) في زاد المعاد: قال ابن إسحاق: حدثني الزهري قال: ( قدم الأشعث بن قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانين أو ستين راكباً من كندة(
ولم يأت وفد بهذه الضخامة وهذه الكثافة، وذلك لإثبات عزتهم ومنعتهم، وهو وفد يتناسب مع مقام الملوك، أما مظاهر أبهة الملك فكانت: فدخلوا عليه مسجده وقد رجلوا جممهم، واكتحلوا ولبسوا جباب الحبرات مكثفة بالحرير...
فهو ليس وفداً عادياً كبقية الوفود، وقد خطفوا أبصار الناس، وهمهم الأول أن يشعروا النبي صلى الله عليه وسلم بعزتهم وأنفتهم وعلى رأسهم سيدهم الأشعث بن قيس.
وكانت المقابلة التي هزت كيانهم كله:
فلما دخلوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو لم تسلموا؟ قالوا: بلى، قال: فما هذا الحرير في أعناقكم؟ وماذا كان الجواب؟ هل استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيارة ثانية، وأن لا يعودوا في ألبستهم القادمة إليه؟ كان الجواب: فشقوه ونزعوه وألقوه
انظروا معي إلى هذا الوفد كله يمزق ثيابه، ويزيل أجمل ما فيها، ويفسد مظهر جبابهم كله؟ ! ترى لو كان هذا قبل الإسلام، وفي الجاهلية، ألا تقع حرب طاحنة دون هذا اللباس؟
وقام سيدهم الأشعث ليفخر أنه وقريش من أرومة واحدة فهم جميعاً أبناء الملوك، وهو بنو آكل المرار.

ثم قال الأشعث بن قيس: يا رسول الله نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار فالأشعث اليوم ومعه كندة بأسرها تريد أن تتقرب بالنسب لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسن تصرفهم، واستجابتهم لله ورسوله لكنه لن يطمس حقيقة النسب، وأراد بحكمته صلى الله عليه وسلم أن يتألفهم بعد هذه الوحشة.
) فابتسم (أو ضحك) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ناسب بهذا النسب ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن بنوا النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا
ولا علاقة لقريش بآكل المرار، وإن كانت إحدى جدات النبي صلى الله عليه وسلم من بني أكل المرار من كندة دعد بنت شريد بن ثعلبة أم كلاب بن مرة) لكن سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام لا يتبع نسب أمه، بل يتبع نسب أبيه، ولا ينتفي منه، فهو من قريش.
ووقف الأشعث بن قيس موقفاً عظيماً يحمد له، وقال: ( لا أوتى برجل نفى رجلاً من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد).

أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
مما لا شك فيه أن للنبي صلى الله عليه وسلم أثرا كبيرا في تربيته ولكن لا توجد نصوص بعينها تُنقل في هذا السياق ولعل ذلك يأتي في مرحلة الصياغة للأبحاث إن شاء الله تعالى.

الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يعلمه المساواة والتواضع:

يقال: إن الأشعث بن قيس الكندي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتتكافأ دماؤنا؟ فقال: نعم لو قتلت رجلاً من باهلة لقتلتك به - وباهلة هي قبيلة مرذولة في العرب -

أهم ملامح شخصيته :
القيادة: حيث كان ملكا على قومه في الجاهلية والإسلام.

الكرم والسخاء: يظهر هذا من موقفه عندما تزوج أخت سيدنا أبي بكر الصديق، ونحر من نوق المدينة الكثير حتى ظن الناس أنه ارتد، فأطعم الناس وأعطى أصحاب النوق أثمانها. وهذا أحد مواقف كرمه:

قال شريك بن عبد الله سمعت أبا إسحاق يقول صليت بالأشاعثة صلاة الفجر بليل فلما سلم الإمام إذا بين يدي كيس وحذاء نعل فنظرت فإذا بين يدي كل رجل كيس وحذاء نعل فقلت ما هذا قالوا قدم الأشعث بن قيس الليلة فقال انظروا فكل من صلى الغداة في مسجدنا فاجعلوا بين يديه كيسا وحذاء نعل...

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
عن الأشعث بن قيس قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من قومي لا يروني أفضلهم فقلنا يا رسول الله إنا نزعم أنكم منا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا نحن بنو النضر بن كنانة لا ننتفي من أبينا ولا نقفوا أمنا قال الأشعث لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته رواه ابن ماجة...

وفي مسند الإمام أحمد عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَقَالَ الْأَشْعَثُ فِيَّ كَانَ وَاللَّهِ ذَلِكَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَكَ بَيِّنَةٌ قُلْتُ لَا فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِفْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَنْ يَحْلِفَ فَذَهَبَ بِمَالِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ { حديث رقم 20835}

الأشعث بن قيس الكندي بشر بغلام وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم..

عن الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ فَقَالَ لِي هَلْ لَكَ مِنْ وَلَدٍ قُلْتُ غُلَامٌ وُلِدَ لِي فِي مَخْرَجِي إِلَيْكَ مِنْ ابْنَةِ جَدٍّ وَلَوَدِدْتُ أَنَّ مَكَانَهُ شَبِعَ الْقَوْمُ قَالَ لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِمْ قُرَّةَ عَيْنٍ وَأَجْرًا إِذَا قُبِضُوا ثُمَّ وَلَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ { مسند أحمد - حديث رقم 20838 }

بعض المواقف من حياته مع الصحابة :
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَتَغَدَّى فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ادْنُ إِلَى الْغَدَاءِ فَقَالَ أَوَلَيْسَ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ رَمَضَانَ فَلَمَّا نَزَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تُرِكَ { مسند أحمد - حديث رقم 4119 }

وقد استعمله عثمان رضي الله عنه على أذربيجان

وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال شهدت جنازة فيها جرير والأشعث فقدم الأشعث جريرا وقال إني ارتددت ولم ترتد...

كان في الجاهلية رئيسا مطاعا في كندة وكان في الإسلام وجيها في قومه إلا أنه كان ممن ارتد عن الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر الصديق وأتى به أبو بكر الصديق رضي الله عنه أسيرا

قال أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كأني أنظر إلى الأشعث ابن قيس وهو في الحديد يكلم أبا بكر وهو يقول فعلت وفعلت حتى كان آخر ذلك سمعت الأشعث يقول استبقني لحربك وزوجني أختك ففعل أبو بكر رضي الله عنه

قال أبو عمر رضي الله عنه أخت أبي بكر الصديق رضي الله عنه التي زوجها من الأشعث بن قيس هي أم فروة بنت أبي قحافة وهي أم محمد ابن الأشعث...

لما خرج الأشعث بن قيس من عند أبي بكر بعد أن زوجه أخته سل سيفه فلم يبق في السوق ذات أربع من بعير وفرس وبغل وشاة وثور الا عقرها فقيل لأبي بكر انه ارتد فقال انظروا أين هو فإذا هو في غرفة من غرف الأنصار والناس مجتمعون اليه وهو يقول هذه وليمتي ولو كنت ببلادي لأولمت مثل ما يولم مثلي فيأخذ كل واحد مما وجد واغدوا تجدوا الأثمان فلم يبق دار من دور المدينة الا ودخله من اللحم فكان ذلك اليوم قد شبه بيوم الأضحى...

وشارك - رضي الله عنه - في فتح أصفهان مع النعمان بن مقرن...

فلما استخلف عمر خرج الأشعث مع سعد إلى العراق فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند واختط بالكوفة دارا في كندة ونزلها وشهد تحكيم الحكمين وكان آخر شهود الكتاب...

موقفه في حرب صفين ونصحه للأمة

قال أبو الصلت سليم الحضرمي: شهدنا صفين فإنا لعلى صفوفنا وقد حلنا بين أهل العراق وبين الماء فأتانا فارس على برذون مقنعا بالحديد فقال السلام عليكم فقلنا وعليك قال فأين معاوية؟ قلنا هو ذا فأقبل حتى وقف ثم حسر عن رأسه فإذا هو أشعث بن قيس الكندي رجل أصلع ليس في رأسه إلا شعرات فقال الله الله يا معاوية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم هبوا أنكم قتلتم أهل العراق فمن للبعوث والذراري أم هبوا أنا قتلنا أهل الشام فمن للبعوث والذراري الله الله فإن الله يقول { وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } فقال له معاوية فما الذي تريد قال نريد أن تخلوا بيننا وبين الماء فوالله لتخلن بيننا وبين الماء أو لنضعن أسيافنا على عواتقنا ثم نمضي حتى نرد الماء أو نموت دونه فقال معاوية لأبي الأعور عمرو بن سفيان يا أبا عبد الله خل بين إخواننا وبين الماء فقال أبو الأعور لمعاوية كلا والله يا أم عبد الله لا نخلي بينهم وبين الماء يا أهل الشام دونكم عقيرة الله فإن الله قد أمكنكم منهم فعزم عليه معاوية حتى خلى بينهم وبين الماء فلم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلا حتى كان الصلح بينهم ثم انصرف معاوية إلى الشام بأهل الشام وعلي إلي العراق بأهل العراق...

أثره في الآخرين دعوته - تعليمه
روى عنه قيس بن أبي حازم وأبو وائل والشعبي وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن عدي الكندي

روى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أحاديث يسيرة وعن عمر بن الخطاب...وقد مرت مواقفه في معركة صفين ونصحه للمسلمين...

عن حيان أبي سعيد التيمي قال حذر الأشعث بن قيس الفتن فقيل له أخرجت مع علي قال ومن لك بإمام مثل علي...

ومما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ { مسند أحمد حديث رقم 20836 }

وفاته :
عن حكيم بن جابر قال لما مات الأشعث بن قيس وكانت ابنته تحت الحسن بن علي قال الحسن إذا غسلتموه فلا تهيجوه حتى تؤذنوني فآذنوه فجاء فوضأه بالحنوط وضوءا

مات رضي الله عنه وأرضاه بالكوفة سنة أربعين أو إحدى وأربعين وهو ابن ثلاث وستين قيل: بعد قتل علي بن أبي طالب بأربعين ليلة...
وقال الهيثم بن عدي صلى عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما...

المراجع
الطبقات الكبرى.................... ابن سعد
الثقات............................. ابن حبان
العبر............................... الذهب
الاستيعاب......................... ابن عبد البر
الإصابة في تمييز الصحابة............ ابن حجر العسقلاني
تهذيب الكمال................... المزي

فكر وسطي
29-11-2009, 02:32 AM
الصحابي رقم ( 57)

الأرقم بن أبي الأرقم


مقدمة
الأرقم بن أبي الأرقم وكان اسمه عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم يكنى أبا عبد الله قال ابن السكن أمة تماضر بنت حذيم السهمية ويقال بنت عبد الحارث الخزاعية


إسلامه
كان من السابقين الأولين قيل أسلم بعد عشرة وقال البخاري له صحبة وذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة فيمن شهد بدرا وروى الحاكم في ترجمته في المستدرك أنه أسلم سابع سبعة.

وقد أسلم الأرقم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج أبو بكر الصديق يريد رسول الله وكان له صديقا في الجاهلية، فلقيه فقال: يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها فقال رسول الله: إني رسول الله أدعوك إلى الله عز وجل فلما فرغ رسول الله من كلامه أسلم أبو بكر فانطلق عنه رسول الله وما بين الأخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبي بكر ومضى أبو بكر وراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير ابن العوام وسعد بن أبي وقاص فأسلموا ثم جاء الغد عثمان بن مظعون وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا رضي الله عنهم


دار الأرقم ومكانتها في الإسلام
تُعد دار الأرقم رضي الله عنه وأرضاه إحدى الدور التي كان لها دور هام في تاريخ الإسلام، فقد كانت المحضن التربوي الأول الذي ربى النبي صلى الله عليه وسلم فيه طليعة أصحابه الذين حملوا معه المسئولية الكبرى في تبليغ رسالة الله تعالى، يقول ابن عبد البر: وفي دار الأرقم ابن أبي الأرقم هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا من قريش بمكة يدعو الناس فيها إلى الإسلام في أول الإسلام حتى خرج عنها وكانت داره بمكة على الصفا فأسلم فيها جماعة كثيرة وهو صاحب حلف الفضول.

لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم؟

1- أن الأرقم لم يكن معروفًا بإسلامه، فما كان يخطر ببال قريش أن يتم لقاء محمد وأصحابه بداره.

2 - أن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه وأرضاه من بني مخزوم، وقبيلة بني مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، فلو كان الأرقم معروفًا بإسلامه فلا يخطر في البال أن يكون اللقاء في داره، لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو

3 - كان الأرقم رضي الله عنه فتىً عند إسلامه، فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم أن تفكر قريش في البحث عن مركز التجمع الإسلامي، فلن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بل يتجه نظرها وبحثها إلى بيوت كبار أصحابه، أو بيته هو نفسه عليه الصلاة والسلام، ومن ثم نجد أن اختيار هذه الدار كان في غاية الحكمة من جميع النواحي.


مواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
عن الأرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر: ضعوا ما كان معكم من الأثقال فرفع أبو أسيد الساعدي سيف ابن عائذ المزربان فعرفه الأرقم بن أبي الأرقم فقال هبه لي يا رسول الله فأعطاه إياه.

وعنه رضي الله عنه أنه جاء إلى رسول الله فسلم عليه فقال: أين تريد؟ فقال: أردت يا رسول الله ههنا وأومأ بيده إلى حيز بيت المقدس، قال: "ما يخرجك إليه أتجارة؟" فقال: قلت لا ولكن أردت الصلاة فيه، قال: "الصلاة ههنا وأومأ بيده إلى مكة خير من ألف صلاة وأومأ بيده إلى الشام"


وفاته
عن محمد بن عمران بن هند عن أبيه قال: حضرتْ الأرقم بن أبي الأرقم الوفاة فأوصى أن يصلي عليه سعد فقال مروان: أتحبس صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم لرجل غائب أراد الصلاة عليه؟ فأبى عبد الله بن الأرقم ذلك على مروان وقامت معه بنو مخزوم ووقع بينهم كلام ثم جاء سعد فصلى عليه وذلك سنة 55 هـ بالمدينة وتوفي وهو ابن بضع وثمانين سنة.


http://up1.pc4up.com/2009/10/HQh47920.png (http://3inain.com/)


المراجع:

الإصابة في تمييز الصحابة.......... ابن حجر العسقلاني

صفة الصفوة.................... ابن الجوزي

المستدرك....................... الحاكم النيسابوري

الاستيعاب...................... ابن عبد البر

http://up1.pc4up.com/2009/10/Vkw47920.gif (http://3inain.com/)

فاطمة الشمري
04-12-2009, 03:56 AM
الصحابي رقم ( 58)

المسور بن مخزمة



هو المسور بن مخزمة بن نوفل بن أهيب بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى القرشي الزهري وأمه عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف ممن أسلمن وهاجرن.


وكانت له مواقف مع رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) فعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن المسور بن مخرمة قال:

أقبلت بحجر أحمله ثقيل وعلي إزار خفيف قال فانحل إزاري ومعي الحجر لم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة.(1)

وجاء في سنن أبي داود عن المسور بن مخرمة أنه قال:

قسم رسول الله( صلى الله عليه وسلم) أقبية ولم يعط مخرمة شيئا فقال مخرمة يا بني انطلق بنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فانطلقت معه قال ادخل فادعه لي قال فدعوته فخرج إليه وعليه قباء منها فقال "خبأت هذا لك" قال فنظر إليه. زاد ابن موهب: مخرمة ثم اتفقا قال رضي مخرمة. قال قتيبة عن ابن أبي مليكة لم يسمه.


من مواقفه مع الصحابة:مواقف كثيرة قد حدثت بين المسور بن مخرمة وبين الصحابة ( رضوان الله عليهم ) ومن هذه المواقف وقوفه مع عبدالله بن الزبير؛ حتي يتصالح مع خالته أم المؤمنبن السيدة عائشة ( رضي الله عنها )

جاء في الدر المنثور أن عائشة رضي الله عنها حدثت: أن عبد الله بن

الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها

فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا نعم

قالت عائشة: فهو لله نذر أن لا أكلم ابن الزبير كلمة أبدا

فاستشفع ابن الزبير بالمهاجرين حين طالت هجرتها إياه

فقالت: والله لا أشفع فيه أحدا أبدا ولا أحنث نذري الذي نذرت أبدا فلما طال على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وهما من بني زهرة فقال لهما: أنشدكما الله إلا أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين عليه بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا: السلام على النبي ورحمة الله و بركاته أندخل؟ فقالت عائشة: ادخلوا

قالوا: أكلنا يا أم المؤمنين؟

قالت: نعم ادخلوا كلكم

ولا تعلم عائشة أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير في الحجاب و اعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدان عائشة إلا كلمته وقبلت منه ويقولان: " قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة و أنه لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال " فلما أكثروا التذكير والتحريج طفقت تذكرهم وتبكي وتقول: إني قد نذرت والنذر شديد فلم يزالوا بها حتى كلمت ابن الزبير ثم أعتقت بنذرها أربعين رقبة لله ثم كانت تذكر بعدما أعتقت أربعين رقبة فتبكي حتى تبل دموعها خمارها.


وموقف آخر مع عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) "عن المسور بن مخرمة أنه دخل هو وابن عباس على عمر بن الخطاب فقالا الصلاة يا أمير المؤمنين بعد ما أسفر فقال نعم لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة فصلى والجرح يثعب دم".(2)


واجتمعت جماعة فيما حول مكة في الحج وحانت الصلاة فتقدم رجل من آل أبي السائب أعجمي اللسان قال فأخره المسور بن مخرمة وقدم غيره فبلغ عمر بن الخطاب فلم يعرفه بشيء حتى جاء المدينة فلما جاء المدينة عرفه بذلك فقال المسور أنظرني يا أمير المؤمنين أن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج فخشيت أن يسمع بعض الحاج قراءته فيأخذ بعجمته فقال هنالك ذهبت بها فقال نعم فقال قد أصبت.(3)


وجاء في صحيح البخاري عن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال يا سعد ابتع مني بيتي في دارك فقال سعد والله ما أبتاعهما فقال المسور والله لتبتاعنهما فقال سعد والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة قال أبو رافع لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أني سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول ( الجار أحق بسقبه ). ما أعطيتكها أربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار فأعطاها إياهم.


وحدث أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة أنهما اختلفا بالأبواء فقال عبد الله بن عباس يغسل المحرم رأسه وقال المسور:

لا يغسل المحرم رأسه فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب قال فسلمت عليه فقال من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب( رضي الله عنه) يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال هكذا رأيته (صلى الله عليه وسلم ) يفعل.


عن أم بكر أن مروان دعا المسور بن مخرمة يشهده حين تصدق بداره على عبد الملك قال فقال المسور وترث فيها العبسية قال لا قال فلا أشهد قال ولم قال إنما أخذت من احدى يديك فجعلته في الأخرى فقال وما أنت وذاك احكم أنت إنما أنت شاهد فقال وكلما فجرتم فجرة شهدت عليها قال عبد الملك والعبسية كانت امراة مروان.(4)


دخل المسور بن مخرمة على مروان فجلس معه وحادثه فقال المسور لمروان في شيء سمعه: بئس ما قلت فركضه مروان برجله فخرج المسور. ثم إن مروان نام فأتي في المنام فقيل له: ما لك وللمسور كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا قال: فأرسل مروان إلى المسور فقال: إني زجرت عنك في المنام وأخبره بالذي رأى. فقال المسور: لقد نهيت عنه في اليقظة والنوم وما أراك تنتهي.(5)

من مواقفه مع التابعين:

له موقف مع علي بن الحسين ( رضي الله عنه ):حينما قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية بعد مقتل الحسين بن علي( رضي الله عنهما) لقي المسور بن مخرمة علي بن الحسين فقال له هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ قال فقلت له لا قال له هل أنت معطي سيف رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه وايم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدا حتى تبلغ نفسي إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال إن فاطمة مني وإني أتخوف أن تفتن في دينها.

قال ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا.(6)



من الأحاديث التي نقلها عن الرسول:عن المسور بن مخرمة أن: عمرو بن عوف وهو حليف بني عامر بن لؤي وكان شهد بدرا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخبره أن رسول الله( صلى الله عليه وسلم) بعث أبا عبيدة بن الجراح فقدم بمال من البحرين وسمعت الانصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين رآهم ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء قالوا أجل يا رسول الله قال فأبشروا وأملوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم.(7)


وجاء في صحيح البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان قالا:

خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي (صلى الله عليه وسلم) الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة.


عن المسور بن مخرمة: أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي (صلى الله عليه وسلم) فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت.(8)


وفاته:

توفي المسور بن مخرمة يوم جاء نعي يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير سنة أربع وستين وصلى عليه ابن الزبير بالحجون أصابه حجر المنجنيق وهو يصلي بالحجر فأقام خمسة أيام وتوفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وولد بعد الهجرة بسنتين وقدم به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان وشهد عام الفتح وهو ابن ست سنين وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين. (9)


المصادر:


1- صحيح مسلم [ جزء 1 - صفحة 268 ]

2- اعتقاد أهل السنة [ جزء 4 - صفحة 825 ]

3- مسند الشافعي [ جزء 1 - صفحة 54 ]

4- الورع [ جزء 1 - صفحة 73 ]

5- الاستيعاب [ جزء 1 - صفحة 438 ]

6- صحيح مسلم [ جزء 4 - صفحة 1902 ]

7- سنن الترمذي [ جزء 4 - صفحة 640 ]

8- صحيح البخاري [ جزء 5 - صفحة 2038 ]

9- مجمع الزوائد [ جزء 9 - صفحة 732 ]

فكر وسطي
08-12-2009, 08:47 PM
الصحابي رقم ( 59)

حرقوص بن زهير السعدي


حرقوص بن زهير السعدي كانت له صحبة مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم].

وفي أثناء حروب المسلمين مع الفرس كتب عتبة بن غزوان إلى عمر بن الخطاب يطلب منه المدد والعون فأمد عمر عتبة وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي .

وأمره على القتال وعلى ما غلب عليه فاقتتل المسلمون والهرمزان فانهزم الهرمزان وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها وله أثر كبير في قتال الهرمزان وبقي حرقوص إلى أيام علي وشهد معه صفين ثم صار من الخوارج ومن أشدهم على علي بن أبي طالب (1).


بعض مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم:

عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسما فقال ذو الخويصرة رجل من بني تميم : يا رسول الله اعدل . فقال : " ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل " فقال عمر رضي الله عنه : ائذن لي فلأضرب عنقه . قال : " لا : . إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء وينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء وينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم يخرجون على حين فرقة من الناس آيتهم رجل إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر.(2)

من مواقفه مع الصحابة::

موقفه من عليٍّ (رضي الله عنه):

لما بعث على أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوافي النكير على علي وصرحوا بكفره فجاء إليه رجلان منهم وهما زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فقالا لا حكم إلا لله فقال علي لا حكم إلا لله فقال له حرقوص تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا فقال علي قد أردتكم على ذلك فأبيتم وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهودا وقد قال الله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم الآية فقال له حرقوس ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه فقال علي ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه فقال له زرعة بن البرج أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه فقال علي تبا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسقى عليك الريح فقال وددت أن قد كان ذلك فقال له علي إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا ولكن الشيطان قد استهواكم فخرجا من عنده يحكمان وفشى فيهم ذلك وجاهروا به الناس وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا لله وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه يقول ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر ويقول حكم الله ننتظر فيكم ثم قال إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع ايدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا وقال أبو مخنف عن عبد الملك عن أبي حره أن عليا لما بعث أبا موسى لانفاذ الحكومة اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة

وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم قال فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال أو بعض هذه المدائن منكرين لهذه الأحكام الجائرة ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه إن المتاع بهذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.(3)

من كلماته

قال حرقوص يوم انتصر على الهرمزان:

غلبنا الهرمزان على بلاد ... لها في كل ناحية ذخائر ... سواء برهم والبحر فيها ... اذا صارت نواحيها بواكر ... لها بجر يعج بجانبيه ... جعافر لا يزال لها زواخر ...(4)

الوفاة:

بقي حرقوص إلى أيام علي وشهد معه صفين ثم صار من الخوارج ومن أشدهم على علي بن أبي طالب وكان مع الخوارج لما قاتلهم علي فقتل يومئذ سنة سبع وثلاثين.(5)

وقتله حبيش بن ربيعة أبو المغيرة .(6)



المصادر :

1- أسد الغابة -ج1ص251.

2- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 341 ]

3- البداية والنهاية [ جزء 7 - صفحة 285 ]

4- البداية والنهاية [ جزء 7 - صفحة 83 ]

5- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 251 ]

6- تاريخ دمشق [ جزء 12 - صفحة 320 ]
http://www.up2.cc/uploads/images/up2-07e03ebc6e.gif (http://www.up2.cc/uploads/images/up2-07e03ebc6e.gif)

فكر وسطي
13-12-2009, 11:46 PM
الصحابي رقم (60)


السائب بن الأقرع

مقدمة

هو السائب بن الأقرع بن عوف بن جابر بن سفيان بن سالم بن مالك الثقفي.(1)

كان السائب بن الأقرع صغيرا عندما رأي الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) فلذلك لم يدرك الجاهلية.

وقد تمتع بصفات عذبه وخلال كريمة منها:

1- الأمانة فكان مسئولا عن الغنائم في فتح نهاوند مع حذيفة بن اليمان.

2- الشجاعة والإقدام فقد اشترك مع النعمان بن مقرن في فتح نهاوند.

من مواقفه مع الرسول
دخلت أمه مليكة تبيع العطر مع النبي( صلى الله عليه وسلم) فقال لها: " يا مليكة ألك حاجة " قالت: نعم قال: " فكلميني فيها أقضها لك ". فقالت: لا والله إلا أن تدعو لابني وهو معها وهو غلام فأتاه فمسح برأسه ودعا له.(2) وبذلك نال السائب شرف وضع يد النبي ( صلي الله عليه وسلم ) علي رأسه.

من مواقفه مع الصحابة:

له موقف مع مسروق عندما تزوج ابنته فقد حدثنا أبو إسحاق أن مسروقا زوج ابنته للسائب بن الأقرع على عشرة آلاف اشترطها لنفسه وقال جهز امرأتك من عندك قال وجعلها مسروق في المجاهدين والمساكين والمكاتبين.(3)

وله موقف آخر مع عمر بن الخطاب " بعث عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) السائب بن الأقرع مولى ثقيف وكان رجلا كاتبا حاسبا فقال الحق بهذا الجيش فكن فيهم فإن فتح الله عليهم فاقسم على المسلمين فيئهم وخذ خمس الله وخمس رسوله وإن هذا الجيش أصيب فاذهب في سواد الأرض فبطن الأرض خير من ظهرها.

قال السائب فلما فتح الله على المسلمين نهاوند أصابوا غنائم عظاما فوالله إني لأقسم بين الناس إذ جاءني علج من أهلها فقال أتؤمنني على نفسي وأهلي وأهل بيتي على أن أدلك على كنوز النخيرجان وهي كنوز آل كسرى تكون لك ولصاحبك لا يشركك فيها أحد قال قلت نعم قال فابعث معي من أدله عليها فبعثت معه فأتى بسفطين عظيمين ليس فيهما إلا اللؤلؤ والزبرجد والياقوت فلما فرغت من قسمي بين الناس احتملتهما معي ثم قدمت على عمر بن الخطاب فقال ما وراءك يا سائب فقلت خير يا أمير المؤمنين فتح الله عليك بأعظم الفتح واستشهد النعمان بن مقرن رحمه الله فقال عمر إنا لله وإنا إليه راجعون قال ثم بكى فنشج حتى إني لأنظر إلى فروع منكبيه من فوق كتده قال فلما رأيت ما لقي قلت والله يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده من رجل يعرف وجهه فقال المستضعفون من المسلمين لكن أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم وما يصنعون بمعرفة عمر بن أم عمر ثم قام ليدخل فقلت إن معي مالا عظيما قد جئت به ثم أخبرته خبر السفطين قال أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما والحق بجندك قال فأدخلتهما بيت المال وخرجت سريعا إلى الكوفة قال وبات تلك الليلة التي خرجت فيها فلما أصبح بعث في أثري رسولا فوالله ما أدركني حتى دخلت الكوفة فأنخت بعيري وأناخ بعيره على عرقوبي بعيري فقال الحق بأمير المؤمنين فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن قال قلت ويلك ماذا ولماذا قال لا أدري والله قال فركبت معه حتى قدمت عليه فلما رآني قال مالي ولابن أم السائب بل ما لابن أم السائب ومالي قال قلت وما ذاك يا أمير المؤمنين قال ويحك والله ما هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة ربي تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا يقولون لنكوينك بهما فأقول إني سأقسمهما بين المسلمين فخذهما عني لا أبا لك والحق بهما فبعتهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم قال فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة وغشيني التجار فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف فما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد".(4)


الوفاة
قال ابن منده ولي أصبهان ومات بها وعقبه بها منهم مصعب بن الفضيل بن السائب.(5)

والظاهر أنه مات بعيد مقتل عثمان إذ لم يرد له ذكر فى حروب الفتنة الكبرى بين على بن أبى طالب ومعاوية ولو كان عاش بعد عثمان طويلا لما تخلى عنه على بن أبى طالب.



http://www.up2.cc/uploads/images/up2-dfbc96be54.gif (http://www.up2.cc/uploads/images/up2-dfbc96be54.gif)

المصادر:

1- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 3 - صفحة 16 ]

2- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1415 ]

3- الطبقات الكبرى [ جزء 6 - صفحة 82 ]

4- تاريخ الطبري [ جزء 2 - صفحة 519 ]

5- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 3 - صفحة 17 ]



http://www.up2.cc/uploads/images/up2-cc8c3bdd86.gif (http://www.up2.cc/uploads/images/up2-cc8c3bdd86.gif)

فكر وسطي
21-12-2009, 02:26 AM
http://www.up2.cc/uploads/images/up2-1bb867de05.jpg (http://www.up2.cc/uploads/images/up2-1bb867de05.jpg)


الصحابي رقم ( 61)


جليبيب

جليبيب غير منسوب، ولكن ذكر أبو الفرج ابن الجوزى في كتابه صفة الصفوة عن ابن سعد قوله: سمعت من يذكر أن جليبيبا كان رجلا من بنى ثعلبة، حليفا في الأنصار.(1)

زواجه:

كان جليبيب امرأ يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن فقلت لامرأتي: لا يدخلن اليوم عليكن جليبيبًا، فإنه إن دخل عليكن لأفعلن ولأفعلن قالت: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي صلى الله عليه وسلم فيها حاجة أم لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار زوجني ابنتك قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين، فقال (صلى الله عليه وسلم): إني لست أريدها لنفسي قال: فلمن يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: لجليبيب فقال: يا رسول الله أشاور أمها فأتى أمها فقال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونعمة عين فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب فقالت: أجليبيب إنيه أجليبيب إنيه؟(تعجب وإستنكار) ألا لعمر الله لا نزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها قالت: أتردون على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمره؟ ادفعوني إليه فإنه لن يضيعني فانطلق أبوها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: شأنك بها فزوجها جليبيبا.(2)

فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اصبب عليها الخير صبّا، ولا تجعل عيشها كدّا، ثم قُتل عنها جليبيب، فلم يكن في الأنصار أيمٌ أنفق منها.

وفاته:

ذلك أنه غزا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعض غزواته ففقده وأمر به يطلب فوجده قد قتل سبعة من المشركين ثم قتل وهم حوله مصرّعين فدعا له وقال: هذا منّي وأنا منه ودفنه ولم يصلّ عليه.(3)

المصادر:

1- صفة الصفوة ص283

2- تفسير ابن كثير [ جزء 3 - صفحة 645 ]

3- الوافي في الوفيات [ج1ص1548 ]




http://www.up2.cc/uploads/images/up2-cc7dafd120.gif (http://www.up2.cc/uploads/images/up2-cc7dafd120.gif)

نايف الشريف
26-12-2009, 04:50 PM
الصحابي رقم (62)

أبان بن سعيد بن العاص بن أميّة القرشي ، أبو الوليد الأموي ، تأخر إسلامه
وكان تاجراً موسوراً ، وهو الذي أجار عثمان بن عفان يوم الحديبية حين بعثه
الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- رسولاً الى مكة ، ثم أسلم قبل الفتـح بقليل
وهاجر الى المدينة ، وقد استعمله الرسول الكريم سنة ( 9هـ ) على البحرين
وهو ابن عمّة أبو جهل ...


إسلامه
وقد كان سبب إسلام أبان بن سعيـد أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام ، يقول أبان بعد عودته من الشام :( تعلمون أني بقرية يُقال لها ( بامَرْدى ) وكان بها راهب لم يُرَ له وجه مذ أربعين سنة ، فبينا أنا ذات ليلة هنالك إذ النصارى يطيبون المصانع والكنائس ويصنعون الأطعمة ، ويلبسون الثياب ، فأنكرت ذلك منهم فقلت :( ما شأنكم ؟) ... قالوا :( هذا راهب يُقال له ( بُكا ) لم ينزل الى الأرض ، ولم يُرَ فيها منذ أربعين سنة ، وهو نازل اليوم ، فيمكث أربعين ليلة ، يأتي المصانع والكنائس وينزل على الناس ، فلمّا كان من الغد نزل فخرجوا واجتمعوا ، وخرجت فنظرت إليه فإذا شيخ كبير ، فخرجوا وخرج معهم يطوف فيهم ، فمكث أياماً ، وإنّي قلت لصاحبِ منزلي :( اذهب معي الى هذا الراهب ، فإني أريد أن أسأله عن شيء ) ...

فخرج معي حتى دخلنا عليه فقلت :( لي إليك حاجة ) ... فاخلني فقام مَنْ عنده ، فقلت :( إنّي رجل من قريش ، وإن رجُلاً منّا خرج فينا يزعم أن الله عز وجلّ أرسله ، مثلما أرسل موسى وعيسى ) ... فقال :( ممن هو ؟) ... قلت :( من قريش ) ... قال :( وأين بلدكم ؟) ... قلت :( تهامة ثم مكة ) ... قال :( لعلّكم تجار العـرب أهل بيتهم ؟) ... قلـت :( نعم ) ... قال :( ما اسم صاحبـك ؟) ... قلت :( محمـد ) ... قال :( ألا أصِفُهُ لك ثم أخبـرك عنه ؟) ... قلت :( بلى ) ... قال :( مُذْ كم خرج فيكم ؟) ... قلت :( منذ عشرين سنة أو دون ذلك بقليل ) ... قال :( فهو يومئذ ابن أربعين سنة ) ... قلت :( أجل ) ... قال :( هو رجل سبطُ الرأس ، حسن الوجه ، قَصْدُ الطول ، شنّنُ اليدين ، في عينيه حُمْرة ، لا يقاتل ببلده ما كان فيه ، فإذا خرج منه قال فظفر ، وظهر عليه ، يكثر أصحابه ، ويقلُّ عدوه ) ... قلت :( ما أخطأت من صفته ولا أمره واحدةً ، فأخبرني عنه ) ... قال :( ما اسمك ؟) ... قلت :( أبان ) ... قال :( كيف أنت أصدقتَه أم كذّبتَه ؟) ... قلت :( بل كذّبتُهُ ) ... فرفع فضرب ظهري بكفٍ ليلة واحدة ، ثم قال :( أيخط بيده ؟) ... قلت :( لا ) ... قال :( هو والله نبي هذه الأمة ، والله ليظهرنَّ عليكم ، ثم ليظهرنَّ على العرب ، ثم ليظهرنَّ على الأرض ، لو قد خرج ) ... فخرج مكانه ، فدخل صومعته ، وتشبّت الناس به ، وما أدخله صومعته غير حديثي ، فقال :( اقرأ على الرجل الصالح السلام ) ...

فأسلم أبان -رضي الله عنه - بعد مرجعه من الشام ، كما أن أخويه خالداً وعمراً لمّا قدما من هجرة الحبشة الى المدينة بَعَثا إليه يدعُوَانه الى الله ، فبادر وقَدِم المدينة مسلم ...

فضله
لمّا قدِمَ أبان بن سعيد بن العاص على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال :( يا أبان ! كيف تركت أهل مكة ؟) ... قال :( تركتهم وقد جهدوا -يعني المطر- وتركت الإذْخِر -وهو شجر ذو ثمر- وقد أعذق ، وتركتُ الثمار وقد حاص ) ... فاغْرَوْرَقَتْ عَينا النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال :( أنا أنصحكم ثم أبان بعدي ) ...

البحرين
لمّا صدر الناس من الحجّ سنة تسعٍ بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبان بن سعيد الى البحرين عاملاً عليها ، فسأله أبان أن يحالف عبد القيس فأذِنَ له في ذلك ، وقال :( يا رسول الله ! اعهد إلي عهداً في صدقاتهم وجزيتهم ، وما تجِرُوا به ) ... فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يأخذ من المسلمين ربع العشر ممّا تجِروا به ، ومن كلِّ حالم من يهودي أو نصراني أو مجوسي ديناراً ، الذكر والأنثى ، وكتب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى مجوس هَجَر يعرض عليهم الإسلام ، فإن أبَوْا عرض عليهم الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ، ولا تؤكل ذبائحهم ، وكتب لهم صدقات الإبل والبقر والغنم ، على فرضها وسنّتها كتاباً منشُوراً مختوماً في أسفله ... وتوفي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبان بن سعيد عامل على البحرين ...

بعد وفاة الرسول
لمّا توفي الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- وارتدّت العرب ، وارتدّ أهل هجـر عن الإسلام ، فقال أبان بن سعيد لعبد القيس :( أبلغوني مأمني ) ... قالوا :( بل أقمْ فلنجاهد معك في سبيل الله ، فإن الله معزّ دينه ، ومظهره على ما سواه ، وعبد القيس لم ترجع عن الإسلام ) ... قال :( أبلغوني مأمني فأشهد أمر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه سلم- ، فليس مثلي يغيب عنهم ، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم ) ... فقالوا :( لا تفعل ، أنت أعز الناس ، وهذا عليك وعلينا فيه مقالة ، يقول قائل : فرّ من القتال ) ...

وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأبان بعد عودته الى المدينة :( ما كان حقك أن تقدم ، وتترك عملك بغير إذن إمامك ، ثم على هذه الحال ، ولكنك أمنته ) ... فقال أبان :( إني والله ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولو كنت عاملاً لأحد بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كنت عاملاً لأبي بكر في فضله وسابقته وقديم إسلامه ، ولكن لا أعمل بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) ... وشاور أبو بكر أصحابه فيمن يبعث الى البحرين ، فقال له عثمان بن عفان :( ابعث رجلاً قد بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم ، فقدم عليهم بإسلامهم وطاعتهم ، وقد عرفوه وعرفهم ، وعرف بلادهم ) ... يعني العلاء بن الحضرمي ، فأبى عمر عليه ، وقال :( أكْرِهْ أبان بن سعيد فإنه رجل قد حالفهم ) ... فأبى أبو بكر أن يكرهه وقال :( لا أفعل ، لا أكره رجلاً يقول : لا أعمل لأحدٍ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) ... وأجمع أبو بكر بعثة العلاء بن الحضرمي الى البحرين ...

إستشهاده
استشهد أبان -رضي اللـه عنه- يوم أجنادين في الشام سنة ( 13هـ )، فقد كانت جمـوع الروم فيها مائة ألف فهزمهم اللـه تعالى ، وأبلى خالد بن الوليد بلاءً حسن .

فكر وسطي
15-01-2010, 05:05 AM
الصحابي رقم ( 63)

أول من دفن بالبقيع
عثمان بن مظعون
إنه عثمان بن مظعون -رضي الله عنه- عُرِف بحسن الخلق ورجاحة العقل، وُلِدَ بمكة المكرمة، وأبوه مظعون بن حبيب بن وهب، وأمه سخيلة بنت العنبس، وكان يكنى أبا السائب.
أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وكان عمره آنذاك ثلاثين عامًا، وعاش في حماية الوليد بن المغيرة، ثم رأى ما يحدث للمسلمين من اضطهاد وتعذيب، بينما هو يمشى آمنًا ولا يتعرض له أحد من المشركين بسوء، فوقف مع نفسه قائلاً: والله إن غدوّي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى والبلاء ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي، ثم ذهب إلى الوليد وردَّ عليه حمايته، وقال له: يا أبا عبد شمس، قد وفت ذمتك، فرددت إليك جوارك، فقال له الوليد: ولِمَ يا بن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي؟ فقال: لا، ولكني أرضي بجوار الله -عز وجل- ولا أريد أن أستجير بغيره.
فقال له الوليد: إذن فهيا أردد عليَّ جواري علانية أمام أهل مكة كما أمنتك علانية، فانطلقا حتى وصلا إلى المسجد الحرام، ووقف الوليد، ونادى على الناس بصوت عال، فرد عليه عثمان جواره وقال: قد وجدته وفيًّا كريمًا، حافظًا للجوار، ولكنى أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره.
وكان عثمان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان يقول: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي، ويُضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي. فلما حرمت الخمر، قال: تبًّا لها، قد كان بصري فيها ثاقبًا.
وتعرض عثمان لأذى المشركين، وشارك إخوانه المسلمين في محنتهم، وهاجر معهم إلى الحبشة لمّا أمرهم النبي ( بالهجرة، وأخذ معه ابنه السائب، وكان عثمان أمير الفوج الأول إلى الحبشة، ثم قُدّر له أَن يعود من الحبشة إلى مكة مرة أخرى.
وذات يوم، كان أهل مكة يجتمعون على الشاعر العربي لبيد ابن ربيعة؛ لينشدهم الشعر، فدخل عليهم عثمان، فسمعه يقول:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فقال لبيد:
وكل نعيـم لا محــالة زائـــل
فقال عثمان -رضي الله عنه-: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فغضب لبيد، وقال: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم، فمتى حدث فيكم هذا؟!
فقام رجل من المشركين إلى عثمان، وضربه على إحدى عينيه ضربة شديدة أوجعته وأصابت عينه بضرٍّ شديد، ورأى الوليد بن المغيرة ما حدث
لعثمان بن مظعون، فقال: أما والله يابن أخي إن كانت عيناك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة ومنعة.
فقال عثمان: بلى والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر، يا أبا عبد شمس. فقال الوليد: هلمَّ يابن أخي فَعُدْ إلى جواري، فقال عثمان: لا.
وحينما أذن للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، هاجر معهم عثمان، وعاش مع المسلمين حتى جاءت غزوة بدر، فقاتل مع المسلمين، وكان -رضي الله عنه- عابدًا زاهدًا، يجتهد في العبادة، وعندما أراد أن ينقطع للعبادة، ولا يتزوج، نهاه النبي ( وقال: (يا عثمان، إن الله لم يبعثني بالرهبانية، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة) [ابن سعد].
ومكث عثمان بعد غزوة بدر عدة أيام يشارك المسلمين فرحة النصر على أعداء الله، ولكنه لم يدم طويلاً، فسرعان ما مرض مرضًا شديدًا حبسه في بيته، فزاره النبي ( ليطمئن عليه، وشاء الله أن يكون مرض الموت، فمات عثمان بن مظعون وهو سعيد بإسلامه، مستبشر بما أعده الله له من الخير والكرامة في الجنة.
وبعد موته قَبَّله الرسول (، وغسَّله، وكفَّنه، وصلى عليه، ثم دفنه بالبقيع، وقال له وهو في مثواه الأخير: (ذهبت ولم تلبس منها (الدنيا) بشيء) [مالك].
فكان أول من دُفن بالبقيع، وأول من مات من المهاجرين بالمدينة المنورة، وكانت وفاته -رضي الله عنه- في السنة الثالثة من الهجرة.

1

فكر وسطي
29-01-2010, 08:46 PM
http://www.mlfnt.com/live/12647872961.gif (http://www.mlfnt.com/)http://www.mlfnt.com/live/12647872961.gif (http://www.mlfnt.com/)




ماشاء الله وتبارك الله وصل الان ( 63) صحابي الله يجزاك خير اخ نايف الشريف كتب الله لك الاجر والثواب .........واعادك الله بخير لاجتماعي ...............

http://www.mlfnt.com/live/12647870881.gif (http://www.mlfnt.com/)http://www.mlfnt.com/live/12647870881.gif (http://www.mlfnt.com/)



.

فكر وسطي
29-01-2010, 08:59 PM
http://www.mlfnt.com/live/12647876352.gif (http://www.mlfnt.com/).....البراء بن عازب.....http://www.mlfnt.com/live/12647876352.gif (http://www.mlfnt.com/)

الصحابي رقم( 64) ارجو الترقيم حتى نعرف كم وصلو ولكم جزيل الشكر ......



مقدمة ..............
البراء بن عازب بن حارث بن الخزرج الأنصاري ويكنى أبا عمارة...

ولد رضي الله عنه قبل الهجرة بعشر سنوات، قال رضي الله عنه: استصغرني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر أنا وابن عمر فرَدّنا فلم نشهدها، وقال محمد بن عمر: أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة ولم يجز قبلها.




من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم ............
عن البراء بن عازب قال لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فصافحني فقلت يا رسول الله إن كنت أحسب المصافحة إلا في العجم قال نحن أحق بالمصافحة منهم ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه بمودة ونصيحة، إلا ألقى الله ذنوبهما بينهما.

وعنه رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبر بطنه يقول:

"والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينـا

فأنزلن سـكينة علينـا وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينـا إذا أرادوا فتنة أبينـا"

ورفع بها صوته "أبينا أبينا"

وفي البخاري عن سعد بن عبيدة قال حدثني البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت مت على الفطرة فاجعلهن آخر ما تقول" فقلتُ أستذكرهن وبرسولك الذي أرسلت قال "لا وبنبيك الذي أرسلت"




من مواقفه مع الصحابة رضي الله عنهم ...............
روى البخاري بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يحدث قال ابتاع أبو بكر من عازب رحلا فحملته معه. قال: فسأله عازب عن مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلا فأحثثنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة ثم رفعت لنا صخرة فأتيناها ولها شيء من ظل قال: ففرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروة معي ثم اضطجع عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

فانطلقت أنفض ما حوله فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذي أردنا فسألته: لمن أنت يا غلام؟

فقال: أنا لفلان.

فقلت له: هل في غنمك من لبن؟

قال: نعم.

قلت له: هل أنت حالب؟

قال: نعم.

فأخذ شاة من غنمه فقلت له: انفض الضرع.

قال: فحلب كثبة من لبن ومعي إداوة من ماء عليها خرقة قد روأتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رضيت، ثم ارتحلنا والطلب في إثرنا، قال البراء: فدخلت مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى فرأيت أباها فقبل خدها وقال كيف أنت يا بنية.

وروى البخاري بسنده عن البراء رضي الله عنه قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور مثلها.

وكان البراء بن عازبٍ رضي الله عنه من قادة الفتوح، وقد عينه عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته على الري سنة 24هـ فغزا قزوين وما والاها, وفتحها وفتح زنجان عنوة.

وقد شهد البراء بن عازبٍ رضي الله عنه غزوة تستر مع أبي موسى وشهد أيضًا وقعتي الجمل وصفين وقتال الخوارج ونزل الكوفة وابتنى بها دارًا...


من مواقفه مع التابعين...............
عن أبي داود قال لقيني البراء بن عازب فأخذ بيدي وصافحني وضحك في وجهي ثم قال: تدري لم أخذت بيدك؟

قلت: لا إلا إني ظننتك لم تفعله إلا لخير. فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لقيني ففعل بي ذلك ثم قال: أتدري لم فعلت بك ذلك؟ قلت: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن المسلِمَين إذا التقيا وتصافحا وضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه لا يفعلان ذلك إلا لله لم يتفرقا حتى يغفر لهما.

أثره في الأخرين دعوته وتعليمه:

عن أبي إسحاق قال: قال لي البراء بن عازب: ألا أعلمك دعاء علمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : إذا رأيت الناس قد تنافسوا الذهب والفضة فادع بهذه الدعوات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر وأسألك عزيمة الرشد وأسألك شكر نعمتك والصبر على بلائك وحسن عبادتك والرضا بقضائك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم

بعض الأحاديث التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم:

روى البخاري بسنده عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أو يوجه إلى الكعبة فأنزل الله { قد نرى تقلب وجهك في السماء } . فتوجه نحو الكعبة . وقال السفهاء من الناس وهم اليهود { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } . فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل ثم خرج بعدما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال وهو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة

وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإضحى بعد الصلاة فقال: (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فإنه قبل الصلاة ولا نسك له )

عن البراء بن عازب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله [يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ]

عن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وإفشاء السلام وإجابة الداعي وتشميت العاطس ونصر المظلوم وإبرار القسم ونهانا عن الشرب في الفضة فإنه من يشرب فيها في الدنيا لا يشرب فيها في الآخرة وعن التختم بالذهب وركوب المياثر ولباس القسي والحرير والديباج والإستبرق.

من أقواله رضي الله عنه:

عن البراء بن عازب قال: من تمام التحية أن تصافح أخاك

وعنه رضي الله عنه قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن.

وفاته:

توفي رضي الله عنه وأرضاه بالكوفة سنة 72 هـ= في إمارة مصعب بن الزبير.


http://www.mlfnt.com/live/12647876352.gif (http://www.mlfnt.com/)http://www.mlfnt.com/live/12647876352.gif (http://www.mlfnt.com/)

المراجع:

الاستيعاب..................... ابن عبد البر

الإصابة في تمييز الصحابة........ ابن حجر العسقلاني

http://www.mlfnt.com/live/12647876351.gif (http://www.mlfnt.com/)

نايف الشريف
01-02-2010, 03:02 AM
لا أقول إلا الله يجزي كل من ساهم بأثراء هذا الموضوع خير الجزاء في الدنيا والآخرة ، وأقتراح الترقيم أقتراح رائع جدا ، والله يثيبك يأخي فكروسطي الجنة .
( 65)
النضير بن الحارث
هو النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، أسلم بحنين وأعطاه رسول الله( صلى الله عليه وسلم) من غنائم حنين مائة من الإبل.(1)

وقيل: كان من المهاجرين وقيل: كان من مسلمة الفتح.(2)


وهاجر النضير بن الحارث إلى الحبشة ثم قدم مكة فارتد ثم أسلم يوم الفتح أو بعده.

أهم ملامح شخصيتة:

1- كثرة الشكر لله على هدايته له فقد كان النضير يكثر الشكر لله تعالى على ما من عليه من الإسلام ولم يمت على ما مات عليه أخوه النضر وآباؤه.(3)

2- رجاحة العقل والحكمة ولقد كان يعد من حكماء قريش، وكان ( رضي الله عنه ) من أعلم الناس.

3- الحلم وكان النضير بن الحارث من أحلم الناس.(4)

4- جمال الخلقة فقد كان ( رضي الله عنه ) من أجمل الناس.(5)

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم

ذكر(النضير بن الحارث) عداوته للنبي (صلى الله عليه وسلم) وأنه خرج مع قومه من قريش الى حنين وهم على دينهم بعد قال ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه فلم يمكنا ذلك فلما صار بالجعرانة فوالله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال أنضير قلت لبيك قال هل لك الى خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه قال فأقبلت إليه سريعا فقال قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع قلت قد أدري أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا وإني أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم زده ثباتا قال النضير فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين وتبصره بالحق فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الحمد لله الذي هداه.(6)

من كلماته:

كان يقول الحمد لله الذي من علينا بالإسلام ومن علينا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ولم نمت على ما مات عليه الآباء وقتل عليه الإخوة وبنو العم.

وفاته:

خرج إلى الشام غازيا فحضر اليرموك وقتل شهيدا يومئذ في رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر بن الخطاب.(7)

المصادر:

1- الطبقات الكبرى [ جزء 5 - صفحة 448 ]

2- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1064 ]

3- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1064 ]

4- تاريخ دمشق [ جزء 62 - صفحة 101 ]

5- البداية والنهاية [ جزء 4 - صفحة 364 ]

6- البداية والنهاية [ جزء 4 - صفحة 364 ]

7- تاريخ دمشق [ جزء 62 - صفحة 103 ]

فكر وسطي
06-02-2010, 09:11 PM
الصحابي رقم (66)
البراء بن مالك


http://www.mlfnt.com/live/12654794801.gif (http://www.mlfnt.com/)



مقدمة
البراء بن مالك بن النضر الأنصاري وهو أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه رضي الله عنهما وعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا...



أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
ربّاه النبي صلى الله عليه وسلم على حب الشهادة في سبيل الله وعلى اليقين بنصر الله، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مستجاب الدعوة...

عن أنس قال دخلت على البراء بن مالك وهو يتغنى فقلت له قد أبدلك الله ما هو خير منه فقال: أترهب أن أموت على فراشي لا والله ما كان الله ليحرمني ذلك وقد قتلت مائة منفردا - أي مبارزة من المشركين في ميادين القتال - سوى من شاركت فيه...

انظر إلى يقين البطل المغوار بربه وحسن ظنه بمولاه




أهم ملامح شخصيته:
الشجاعة والإقدام وحب الجهاد
عن أنس بن مالك قال لما بعث أبو موسى على البصرة كان ممن بعث البراء بن مالك وكان من ورائه فكان يقول له اختر عملا فقال البراء ومعطي أنت ما سألتك قال نعم قال أما إني لا أسألك إمارة مصر ولا جباية خراج ولكن أعطني قوسي وفرسي ورمحي وسيفي وذرني إلى الجهاد في سبيل الله فبعثه على جيش فكان أول من قتل...

وعن ابن سيرين: قال: لقي البراء بن مالك يوم مسيلمة رجلا يقال له حمار اليمامة قال: رجل طوال في يده سيف أبيض قال: وكان البراء رجلا قصيرا فضرب البراء رجليه بالسيف فكأنما أخطأه فوقع على قفاه قال: فأخذت سيفه وأغمدت سيفي فما ضربت إلا ضربة واحدة حتى انقطع فألقيته وأخذت سيفي...

وكتب عمر بن الخطاب أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم أي لفرط شجاعته...

وعن محمد بن سيرين: أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين - يوم حرب مسيلمة الكذاب - فجلس البراء بن مالك رضي الله عنه على ترس فقال ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم فرفعوه برماحهم فألقوه من وراء الحائط فاقتحم إليهم وشد عليهم وقاتل حتى افتتح باب الحديقة فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحاً ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهراً يداوي جرحه....

وعن أنس بن مالك قال: لما كان يوم العقبة بفارس، و قد زوى الناس، قام البراء بن مالك فركب فرسه و هي تزجي، ثم قال لأصحابه: بئس ما عودتكم أقرانكم عليكم فحمل على العدو ففتح الله على المسلمين...

عن ابن سيرين قال: بارز البراء بن مالك أخو أنس بن مالك مرزبان الزآرة فقتله وأخذ سلبه فبلغ سلبه ثلاثين ألفا فبلع ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا ولا أرانا إلا خامسيه...

بين الأخوة في الله والأخوة في النسب

عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: بينما أنس بن مالك و أخوه البراء بن مالك عند حصن من حصون العدو، والعدو يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم فعلق بعض تلك الكلاليب بأنس بن مالك فرفعوه حتى أقلوه من الأرض فأتي أخوه البراء بن مالك فقيل: أدرك أخاك وهو يقاتل في الناس فأقبل يسعى حتى نزل في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة وهي تدار فما برح يجرهم ويداه تدخنان، حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يديه فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم أنجى الله عز وجل أنس ابن مالك بذاك...






من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم
عن أنس بن مالك يقول: كان البراء بن مالك رجل حسن الصوت فكان يرجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فبينما هو يرجز إذ قارب النساء فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: إياك و القوارير قال: فامسك...






من مواقفه مع الصحابة
عن أنس قال: لقي أبي بن كعب البراء بن مالك فقال: يا أخي ما تشتهي؟ قال: سويقا وتمرا فجاء فأكل حتى شبع فذكر البراء ابن مالك ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اعلم يا براء أن المرء إذا فعل ذلك بأخيه لوجه الله لا يريد بذلك جزاء ولا شكورا بعث الله إلى منزله عشرة من الملائكة يقدسون الله ويهللونه ويكبرونه ويستغفرون له حولا فإذا كان الحول كتب له مثل عبادة أولئك الملائكة وحق على الله أن يطعمهم من طيبات الجنة في جنة الخلد وملك لا يبيد

وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم ضعيف مستضعف ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك " وإن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا له يا براء إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أقسمت على الله لأبرك فأقسم على ربك " . قال: أقسمت عليك يا رب منحتنا أكتافهم ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له يا براء أقسم على ربك فقال أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقني بنبي الله صلى الله عليه وسلم فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا رضي الله عنه

أثره في الآخرين دعوته وتعليمه

قال أنس بن مالك ركب البراء فرسا يوم اليمامة ثم قال أيها الناس إنها والله الجنة وما لي إلى المدينة سبيل فمصع فرسه مصعات ثم كبس وكبس الناس معه فهزم الله المشركين...




وفاته
كان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون له: يا براء أقسم على ربك فيقسم على الله فينهزم الكفار فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا يا براء أقسم على ربك فقال يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم وجعلتنى أول شهيد فأبرّ الله قسمه فانهزم العدو، واستشهد البراء بن مالك وكان ذلك في موقعة "تستر" سنة إحدى و عشرين من الهجرة...

http://www.mlfnt.com/live/12654794801.gif (http://www.mlfnt.com/)


المراجع

الإصابة في تمييز الصحابة............... ابن حجر العسقلاني

الاستيعاب في معرفة الأصحاب......... ابن عبد البر


http://www.mlfnt.com/live/12654794802.gif (http://www.mlfnt.com/)

فكر وسطي
10-03-2010, 09:19 PM
صحابي رقم (67)............البراء بن معرور



مقدمة
البراء بن معرور بن صخر الأنصاري الخزرجي السلمي أبو بشر.

قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان البراء بن معرور من النفر الذين بايعوا البيعة الأولى بالعقبة وهو أول من بايع في قول ابن إسحاق، وأول من استقبل القبلة، وأول من أوصى بثلث ماله.


بيعته
كان نقيب قومه بني سلمة. وكان أول من بايع ليلة العقبة الأولى.

وعن محمد بن سعد قال: إن البراء أول من تكلم من النقباء ليلة العقبة حين لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم السبعون من الأنصار فبايعوه، وأخذ منهم النقباء فقام البراء، فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وحيانا به فكنا أول من أجاب لإاجبنا الله ورسوله وسمعنا وأطعنا يا معشر الأوس والخزرج، قد أكرمكم الله بدينه، فإن أخذتم السمع والطاعة والمؤازرة بالشكر فأطيعوا الله ورسوله ثم جلس رضي الله عنه.

قال ابن حجر في الإصابة: وكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور.

مواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين، أخو بني سلمة، أن أخاه عبد الله بن كعب، وكان من أعلم الأنصار، حدثه أن أباه كعبا حدثه، وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور، سيدنا وكبيرنا.

فلما وجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء، إني قد رأيت رأيا، فوالله ما أدري، أتوافقونني عليه، أم لا؟ قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البَنيِّة مني بظهر، يعني الكعبة، وأن أصلي إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. قال: فقال: إني لمصل إليها. قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل.

قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة. قال: وقد كنا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك. فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه.

قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا لا نعرفه، ولم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا ؛ قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال: قلنا: نعم - قال: و قد كنا نعرف العباس، وكان لا يزال يقدم علينا تاجرا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس.

قال: فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور، سيد قومه ؛ وهذا كعب بن مالك.

قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ قال: نعم. قال: فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البَنِيَّة مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم.

قال ابن هشام: وقال عون بن أيوب الأنصاري:

ومنا المُصلي أول الناس مُقبلا * على كعبة الرحمن بين المشاعر

يعني البراء بن معرور. وهذا البيت في قصيدة له.

من كلماته

قال البراء بن معرور في موقف البيعة:

يا أبا الفضل اسمع منا فسكت العباس فقال البراء لك والله عندنا كتمان ما تحب أن نكتم وإظهار ما تحب أن نظهر وبذل مهج أنفسنا ورضا ربنا عنا إنا أهل حلقة وافرة وأهل منعة وعز وقد كنا على ما كنا عليه من عبادة حجر ونحن كذا فكيف بنا اليوم حين بصرنا الله ما أعمى على غيرنا وأيدنا بمحمد صلى الله عليه وسلم ابسط يدك فكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور

وفاته
روى أن البراء بن معرور مات قبل الهجرة فوجه قبره إلى الكعبة وكان قد أوصى عليه يعني على قبره وكبر أربعاً.

وعن أبي قتادة: أن البراء بن معرور أوصى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بثلث ماله يصرفه حيث شاء فرده النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق وغيره: مات البراء بن معرور قبل قدوم النبي بشهر.


المراجع:

الإصابة في تمييز الصحابة................. ابن حجر

صفة الصفوة............................ ابن الجوزي

السيرة النبوية............................ ابن هشام

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء...... محمد بن حسن بن عقيل

نايف الشريف
24-03-2010, 09:17 PM
الصحابي رقم (( 68))
عبدالرحمن بن أبي بكر _ اعلام الصحابة
هو صورة مبيّنة للخلق العربي بكل أعماقه، وأبعاده..
فبينما كان أبوه أول المؤمنين.. والصدّيق الذي آمن برسوله ايمانا ليس من طراز سواه.. وثاني اثنين اذ هما في الغار..كان هو صامدا كالصخر مع دين قومه، وأصنام قريش.!!
وفي غزوة بدر، خرج مقاتلا مع جيش المشركين..
وفي غزوة أحد كان كذلك على رأس الرماة الذين جنّدتهم قريش لمعركتها مع المسلمين..
وقبل أن يلتحم الجيشان، بدأت كالعادة جولة المبارزة..
ووقف عبدالرحمن يدعو اليه من المسلمين من يبارزه..
ونهض أبو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه مندفعا نحوه ليبارزه، ولكن الرسول أمسك به وحال بينه وبين مبارزة ولده.
ان العربي الأصيل لا يميزه شيء مثلما يميزه ولاؤه المطلق لاقتناعه..
اذا اقتنع بدين أو فكرة استبعده اقتناعه، ولم يعد للفكاك منه سبيل، اللهمّ الا اذا ازاحه عن مكانه اقتناع جديد يملأ عقله ونفسه بلا زيف، وبلا خداع.
فعلى الرغم من اجلال عبدالرحمن أباه، وثقته الكاملة برجاحة عقله، وعظمة نفسه وخلقه، فان ولاءه لاقتناعه بقي فارضا سيادته عليه.
ولم يغره اسلام أبيه باتباعه.
وهكذا بقي واقفا مكانه، حاملا مسؤولية اقتناعه وعقيدته، يذود عن آلهة قريش، ويقاتل تحت لوائها قتال المؤمنين المستميتين..
والأقوياء الأصلاء من هذا الطراز، لا يخفى عليهم الحق وان طال المدى..
فأصالة جوهرهم، ونور وضوحهم، يهديانهم الى الصواب آخر الأمر، ويجمعانهم على الهدى والخير.
ولقد دقت ساعة الأقدار يوما، معلنة ميلادا جديدا لعبدالرحمن بن أبي بكر الصدّيق..
لقد أضاءت مصابيح الهدى نفسه فكنست منها كل ما ورثته الجاهلية من ظلام وزيف. ورأى الله الواحد الأحد في كل ما حوله من كائنات وأشياء، وغرست هداية الله ظلها في نفسه وروعه، فاذا هو من المسلمين..!
ومن فوره نهض مسافرا الى رسول الله، أوّأبا الى دينه الحق.
وتألق وجه أبي بكر تحت ضوء الغبطة وهو يبصر ولده يبايع رسول الله.
لقد كان في كفره رجلا.. وها هو ذا يسلم اليوم اسلام الرجال. فلا طمع يدفعه، ولا خوف يسوقه. وانما هو اقتناع رشيج سديد أفاءته عليه هداية الله وتوفيقه.
وانطلق عبدالرحمن يعوّض ما فاته ببذل أقصى الجهد في سبيل الله، ورسوله والمؤمنين...
في أيام الرسول عليه صلاة الله وسلامه، وفي أيام خلفائه من بعده، لم يتخلف عبدالرحمن عن غزو، ولم يقعد عن جهاد مشروع..
ولقد كان له يوم اليمامة بلاء عظيم، وكان لثياته واستبساله دور كبير في كسب المعركة من جيش مسيلمة والمرتدين.. بل انه هو الذي أجهز على حياة محكم بن الطفيل، والذي كان العقل المدبر لمسيلمة، كما كان يحمي بقوته أهم مواطن الحصن الذي تحصّن جيش الردّة بداخله، فلما سقط محكم بضربة من عبدالرحمن، وتشتت الذين حوله، انفتح في الحصن مدخل واسع كبير تدفقت منه مقاتلة المسلمين..
وازدادت خصال عبدالرحمن في ظل الاسلام مضاء وصقلا..
فولاؤه لاقتناعه، وتصميمه المطلق على اتباع ما يراه صوابا وحقا، ورفضه المداجاة والمداهنة...
كل هذا الخلق ظل جوهر شخصيته وجوهر حياته، لم يتخل عنه قط تحت اغراء رغبة، أو تأثير رهبة، حتى في ذلك اليوم الرهيب، يوم قرر معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد بحد الشيف.. فكتب الى مروان عامله بالمدينة كتاب البيعة، وأمره ان يقرأه على المسلمين في المسجد..
وفعل مروان، ولم يكد يفرغ من قراءته حتى نهض عبدالرحمن بن أبي بكر ليحول الوجوم الذي ساد المسجد الى احتجاج مسموع ومقاومة صادعة فقال:
" والله ما الاخيار أردتم لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية.. كلما مات هرقل قام هرقل"..!!
لقد رأى عبدالرحمن ساعتئذ كل الأخطار التي تنتظر الاسلام لو أنجز معاوية أمره هذا، وحوّل الحكم في الاسلام من شورى تختار بها الأمة حاكمها، الى قيصرية أو كسروية تفرض على الأمة بحكم الميلاد والمصادفة قيصرا وراء قيصر..!!
لم يكد عبدالرحمن يصرخ في وجه مروان بهذه الكلمات القوارع، حتى أيّده فريق من المسلمين على رأسهم الحسين بن علي، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمر..
ولقد طرأت فيما بعد ظروف قاهرة اضطرت الحسين وابن الزبير وابن عمر رضي الله عنهم الى الصمت تجاه هذه البيعة التي قرر معاوية أن يأخذها بالسيف..
لكن عبدالرحمن بن أبي بكر ظل يجهر ببطلان هذه البيعة، وبعث اليه معاوية من يحمل مائة ألف درهم، يريد أن يتألفه بها، فألقاها ابن الصدّيق بعيدا وقال لرسول معاوية:
" ارجع اليه وقل له: ان عبدالرحمن لا يبيع دينه بدنياه"..
ولما علم بعد ذلك أن معاوية يشدّ رحاله قادما الى المدينة غادرها من فوره الى مكة..
وأراد الله أن يكفيه فتنة هذا الموقف وسوء عقباه..
فلم يكد يبلغ مشارف مكة ويستقر بها حتى فاضت الى الله روحه،، وحمله الرجال على الأعناق الى أعالي مكة حيث دفن هناك، تحت ثرى الأرض التي شهدت جاهليته..
وشهدت اسلامه..!!
وكان اسلام رجل صادق، حرّ شجاع...

نايف الشريف
27-03-2010, 05:04 AM
صحابي رقم (( 69))
عمران بن حصين - شبيه الملائكة
عام خيبر، أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعا..
ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول أصبحت يده اليمنى موضع تكريم كبير، فآلى على نفسه ألا يستخدمها الا في كل عمل طيّب، وكريم..
هذه الظاهرة تنبئ عما يتمتع به صاحبها من حسّ دقيق.
وعمران بن حصين رضي الله عنه صورة رضيّة من صور الصدق، والزهد، والورع، والتفاني وحب الله وطاعته...
وان معه من توفيق الله ونعمة الهدى لشيئا كثيرا، ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي، ويبكي، ويقول:
" يا ليتني كنت رمادا، تذروه الرياح"..!!
ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا يخافون الله بسبب ما يدركون من ذنب، فقلما كانت لهم بعد اسلامهم ذنوب..
انما كانوا يخافونه ويخشونه بقدر ادراكهم لعظمته وجلاله،وبقدر ادراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته، فمهما يضرعوا، ويركعوا، ومهما يسجدوا، ويعبدوا..
ولقد سأل أصحاب الرسول يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
" يا رسول الله، مالنا اذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا دنيانا، وكأننا نرى الآخرة رأي العين.. حتى اذا خرجنا من عندك، ولقينا أهلنا، وأولادنا، ودنيانا، أنكرنا أنفسنا..؟؟"
فأجابهم عليه السلام:
" والذي نفسي بيده، لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة عيانا، ولكن ساعة.. وساعة.
وسمع عمران بن حصين هذا الحديث. فاشتعلت أشواقه.. وكأنما آلى على نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته، وكأنما لم تقنع همّته بأن يحيا حياته ساعة.. وساعة.. فأراد أن تكون كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لله رب العالمين..!!
وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليفقه أهلها ويعلمهم.. وفي البصرة حطّ رحاله، وأقبل عليه أهلها مذ عرفوه يتبركون به، ويستضيؤن بتقواه.
قال الحسن البصري، وابن سيرين:
" ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد بفضل عمران بن حصين"
كان عمران يرفض أن يشغله عن الله وعبادته شاغل، استغرق في العبادة، واستوعبته العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا التي يعيش فوق أرضها وبين ناسها..أجل..
صار كأنه ملك يحيا بين الملائكة، يحادثونه ويحادثهم.. ويصافحونه ويصافحهم.
ولما وقع النزاع الكبير بين المسلمين، بين فريق علي وفريق معاوية، لم يقف عمران موقف الحيدة وحسب، بل راح يرفع صوته بين الناس داعيا ايّاهم أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب، حاضنا قضية الاسلام خير محتضن.. وراح يقول للناس:
" لأن أرعى أعنزا حضنيات في رأس جبل حتى يدركني الموت، أحبّ اليّ من أن أرمي في أحد الفريقين بسهم، أخطأ أم أصاب"..
وكان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا:
" الزم مسجدك..
فان دخل عليك، فالزم بيتك..
فان دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتله"..
وحقق ايمان عمران بن حصين أعظم نجاح، حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما، ما ضجر منه ولا قال: أفّ..
بل كان مثابرا على عبادته قائما، وقاعدا وراقدا..
وكان اذا هوّن عليه اخوانه وعوّاده أمر علته بكلمات مشجعة، ابتسم لها وقال:
" ان أحبّ الأشياء الى نفسي، أحبها الى الله"..!!
وكانت وصيته لأهله واخوانه حين أدركه الموت:
" اذا رجعتم من دفني، فانحروا وأطعموا"..
أجل لينحروا ويطعموا، فموت مؤمن مثل عمران بن حصين ليس موتا، انما هو حف زفاف عظيم، ومجيد، تزف فيه روح عالية راضية الى جنّة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين..

نايف الشريف
28-03-2010, 03:05 AM
أخي فكري جزاك الله كل خير فلقد حصرتهم على هذا النحو :
رضي الله عنهم أجمعين إلى يوم الدين .
1ـــ حمزة بن عبدالمطلب 2 ـــ سعد بن معاذ 3 ـــ أسامة بن زيد
4 ــ العباس بن عبدالمطلب 5 ـــ عبدالله بن عمر 6 ــ أبو موسى الأشعري
7 ـــ أنس بن مالك 8 ـــ أويس القرني 9 ـــ معاذ بن جبل
10 ـــ خباب بن الأرت 11 ـــ الطفيل بن عمرو الدوسي
12 ـــ سلمان الفارسي 13 ـــ سعد بن أبي وقاص 14 ـــ أسيد بن حضير
15 ــ أبو أيوب الأنصاري 16 ــ جعفر بن أبي طالب 17 ــ أبو دجانة
18ــــ المقداد بن عمر 19 ـــ الحسن بن علي 20 ـــ الحسين بن علي
21 ــ عبدالله بن العباس 22 ــ خالد بن سعد 23 ــ أسعد بن زرارة
24 ــ عدي بن حاتم 25 ــ أبو ذر الغفاري 26 ــ سفينة مولى الرسول
27 ــ الأقرع بن حابس 28 ــ سلمه بن الأكوع 29 ـــ أبوعبيد بن الجراح
30 ــ أبو مسعود البدري 31 ـــ الزبير بن العوام 32 ــ عبدالله بن رواحه
33 ـ المغيرة بن شعبة 34 ــ أبوالعاص بن الربيع 35 ــ عبدالله بن سلام
36 ــ شرحبيل بن حسنه 37 ــ عمار بن ياسر 38 ــ النعمان بن بشير
39 ـ الفضل بن العباس 40 ــ المثنى بن حارثه 41 ــ سمرة بن جندب
42 ــ ثوبان 43 ــ أبوسلمه بن عبدالسلام بن هلال 44 ــ باكرواني فرماس 45 ــ حذيفه بن اليمان 46 ـ شهر بن باذام 47 ـــ أبو سعيد الخدري
48 ــ كعب بن مالك 49 ــ مرارة بن الربيع 50 ــ هلال بن أمية الواقفي
51 ــ تميم بن أوس 52 ــ المهاجر بن أمية 53 ــ الضحاك بن قيس
54 ــ خبيب بن عدي 55 ــ الأشعث بن قيس الكندي 56 ــ الأرقم بن أبي الأرقم 57 ـ السور بن مخزمه 58 ــ حرقوص بن زهير السعدي
59 ــ السائب بن الأرع 60 ــ جليبيب 61 ــ أبان بن سعيد بن العاص
62 ــ عثمان بن مظعون 63 ــ البراء بن عازب 64 ــ النضير بن الحارث
65 ــ البراء بن مالك 66 ــ البراء بن معرور
67 ـــ عبدالرحمن بن أبي بكر 68 ــ عمران بن الحصين
الرقم القادم هو (((((((((((( 69)))))))))))))))
وجوووووووووووووزيت كل خييييييييييييييييييييير

فكر وسطي
28-03-2010, 09:37 PM
اذن.....!! لك حق علي ان اعتذر ............فعذرا ......فقد خانني الدقيق هذه المرة..........فلم احسب ان باكرواني فرماس هو صحابي ........

وجوززززيت ايضا خيييرا ...............وسوف اعدل ارقامي.......

نايف الشريف
28-03-2010, 10:14 PM
أخي فكري ما بين الخيرين حساب ، وعلى ماذا تعتذر ، فجميعنا في النهاية هدفنا وأحد ، وهي الدقه في المعلومة ، ولكل مجتهدا نصيب .
على فكرة جرب أكل اللوز الأحمر ، يذكرونه بالخير للذاكرة ، وأيضا الموز .

فكر وسطي
04-05-2010, 02:41 AM
الصحابي رقم( 70)

عياش بن أبي ربيعة

هو عياش بن أبي ربيعة ، واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم يكنى أبا عبد الرحمن. وقيل: يكنى أبا عبد الله. هو أخو أبي جهل بن هشام لأمه أمهما أم الجلاس واسمها أسماء بنت مخربة بن جندل بن أبير بن نهشل بن دارم. هو أخو عبد الله بن أبي ربيعة لأبيه وأمه. وهو ابن عم خالد- خالد بن الوليد - وامرأته أسماء بنت سلامة بن مخربة التميمية ".

إسلامه:

وقد أسلم عياش بن أبي ربيعة قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها...

وروي أنه لما أسلم عياش بن أبي ربيعة المخزومي وهاجر مع عمر بن الخطاب إلى المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل وأخوه الحارث وكانا أخوي عياش لأمه فنزلا بعياش وقالا له: إن محمدا يأمر ببر الوالدين وقد تركت أمك وأقسمت أن لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك وهي أشد حبا لك منها لنا فاخرج معن. فاستشار عمر فقال عمر: هما يخدعانك فلم يزالا به حتى عصى نصيحة عمر وخرج معهم. فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي كلت فاحملني معك. قال عياش: نعم ونزل ليوطئ لنفسه ولأبي جهل. فأخذاه وشداه وثاقا وذهبا به إلى أمه فقالت له: لا تزال بعذاب حتى ترجع عن دين محمد وأوثقته عندها.

قال ابن إسحاق: عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة هاجر إلى المدينة و لحق به أخواه لأمه أبو جهل بن هشام و الحارث بن هشام فرجعا به إلى مكة فحبساه فيها حتى مضى بدر و أحد و الخندق...


وقال ابن هشام: خرج أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا المدينة ورسول الله صلى عليه وسلم بمكة فكلماه وقال: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك فرق لها فقلت له: يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت قال: فقال: أبر قسم أمي و لي هنالك مال فآخذه. قال: فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا فلك نصف مالي ولا تذهب معهم. قال: فأبى علي إلا أن يخرج معهما فلما أبى إلا ذلك قال: قلت له: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها

فخرج عليه معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا ابن أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ( 2 / 323 ) ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن

قال ابن إسحاق: فحدثني به بعض آل عياش بن أبي ربيعة: أنهما حين دخلا به مكة دخلا به نهارا موثقا ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا.

قرآن نزل بشأنه:

قال ابن كثير: واختلف في سبب نزول هذه -الآية{ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ.....}- فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وهي أسماء بنت مخرمة وذلك أنه قتل رجلا يعذبه مع أخيه على الإسلام وهو الحارث بن يزيد الغامدي فأضمر له عياش السوء فأسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش لا يشعر فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله فأنزل الله هذه الآية

وجاء في تفسير القرطبي: قال ابن عياش: كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية وذلك أنه كان من الوالدان إذ ذاك وأمة هي أم الفضل بنت الحارث واسمها لبابة وهي أخت ميمونة وأختها الأخرى لبابة الصغرى وهن تسع أخوات قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن:

{الأخوات مؤمنات}.

وجاء في تفسير القرطبي أيضًا: {الم أحسب الناس أن يتركوا} أحسبوا {أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قوما من المؤمنين كانوا بمكة وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلا م كسلمة بن هشام و عياش بن أبي ربيعة و الوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمه وعدة من بني مخزوم وغيره فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر أن يمكن الله لكفار من المؤمنين قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلية معلمة أن هذه هي سيرة الله في عبادة اختبارا للمؤمنين وفتنة.....

ونزلت: {وإن جاهداك لتشرك بي} الآية وقال ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وقد فعلت أمه مثل ذلك...

وجاء في فتح القدير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل ثم خرج مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني الحارث فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } الآية فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليه ثم قال له: قم فحرر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} في عياش بن أبي ربيعة..

أهم ملامح شخصيته:

تغليب الجانب العاطفي: حيث تأثَّر بأمه ورجع ليطمأن عليه...

البذل في سبيل الله، حيث هاجر الهرتين، وتحمل الكثير من الآلام في سبيل الله.....

السبق إلى الحق متى ظهر فهو من السابقين الأولين إلى الإسلام.

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

سرايا النبي ص إلى قبائل كنانة

فلما كان يومُ فتح مكة بعث رسول الله بالجيوش إلى قبائل بني كنانة حوله فبعث إلى بني ضمرة نميلة بن عبد الله الليثي وإلى بني الدئل عمرو ابن أمية الضمري وبعث إلى بني مدلج عياش بن أبي ربيعة المخزومي.

قال ابن هشام: فحدثني من أثق به: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة: من لي بعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا فلقي امرأة تحمل طعاما فقال له: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين - تعنيهما - فتبعها حتى عرف موضعهما وكانا محبوسين في بيت لا سقف له فلما أمسى تسور عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما فكان يقال لسيفه: (ذو المروة) لذلك ثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت أصبعه فقال:

هل أنت إلا أصبع دميت... وفي سبيل الله ما لقيت

ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بالناس فمر بين أيديهم حمار فقال عياش بن أبي ربيعة سبحان الله سبحان الله سبحان الله فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من المسبح آنفا سبحان الله قال أنا يا رسول الله إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة قال لا يقطع الصلاة شيء.

وعن الزهري قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحارث ومسروح ونعيم بن عبد كلال من حمير سلم أنتم ما آمنتم بالله ورسوله وأن الله وحده لا شريك له بعث موسى بآياته وخلق عيسى بكلماته قالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى الله ثالث ثلاثة عيسى بن الله قال وبعث بالكتاب مع عياش بن أبي ربيعة المخزومي وقال إذا جئت أرضهم فلا تدخلن ليلا حتى تصبح ثم تطهر فأحسن طهورك وصل ركعتين وسل الله النجاح والقبول واستعذ بالله وخذ كتابي بيمينك وأدفعه بيمينك في أيمانهم فإنهم قابلون واقرأ عليهم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين فإذا فرغت منها فقل آمن محمد وأنا أول المؤمنين فلن تأتيك حجة إلا دحضت ولا كتاب زخرف إلا ذهب نوره وهم قارئون عليك فإذا رطنوا فقل ترجموا وقل حسبي الله آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير فإذا أسلموا فسلهم قضبهم الثلاثة التي إذا حضروا بها سجدوا وهي من الأثل قضيب.

النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له:

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها سنين كسني يوسف وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله قال ابن أبي الزناد عن أبيه هذا كله في الصبحز

النبي صلى الله عليه وسلم يقر رأيه:

عن أبي بكر بن أبي الجهم قال سمعت فاطمة بنت قيس تقول أرسل إلي زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة عياش بن أبي ربيعة بطلاقي وأرسل معه بخمسة آصع تمر وخمسة آصع شعير فقلت أما لي نفقة إلا هذا ولا أعتد في منزلكم قال لا قالت فشددت علي ثيابي وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كم طلقك قلت ثلاثا قال "صدق- يعني عياشاً- ليس لك نفقة اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم فإنه ضرير البصر تلقي ثوبك عنده فإذا انقضت عدتك فآذنيني" قالت فخطبني خطاب منهم معاوية وأبو الجهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن معاوية ترب خفيف الحال وأبو الجهم منه شدة على النساء أو يضرب النساء أو نحو هذا ولكن عليك بأسامة بن زيد و حدثني إسحق بن منصور أخبرنا أبو عاصم حدثنا سفيان الثوري حدثني أبو بكر بن أبي الجهم قال دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن على فاطمة بنت قيس فسألناها فقالت كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فخرج في غزوة نجران وساق الحديث بنحو حديث ابن مهدي وزاد قالت فتزوجته فشرفني الله بأبي زيد وكرمني الله بأبي زيد و حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة حدثني أبو بكر قال دخلت أنا وأبو سلمة على فاطمة بنت قيس زمن ابن الزبير فحدثتنا أن زوجها طلقها طلاقا باتا بنحو حديث سفيان.

أثره في الآخرين ( دعوته - تعليمه ):

من تلاميذه الذين رووا عنه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

1 - عبد الرحمن بن سابط وهو من الطبقة الوسطى من التابعين

2 - نافع مولى ابن عمر وكنيته أبو عبد الله وهو مدني ومن الطبقة الوسطى من التابعين.

بعض ما روى عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:

عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها فإذا ضيعوا ذلك هلكوا.

وعنه رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: تخرج ريح بين يدي الساعة تقبض فيها أرواح كل مؤمن.

موقف الوفاة:

عن حبيب بن أبي ثابت أن الحارث بن هشام و عكرمة بن أبي جهل و عياش بن أبي ربيعة أثبتوا يوم اليرموك فدعا الحارث بشراب فنظر إليه عكرمة فقال: ادفعوه إلى عكرمة فدفع إليه فنظر إليه عياش بن أبي ربيعة فقال عكرمة: ادفعوه إلى عياش فما وصل إلى أحد منهم حتى ماتوا جميعا وما ذاقوه.

وقيل إنه توفي بمكة...

متى توفي؟

مات سنة خمس عشرة بالشام في خلافة عمر وقيل استشهد باليمامة وقيل باليرموك.

مات في أيام عمر رضي الله عنه من الأعلام: عتبة بن غزوان و العلاء بن الحضرمي.................... و عياش بن أبي ربيعة....

أين دفن؟

دفن باليرموك ؛ حيث استشهد - رضي الله عنه -
.................................................. .................................................. ..

المراجع:

الإصابة - الاستيعاب - أسد الغابة - الطبقات الكبرى - المعجم الكبير - سيرة ابن هشام - تاريخ الخلفاء - موسوعة حرف للحديث الشريف..

نايف الشريف
11-05-2010, 11:01 PM
الصحابي رقم (( 71 ))

زيد بن الخطاب

هو زيد بن الخطاب بن نفيل. أخو عمر بن الخطاب لأبيه يكنى أبا عبد الرحمن.
كان زيد أسن من عمر وكان من المهاجرين الأولين أسلم قبل عمر وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين معن بن عدي العجلاني حين آخى بين المهاجرين والأنصار بعد قدومه المدينة.
شهد بدرا وأحدا والخندق وما بعدها من المشاهد وشهد بيعة الرضوان بالحديبية.
من ملامح شخصيته:
حبه للشهادة:
دعا أبو بكر رضي الله عنه زيد بن الخطاب ليستخلفه وكان ذلك في حروب الردة فقال: قد كنت أرجو أن أرزق الشهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أرزقها وأنا أرجو أن أرزقها في هذا الوجه وإن أمير الجيش لا ينبغي أن يباشر القتال بنفسه.
ويروي نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال لأخيه زيد بن الخطاب يوم أحد: خذ درعي هذه يا أخي، فقال له: إني أريد من الشهادة مثل الذي تريد فتركاها جميعا.
من كلماته:
قال زيد بن الخطاب يوم اليمامة يحفز همم المسلمين أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدما وقال والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتي فقتل شهيدا رضي الله عنه.
وفاته:
ويروي عمر بن عبد الرحمن من ولد زيد بن الخطاب عن أبيه قصة استشهاده فيقول: كان زيد بن الخطاب يحمل راية المسلمين يوم اليمامة و قد انكشف المسلمون حتى ظهرت حنيفة على الرجال فجعل زيد بن الخطاب يقول: أما الرجال فلا رجال و أما الرجال فلا رجال ثم جعل ثم جعل يصيح بأعلى صوته: اللهم إني اعتذر إليك من فرار أصحابي و أبرأ إليك مما جاء به مسيلمة و محكم بن الطفيل و جعل يشد بالراية يتقدم بها في نحر العدو ثم ضارب بسيفه حتى قتل رحمه الله عليه و وقعت الراية فأخذها سالم مولى أبي حذيفة فقال المسلمون: يا سالم إنا نخاف أن نؤتي من قبلك فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قبل و قتل زيد بن الخطاب سنة اثنتي عشرة من الهجرة
حزن أخيه عمر عليه:
عن عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: كان عمر يصاب بالمصيبة فيقول: أصبت بزيد بن الخطاب و أبصر عمر رضي الله عنه قاتل أخيه زيد فقال له: ويحك لقد قتلت لي أخا ما هبت الصبا إلا ذكرته.
وقال عمر بن الخطاب لمتمم بن نويرة: يرحم الله زيد بن الخطاب لو كنت أقدر أن أقول الشعر لبكيته كما بكيت أخاك فقال متمم: يا أمير المؤمنين لو قتل أخي يوم اليمامة كما قتل أخوك ما بكيته أبدا فأبصر عمر وتعزى عن أخيه، وقد كان حزن عليه حزنا شديدا وكان عمر يقول: إن الصبا لتهب فتأتي بريح زيد بن الخطاب.
ولما قتل زيد بن الخطاب ونعي إلى أخيه عمر قال: رحم الله أخي سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي، واستشهد قبلي.
المراجع:
الاستيعاب - مختصر سيرة الرسول - المعجم الأوسط - البداية والنهاية - المستدرك - كنز العمال

نايف الشريف
12-05-2010, 02:47 AM
الصحابي رقم (( 72 ))

عمير بن وهب - شيطان الجاهلية، وحواريّ الاسلام

في يوم بدر، كان واحدا من قادة قريش الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على الاسلام.
وكان حديد البصر، محكم التقدير، ومن ثم ندبه قومه ليستطلع لهم عدد المسلمين الذين خرجوا مع الرسول للقائهم، ولينظر ان كان لهم من وزرائهم كمين أو مدد..
وانطلق عمير بن وهب الجمحيّ وصال بفرسه حول معسكر المسلمين، ثم رجع يقول لقومه:" انهم ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أ، ينقصون" وكان حدسه صحيحا.
وسألوه: هل وراءهم امتداد لهم؟؟ فأجابهم قائلا:
" لم أجد وراءهم شيءا.. ولكن يا معشر قريش، رأيت المطايا تحمل الموت الناقع.. قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم..
" والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم، فاذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير العيش بعد ذلك..؟؟
" فانظروا رأيكم"..
وتأثر بقوله ورأيه نفر من زعماء قريش، وكادوا يجمعون رجالهم ويعودون الى مكة بغير قتال، لولا أبي جهل الذي أفسد عليهم رأيهم، وأضرم في النفوس نار الحقد، ونار الحربو التي كان هو أول قتلاها..

كان أهل مكة يلقبونه بـ شيطان قريش..
ولقد أبلى شيطان قريش يوم بدر بلاء لم يغن قومه شيئا، فعادت قوات قريش الى مكة مهزومة مدحورة، وخلّف عمير بن وهب في المدينة بضعة منه.. اذ وقع ابنه في أيدي المسلمين أسيرا..
وذات يوم ضمّه مجلس ابن عمّه صفوان بن أميّة.. وكان صفوان يمضغ أحقاده في مرارة قاتلة، فان أباه أميّة بن خلف قد لقي مصرعه في بدر وسكنت عظامه القليب.

جلس صفوان وعمير يجترّان أحقادهما..
ولندع عروة بن الزبير ينقل الينا حديثهما الطويل:
" قال صفوان، وهو يذكر قتلى بدر: والله ما في العيش بعدهم من خير..!
وقال له عمير: صدقت، ووالله لولا دين محمد عليّ لا أملك قضاءه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت الى محمد حتى أقتله، فان لي عنده علة أعتلّ بها عليه: أٌقول قدمت من أجل ابني هذا الأسير.
فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك.. أنا أقضيه عنك.. وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا..
فقال له عمير:اذن فاكتم شأني وشأنك..."
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة.
وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، اذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب، قد أناخ راحلته على باب المسجد، متوشحا سيفه، فقال:
هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء الا لشرّ..
فهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر..
ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه..
قال صلى الله عليه وسلم:
أدخله عليّ.." فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار، ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فانه غير مأمون."
ودخل به عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بحمّالة سيفه في عنقه فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أرسله يا عمر..
ادن يا عمير..
فدنا عمير وقال: انعموا صباحا، وهي تحيّة الجاهلية،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام.. تحية أهل الجنة.
فقال عمير: أما والله يا محمد ان كنت بها لحديث عهد.
قال لرسول صلى الله عليه وسلم: فما جاء بك يا عمير..؟؟
قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم.
قال النبي: فما بال السيف في عنقك..؟؟
قال عمير: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا..؟!
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أصدقني يا عمير، ما الذي جئت له..؟
قال: ما جئت الا لذلك.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أميّة في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت، لولا دين عليّ، وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك..!!!
وعندئذ صاح عمير: أشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أنك رسول الله.. هذا أمر لم يحضره الا أنا وصفوان، فوالله ما أنبأك به الا الله، فالحمد لله الذي هداني للاسلام..
فقال الرسول لأصحابه: فقّهوا أخاكم في الدين وأقرئه القرآن، وأطلقوا أسيره....!!
هكذا أسلم عمير بن وهب..
هكذا أسلم شيطان قريش، وغشيه من نور الرسول والاسلام ما غشيه فاذا هو في لحظة يتقلب الى حواريّ الاسلام..!!
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
" والذي نفسي بيده، لخنزير كان أحبّ اليّ من عمير حين طلع علينا..
ولهو اليوم أحبّ اليّ من بعض ولدي"..!
جلس عمير يفكّر بعمق في سماحة هذا الدين، وفي عظمة هذا الرسول صلوات ربي وسلامه عليه:
ثم تذكر بلاءه يوم بدر وقتاله.
وتذكر أيامه الخوالي في مكة وهو يكيد للاسلام ويحاربه قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الى المدينة.
ثم هاهو ذا يجيء اليوم متوشحا سيفه ليقتل به الرسول صلى الله عليه وسلم.
كل ذلك يمحوه في لحظة من الزمان قوله:" لا اله الا الله، محمد رسول الله"..!!
أيّة سماحة، وأي صفاء، وأية ثقة بالنفس يحملها هذا الدين العظيم..!!
أهكذا في لحظة يمحو الاسلام كل خطاياه السالفة، وينسى المسلمون كل جرائره وعداواته السابقة، ويفتحون له قلوبهم، ويأخذونه بالأحضان..؟!
أهكذا والسيف الذي جاء معقودا على شرّ طوية وشرّ جريمة، لا يزال يلمع أمام أبصارهم، ينسي ذلك كله، ولا يذكر الآن الا أن عميرا باسلامه، قد أصبح احدا من المسلمين ومن أصحاب الرسول، له ما لهم.. وعليه ما عليهم..؟!!!
أهكذا وهو الذي ودّ عمر بن الخطاب منذ لحظتين أن يقتله، يصبح أحب الى عمر من ولده وبنيه..؟؟؟!!!
اذا كانت لحظة واحدة من الصدق، تلك التي أعلن فيها عمر اسلامه، تحظى من الاسلام بكل هذا التقدير والتكريم والمثوبة والاجلال، فان الاسلام اذن لهو دين عظيم..!!
وفي لحظات عرف عمير واجبه تجاه هذا الدين.. أن يخدمه بقدر ما حاربه، وان يدعو إليه، بقدر ما دعا ضدّه.. وأن يري الله ورسوله ما يحب الله ورسوله من صدق، وجهاد وطاعة.. وهكذا أقبل على رسول الله ذات يوم، قائلا:
" يا رسول الله: انب كنت جاهدا على اطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، واني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم الى الله تعالى، والى رسوله، والى الاسلام، لعلّ الله يهديهم، والا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم"..
في تلك الأيام، ومنذ فارق عمير مكة متوجها الى المدينة كان صفوان بن أمية الذي اغرى عميرا بالخروج لقتل الرسول، يمشي في شوارع مكة مختالا، ويغشي مجالسها وندواتها فرحا محبورا..!
وكلما سأله قومه واخوته عن شسر فرحته ونشوته، وعظام أبيه لا تزال ساخنة في حظائر بدر، يفرك كفّيه في غرور يقول للناس:" أبشروا بوقعة يأتيكم نبأها بعد أيام تنسيكم وقعة بدر"..!
وكان يخرج الى مسارف مكة كل صباح يسأل القوافل والركبان:" ألم يحدث بالمدينةأمر".
وكانوا يجيبونه بما لا يحب ويرضى، فما منهم من أحد سمع أو رأى في المدينة حدثا ذا بال.
ولم ييأس صفوان.. بل ظلّ مثابرا على مساءلة الركبان، حتى لقي بعضهم يوما فسأله:" ألم يحدث بالمدينةأمر"..؟؟
فأجابه المسافر: بلى حدث أمر عظيم..!!
وتهللت أسارير صفوان وفاضت نفسه بكل ما في الدنيا من بهجة وفرح..
وعاد يسأل الرجل في عجلة المشتاق:" ماذا حدث اقصص عليّ".. وأجابه الرجل: لقد أسلم عمير بن وهب، وهو هناك يتفقه في الدين، ويتعلم القرآن"..!!
ودارت الأرض بصفوان.. والوقعة التي كان يبشر بها قومه، والتي كان ينتظهرا لتنسيه وقعة بدر جاءته اليوم في هذا النبأ الصاعق لتجعله حطاما..!!
وذات يوم بلغ المسافر داره.. وعاد عمير الى مكة شاهرا سيفه، متحفزا للقتال، ولقيه أول ما لقيه صفوان بن أمية..
وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته، ولكن السيف المتحفز في يد عمير ردّه الى صوابه، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ثم مضى لسبيله..
دخل عمير بن وهب مكة مسلما، وهو الذي فارقها من أيام مشركا، دخلها وفي روعة صورة عمر بن الخطاب يوم أسلم، ثم صاح فور اسلامه قائلا:
" والله لا أدع مكانا جلست فيه بالكفر، الا جلست فيه بالايمان".
ولكأنما اتخذ عمير من هذه الكلمات شعارا، ومن ذلك الموقف قدوة، فقد صمم على نذر حياته للدين الذي طالما حاربه.. ولقد كان في موقف يسمح له بأن ينزل الأذى بمن يريد له الأذى..
وهكذا راح يعوّض ما فاته.. ويسابق الزمن الى غايته، فيبشر بالاسلام ليلا ونهارا.. علانية واجهارا..
في قلبه ايمانه يفيض عليه أمنا، وهدى ونورا..
وعلى لسانه كلمات حق، يدعو بها الى العدل والاحسان والمعروف والخير..
وفي يمينه سيف يرهب به قطاع الطق الذين يصدّون عن سبيل الله من آمن به، ويبغونها عوجا.
وفي بضعة أسابيع كان الذين هدوا الى الاسلام على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير يمكن أن يخطر ببال.
وخرج عمير بهم الى المدينة في موكب طويل مشرق.
وكانت الصحراء التي يجتازونها في سفرهم لا تكتم دهشتها وعجبها من هذا الرجل الذي مرّ من قريب حاملا سيفه، حاثّا خطاه الى المدينة ليقتل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم عبرها مرّة أخرى راجعا من المدينة بغير الوجه الذي ذهب به يرتل القرآن من فوق ظهر ناقته المحبورة.. ثم ها هو ذا يجتازها مرة ثالثة على رأس موكب كبير من المؤمنين يملؤون رحابها تهليلا وتكبيرا..
أجل لنه لنبأ عظيم.. نبأ شيطان قريش الذي أحالته هداية الله الى حواريّ باسل من حوارييّ الاسلام، والذي ظلّ الى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزوات والمشاهد، وظلّ ولاؤه لدين الله راسخا بعد رحيل الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن الدنيا.
وفي يوم فتح مكة لم ينس عمير صاحبه وقريبه صفوان بن أمية فراح إليه يناشده الاسلام ويدعوه إليه بعد أن لم يبق شك في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصدق الرسالة..
بيد أن صفوان كان قد شدّ رحاله صوب جدّة ليبحر منها الى اليمن..
واشتدّ اشفاق عمير على صفوان، وصمم على أن يستردّه من يد الشيطان بكل وسيلة.
وذهب مسرعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:
" يا نبيّ الله ان صفوان بن أميّة سيّد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فأمّنه
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو آمن.
قال رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة"..

ولندع عروة بن الزبير يكمل لنا الحديث:
" فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي.. الله في نفسك أن تهلكها.. هذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به..
قال له صفوان: ويحك، اغرب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان..فداك أبي وأمي، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الناس، وأبرّ الناس ، وأحلم الناس، وخير الانس.. عزّه عزّك، وشرفه شرفك..
قال: اني أخاف على نفسي..
قال: هوأحلم من ذاك وأكرم..
فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فقال صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم: ان هذا يزعم أنك أمّنتني..
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: صدق..
قال صفوان: فاجعلني فيه بالخيار شهرين..
قال صلى الله عليه وسلم: أنت بالخيار أربعة أشهر".
وفيما بعد أسلم صفوان.
وسعد عمير باسلامه أيّما سعادة..
وواصل ابن وهب مسيرته المباركة الى الله، متبعا أثر الرسول العظيم الذي هدى الله به الناس من الضلالة وأخرجهم من الظلمات الى النور .

فكر وسطي
20-05-2010, 04:13 AM
الصحابي رقم (73)


سليط بن قيس

هو سليط بن قيس بن عمرو بن عبيد عبد الله بن مالك بن عدى بن عامر بن غنم بن النجار الأنصاري النجاري أمه زغيبة بنت زرارة بن سعد بن عبيد الله بن ثعلبة النجارية وهى أخت سعد بن زرارة.

أهم ملامح شخصيته:

الشجاعة والإقدام يشهد له بذلك حضوره جميع المشاهد مع رسول الله ومشاركته في حروب الردة مع أبى بكر وتطوعه في فتح المدائن في خلافة عمر.

ومن صفاته العذبة كذلك الحكمة ويتضح ذلك من موقفة مع أبى عبيد يوم موقعة الجسر فقد بعث الأعاجم ذا الحاجب وكان رئيس الأعاجم رستم فلما بلغ أبا عبيد مسيرهم إليه انحاز بالناس حتى عبر الفرات فنزل في المروحة وأقبلت الأعاجم حتى نزلت خلف الفرات ثم إن أبا عبيد حلف ليقطعن إليهم الفرات فناشده سليط بن قيس وقال أنشدك الله في المسلمين لا تدخلهم هذا المدخل فان العرب تفر وتكر فاجعل للناس مجالا فأبى أبو عبيد وقال جبنت والله يا سليط قال والله ما جبنت ولكن قد أشرت عليك بالرأي فاصنع بما بدا لك.(1)

رحم الله سليط بن قيس علي نصحه الخالص لوجه الله، وبسالته الفائقة، وحرصه علي الشهادة في سبيل الله، فبمثل هؤلاء الرجال، زلزل الصحابة عروش كسري، وقضوا علي عبادة النار والتي كان يعظمها الفرس، وأصبحت راية التوحيد ترفرف في أرض فارس.

من مواقفه مع الصحابة:


بعثه أبو بكر رداء (مؤخرة ) لخالد بن الوليد في حرب مسيلمة الكذاب باليمامة سنة11هـ هجريا حتى لا يؤتى جيش خالد من الخلف.

ودعا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبا عبيد وسليطا وسعد لقيادة الجيش الذاهب لفتح العراق فحضر أبا عبيد قبلهما فقال عمر لسليط وسعد أما إنكما لو سبقتماه لوليتكما ولأدركتما بها ما لكما من المقدمة. (2)

بعض ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم:

عن سليط بن قيس أن رجلا من الأنصار كان له حائط فيه نخلة لرجل آخر فيأتيه بكرة وعشية فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه نخلة مما يلي الحائط الذي له.(3)

وفاته:

قتل مع أبى عبيد شهيدا سنة أربع عشرة، وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس.(4)


المصادر:

1- الثقات لابن حبان [ جزء 2 - صفحة 201 ]

2- الاستيعاب [ج2ص117]

3- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 473 ]

4- تاريخ الطبري [ جزء 2 - صفحة 368 ]

المثيرة
26-05-2010, 05:55 AM
ما شاء الله وصلتوا 72 صحابي أن شاء الله كمان وكمان

فكر وسطي
28-05-2010, 07:37 PM
الصحابي رقم (74)............

وبر بن يحنس
هو وبر بن يحنس الكلبي قال ابن حبان يقال له صحبة.(1)

إسلامه:

كان من الأبناء الذين كانوا باليمن فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم.(2)

وبعد أن دخل الإيمان قلبه بدأ يدعو إلي الله عز وجل فقدم وبر بن يحنس على الأبناء باليمن يدعوهم إلى الإسلام فنزل على بنات النعمان بن بزرج فأسلمن وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم وإلى مركبود وعطاء ابنه ووهب بن منبه فأسلموا.(3) فرضي الله عن الصحابي الجليل (وبرة بن يحنس).


المراجع:

1- عمدة القاري [ جزء 16 - صفحة 891 ]

2- الطبقات الكبرى [ جزء 5 - صفحة 533 ]

3- تاريخ الطبري [ جزء 2 - صفحة 209 ]

فكر وسطي
28-05-2010, 07:41 PM
الصحابي رقم (75)...............

وبرة بن سنان


هو وبرة بن سنان الجهني

من مواقفه مع جعال أجير عمر بن الخطاب:

كان مع عمر بن الخطاب أجيرا له من غفار يقال له: جعال، وكان معه فرس يقوده فحوض لعمر حوضا فبينما هو قائم على الحوض إذ أقبل رجل من الأنصار يقال له وبرة بن سنان الجهني وسماه أبو عمر: سنان بن تميم وكان حليفا لعبد الله بن أبي فقاتله فتداعيا بقبائلهما فقال عبد الله بن أبي: أقد تداعوا علينا لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل...

ونزل فيهما "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى......" (1)

المرجع:


1- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 6 - صفحة 599 ]

فكر وسطي
28-05-2010, 07:46 PM
الصحابي رقم (76)...............

عطارد بن حاجب


هو عطارد بن حاجب بن مناة بن تميم التميمي أبو عكرمة..

قصة إسلامه:

قال ابن إسحاق: لما قدم وفد بني تميم دخلوا المسجد ونادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: جئنا لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال نعم قد أذنت لخطيبكم فليقم فقام عطارد بن حاجب فقال الحمد لله الذي جعلنا ملوكا الذي له الفضل علينا والذي وهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا رءوس الناس وأولي فضلهم فمن فاخرنا فليعد مثل ما عددنا فلو شئنا لأكثرنا من الكلام ولكن نستحي من الإكثار لما أعطانا أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا أو أمر أفضل من أمرنا ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس: " قم فأجبه " فقام فقال الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يكن شيء قط إلا من فضله ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه وكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان بالله فآمن به المهاجرون من قومه ذوي رحمه أكرم الناس أحسابا وأحسنهم وجوها وخير الناس فعلا ثم كان أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن نكث جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا أقول هذا وأستغفر الله العظيم للمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم ثم ذكر قيام الزبرقان وإنشاده وجواب حسان له بالأبيات المتقدمة فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع بن حابس إن هذا الرجل خطيبه أخطب من خطيبنا وشاعره أشعر من شاعرنا وأقوالهم أعلى من أقوالنا ثم أجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم.

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

ـ رواه مسلم عن عطارد بن حاجب أنه أهدى إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ثوب ديباج كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا: نزل عليك من السماء؟ فقال: وما تعجبون من ذا، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا.

بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:

عن عطارد بن حاجب أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب ديباج كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا أنزل عليك من السماء؟ فقال: وما تعجبون من ذي، لمنديل من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا. ثم قال: يا غلام اذهب إلى أبي جهم بن حذيفة وقل له: يبعث لي بالخميصة..

بعض كلماته:

وارتد عطارد بن حاجب بعد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مع من ارتد من بني تميم، وتبع سجاح، ثم عاد إلى الإسلام، وهو الذي قال فيها:

أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها وأضحت أنبياء الناس ذكرانا

فلعنة الله رب الناس كلهم على سجاح ومن بالكفر أغوانا.

فكر وسطي
01-06-2010, 10:56 PM
مواضيع تستحق الحياه .......ففي حياتهم عبر وذكرى تحي القلوب وان ماتت فالربما يوما احيتها

واعادت نبضها ولوبعد حين وحين من الدهر والسنين .............

..............الصحابي رقم (77)...............

...................أبو مطرف سليمان بن صرد...............................


هو سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون أبو المطرف الخزاعي يقال كان اسمه يسار فغيره النبي ( صلى الله عليه وسلم).(1)

وسماه (صلى الله عليه وسلم) سليمان وكانت له سن عالية وشرف في قومه.

أهم ملامح شخصيته:

اتصف سليمان بن صرد بكثير من الصفات الحميدة، والتي جعلت له مكانة بين الصحابة ( رضوان الله عليهم )

1-الشجاعة وظهرت في حضوره صفين مع علي بن أبي طالب ويوم خرج ليطالب بدم الحسين.

2-كثرة الشك والوقوف وهذا سبب ندمه على ما كان من خذلانه للحسين

فقد كتب إلى الحسين بن علي أن يقدم الكوفة فلما قدمها أمسك عنه ولم يقاتل معه كان كثير الشك والوقوف فلما قتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري وجميع من خذل الحسين ولم يقاتل معه.(2) وخرج سليمان بن صرد في نحو أربعة آلاف مقاتل في عام 65هـ وذلك بعد مقتل الحسين بأربعة سنوات، حتي يكفروا عن تخاذلهم عن الحسين بن علي في معركة كربلاء والتقوا مع جيش الامويين في معركة عين الوردة وكانوا في نحو أربعة آلاف مقاتل، واستطاع الجيش الأموي هزيمتهم، ومات سليمان بن صرد.

3- ومن صفاته الرائعة كذلك أنه كان نبيلا عابدا زاهدا (3)

من مواقفة مع الصحابة:

كان من أنصار علي بن أبي طالب فعن سليمان بن صرد قال:

أتيت عليا حين فرغ من الجمل فلما رآني قال يا ابن صرد تنأنأت وتزحزحت وتربصت كيف ترى الله صنع.

قلت يا أمير المؤمنين إن الشوط بطين وقد أبقى الله من الأمور ما تعرف فيها عدوك من صديقك فلما قام.

قلت للحسن بن علي ما أراك أغنيت عني شيئا وقد كنت حريصا أن أشهد معه

فقال هذا يقول لك ما تقول وقد قال لي يوم الجمل حين مشى الناس بعضهم إلى بعض

يا حسن ثكلتك أمك أو هبلتك أمك والله ما أرى بعد هذا من خير.(4)

من الأحاديث التي رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم

عن سليمان بن صرد قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد ). فقالوا له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعوذ بالله من الشيطان. فقال وهل بي جنون؟


وفي سنن الترمذي قال سليمان بن صرد لخالد بن عرطفة ( أو خالد لسليمان ) أما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول من قتله بطنه لم يعذب في قبره؟ فقال أحدهما لصاحبه نعم.


وعن سليمان بن صرد: أن أعرابيا صلى مع النبي( صلى الله عليه وسلم) ومعه قرن فأخذها بعض القوم فلما سلم النبي (صلى الله عليه وسلم) قال الأعرابي: فأين القرن؟ فكأن بعض القوم ضحك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يروعنَّ مسلما.(5)


وعن سليمان بن صرد قال قال النبي (صلى الله عليه وسلم) استاكوا وتنظفوا وأوتروا فإن الله وتر يحب الوتر.

الوفاة:

وكان ممن كاتب الحسين ثم تخلف عنه ثم قدم هو والمسيب بن نجبة في آخرين فخرجوا في الطلب بدمه وهم أربعة آلاف فالتقاهم عبيد الله بن زياد بعين الوردة بعسكر مروان فقتل سليمان ومن معه وذلك في سنة خمس وستين في شهر ربيع الآخر وكان لسليمان يوم قتل ثلاث وتسعون سنة وكان الذي قتل سليمان يزيد بن الحصين بن نمير رماه بسهم فمات وحمل رأسه ورأس المسيب إلى مروان.(6)



المصادر:
1- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 3 - صفحة 172 ]

2- الطبقات الكبرى [ جزء 4 - صفحة 292 ]

3- البداية والنهاية [ جزء 8 - صفحة 255 ]

4- الفتن [ جزء 1 - صفحة 89 ]

5- المعجم الكبير [ جزء 7 - صفحة 99 ]

6- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 3 - صفحة 172 ]

.................................................. .................................................. ...

فكر وسطي
13-06-2010, 04:19 AM
.الصحابي رقم (78)......................


عبد الله بن حذافة
هو عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي.

أبو حذافة، أو أبو حذيفة. وأمه تميمة بنت حرثان من بني الحارث بن عبد مناة من السابقين الأولين، يقال شهد بدرا، ولم يذكره موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق ولا غيرهما من أصحاب المغازي. وعبد الله بن حذافة هذا هو القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: " سلوني عما شئتم ": من أبي فقال: " أبوك حذافة بن قيس ". فقالت له أمه: ما سمعت بابن أعق منك أمنت أن تكون أمك قارفت ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به. وكانت في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة.

عن أبي هريرة أن عبد الله بن حذافة صلى فجهر بصلاته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ناج ربك بقراءتك يا بن حذافة ولا تسمعني وأسمع ربك".

أهم ملامح شخصيته:

1ـ قوة عزيمته وثباته على الدين الإسلامي امام كل الفتن.

فعن أبي رافع قال وجه عمر جيشا إلى الروم وفيهم عبد الله بن حذافة فأسروه فقال له ملك الروم تنصر أشركك في ملكي فأبى فأمر به فصلب وأمر برميه بالسهام فلم يجزع فأنزل وأمر بقدر فصب فيها الماء وأغلى عليه وأمر بالقاء أسير فيها فإذا عظامه تلوح فأمر بإلقائه إن لم يتنصر فلما ذهبوا به بكى قال ردوه فقال لم بكيت قال تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في الله فعجب فقال قبل رأسي وأنا اخلي عنك فقال وعن جميع أسارى المسلمين قال نعم فقبل رأسه فخلى بينهم فقدم بهم على عمر فقام عمر فقبل رأسه.

2ـ كان مشهوراً عنه روح الدعابة العالية فيروي عبد الله بن وهب عن الليث عن سعد قال: بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع قال ابن وهب: فقلت لليث: ليضحكه قال نعم كانت فيه دعابة.

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فقام على المنبر فذكر الساعة فذكر أن فيها أمورا عظاما ثم قال ( من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم ما دمت في مقامي هذا ). فأكثر الناس في البكاء وأكثر أن يقول ( سلوني ). فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال من أبي؟ قال ( أبو حذافة ). ثم أكثر أن يقول ( سلوني ). فبرك عمر على ركبتيه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فسكت. ثم قال عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كالخير (والشر ) قصته مع كسرى ـ أما قصته مع كسرى ملك الفرس فكانت في السنة السادسة للهجرة حين عزم النبي صلى الله عليه و سلم أن يبعث طائفة من أصحابه بكتب إلى ملوك الأعاجم يدعهم فيها إلى الإسلام..

انتدب عليه الصلاة والسلام ستة من الصحابة ليحملوا كتبه إلى ملوك العرب والعجم، و كان أحد هؤلاء الستة عبدالله بن حذافة السهمي، فقد اختير لحمل رسالة النبي صلوات الله عليه إلى كسرى ملك الفرس.

جهز عبد الله بن حذافة راحلته، وودع صاحبته وولده، ومضى إلى غايته ترفعه النجاد و تحطه الوهاد ؛ وحيدا فريدا ليس معه إلا الله، حتى بلغ ديار فارس، فاستأذن بالدخول على ملكه، وأخطر الحاشية بالرسالة التي يحملها له.. عند ذلك أمر كسرى بإيوانه فزين، ودعا عظماء فارس لحضور مجلسه فحضرو، ثم أذن لعبد الله بن حذافة بالدخول عليه. دخل عبد الله بن حذافة على سيد فارس مرتديا شملته الرقيقة، مرتديا عباءته الصفيقة، عليه بساطة العراب، لكنه كان عالي الهامة، مشدود القامة تتأجج بين جوانحه عزة الإسلام، وتتوقد في فؤاده كبرياء الإيمان.. فما إن رآه كسرى مقبلا حتى أومأ إلى أحد رجاله بأن يأخذ الكتاب من يده فقال:
ل، إنما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدفعه لك يدا بيد وأنا لا أخالف أمرا لرسول الله.. فقال كسرى لرجاله: اتركوه يدنو مني، فدنا من كسرى حتى ناوله الكتاب بيده، ثم دعا كسرى كاتبا عربيا من أهل الحيرة وأمره أن يفض الكتاب بين يديه، وأن يقرأه عليه فإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى....."
فما أن سمع كسرى من الرسالة هذا المقدار حتى اشتعلت نار الغضب في صدره، فاحمر وجهه، وانتفخت أوداجه لأن الرسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بنفسه... فجذب الرسالة من يد كاتبه وجعل يمزقها دون أن يعلم ما فيها وهو يصيح: أيكتب لي بهذ، وهو عبدي؟!! ثم أمر بعبد الله بن حذافة أن يخرج من مجلسه فأخرج.
خرج عبد الله بن حذافة من مجلس كسرى وهو لا يدري ما يفعل الله له... أيقتل أم يترك حرا طليق؟ لكنه ما لبث أن قال: والله ما أبالي على أي حال أكون بعد أن أديت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب راحلته وانطلق. ولما سكت عن كسرى الغضب، أمر بأن يدخل عليه عبد الله فلم يوجد.
فلما قدم عبد الله على النبي الله صلى الله عليه وسلم أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه الكتاب، فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن قال: "مزق الله ملكه"...

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:

يروي عمرو بن الحكم بن ثوبان،عن(أبي سعيد الخدري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز قال أبو سعيد الخدري: وأنا فيهم - حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فيه دعابة فلما كان ببعض الطريق أوقد نار، ثم قال للقوم أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالو: بلى ; قال أفما أنا آمركم بشيء إلا فعلتموه؟ قالو: نعم قال فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار قال فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيه، فقال لهم اجلسو، فإنما كنت أضحك معكم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدموا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمركم بمعصية منهم فلا تطيعوه).

ومما روى عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:

حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عبد الله يعني ابن أبي بكر وسالم أبي النضر عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب..

الوفاة:

مات ابن حذافة في خلافة عثمان رضي الله عنهم.

المراجع....................................

الإصابة في تمييز الصحابة - الاستيعاب - صحيح البخاري

.................................................. ..........................اللهم غفرانك وارتجي ثوابك

فكر وسطي
18-06-2010, 04:49 AM
مازلنا ننتظر الشريف النائف ....................


...................الصحابي رقم (79).........................

جرير بن عبد الله بن جابر البجلي

مقدمة.......................

هو جرير بن عبد الله بن جابر البجلي سيد قبيلة بجيلة، وكنيته أبو عمرو.

إسلامه:

عن جرير بن عبد الله البجلي قال: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي فحللت عيبتي ولبست حلتي وانتهيت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسلمت عليه وعلى المسلمين فقلت لجليسي هل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمري نعم ذكرك بأحسن الذكر فبينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته فقال يطلع عليكم من هذا الباب رجل من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك قال فحمدت الله على ما أبلاني.

وقد قدم جرير بن عبد الله رضي الله عنه سنة عشر المدينة ومعه من قومه مائة وخمسون رجلا فأسلموا وبايعوا قال جرير: فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعني وقال على أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتنصح المسلم وتطيع الوالي وإن كان عبدا حبشيا فقال نعم فبايعه...

قال أبو عمر: رحمه الله كان إسلامه في العام الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال جرير أسلمت قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين يوما.


أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
عن جرير بن عبد الله قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري.

عن زياد بن علاقة قال شهدت جرير بن عبد الله البجلي لما هلك المغيرة بن شعبة فسمعت جريرا يخطب فقال: اشفعوا لأميركم فإنه كان يحب العافية واسمعوا وأطيعوا حتى يأتيكم أميرا ما بعد فإني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام واشترط علي النصح لكل مسلم ورب هذا المسجد إني لكم ناصح.

من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

في البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.

وروى مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله البجلي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة" - وكان بيتا يعبد في الجاهلية يقال له الكعبة اليمانية - قال فنفرت في خمسين ومائة فارس وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب يده في صدري فقال: "اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا" قال فانطلق فحرقها بالنار ثم بعث جرير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يبشره يكنى أبا أرطاة منا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب فبرّك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.

وعن جرير بن عبد الله: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك.

عن جرير بن عبد الله البجلي انه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت مدحوس من الناس فقام بالباب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا فلم ير موضعا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رداءه فلفه ثم رمى به إليه فقال اجلس عليه فأخذه جرير فضمه وقبله ثم رده على النبي صلى الله عليه وسلم وقال أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.

في البخاري عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع استنصت الناس فقال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".



من مواقفه مع الصحابة
في البخاري بسنده عن جرير قال كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو فجعلت أحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ذو عمرو لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك لقد مر على أجله منذ ثلاث وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة فسألناهم فقالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر والناس صالحون فقالا أخبر صاحبك أنا قد جئنا ولعلنا سنعود إن شاء الله ورجعا إلى اليمن فأخبرت أبا بكر بحديثهم قال أفلا جئت بهم فلما كان بعد قال لي ذو عمرو يا جرير إن بك علي كرامة وإني مخبرك خبرا إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر فإذا كانت بالسيف كانوا ملوكا يغضبون غضب الملوك ويرضون رضا الملوك.

وقدم جرير بن عبد الله على عمر بن الخطاب من عند سعد بن أبي وقاص فقال له كيف تركت سعدا في ولايته فقال تركته أكرم الناس مقدرة وأحسنهم معذرة هو لهم كالأم البرة يجمع لهم كما تجمع الذرة مع أنه ميمون الأثر مرزوق الظفر أشد الناس عند البأس وأحب قريش إلى الناس.

قال فأخبرني عن حال الناس قال هم كسهام الجعبة منها القائم الرائش ومنها العضل الطائش وابن أبي وقاص ثقافها يغمز عضلها ويقيم ميلها والله أعلم بالسرائر يا عمر.

قال أخبرني عن إسلامهم قال يقيمون الصلاة لأوقاتها ويؤتون الطاعة لولاتها.

فقال عمر الحمد الله إذا كانت الصلاة أوتيت الزكاة، وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة...

أخرج الطبراني عن أبي البختري قال: جاء الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله البجلي إلى سلمان فقالا: جئناك من عند أخيك أبي الدرداء، قال: فأين هديته التي أرسلها معكما؟ فالا: ما أرسل معنا بهدية قال: اتقيا الله وأديا الأمانة ما جاءني أحد من عنده إلا جاء معه بهدية قالا: والله ما بعث معنا شيئا إلا أنه قال: أقرؤوه مني السلام قال: فأي هدية كنت أريد منكما غير هذه؟ وأي هدية أفضل من السلام تحية من عند الله مباركة طيبة.

وقدم جرير بن عبد الله البجلي على خالد بن الوليد وهو بالحيرة بعد الوقعات المتعددة والغنائم الكثيرة ولم يحضر شيئا منها وذلك لأنه كان قد بعثه الصديق مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام فاستأذن خالد بن سعيد في الرجوع إلى الصديق ليجمع له قومه من بجيلة فيكونوا معه فلما قدم على الصديق فسأله ذلك غضب الصديق وقال أتيتني لتشغلني عما هو أرضى لله من الذي تدعوني إليه ثم سيره الصديق إلى خالد بن الوليد بالعراق...

وشهد الأشعث جنازة وفيها جرير بن عبد الله البجلي فقدم الأشعث جريرًا وقال: إن هذا لم يرتد عن الإسلام وإني ارتددت...

ويحسن التصرف رضي الله عنه:

عن عمر رضي الله عنه أنه صلى صلاة الصبح فسمع صوت حدث ممن خلفه فقال: عزمت على من أحدث أن يتوضأ و يعيد صلاته فلم يقم أحد فقال جرير بن عبد الله البجلي: يا أمير المؤمنين أرأيت لو توضأنا جميعا و أعدنا الصلاة فاستحسن ذلك عمر رضي الله عنه وقال له: كنت سيدا في الجاهلية فقيها في الإسلام فقاموا و أعادوا الوضوء و الصلاة.

وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر فكان يخدمني فقلت له لا تفعل فقال إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا آليت أن لا أصحب أحدا منهم إلا خدمته... وكان جرير أكبر من أنس.


من ملامح شخصيته
ثباته على عقيدته:

لقد ثبت جرير على عقيدته بالرغم من ارتداد معظم قومه بجيلة فكان ثباته ذا أثر كبير على إعادة بجيلة للإسلام ومن العوامل المهمة لانتصار المسلمين الحاسم على المرتدين من أهل اليمن.

جهاده وشجاعته:

بعث سعد بن أبي وقاص جريرًا بن عبد الله البجلي إلى حلوان فافتتحها عنوة، وشهد مع المسلمين يوم المدائن وله فيه أخبار مأثورة وشهد غيره من فتوحات العراق والعجم وكان على الميمنة يوم القادسية...

تجرده وإخلاصه:

قال ابن سعد: قال يزيد بن جرير عن أبيه أن عمر قال له والناس يتحامون العراق وقتال الأعاجم: "سر بقومك فما غلبت عليه فلك ربعه" فلما جمعت الغنائم غنائم جلولاء ادعى جرير أن له ربع ذلك كله، فكتب سعد الى عمربن الخطاب رضي الله عنه بذلك، فكتب عمر: صدق جرير قد قلت ذلك له، قال فإن شاء أن يكون قاتل على جعل فأعطوه جعله وان يكن إنما قاتل لله ولدينه وجنته، فهو رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فلماقدم الكتاب على سعد أخبر جريرًا بذلك قال جرير: صدق أمير المؤمنين، لا حاجة لي بذلك، أنا رجل من المسلمين.

صبره عند البلاء:

قاتل أهل همذان غند فتحها وأصيبت عينه بسهم فقال أحتسبها عند الله الذي زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله.

علمه:

كان رضي الله عنه ذكيا محدثا عالما بأمور دينه، روى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم،كما عده العلماء من أهل الفتيا البارزين...


أثره في الآخرين
وبعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع الحميري وذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام فأسلما وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرير عندهم...

بعض الأحاديث التي رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

روى البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة يعني البدر فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب قال إسماعيل افعلوا لا تفوتنكم.

وروى البخاري أيضًا بسنده عن زيد بن وهب قال سمعت جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لا يرحم لا يرحم"

وفي سنن أبي داود عن جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يحرم الرفق يحرم الخير كله".

من كلماته:

"الخرس خير من الخلابة، والبكم خير من البذاء"

ما قيل عنه:

قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل وافدا عليه: " يطلع عليكم خير ذي يمن كان على وجهه مسحة ملك"

وفيه قال الشاعر:

لولا جرير هلكت بجيلة... نعم الفتى وبئست القبيلة

فقال عمر بن الخطاب ما مدحه من هجى قومه وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: جرير بن عبد الله بن يوسف هذه الأمة يعني في حسنه.

وفاته:

مات رضي الله عنه وأرضاه بقرقيسيا بين الحيرة والشام سنة إحدى وخمسين من الهجرة.

من مراجع البحث:

الاستيعاب................................. ابن عبد البر

الطبقات الكبرى.......................... ابن سعد

أسد الغابة................................ ابن حجر

البداية والنهاية............................ ابن كثير

الثقات...................................... ابن حبان

الوافي في الوفيات....................... الصفدي

صفة الصفوة.............................. ابن الجوزي

الدر المنثور................................. السيوطي

فرسان النهار من الصحابة الأخيار....... د. سيد بن حسين العفاني

فكر وسطي
24-06-2010, 03:25 AM
الصحابي رقم (80)..........................................

...................المهاجر بن أمية.........................



هو المهاجر بن أمية بن المغيرة القرشي المخزومي أخو أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) لأبيها وأمها وكان اسمه الوليد فكره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اسمه وقال لأم سلمة: "هو المهاجر". (1)

وشهد بدرا مع المشركين وقتل أخواه يومئذ هشام ومسعود وكان اسمه الوليد.(2)


وأخبار المهاجر في المصادر المعتمدة قليلة جدا فلا نعرف عن أيامه الأولى قبل إسلامه شيئا كما لا نعرف متى أسلم بالضبط.

أثر الرسول في تربيته:

تخلف عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم) بتبوك فرجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عاتب عليه فشفعت فيه أخته أم سلمة فقبل شفاعتها فأحضرته فاعتذر إلى النبي فرضي عنه

ويبدو أنه كان لهذا العتاب - بالرغم من عفو النبي السريع- أثره فلم تذكر المراجع أن المهاجر تأخر عن رسول الله أو عن خليفته أبو بكر (رضي الله عنه) بعد ذلك بالرغم من صعوبة ما كلف به(سفارته لليمن على عهد رسول الله - حروب الردة في خلافة أبى بكر).

أهم ملامح شخصيته:

1- الشجاعة والكفاءة القتالية (فقد اختاره أبو بكر ليكون من قادة الجيوش في حروب الردة وكان على يديه الانتصار في معركة النجير.

2- الأمانة فقد استعمله رسول الله على صدقات كندة والصدف.

3- كان على جانب عظيم من الفصاحة وحسن الخلق وخير دليل على ذلك اختيار النبي له ليكون سفيرا من سفرائه.

وله مواقف مع النبي ( صلي الله عليه وسلم ) منها تغيير الرسول (صلي الله عليه وسلم ) اسمه من الوليد إلي المهاجر.

فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وعندها رجل فقال من هذا قالت أخي الوليد قدم مهاجرا فقال هذا المهاجر فقالت يا رسول الله هو الوليد فأعاد فأعادت فقال انكم تريدون أن تتخذوا الوليد حنانا انه يكون في أمتي فرعون يقال له الوليد.(3)

وفاته:

أما عن وفاته فإننا لا نعلم سنة وفاته فلم تذكرها المراجع وقد ورد ذكره في عمال أبى بكر ولم يرد ذكره بعد ذلك.(4)


المصادر:


1- الاستيعاب [ جزء 1 - صفحة 456 ]

2- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 6 - صفحة 228 ]

3- الإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 6 - صفحة 613 ]

4- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1050 ]

فكر وسطي
30-06-2010, 05:17 AM
.......................الصحابي رقم (81)......................


المنذر بن ساوى



هو المنذر بن ساوى بن عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمى صاحب البحرين وينسب المنذر بن ساوى إلى الأسبذ قرية بهجر فيقال المنذر بن ساوى السبذى.(1)

أما عن جاهليته ( رضي الله عنه ) فقد كان المنذر بن ساوى نصرانيا إذ كان كان قومه من عبد شمس نصارى وتعتبر أخبار بن ساوى قبل إسلامه قليلة للغاية ويبدأ ذكره فى المصادر با ستقباله علاء الحضرمى يحمل رسالة النبى( صلى الله عليه وسلم). (2)

إسلامه:

بعث رسول الله( صلى الله عليه وسلم) العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى و كتب إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام فكتب المنذر إلى رسول الله (صلى الله عليه و سلم): أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام و أعجبه و دخل فيه و منهم من كرهه و بأرضي مجوس و يهود فأحدث إلي في ذلك أمرك فكتب إليه رسول الله (صلى الله عليه و سلم):

[ بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو و أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد عبده و رسوله أما بعد: فإني أذكرك الله عز و جل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه و إنه من يطع رسلي و يتبع أمرهم فقد أطاعني و من نصح لهم فقد نصح لي و إن رسلي قد أثنوا عليك خيرا و إني قد شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه و عفوت على أهل الذنوب فاقبل منهم و إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك و من أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية ](3)

أما عن مواقفه مع الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) فإنه لم يقابل المنذر رسول الله ولم يكن فى الوفد الذى حضر من البحرين لمقابلة رسول الله وإنما كتب إليه معهم بإسلامه.

ولكن كان بينهما خطابات يسأل فيها المنذر ويستشير رسول الله فى بعض الأمور منها معاملته لليهود والمجوس الذين لم يسلموا بأرض البحرين.


من مواقفه مع الصحابة

وعن مواقفه مع الصحابة فقد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص فقال له يا عمرو هل كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يجعل للمريض شيئا من ماله قال نعم الثلث قال ماذا أصنع به قال إن شئت تصدقت به على أقربائك وإن شئت على المحاويج وإن شئت جعلته صدقة من بعدك حبسا محرما فقال إني أكره ان أجعله كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام ولكني أتصدق به ففعل ومات فكان عمرو بن العاص يتعجب منه.

ومن الأحاديث التي رواها عن النبي (صلي الله عليه وسلم ) "عن زيد بن أسلم عن المنذر بن ساوى أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كتب إليه أن افرض على كل رجل ليس له أرض أربعة دراهم وعباءة".(4)


الوفاة:

توفي النبي (صلى الله عليه وسلم) والمنذر بن ساوى في سنة احدي عشرة من الهجرة، فقد اشتكيا في شهر واحد ثم مات المنذر بعد النبي( صلى الله عليه وسلم) بقليل.(5)

المصادر:

1- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1050 ]

2 - جمهرة انساب العرب (232)

3- البداية والنهاية [ جزء 6 - صفحة 327 ]

4- عيون الأثر [ جزء 2 - صفحة 352 ]

5- تاريخ الطبري [ جزء 2 - صفحة 285 ]

فكر وسطي
07-07-2010, 01:25 AM
..........................الصحابي رقم _ 82_.............................

أبو الهيثم بن التيهان

هو أبو الهيثم مالك بن التيهان بن مالك بن عتيك بن عمرو الأوسي الأنصاري.

وقيل هو أول صحابي ضرب على يد الرسول في بيعة العقبة الثانية، وقال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده وبنو عبد الأشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان.

إسلامه:

قال محمد بن عمر وكان أبو الهيثم يكره الأصنام في الجاهلية ويؤفف بها ويقول بالتوحيد هو وأسعد بن زرارة وكانا من أول من أسلم من الأنصار بمكة ويجعل في الثمانية النفر الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من الأنصار فأسلموا قبل قومهم ويجعل أبو الهيثم أيضا في الستة النفر الذين يروى أنهم أول من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار بمكة فأسلموا قبل قومهم وقدموا المدينة بذلك وأفشوا بها الإسلام.

قال محمد بن عمر وأمر الستة أثبت الأقاويل عندنا إنهم أول من لقي رسول الله عليه السلام من الأنصار فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا وقد شهد أبو الهيثم العقبة مع السبعين من الأنصار وهو أحد النقباء لاثني عشر أجمعوا على ذلك كلهم وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي الهيثم بن التيهان وعثمان بن مظعون وشهد أبو الهيثم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل إن أول من أسلم من الأنصار أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس خرجا إلى مكة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فقال لهما قد شغلنا هذا المصلي عن كل شيء يزعم أنه رسول الله قال وكان أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان يتكلمان بالتوحيد بيثرب فقال ذكوان بن عبد قيس لأسعد بن زرارة حين سمع كلام عتبة دونك هذا دينك فقاما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فأسلما ثم رجعا إلى المدينة فلقي أسعد أبا الهيثم بن التيهان فأخبره بإسلامه وذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دعا إليه فقال أبو الهيثم فأنا أشهد معك أنه رسول الله وأسلم.

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بأخذ العهد على الأنصار في بيعة العقبة قام فتكلم وتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال نعم والذي بعثك بالحق (نبيا) لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا ( عن كابر) قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان، فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبال، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعن؟ قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم

قال ابن هشام: وقال الهدم الهدم: ( يعني الحرمة) أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم؟.

ومن مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم ما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه فيقول: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله! قال: أما والذي نفسي بيده أخرجني الذي أخرجكما! قوموا فقاموا معه، فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه ثم قال: الحمد لله! ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني! قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إياك والحلوب! فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا وروا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة! أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم.

الرجل المكرم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه -رضي الله عنهما-: أبو الهيثم مالك بن التيهان.

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:

وعن محمد بن يحيى بن حبان أن أبا الهيثم بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خارصا، ثم بعثه أبو بكر فأبى، وقال: إني كنت إذا خرصت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجعت، دعا لي فتركه بعض الأحاديث التي رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

عن أبي الهيثم بن التيهان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المستشار مؤتمن)

الوفاة:

نقل أبو عمر عن الأصمعي، قال: سألت قوم أبي الهيثم، فقالوا: مات في حياة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ قال: وهذا لم يتابع عليه قائله. وعن صالح بن كيسان قال توفي أبو الهيثم في خلافة عمر.وقال غيره توفي سنة عشرين. قال الواقدي هذا أثبت عندنا ممن روى أنه قتل بصفين مع علي.
وقيل: إنه توفى سنة إحدى وعشرين.

وقيل: شهد صفين مع علي، وهو الأكثر. وقال بذلك ابن الأثير.

وقيل: إنه قتل بها، وهذا ساقه أبو بشر الدولابي، من طريق صالح بن الوجيه، وقال: ممن قتل بصفين أبو الهيثم بن التيهان، وعبد الرحمن بن بديل، وآخرون.

المراجع

الإصابة في تمييز الصحابة

الطبقات الكبرى

المعجم الكبير

سير أعلام النبلاء

فكر وسطي
11-07-2010, 03:32 AM
.....................الصحابي رقم (83)............................


العباس بن عبادة

هو العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري المهاجري الخزرجي .

إسلامه

كان ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وشهد معه العقبتين وقيل بل كان في النفر الستة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأسلموا قبل سائر الأنصار.

أثر الرسول في تربيته:

ويتضح ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين قال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت ( لنميلن ) غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم...

من ملامح شخصيته

فهمه للإسلام ووضوح رؤيته

قال العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري أخو بني سالم بن عوف يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟

قالوا: نعم

قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الاموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة

قال عاصم: فوالله ما قال العباس هذه المقالة إلا ليشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بها العقد...

وقال عبد الله بن أبي بكر: ما قالها إلا ليؤخر بها أمر القوم تلك الليلة ليشهد عبد الله بن أبي أمرهم فيكون أقوى لهم...

قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال: "الجنة" قالوا: ابسط يدك فبسط يده فبايعوه.....

مواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم

قال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت ( لنميلن ) غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم...

خرج العباس بن عبادة بن نضلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وقام معه حتى هاجر إلى المدينة فكان أنصاريا مهاجريا

وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عثمان بن مظعون رضي الله عنهما

وفاته

لم يشهد بدرًا، وقتل يوم أحد شهيدًا ( 3 هـ )....

من مراجع البحث..........

الإصابة في تمييز الصحابة........... ابن حجر العسقلاني

الوافي في الوفيات.................. الصفدي

البداية والنهاية..................... ابن كثير

أسد الغابة في معرفة الصحابة....... ابن الأثير

فكر وسطي
17-07-2010, 01:22 AM
..........................الصحابي رقم (84)...............................

.................النعمان بن المقرن..................


هو النعمان بن عمرو بن مقرن بن عائذ بن مزينة.

قصة إسلامه:

كان يوم إسلامه يوما مشهودا إذ أسلم معه عشرة أخوة له ومعهم أربعمائة فارس بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال فيهم (ان للإيمان بيوتا و للنفاق بيوتا وان بيـت بني مقرن من بيوت الايمان)بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

ولقد شهد النعمان الغزوات كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان له ولقبيلته دور بارز في محاربة المرتدين

وأخرج ابن شاهين من طريق يحيى بن عطية، عن أبيه، عن عمرو بن النعمان بن مقرن قال: قدم رجال من مزينة فاعتلوا على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنهم لا أموال لهم يتصدقون منها، وقدم النعمان بن مقرن بغنم يسوقها إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فنزلت فيه: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ الآية

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:

وكان النعمان بطل معركة نهاوند يوم أن ندبه أمير المؤمنين عمر لهذه المهمة الجليلة اذ كتب اليه قائل: (فانه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فاذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم ولا تمنعهم حقا فتكفرهم ولا تدخلهم غيضة فان رجلا من المسلمين أحب الي من مئة ألف دينار والسلام عليكم) فسار النعمان بالجيش والتقى الجمعان، ودارت المعركة حتى ألجـأ المسلمون الفـرس الى التحصـن فحاصروهم وطال الحصـار عدة أسابيع وفكر المسلمون في طريقة يستخرجون فيها الفرس من حصونهم لمناجزتهم، فبعثوا عليهم خيـلا تقاتلهم بقيـادة القعقاع حتى اذا خرجـوا من خنادقهم تراجـع القعقاع فطمعوا وظنوا أن المسلمين قد هزمو، وكان النعمان قد أمـر جيش المسلمين ألا يقاتلوا حتى يأذن لهم وخاطبهم قائل: (اني مكبر ثلاثا فاذا كبرت الثالثة فاني حامل فاحملو، وان قتلت فالأمر بعدي لحذيفة فان قتل ففلان ) حتى عد سبعة آخرهم المغيرة، ثم دعا ربه قائلا: (اللهم أعزز دينك وانصر عبادك واجعل النعمان أول شهيد اليوم، اللهم اني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الاسلام واقبضني شهيدا ) فبكى الناس من شدة التأثر ودارت المعركة على مشارف نهاوند، وقاد النعمان المعركة بشجاعة نادرة وظفر بالشهادة التي كان يتمناه، وتحقق الفتح العظيم الذي طلبه من الله، فأخذ أخوه نعيم بن مقرن الراية وسلمها لحذيفة، فكتم أمر استشهاده حتى تنتهي المعركة وذهب البشير يخبر أمير المؤمنين عمر و يقول له: ( فتح الله عليك، وأعظم الفتح، واستشهد الأمير ) فقال عمر: ( انا لله وانا اليه راجعون ) واعتلى المنبر ونعى الى المسلمين النعمان بن المقرن أمير نهاوند وشهيدها وبكى وبكى حتى علا صوته بالبكاء رضي الله عن النعمان القائد المنتصر شهيد معركة فتح الفتوح

بعض الأحاديث التي نقلها عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

عن النعمان بن عمرو بن مقرن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.

وعن معقل بن يسار، عن النعمان بن مقرن أنه قال: شهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يقاتل أول النهار، انتظر حتى تزول الشمس صححه الترمذي.

وعن أبي خالد الوالبي عن النعمان بن مقرن قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب رجل رجلا عنده قال فجعل الرجل المسبوب يقول عليك السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ملكا بينكما يذب عنك كلما يشتمك هذا قال له بل أنت وأنت أحق به وإذا قال له عليك السلام قال لا بل لك أنت أحق به..

وعن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع مائة من مزينة فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره فقال بعض القوم يا رسول الله ما لنا طعام نتزوده فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر زودهم فقال ما عندي إلا فاضلة من تمر وما أراها تغني عنهم شيئا فقال انطلق فزودهم فانطلق بنا إلى علية له فإذا فيها تمر مثل البكر الأورق فقال خذوا فأخذ القوم حاجتهم قال وكنت أنا في آخر القوم قال فالتفت وما أفقد موضع تمرة وقد احتمل منه أربع مائة رجل..

موقف الوفاة:

عن معقل بن يسار: أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان فقال: أصبهان: الرأس، وفارس وأذربيجان: الجناحان، فإذا قطعت جناحا فاء الرأس وجناح، وإن قطعت الرأس، وقع الجناحان. فقال عمر للنعمان بن مقرن: إني مستعملك، فقال: أما جابيا، فلا، وأما غازيا، فنعم، قال: فإنك غازٍ. فسرحه، وبعث إلى أهل الكوفة ليمدوه وفيهم حذيفة والزبير والمغيرة، والأشعث، وعمرو بن معدي كرب. فذكر الحديث بطوله. وهو في " مستدرك الحاكم " وفيه: فقال: اللهم ارزق النعمان الشهادة بنصر المسلمين، وافتح عليهم. فأمنوا، وهز لواءه ثلاث. ثم حمل، فكان أول صريع رضي الله عنه. ووقع ذو الحاجبين من بغلته الشهباء، فانشق بطنه، وفتح الله، ثم أتيت النعمان وبه رمق، فأتيته بماء، فصببت على وجهه أغسل التراب، فقال: من ذ؟ قلت: معقل قال ما فعل الناس؟ قلت: فتح الله. فقال: الحمد لله. اكتبوا إلى عمر بذلك، وفاضت نفسه رضي الله عنه.

نبض الحياة
23-07-2010, 05:16 AM
جزاك الله خيرا...

فكر وسطي
30-07-2010, 02:36 AM
......................الصحابي رقم (85)...........................


.............الـعـلاء بن الحضرمي................


هو العلاء بن عبد الله الحضرمي، كان أبوه قد سكن مكة، وحالف "حرب بن أمية " والد أبي سفيان، كان للعلاء عدة أخوة منهم "عمرو" الذي كان مشركًا وقتل في بدر، وبسببه كانت الغزوة..

أسلم " العلاء" مبكرًا، وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثه رسول الله إلى أهل عمان ليعلمهم شرائع الإسلام ويصدق أموالهم، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم البحرين، وثبته عليها أبا بكر، ويقال أن عمر ولاه البصرة فتوفي قبل أن يصل إليها.

كان أول من غزا بلاد فارس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عام 17 هـ، خرج بجيوشه بحرًا وخرجوا بـ"اصطخر"، فقاتلهم قتالاً عنيفًا، وانجلى القتال عن هزيمة أهل اصطخر.

من كراماته رضي الله عنه:

كان " العلاء" من سادات الصحابة العلماء العباد، وكان مجاب الدعوة، فمن ذلك ما ذكره المزي ـ صاحب تهذيب الكمال ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم " العلاء بن الحضرمي " إلى البحرين، تبعته فرأيت منه عجبًا: انتهينا إلى شاطئ البحر فقال سموا الله وانقحموا فسمينا وانقحمنا فعبرنا فما بل الماء إلا أسافل خفاف إبلنا فلما قفلنا صرنا معه بفلاة من الأرض وليس معنا ماء فشكونا إليه فصلى ركعتين ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عزاليها فسقينا واستقينا ومات فدفناه في الرمل فلما سرنا غير بعيد قلنا يجيء سبع فيأكله فرجعنا فلم نره.

ومن كراماته رضي الله عنه موقف وفاته:

فقد جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي قال أنس وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء والحر شديد فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء وما نرى في السماء شيئا قال فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجها في البحر إلى جزيرة فوقف على الخليج وقال يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم ثم قال أجيزوا بسم الله قال فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا قال فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمي في جنازته قال فحفرنا له وغسلناه ودفناه فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال من هذا فقلنا هذا خير البشر هذا ابن الحضرمي فقال إن هذه الأرض تلفظ الموتى فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين إلى أرض تقبل الموتى فقلنا ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله قال فاجتمعنا على نبشه فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه وإذا اللحد مد البصر نور يتلألأ قال فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا قال البيهقي رحمه الله وقد روي عن أبي هريرة في قصة العلاء بن الحضرمي في استسقائه ومشيهم على الماء دون قصة الموت بنحو من هذا وذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسنادا آخر وقد اسنده ابن أبي الدنيا عن أبي كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجلي عن عبد الملك بن سهم عن سهم بن منجاب قال غزونا مع العلاء بن الحضرمي فذكره وقال في الدعاء يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك اسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ فاذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا وقال في البحر اجعل لنا سبيلا إلى عدوك وقال في الموت اخف جثتي ولا تطلع على عورتي أحدا فلم يقدر عليه والله أعلم.

أهم ملامح شخصيته:

من أوضح ملامح شخصيته الجانب القيادي حيث ولاّه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، وقاد الكثير من الجيوش وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعثه إلى قادة القبائل ليدعوهم إلى الإسلام

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي في رجب سنة تسع فأسلم المنذر ورجع العلاء فمر باليمامة فقال له ثمامة بن آثال أنت رسول محمد قال نعم قال لا تصل إليه أبدا فقال له عمه عامر مالك وللرجل قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اهد عامرا وأمكني من ثمامة فأسلم عامر وأسر ثمامة...

من مواقفه مع الصحابة:

أجمع أبو بكر بعثة العلاء بن الحضرمي فدعاه فقال إني وجدتك من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ولي فرأيت أن أوليك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاك فعليك بتقوى الله فخرج العلاء بن الحضرمي من المدينة في ستة عشر راكبا معه فرات بن حيان العجلي دليلا وكتب أبو بكر كتابا للعلاء بن الحضرمي أن ينفر معه كل من مر به من المسلمين الى عدوهم فسار العلاء فيمن تبعه منهم حتى نزل بحصن جواثا فقاتلهم فلم يفلت منهم أحد ثم أتى القطيف وبها جمع من العجم فقاتلهم فأصاب منهم طرفا وانهزموا فانضمت الأعاجم الى الزارة فأتاهم العلاء فنزل الخط على ساحل البحر فقاتلهم وحاصرهم الى أن توفي أبو بكر رحمه الله وولي عمر بن الخطاب وطلب أهل الزارة الصلح فصالحهم العلاء ثم عبر العلاء الى أهل دارين فقاتهلم فقتل المقاتلة وحوى الذراري وبعث العلاء عرفجة بن هرثمة الى أسياف فارس فقطع في السفن فكان أول من فتح جزيرة بأرض فارس واتخذ فيها مسجدا

وعن أبي هريرة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلاء بن الحضرمي فأوصاه بي خيرا فلما فصلنا قال لي: رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوصاني بك خيرا فانظر ماذا تحب؟ قال: قلت: تجعلني أؤذن لك ولا تسبقني بآمين.

تلاميذه

ابن العلاء بن الحضرمي، وهو من الطبقة الوسطى من التابعين.

حيان ولقبه: الأعرج وهو بصري، وهو من كبار الأتباع.

السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة ولقبه: ابن أخت نمر وهو كندي، وهو من الصحابة.

مما روى عن رسول الله: أنه قال ( يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا ) صحيح على شرط الشيخين


وفاته:

توفي سنة أربع عشرة ومنهم من يقول: إنه تأخر إلى سنة إحدى وعشرين... بنياس من أرض بني تميم.

ريم الشاطي
31-07-2010, 01:09 AM
راي سديد ان شاء الله نشارك بهذه المواضيع

ا.حنان
07-08-2010, 01:17 AM
جُوزيتُم فِردوساً .. يَارَب ..

لَم نَرَى أهم الخُلفَاء الرَّاشِدين ...؟!

فكر وسطي
08-08-2010, 02:45 AM
.........................الصحابي رقم(86).................................


.....................أبو الدحداح الأنصاري.................


هو أبو الدحداح، وقيل: أبو الدحداحة بن الدحداحة الأنصاري مذكور في الصحابة.

قال أبو عمر: لا أقف على اسمه ولا نسبه أكثر من أنه من الأنصار حليف لهم.

وقيل ثابت بن الدحداح؛ هو أبو الدحداح الأنصاري.

بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

عن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت هذه الآية من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له قال أبو الدحداح الأنصاري وان الله ليريد منا القرض قال نعم يا أبا الدحداح قال أرني يدك يا رسول قال فناوله رسول الله يده قال فاني قد أقرضت ربي حائطي قال وحائطه له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها قال فجاء أبو الدحداح فنادى يا ام الدحداح قالت لبيك قال اخرجي من الحائط فقد أقرضته ربي عز وجل.
وفي رواية أخرى أنها لما سمعته يقول ذلك عمدت إلى صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم فقال النبي. صلى الله عليه وسلم كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح.
وعن أنس أن رجلا أتي النبي. صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول إن لفلان نخلة وان قوام حائطي بها فأمره أن يعطيني إياها حتى أقيم بها حائطي فقال النبي. صلى الله عليه وسلم أعطها إياه بنخلة في الجنة فأبى فأتي أبو الدحداح الرجل فقال بعني نختلك بحائطي ففعل فأتي أبو الدحداح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني ابتعت النخلة بحائطي.فاجعلها له فقد أعطيتكها فقال النبي. صلى الله عليه وسلم كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة قالها مرارا فأتي أبو الدحداح امرأته فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فقد بعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع، ربح البيع، أو كلمة تشبهها.

من كلماته

روى الواقدي عن عبد الله بن عامر قال قال ثابت بن الدحداح يوم أحد والمسلمون أوزاع يا معشر الأنصار إلي إلي إن كان محمد قد قتل فان اله حي لا يموت فقاتلوا عن دينكم فنهض إليه نفر من الأنصار فجعل يحمل بمن معه وقد وقفت له كتيبة خشناء فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فأنفذه فوقع ميتا وقتل من كان معه.

الوفاة:

شهد أحداً وقتل بها شهيداً طعنه خالد بن الوليد برمح فأنفذه وقيل إنه مات على فراشه مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية. ولما توفي رضي الله عنه دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدي فقال: هل كان له فيكم نسب؟ قال: لا فأعطى ميراثه ابن أخته أبا لبابة بن المنذر

ـ وروى من طريق عقيل، عن ابن شهاب مرسلا بمعناه، وقد تقدم في ترجمة ثابت بن الدحداح أنه يكنى أبا الدحداح وأنه مات في حياة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فبنى أبو عمر على أنه هذا، والحق أنه غيره.

ـ وهذا ينبغي أن يكون لثابت، فقد تقدم في ترجمته أنه جرح بأحد فقيل: مات بها وقيل: عاش ثم انتقضت فمات بعد ذلك بمدة، وهو الراجح..

فكر وسطي
13-08-2010, 05:26 AM
.......................الصحابي رقم (87).......................


>>>>>>>>>>أبو عبيدة>>>>>>>>>>>>>>>>>


>>>>>>>>>>>>>>>>>>>مقدمة
هو عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري، أبو عبيدة، مشهور بكنيته وبالنسبة إلى جده، ومنهم من لم يذكر بين عامر والجراح (عبد الله)، وبذلك جزم مصعب الزبيري في نسب قريش، والأكثر على إثباته، وأمه: أميمة بنت غنم.

ولد سنة 40 قبل الهجرة، 584 ميلادية...

وكان رجلاً نحيفاً معروق الوجه خفيف اللحية طوالاً، أجنأ - في كاهله انْحِناء على صدره - أثرم - أي أنه قد كسرت بعض ثنيته...

......................قصة إسلامه:

هو أحد العشرة السابقين إلى الإسلام.

فعن يزيد بن رومان قال: انطلق ابن مظعون وعبيدة بن الحارث وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه فأسلموا في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم...قال الزبير بن بكار وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة، ولم يطل بها اللبث.

كان أبوعبيدة من السابقين الأولين إلى الإسلام، فقد أسلم في اليوم التالي لإسلام أبي بكر،وكان إسلامه على يدي الصديق نفسه، فمضى به وبعبد الرحمن بن عوف وبعثمان بن مظعون وبالأرقم بن أبي الأرقم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعلنوا بين يديه كلمة الحق، فكانوا القواعد الأولى التي أقيم عليها صرح الإسلام العظيم...

.............عمره عند الإسلام:

أسلم رضي الله عنه وأرضاه في بداية الدعوة أي قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة، وعلى وجه التحديد يكون في السابعة والعشرين من عمره تقريباً، حيث إن مولده كان سنة أربعين قبل الهجرة، الموافق 584 ميلادية.


......................أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته:

في مسند أحمد وعند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة"

كيف تكون حياة إنسانٍ بُشّر هذه البُشرى، وكيف يكون تعامله مع الناس أجمعين، كيف تكون عبادته وأخلاقه، وأي تربية هذه التي ينتهجها النبي صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه رضي الله عنهم جميعًا...

وهذه بعض المواقف التي تدل على مدى تأثره بتربية النبي صلى الله عليه وسلم له:

في السنة الثامنة للهجرة وجه الرسول صلى الله عليه وسلم بقيادة "عمرو بن العاص" إلى أرض (بلى) و (عذرة) في غزوة ذات السلاسل، ووجد عمرو بن العاص أن قوة أعدائه كبيرة فأرسل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يستمده، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس من المهاجرين الأولين، فانتدب أبو بكر وعمر في آخرين فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح مدداً لعمرو بن العاص.

فلما قدموا عليه قال: أنا أميركم، فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال: إنما أنتم مددي، فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان حسن الخلق متبعاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فقال:

"تعلم يا عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: إن قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنك إن عصيتني أطعتك. قال: فأنا أمير عليك وإنما أنت مدد لي، قال: فدونك، فصلى عمرو بالناس.

جاء وفد نجران إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا له: ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين.

فكان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجر، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم ثم نظر يمينه ويساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يتلمس ببصره حتى رأى أبا عبييدة بن الجراح فدعاه فقال: "اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه، قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة.الصحابة...

في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل أمة أمينا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح"

وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أميناً، عاش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أميناً، يحمل مسئولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعاً.

وروى الترمذي بسنده وقال حديث حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح نعم الرجل أسيد بن حضير نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس نعم الرجل معاذ بن جبل نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح"

وعن عبد الله بن شقيق قال قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله قالت أبو بكر قلت ثم من قالت عمر قلت ثم من قالت ثم أبو عبيدة بن الجراح قلت ثم من قال فسكتت قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح...

ومن أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته هذا الموقف البارع، فعن عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجرَّاح قصده أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية: "لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون"...

قال ابن كثير: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر.

وما كان لأبي عبيدة أن يعزم هذه العزمة إلا بروح من الله تنفض عن قلبه الطاهر السليم كل عرض من أعراض الدنيا الفانية، وتجرده من كل رابطة وآصرة إلا رابطة العقيدة..

هذه صورة أمين هذه الأمة، صورة وضيئة للذي فعل ما لم يفعله أي بشر، هذا مقام الأمين، هذا مقام عال رفيع.. انقطع عن كل شيء ووصل نفسه بالله فتقبله في كنفه،وكتب الإيمان في قلبه،وأفسح له في جنابه وأشعر برضاه فرضى.. رضيت نفسه بهذا القرب وأنست به واطمأنت إليه...


.......................................أهم ملامح شخصيته:
الأمانة والقيادة:

كان رضي الله عنه قويًا أمينًا، ومن أجل هذا الملمح الأساسي في شخصية أبي عبيدة رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يوليه الإمارة، ويبعثه مع الوفود يعلمهم ويقودهم، في صحيح مسلم عن جابر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش...

وروى البخاري بسنده عن حذيفة قال جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه قال فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا قالا إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا فقال لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أمين هذه الأمة"

وفي البخاري بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم وقال أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء قالوا أجل يا رسول الله قال فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم.

ولأنه الأمين كان رضي الله عنه لا ينسى أبدا معنى الوفاء فعن عبد الله بن وهب قال: كان نقش خاتم أبي عبيدة بن الجراح الوفاء عزيز...المستدرك للحاكم

الثبات في الميدان والدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

عن عائشة قالت سمعت أبا بكر يقول لما كان يوم أُحد ورُمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه حتى دخلت في وجنتيه حلقتان من المغفر فأقبلت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا فقلت اللهم اجعله طاعة حتى توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبو عبيدة بن الجراح قد بدرني فقال أسألك بالله يا أبا بكر إلا تركتني فأنزعه من وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر فتركته فأخذ أبو عبيدة بثنية إحدى حلقتي المغفر فنزعها وسقط على ظهره وسقطت ثنية أبي عبيدة ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية الأخرى فسقطت فكان أبو عبيدة في الناس أثرم.

الزهد:

عن هشام بن عروة قال: قدم عمر الشام فتلقاه أمراء الأجناد، فقال: أين أخي أبو عبيدة؟ فقالوا: يأتي الآن، فجاء على ناقة محظومة بحبل فسلم عليه وساءله حتى أتى إلى منزله، فلم يَرَ فيه شيئاً إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعاً؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن هذا يبلغنا المقيل.

وأرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف درهم وأربعمئة دينار وقال لرسوله: انظر ما يصنع؟ فقسمها أبو عبيدة، فلما أخبر عمر رسوله بما صنع أبو عبيدة بالمال قال:

"الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا".

مشاورة الجند:

كان رضي الله عنه من القادة الذين يستشيرون رجالهم في كل خطوة يخطونها، وعندما تحتشد الروم لاستعادة أرض الشام استشار أصحابه فأشار عليه الأكثرية بقبول الحصار في حمص، أما خالد فأشار عليه بالهجوم على جموع الروم،ولكن أبا عبيدة أخذ برأي الأكثرية...

يمتثل لما يعرف أنه يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن أسلم قال: لما كان يوم عام الرمادات واجديت الأرض كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه فذكر الحديث وقال فيه: ثم دعا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فخرج في ذلك، فلما رجع بعث إليه بألف دينار فقال أبو عبيدة: "إني لم أعمل لك يا بن الخطاب، إنما عملت لله!! ولست آخذ في ذلك شيئاً، فقال عمر: قد أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياء بعثنا لها فكرهنا ذلك، فأبى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقبلها أيها الرجل، فاستعن بها على دينك ودنياك، فقبلها أبو عبيدة...

وقَّاف عند حدود الله:

عن أنس بن مالك قال: كان أبو عبيدة بن الجراح و سهيل بن بيضاء و أبي بن كعب عند أبي طلحة و أنا أسقيهم من شراب حتى كاد يأخذ فيهم فمر بنا مار من المسلمين فنادى: ألا هل شعرتم أن الخمر قد حرمت قال: فوالله ما انتظروا أن أمروني: أن اكفأ ما في آنيتك ففعلت فما عادوا في شيء منها حتى لقوا الله وإنها البسر والتمر وإنها لخمرنا يومئذ.


بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

وكان رضي الله عنه ممن ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقد أسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزع الحلقتين من المغفر اللتين دخلتا في وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي جمعة حبيب بن سباع قال تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح قال: فقال: يا رسول الله هل أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك قال: "نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني".

سرية ذي القصة:

سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم: كانت في شهر الربيع الآخر سنة ست من مهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا: أحدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين، والمراض على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة وهو يرعى بهيفا ـ موضع على سبعة اميال من المدينة..

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلاً من المسلمين حين صلوا المغرب فمشوا إليهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصاب رجلاً واحداً فأسلم وتركه، فأخذ نعماً من نعمهم فاستاقه ورثة من متاعهم وقدم بذلك المدينة، فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم ما بقى عليهم...

بعض المواقف من حياته مع الصحابة:


......................مع أبي بكر رضي الله عنه:

في كنز العمال: بعث أبو بكر إلى أبي عبيدة هلم حتى أستخلفك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن لكل أمة أمينا وأنت أمين هذه الأمة فقال أبو عبيدة: ما كنت لأتقدم رجلا أمره رسول الله أن يؤمنا...

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة...

....................مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

كان عمر رضي الله عنه يقول: "لم أكن مغيرا أمرًا قضاه أبو عبيدة"

وفي البخاري بسنده عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشأم حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشأم قال ابن عباس فقال عمر ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشأم فاختلفوا فقال بعضهم قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال ارتفعوا عني ثم قال ادعوا لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه قال أبو عبيدة بن الجراح أفرارا من قدر الله فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله قال فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته فقال إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه قال فحمد الله عمر ثم انصرف.

وأول كتاب كتبه عمر حين ولى كان إلى أبي عبيدة يوليه على جند خالد حيث قال له: "أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وابلاني بك، فغمض بصرك عن الدنيا وألهِ قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم...

وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حُصر بالشام حصر بالشام وتألب عليه العدو، فكتب إليه عمر:

أما بعد فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة إلا جعل الله بعدها فرج، وإنه لا يغلب عسر يسرين، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"

قال فكتب إليه أبو عبيدة:

أما بعد، فإ، الله يقول: "اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ " قال: فخرج عمر بكتابه فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة، إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي...ارغبوا في الجهاد...

عن طارق بن شهاب قال لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع خفيه فأمسكها بيده وخاض الماء ومعه بعيره فقال له أبو عبيدة قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض صنعت كذا وكذا فصك عمر في صدره وقال أوه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبون العز بغيره يذلكم الله عز وجل.

وقال عمر إذ دخل عليه الشام وهو أميرها: كلنا غيرته الدنيا غيرك يا أبا عبيدة.

......................مع خالد بن الوليد:

لما عزل عمر خالدًا وولّى أبا عبيدة قام خالد وقال للناس: "بعث عليكم أمين هذه الأمة" وقال أبو عبيدة للناس عن خالد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة..."

..................مع عمرو بن العاص رضي الله عنه:

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص يستنفر الأعراب إلى الشام وذلك أن أم العاص بن وائل امرأة من بلي فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألفهم بذلك حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل وبذلك سمت تلك الغزاة ذات السلاسل فلما كان عليه خاف فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم: أبو بكر وعمر وقال لأبي عبيدة: " لا تختلفا ". فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مددا لي. فقال أبو عبيدة: لا ولكني أنا على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه - وكان أبو عبيدة رجلا سهلا لينا هينا عليه أمر الدنيا - فقال له عمرو: بل أنت مدد لي. فقال أبو عبيدة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي " لا تختلفا " وإنك إن عصيتني أطعتك. فقال له عمرو: فإني أمير عليك. قال: فدونك. فصلى عمرو بالناس.

..................أمير الأمراء في اليرموك:

روى الإمام أحمد بسنده عن عياض الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وابن حسنة وخالد بن الوليد وعياض وليس عياض هذا بالذي حدث سماكا قال وقال عمر رضي الله عنه إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة قال فكتبنا إليه إنه قد جاش إلينا الموت واستمددناه فكتب إلينا إنه قد جاءني كتابكم تستمدوني وإني أدلكم على من هو أعز نصرا وأحضر جندا الله عز وجل فاستنصروه فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم فإذا أتاكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني قال فقاتلناهم فهزمناهم وقتلناهم أربع فراسخ قال وأصبنا أموالا فتشاوروا فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل رأس عشرة قال وقال أبو عبيدة من يراهني فقال شاب أنا إن لم تغضب قال فسبقه فرأيت عقيصتي أبي عبيدة - العقيصة هي الشعر المضفور - تنقزان وهو خلفه على فرس عربي.

بعض المواقف من حياته مع التابعين:

روى الإمام أحمد بسنده عن عياض بن غطيف - وهو من كبار التابعين - قال دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده من شكوى أصابه وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه قلت كيف بات أبو عبيدة قالت والله لقد بات بأجر فقال أبو عبيدة ما بت بأجر وكان مقبلا بوجهه على الحائط فأقبل على القوم بوجهه فقال ألا تسألونني عما قلت قالوا ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبع مائة ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضا أو ماز أذى فالحسنة بعشر أمثالها والصوم جنة ما لم يخرقها ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة.

وعن سليمان بن يسار أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: خذ من خيلنا صدقة فأبى، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبى، فكلموه أيضاً فكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب إليه عمر بن الخطاب إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم، وارزق رقيقهم، قال مالك: أي ارددها على فقرائهم


أثره في الآخرين:

روى عنه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة أبو ثعلبة جرثوم الخشني، وسمرة بن جندب، وصدي بن عجلان، ومن التابعين عبد الرحمن بن غنم وعبد الله بن سراقة، وعبد الملك بن عمير، وعياض بن غطيف...

وقد كان أبو عبيدة رضي الله عنه معدوداً فيمن جمع القرآن العظيم

عن أنس رضي الله عنه: أن أهل اليمن قد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا القرآن، فأخذ بيد أبي عبيدة، فأرسله معهم، وقال: هذا أمين هذه الأمة... المستدرك... للحاكم

في تعليمه الفقه وغيره:

عن أزهر بن سعيد أنه سمع أبا عامر الهوزني يقول: سمعت أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه سئل عن قضاء رمضان فقال:

"إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه؛ فأحص العدة واصنع ما شئت" سنن البيهقي

عند الإمام أحمد بسنده عن أبي أمامة قال أجار رجل من المسلمين رجلا، وعلى الجيش أبو عبيدة بن الجراح، فقال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص: لا نجيره وقال أبو عبيدة: نجيره، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجير على المسلمين أحدهم"

بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:

في سنن الدارمي بسنده عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك أعفر ثم ملك وجبروت يستحل فيها الخمر والحرير".

وفي سنن الدارمي أيضًا عن سمرة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: كان في آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب".

عن عياض بن غطيف قال أتينا أبا عبيدة بن الجراح نعوده فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحسنة بعشر أمثالها".


بعض كلماته:
من كلماته يوم السقيفة:

"يا معشر الأنصار، إنكم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير"..

ومن أهم كلماته في إثارة حماسة جنده للحرب وتحريضهم على الجهاد مقولته تلك:

(عباد الله، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، عباد الله اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، لا تتركوا مصافكم، ولا تحظوا إليهم خطوة ولا تبدأوهم بالقتال، وأشرعوا الرماح، واستتروا بالأرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله عز وجل في أنفسكم حتى يتم أمركم إن شاء الله...

وروي أن أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر فيقول ألا رب مبيض لثيابه وهو مدنس لدينه ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين غدا، ادفعوا السيئات القديمات بالحسنات الحادثات.

من كراماته:

روى مسلم بسنده عن جابر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة قال فقلت كيف كنتم تصنعون بها قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط - ورق الشجر - ثم نبله بالماء فنأكله قال وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال قال أبو عبيدة ميتة ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاث مائة حتى سَمِنَّا قال ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه - أي تجويفها - بالقلال - القلة: الجرة الكبيرة - الدهن ونقتطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رَحَلَ أعظم بعير معنا - أي جعل عليها رحلا - فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق - اللحم يؤخذ فيغلي ولا ينضج ويحمل في السفر - فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا" قال فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.

قال النووي في شرح مسلم:

مَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ أَوَّلًا بِاجْتِهَادِهِ:إِنَّ هَذَا مَيْتَة وَالْمَيْتَة حَرَام ، فَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَكْلهَا ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اِجْتِهَاده فَقَالَ: بَلْ هُوَ حَلَال لَكُمْ وَإِنْ كَانَ مَيْتَة ; لِأَنَّكُمْ فِي سَبِيل اللَّه ، وَقَدْ اُضْطُرِرْتُمْ ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّه تَعَالَى الْمَيْتَة لِمَنْ كَانَ مُضْطَرًّا غَيْر بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَكُلُوا فَأَكَلُوا مِنْهُ. وَأَمَّا طَلَب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لَحْمه وَأَكْله ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَة فِي تَطْيِيب نُفُوسهمْ فِي حِلّه ، وَأَنَّهُ لَا شَكّ فِي إِبَاحَته ، وَأَنَّهُ يَرْتَضِيه لِنَفْسِهِ أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ التَّبَرُّك بِهِ لِكَوْنِهِ طُعْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ، خَارِقَة لِلْعَادَةِ أَكْرَمهمْ اللَّه بِهَا.

ما قيل عنه:

وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لأصحابه: (تمنوا) فقال بعضهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجداًَ وجوهراً فأنفقه في سبيل الله وأتصدق، ثم قال عمر: (تمنوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين

فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان......المستدرك للحاكم

ولما طعن أبو عبيدة - أي أصابه الطاعون - خطب معاذ فقال في خطبته:

"إنكم فُجعتم برجل ما أزعم والله أني رأيت من عباد الله قط أقل حقداً ولا أبَرَّ صدراً ولا أبعد غائلة ولا أشد حياءً للعاقبة ولا أنصح للعامة منه، فترحموا عليه"...


.................موقف الوفاة:

عن طارق بن شهاب قال: أتانا كتاب عمر لما وقع الوباء بالشام فكتب عمر إلى أبي عبيدة أنه قد عرضت لي إليك حاجة لا غنى لي بك عنها فقال أبو عبيدة يرحم الله أمير المؤمنين يريد بقاء قوم ليسوا بباقين قال: ثم كتب إليه أبو عبيدة: إني في جيش من جيوش المسلمين لست أرغب بنفسي عن الذي أصابهم فلما قرأ الكتاب استرجع فقال الناس: مات أبو عبيدة؟ قال: لا. وكان كتب إليه بالعزيمة فأظهر من أرض الأردن فإنها عميقة وبية إلى أرض الجابية فإنها نزهة ندية فلما أتاه الكتاب بالعزيمة أمر مناديه أذن في الناس بالرحيل فلما قدم إليه ليركبه وضع رجله في الغرز ثنى رجله فقال: ما أرى داءكم إلا قد أصابني قال: و مات أبو عبيدة و رجع الوباء عن الناس... المستدرك للحاكم

ولما حضرت أبا عبيدة بن الجراح الوفاة استخلف عياضا على ما كان يليه و كان عياض رجلا صالحا فلما نعي إلى عمر أبو عبيدة أكثر الاسترجاع و الترحم عليه و قال: لا يشد مشدك أحد و سأل من استخلف على عمله فقالو: عياض بن غنم فأقره و كتب إليه أني قد وليتك ما كان أبو عبيدة بن الجراح عليه فاعمل بالذي يحق لله عليك فمات عياض يوم مات و ما له مال ولا لأحد عليه دين...

وقد توفى أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في طاعون عمواس - وهي قرية بين الرملة وبيت المقدس - سنة ثماني عشرة، عن ثمان وخمسين سنة، وقيل مات بـ"فحل" من الأردن، وصلى عليه معاذ بن جبل رضي الله عنهما...

من مراجع البحث:

الإصابة في تمييز الصحابة...................... ابن حجر العسقلاني

الطبقات الكبرى.................................. ابن سعد

أسد الغابة في معرفة الصحابة............... ابن الأثير

فرسان النهار..................................... د. سيد بن حسين العفاني

صور من حياة الصحابة......................... عبد الرحمن رأفت باشا

نايف الشريف
15-08-2010, 01:53 AM
الله لا يحرم أحدا من الآجر والثواب

كل من مر

كل من مر وعلق

ودائما يافكر كفة ميزانك ترجح جعل كف ميزانك يوم الحشر أوفر وأكبر ......................................

فكر وسطي
21-08-2010, 02:39 AM
....................الصحابي رقم (88)...................................

....................المستورد بن شداد.....................


هو المستورد بن شداد بن عمرو بن حسل بن الأحب بن فهر بن مالك، لما قبض النبي (صلى الله عليه وسلم) كان غلاما. قاله الواقدي، وقال غيره: إنه سمع من النبي سماعا وأتقنه. (1)

بعض الأحاديث التي رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

عن المستورد بن شداد قال:

سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا " قال قال أبو بكر أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق " .(2)


وجاء في سنن الترمذي عن المستورد بن شداد قال : كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على السخلة الميتة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها قالوا من هوانها ألقوها يا رسول الله قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها

وفي مسند الإمام أحمد عن المستورد بن شداد صاحب النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره.


وعن المستورد بن شداد أخي بني فهم أخبره قال : قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : من أكل بمسلم أكلة أطعمه الله بها أكلة من نار جهنم يوم القيامة و من أقام بمسلم مقام سمعة أقامه الله يوم القيامة مقام سمعة و رياء و من اكتسى بمسلم ثوبا كساه الله ثوبا من النار يوم القيامة.(3)


وفي المعجم الكبير "عن المستورد بن شداد عن أبيه قال : أتيت رسول الله( صلى الله عليه وسلم )فأخذت بيده فإذا هي ألين من الحرير و أبرد من الثلج"

وعن المستورد بن شداد : قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) : يذهب الصالحون الأول فالأول حتى يبقى مثل حثالة التمر لا يبالي الله بها.(4)

......................الوفاة....................

مات بمصر في ولاية معاوية.(5)

وقال ابن حجر في الإصابة "توفي بالإسكندرية سنة خمس وأربعين" .


.....................المصادر ..........................


1- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1006 ]

2- سنن أبي داود [ جزء 2 - صفحة 149 ]

3- المستدرك [ جزء 4 - صفحة 142 ]

4- المعجم الكبير [ جزء 20 - صفحة 302 ]

5- المستدرك [ جزء 3 - صفحة 683 ]

نايف الشريف
30-08-2010, 11:25 PM
جزاك الله كل خير يا فكر .............

...................الصحابي رقم (89)................................


الصحابة من بلي

:قال ابن حزم الأندلسي

من بلي كان الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم- ضمن الأنصار :في المدينة أو الحلفاء لهم وهم

المجذّر بن زياد(عبدالله) بن عمرو بن زمزمة بن عمرو عمارة بن مالكابن بثيرة بن القشر بن تميم بن عوذ مناه بن ناج بن تيم بن إراشة بن عامر بن عبيلة ابن قسمل بن فاران بن بلي

وقد اشترك المجذر البلوي مع أخيه عبدالله بن زياد في معركة بدر الكبرى مع النبي - عليه الصلاة والسلام- وكان معهما ابن عم لهما يسمى عبادة بن الخشخاش بن عمرو بن زمزمة

ومن بلي الصحابي كعب بن عجرة بن عدي بن عبيد الحارث بن عمرو بن عوف بن تميم بن سواد بن مري بن إراشة بن عبيلة بن قسميل بن فاران بن بلي , ومن ولده سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة

ومن بنو أُنيف (بلي) وكان بنو أنيف من جملة الأنصار منهم عدة صحابة وأنيف هو جشم بن تميم بن عوذ بن مناه بن ناج بن تيم بن إراشة بن عامر بن عبلة بن قسميل بن فاران بن بلي

والصحابة المنسوبون الى أنيف من بلي هم

عبد الرحمن بن عبدالله بن ثعلبة بن بيجان بن عامر بن مالك بن عامر بن أنيف وابن عمه عبدالله ابن أسلم بن بيجان قد بايع تحت الشجرة وابن عمه أيضا عبدالله بن أسلم بن زيد بن بيجان

سهيل بن رافع بن خديج بن مالك بن غنم بن سرى بن سلمة بن أنيف , وهو الذي تصدق بالصاع فتكلم فيه المنافقون فأنزل الله تعالى (والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم) آية 79 سورة التوبة

وابن عمه طلحة بن البراء بن عمير بن وبرة بن ثعلبة بن غنم بن سرى بن سلمة وكانت له صحبة مع النبي - عليه الصلاة والسلام- وهو وحليف لبني عمرو بن عوف من الأنصار في المدينة

النعمان بن عمرو بن عبيد بن وائلة بن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن جشم بن وذم بن ذبيان بن هميم بن هني بن بلي.. وقد حضر غزوة بدر الكبرى وبيعة العقبة مع النبي صلى الله عليه وسلم

زيد بن أسلم بن عدي بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن جشم بن وذم بن ذبيان بن هميم بن ذهل بن هني بن بلي .. حضر غزوة بدر الكبرى

عمرو بن سلمة البلوي

سواد بن غزية البلوي

عيادة بن الخشخاش بن عمرو بن زمزمة البلوي

نحاب بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة البلوي

عبدالله بن عامر البلوي

رضي الله عنهم وارضاهم جميعا

منقول عن قبيلة بلي

المصدر: موسوعة طعس العربيه

نايف الشريف
01-09-2010, 02:11 AM
.............. (( الصحابي رقم (90) )) .............

نسبه وإسلامه:
هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، يكنى أبا عبد الرحمن، وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله، وأردفه رسول الله وراءه، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك وشيعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب، وكان له من الولد عبد الرحمن وأم عبد الله وولد آخر لم يذكر اسمه...

صفته:
عن أبي بحرية يزيد بن قطيب السكونى قال: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى حوله الناس، جعد قطط، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ، فقلت من هذا قالوا معاذ بن جبل. وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد وإذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى قال: قلت لجليس لي من هذا؟ قالوا هذا معاذ بن جبل. وعن الواقدي عن أشياخ له قالوا: كان معاذ رجلا طَوَالا أبيض حسن الشعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعدا قططا.

ثناء رسول الله على معاذ:
عن أنس قال: قال رسول الله: [أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل] رواه الإمام أحمد. وعن عاصم بن حميد عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله إلى اليمن خرج معه رسول الله يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا.


قابله النبي ذات يوم، وقال له: (يا معاذ، إني لأحبك في الله) قال معاذ: وأنا والله يا رسول الله، أحبك في الله. فقال (: (أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). [أبو داود والنسائي والحاكم]. حتى قال عنه النبي : (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل) [متفق عليه].

ثناء الصحابة عليه:
عن الشعبي قال: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقيل إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقال ما نسيت هل تدري ما الأمة؟ وما القانت فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله عز وجل وللرسول، وكان معاذ بن جبل يعلم الناس الخير وكان مطيعًا لله عز وجل ورسوله. وعن شهر بن حوشب قال: كان أصحاب محمد إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له.

قال عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: عجزت النساء أن يلدن مثله، ولولاه لهلك عمر. قدمه عمر في الفقه، فقال: من أراد الفقه؛ فليأت معاذ بن جبل.

عن زهده:
عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تَلَهَّ ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: الله يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: ووصله، الله يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا (فدفع) بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض..

عن ورعه:
عن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء. وعن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي بالشام والناس في شغل فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر.

عن تعبده وإجتهاده:
عن ثور بن يزيد قال: كان معاذ بن جبل إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم: اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى ترده إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.

جوده وكرمه:
عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شابًّا جميلا سمحًا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى أدان دينا أغلق ماله فكلم رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- أن يكلم غرماءه أن يضعوا له شيئا ففعل فلم يضعوا له شيئا، فدعاه النبي فلم يبرح حتى باع ماله فقسمه بين غرمائه فقام معاذ لا مال له قال الشيخ: كان غرماؤه من اليهود فلهذا لم يضعوا له شيءًا.

من مواعظه وكلامه :
عن أبي إدريس الخولاني أن معاذ بن جبل قال إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر والأسود فيوشك قائل أن يقول ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره إياكم وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول علي في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه فلا يثنكم فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون.

عن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني، قال وهل أنت مطيعي قال: إني على طاعتك لحريص قال: صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم. وعن معاوية بن قرة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا بني، إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن أنك تعود إليها أبدًا واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة أخرها. وعن أبي إدريس الخولاني قال: قال معاذ: إنك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات. رواهما الإمام أحمد. وعن محمد بن سيرين قال: أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه فقال: إني موصيك بأمرين إن حفظتهما حُفِظْتَ إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاما فتزول به معك أينما زلت. عن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ فقال: اجلسوا بنا نؤمن ساعة.

وعن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغني وكلفن الفقير ما لا يجد

مرضه ووفاته
عن عبد الله بن رافع قال لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز فقال إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا وما هن قال يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هلك.

اتفق أهل التاريخ أن معاذًا مات في طاعون عمواس بناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة، واختلفوا في عمره على قولين: أحدهما: ثمان وثلاثون سنة، والثاني: ثلاث وثلاثون.

فكر وسطي
15-09-2010, 02:33 AM
....................................الصحابي رقم (91)..........................

وتلبية لرغبه مشرفتنا الاستاذه حناان في ذكر سيرة الخلفاء الراشدين ......سوف ابدأ باابي بكرالصديق...........رضي الله عنــــــــــــــــــــــــــــه ولطول سيرته سوف اقسمها على حلقااات ....................................بعذ اذن صاحب الموضوع ................................




.................................................. .................................................. ...................



مقدمة



إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ثم أمـا بعد:

فإنا قد ذكرنا من قبل ذلك الكثير عن أهمية دراسة التاريخ، وأشرنا في مؤلفات متعددة إلى أنه لا جديد على الأرض، التاريخ يكرر نفسه بصورة عجيبة.

نفس الأحداث نراها رأي العين، باختلاف في الأسماء والأمكنة، فدارس التاريخ بعمق كأنه يرى المستقبل، ويقرأ ما يَجِدّ على وجه الأرض من أمور، ولا يُخدع بسهولة، مهما تفاقمت المؤامرات، ومهما تعددت وسائل المكر والمكيدة.









دارس التاريخ بعمق يعرف أين يضع قدمه؟ وكيف يقود نفسه ومجتمعه وأمته؟

دارس التاريخ بعمق كالشمس الساطعة تنير الطريق لأجيال تتلوها أجيال، وقد يمتد أثره إلى يوم تقوم الساعة، كيف لا؟ وقد ذكرنا من قبل أنه لا جديد على الأرض يكفينا الأمر الإلهي الحكيم:

[فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] {الأعراف:176} .

فقص القصة، أو رواية الرواية لا يغني شيئا إن لم يتبع بتفكر.

دراسة التاريخ ليست دراسة تكميلية أو جانبية أو تطوعية.

دراسة التاريخ ركن أساسي من أركان بناء الأمة القوية الصحيحة.

في دراستنا للتاريخ نعرض لأمور لا تستقيم حياة المسلمين بغيرها، وسنجد أننا في دراستنا للتاريخ نعرض لأمور من العقيدة، وأمور من الفقه، وأمور من الأخلاق، وأمور من المعاملات، وأمور من الأحكام.

نعرض لفقه الموازنات، وفقه الأولويات، نعرض لفقه الواقع، أو إن شئت فقل: نعرض لكل أمور الدين.









هكذا كان الله في كتابه الحكيم يقص القصة، فيعرض فيها الحجة التي تقنع العقل، ويعرض فيها الرقيقة التي تلمس القلب، وقد يعرض فيها أمرا عقائديا، وقد يعرض فيها حكمـًا فقهيًا، ثم هو يربط القديم بالحديث، والتاريخ بالواقع، والماضي بالحاضر، فتشعر أن التاريخ حيٌّ ينبض، ولسانٌ ينطق.

أبدًا هو لا يحدثنا عن رجال ماتوا، ولا عن بلاد طواها التاريخ بين صفحاته العديدة.

وإنما هو يحدثنا عن أحداثنا، وينبئنا بأنبائنا، ويخبرنا بأخبارنا.

التاريخ ثروة مدفونة تحتاج إلى بذل مجهود، وتفريغ وقت، وحشد طاقات، تحتاج إلى عقول، وقلوب، وجوارح، تحتاج إليكم جميعا يا من ترجون للإسلام قيامًا.

والتاريخ الإسلامي هو - ولا شك في ذلك - أنقى وأزهى وأعظم وأدق تاريخ عرفته البشرية، وسعدت الدنيا بتدوينه.

التاريخ الإسلامي هو تاريخ أمة شاهدة، أمة خاتمة, أمة صالحة، أمة تقية نقية، هو تاريخ أمة آمرةٍ بالمعروف ناهيةٍ عن المنكر، داعية إلى كل خير، محاربة لكل شر.

التاريخ الإسلامي هو تاريخ رجال ما عرف التاريخ أمثالهم، رجال فقهوا دينهم، ودنياهم، فأداروا الدنيا بحكمة وعيونهم على الآخرة، فتحققت المعادلة الصعبة العجيبة: عـزٌ في الدنيا، وعز في الآخرة، مجد في الدنيا، ومجد في الآخرة، ملك في الدنيا، وملك في الآخرة.







التاريخ الإسلامي هو تاريخ حضارة جمعت كل مجالات الحياة في منظومة رائعة راقية, جمعت الأخلاق، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والمعمار، والقضاء، والترفية، والقوة، والإعداد، والذكاء، والتدبير.

جمعت كل ذلك جنبا إلى جنب مع سلامة العقيدة، وصحة العبادة، وصدق التوجه، ونبل الغاية.

وصدق الله تعالى إذ يقول:

[اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا] {المائدة:3}.

هذا هو التاريخ في أصله وجوهره.

ولا يمنع ذلك أنه يحوي أخطاءً بعضها عظيم، ويشمل عيوبا بعضها خطير، وإنه لمن العبث أن ندعي أنه بياض بلا سواد، ونقاء بلا شوائب، لكن من الظلم البين أن نلصق أخطاء المسلمين بدين الإسلام.











فالإسلام دينٌ لا ثغرة فيه، ولا خطأ فيه، ولا عيب فيه، دين محكم تام كامل، أنزله الذي يعلم السر، وأخفى، سبحانه الحكيم الخبير، ومن خالف دين الإسلام من المسلمين، فوباله على نفسه، وليس على الإسلام.

وكثيرا ما يخالف الناس، فتحدث هزات وسقطات، لكنها ما تلبث أن تتبع بقيام إذا ثابوا إلى رشدهم، وعادوا إلى دينهم، وإلا استبدلهم القوي العزيز بغيرهم من المجاهدين الصابرين الطاهرين.

ثم وقفة وسؤال:

هذه الثروة وهذا الكنز العظيم، ثروة التاريخ الإسلامي الطويل، مَن مِن البشر في زماننا أمَّنّاه عليها؟

مَن مِن البشر أعطيناه مفاتيح الكنوز التاريخية؛ لينقب فيها ويستخرج جواهرها؟

مَن مِن البشر أسلمناه أذننا، وعقولنا، وأفئدتنا؛ ليلقي عليها ما استنبط من أحكام وما عقله من أحداث؟









عجبا لأمتنا!!

لقد أعطت ذلك لحفنة من الأشرار، طائفة من المستشرقين، وطائفة من المفتونين بهم من أبناء المسلمين تسلموا كنز التاريخ؛ لينهبوا أجمل ما فيه وليغيروا ويبدلوا ويزوروا، فيخرج التاريخ إلينا مسخًا مشوهًا عجيبًا، فتقطع حلقة المجد، وينفصل المسلمين في حاضرهم عن ماضيهم، كما تنفصل الروح عن الجسد تماما بتمام.

انتبه الشباب فوجدوا بين أيديهم سجلًا حافلًا من الصراعات والمؤامرات والخيانات والسرقات، صفحات سوداء تتلوها صفحات أسود، واحتـار الشباب في تاريخهم أيمسكونه علي هونٍ أم يدسونه في التراب؟!

فويلٌ، ثم ويل لمن افترى على الله كذبًا؛ ليضل الناس بغير علم.

وويل، ثم ويل لأبناء المسلمين الذي فتنوا بمناهج العلمانية، فصاغوا التاريخ صياغة مشوهة مزورة محرفة، فحرموا المسلمين من أمثلة عملية تطبيقية رائعة لكل أمر من أمور الدين.

وويل، ثم ويل لمن يقدر على التصحيح فلم يفعل، ولمن يقدر على التوضيح والتبيين فلم يفعل، و لمن يقدر على النصح والإرشاد فلم يفعل.









يقول جابر بن عبد الله:

إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

يا الله! لهذه الدرجة؟

من سمع طعنًا في الصحابة، أو في الصالحين من الأمة، ثم لم يَرُد، كان كمن كتم ما أُنْزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

نعم؛ لأنه: كيف وصل إلينا ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ألم يصل إلينا عن طريق الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين؟

فإذا طُعن في هؤلاء دون توضيح لحقيقتهم الطاهرة، لم يُقبل ما يأتي عن طريقهم.

و هذا هَدم للدين بالكلية.

إذن تزوير التاريخ أمر خطير مروع، يحتاج إلى وقفات ووقفات.

و لهذا كانت هذه السطور.











ولقد اخترت لكم حدثا جليلا عظيما من أحداث التاريخ الإسلامي آثرت أن أفرد له هذا البحث، حتى ندرسه ونفقهه ونحلله؛ فنتحرك به خطوة، بل خطوات إن شاء الله إلى الأمام.

هذا الحدث الجليل هو استخلاف الرجل الجبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على المسلمين بعد وفاة رسول صلى الله عليه وسلم.

ولاحظوا أنني أقول استخلاف أبي بكر الصديق، ولا أقول أني سأحدثكم عن خلافة أبي بكر الصديق، فهذا يطول ويتشعب، لكني فقط في هذا البحث أتحدث عن قصة الاستخلاف:

كيف اختير أبو بكر الصديق خليفة للمسلمين؟

وكيف تم؟

وما هي خطواته وما هي تبعاته؟

ماذا حدث في سقيفة بني ساعدة؟

وماذا أثير حولها من شبهات من المستشرقين وأحبابهم؟

والحق أن كثيرا من القراء قد يتعجبون لإفراد هذا الحدث، الذي يعدونه حدثًا قصيرًا بسيطًا في التاريخ ببحث خاص.

فالحدث تم في أقل من يوم واحد، وتاريخ المسلمين أربعة عشر قرنًا من الزمان، فهل نفرد له بحثا خاصـًا؟











ولماذا هذا الحدث بالذات؟

وأجيب عن هذا السؤال بنقاط خمس:

أولا: دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، تعتبر من أهم الأمور التي يجب أن يحرص عليها المسلمين، ويجب أن يحرصوا على دراستها دراسة وافية، مستفيضة شاملة لكل نقاط حياتهم، فهي فترة من أهم فترات التاريخ الإسلامي، بل هي أهمها علي الإطلاق بعد فترة الرسول صلى الله عليه وسلم، لماذا؟

لأن هذه الفترة تعتبر جزءًا من التشريع الخاص بالمسلمين، وقد يستغرب البعض أن هناك تشريعًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الواقع أن كثيرًا من الأمور جدت على حياة المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه الأمور تحتاج إلى فقهٍ واجتهاد، فاجتهد فيها هؤلاء الأخيار واختاروا آراءً سديدة ساروا عليها، وسارت الأمة معهم، فكانت تشريعًا للمسلمين.

حدثت أمورٌ ما كان لها شبيه في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم منها هذا الحدث الذي نحن بصدده وهو: اختيار خليفة للمسلمين.

ومنها فتوحات عظام في أراض شاسعة، وما تبع ذلك من أمور.

ومنها أمور فقهية، ومنها شبهات أثيرت فدافعوا عنها.











فترة جليلة حكم فيها خير المسلمين على الإطلاق، وكان المحكومون هم خير أهل الأرض بعد الأنبياء.

من هنا نستطيع أن نفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي رحمه الله، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه أيضا أبو داود رحمه الله عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال:

وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَـتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا:

يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا.

قال: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِيشُ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا.

وصدقت يا رسول الله، ونحن الآن نعيش في هذا الزمن الذي فيه اختلاف كثير، تشعبت بنا الطرق، وكثرت عندنا المناهج، وتعددت أمامنا الأساليب، فماذا نفعل؟

في أي طريق نسير؟

وأي المناهج نتبع؟

وأي الأساليب نختار؟

انظر إلى نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَإِنَّهُ مَنْ يَعِيشُ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (بالأضراس) وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.

عندما تتشعب الطرق عليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا بالطبع مفهوم، لكن لماذا يضيف صلي الله عليه وسلم:

وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ؟

إذا كان الخلفاء الراشدون سيعيشون حياة ليس فيها اختلاف عن حياة الرسول صلي الله عليه وسلم، فإنه من الطبيعي والمنطقي أن يقلدوا الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء، ولا يبقى مجال لاجتهادهم، ومن ثم لا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين.









لكن الواقع أن الأمور التي جدت على الأمة في عهدهم وضعت أشياء كثيرة كانت تحتاج إلى عقول ذكية، وقلوب طاهرة كعقول وقلوب الخلفاء الراشدين، فأصبح ما يفعلون ليس مقبولًا فقط، بل شَرْع للأمة إلى يوم الدين.

خلاصة هذه النقطة أن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين المهديين جزء من الدين والشرع، لا بد أن يعطي له المسلمون اهتمامًا خاصًا, وقصة الاستخلاف هي أول الأحداث في عهد الخلفاء؛ ولذلك سنتحدث عنها، ثم يليها إن شاء الله الحديث عن الأحداث الأخرى.

ثانيا: الذي يهمنا في قصة استخلاف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أننا سنستخلص أحكامًا وأمورًا هامة من هذه الحادثة تفيد جدًا في بناء الأمة الإسلامية بناءً صحيحـًا:

ما هو معني الشورى؟

وكيف التصرف عند الاختلاف؟

وما هي طرق عرض وجهات النظر؟

ولماذا يختار رجلٌ دون آخرٍ لإمارة ما؟

وأمورٌ أخرى كثيرة سيتم مناقشتها في مكانها إن شاء الله.

ثالثا: أن هذا الحدث الهام هو بداية حياة المسلمين بدون رسول الله صلى الله عليه وسلم.











ولا شك أن هذا أمر يدعو إلى الاهتمام، فغياب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرُ صعب، والأصعب من ذلك غياب الوحي وانقطاعه عن الأرض إلى يوم القيامة، يظهر هذا واضحًا من قصة أم أيمن:

روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم:

انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا.

فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا:

مَا يُبْكِيكِ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أَبْكِي أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيِ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ.

فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ مَعَهَا.

الصحابة كانوا يعيشون الوحي، وتخيل معي الأمر الغريب، كل يوم أو يومين يحدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريده الله عز وجل منهم.

الله يقول لكم كذا.

الله ينهاكم عن كذا.

الله غفر لفلان.

الله يحب فلان.

الله يبشر فلان بالجنة.













الله يوضح لكم سبب النصر في هذه الغزوة، والله يوضح لكم سبب الهزيمة في غزوة أخرى.

إذا اختلفوا نزل الوحي يؤيد رأيا على رأي، ويعدل المسار ويصحح الوجهة.

وفجأة انقطع الوحي بموت الرسول صلى الله عليه وسلم، وانقطعت العلاقة التفاعلية بين الصحابة وبين الله عز وجل، وأصبح عليهم أن يجتهدوا في أن يعرفوا:

أين غضب الله؟

وأين رضاه؟

إذا اختلفوا عليهم أن يختاروا رأيـًا دون انتظار التعديل الإلهي، نعم وضع الله ورسوله لهم قواعد محددة للسير عليها، ولكن شتان بين الموقف قبل انقطاع الوحي، والموقف بعد انقطاع الوحي.

وحادثة استخلاف أبي بكر الصديق هي أولى الحوادث التي تمت في هذا الجو، ولا بد أن في دراستها عبرًا لا تحصى، وفوائد لا تقدر بثمن.











رابعا: وتأتي أهمية حادث الاستخلاف أيضا في أنه تبعه أحداث جسام في حياة المسلمين ما كانت لتتم لولا أن اختار المسلمون أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليكون خليفة للمسلمين، فالرجل له طابع يختلف عن كثير من الصحابة، سنتعرف عليه إن شاء الله في هذه السطور، وستشعر كم كان الله رحيمًا بالمؤمنين، ومسدِدًا لخطاهم لَمّا يسر لهم اختيار هذا الصحابي الجليل لهذه المهمة الثقيلة، مهمة خلافة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

على سبيل المثال:

حرب الردة، فلولا أبو بكر الصديق لما كانت تلك الحروب الضارية الدامية الواسعة النطاق.

أيضا الفتوحات الإسلامية العجيبة لدولة فارس والروم، أحداث من العجب أن تتكرر على هذه الصورة، إلا بقيادة مثل قيادة أبي بكر الصديق، قد يكون من السهل على من تبعه من خلفاء أن يقوموا بالفتوحات من بعده؛ لأنه فتح لهم الطريق، لكن يبقى الأثر أعمق، والأجر أعظم لمن بدأ بسَنّ سُنّة حسنة تبعه فيها الآخرون.

حادث الاستخلاف هو النقطة التي انطلقت منها الأمة إلى هذه الأحداث الجسام، فلابد أن دراسة هذه الفترة ستلقي بظلال هامة على هذه الأحداث العجيبة.

خامسا: ومن أهمية دراسة هذا الحدث الخطير أيضا أنه كثر طعن المستشرقين واتباعهم في كل من شارك في هذه العملية الهامة.









لم يتركوا أحدا، ضربوا كل الرموز الإسلامية العظيمة، وأظهروا الأمر على أسوأ ما يكون، طعنوا في أبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة بن الجراح، وعائشة، وسعد بن عبادة، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، والسيدة فاطمة، بل طعنوا في علي بن أبي طالب في صورة الثناء عليه، وذموه في صورة المدح، طعنوا في العباس بن المطلب عم رسول الله صلي الله عليه وسلم.

خلاصة الأمر أنهم أخرجوا لنا صورة مهلهلة قبيحة لخير الأجيال، وخير القرون.

فإن كان هم كذلك، فأي خير يرتجي مَن جاء مِن بعدهم؟

وأخطر من ذلك: إن كانوا هم كذلك فكيف نأخذ ديننا عن طريقهم؟

وكيف نقبل باجتهادهم؟

فالمستشرقون بذلك يضربون الدين في عمقه ويدمرون الإسلام في أصوله.

هذا الكلام، ليس تاريخا قديما فعله بعض المستشرقين في السابق، والحال الآن غير ذلك، بل هذا الكلام ما زال يتردد في أفواه بعض من يدرسون التاريخ في الجامعات المتخصصة سواء في الجامعات المحلية، أو الجامعات الغربية التي تفتح فروعا في البلاد الإسلامية، وبالطبع يردد أيضا بكثرة في الجامعات الغربية في خارج الأقطار الإسلامية لتشويه صورة الإسلام والمسلمين.











هنا وجب علينا أن ندفع هذه الشبهات، وأن نوضح للناس الصورة الحقيقية للأحداث التي تمت بخصوص هذه القصة، قصة استخلاف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أجمعين.

لهذه الأسباب مجتمعة فإننا نستعين بالله في شرح هذا الحدث، وسنتبعه بغيره إن شاء الله، فتاريخ المسلمين بحق بحرٌ لا ساحل له.

ولكي نفهم هذا الحدث الكبير، ولكي نستوعب اختيار أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين، لا بد أن ندرس في البداية شخصية هذا الرجل النادر.

لا بد أن نعرض لطرف بسيط من حياته.

نحن لا نستطيع أن نفتح الباب على مصراعيه لرؤية شخصية هذا الرجل الفذ العملاق، نحن فقط نلقي نظرةً على استيحاء لنعرف: ما هذا؟

ما هي مفاتيح الشخصية عنده؟

ما سر هذه الرؤية الواضحة عنده في كل الأمور؟

ما سر هذه الدرجة الرفيعة التي نالها في دنياه وآخرته؟









أبو بكر الصديق رضي الله عنه شخصية عجيبة جمعت بين طياتها الرقة والشدة، والرحمة والقوة، والأناة والسرعة، والتواضع والعظمة، والبساطة والفطنة.

شخصية عجيبة، جمعت كل ذلك، وأضعافه من فضائل الأخلاق والطباع، وهبه الله حلاوة المنطق، وطلاقة اللسان، وقوة الحجة، وسداد الرأي، ونفاذ البصيرة، وسعة الأفق، وبعد النظرة، وصلابة العزيمة، كل هذا وغيره، وليس بنبي، إن هذا لشيء عجيب.

فشخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه شخصية عجيبة ما تكررت في التاريخ.

انظر تقييم علي بن أبي طالب لهذه الشخصية، أخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال:

قلت لأبي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قال: أَبُو بَكْر.

قلت: ثُمَّ مَنْ؟

قال: عُمَرُ.









وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، فَقُلْتُ:

ثُمَّ أَنْتَ؟ قال:مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وهذا تواضع من علي بن أبي طالب.

تُرى كيف كانت شخصية هذا الرجل الذي هو خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جزء من حديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتَهُ.

فهذه مقامات عالية جدا، فأبو بكر الصديق كما في الحديث من أَمَنّ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي أكثرهم مِنّة وفضلًا.











وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذ الله خليلا ولولا ذلك لاتخذ أبا بكر؛ أي أنه لو اصطفى من البشر خليلا لكان أبو بكر رضي الله عنه، ولكن أخوة الإسلام.

كيف يكون هذا الرجل الذي ظفر بتلك المنزلة الراقية؟

وكيف وصل إليها؟

لا نريد دراسة أكاديمية لحياة أبي بكر الصديق، ولكن أحب أن نبحث في مفاتيح شخصية هذا الرجل العظيم،

كيف تسهل عليه فعل كل هذا الخير؟

وكيف حافظ عليه؟

ثم هل من سبيل بعد معرفة هذا أن نقلده فيما فعل، فنصل إلى ما إليه وصل؟

- بتحليل شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وجدت أنه يتميز عن غيره في جوانب كثيرة من أهمها خمسة أمور، من هذه الأمور الخمسة تنبثق معظم صفات الصديق رضي الله عنه وأرضاه:

- حب رسول الله صلى الله عليه وسلم

- رقة القلب، ولين الجانب

- السبق والحسم

- إنكـار الذات

- الثـبـات







وهذه الصفات الخمسة هي التي سنتناولها في الجزء الأول من البحث، بإذن الله.

أمـا في الجزء الثاني، فسنتوقف عند أحداث السقيفة، لكي نتناول بشيء من التفصيل:

- أحداث يوم السقيفة.

- شروط الاستخلاف.

- استخلاف الصديق بين التلميح والتصريح.

- شبهات حول استخلاف الصديق.

ثم ننتهي بعد ذلك إلى:

.دروس من حياة الصديق رضي الله عنه

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا...









حبه الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم





أحبه حبًا خالصًا خالط لحمه ودماءه وعظامه وروحه حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من تكوينه، والصحابة جميعا أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما فريدًا، ولكن ليس كحب أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

هذا الحب الذي فاق حب المال والولد والأهل والبلد، بل فاق حب الدنيا جميعها.

وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكملات الإيمان، فقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

وأبو بكر الصديق رضي الله عنه أشد الناس إيمانا، فهو إذن أشد الناس حبا للرسول صلى الله عليه وسلم، ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالَ:

رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ، فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَوُزِنَ بِهِمْ فَوَزَنَ.









هذا الحب المتناهي، له دليل من كل موقف من مواقف السيرة تقريبا، ولو تتبعت رحلة الصديق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيت حبا قلما تكرر في التاريخ.

وتعالوا نقلب الصفحات في حادث واحد فقط هو حادث الهجرة إلى المدينة المنورة:

- لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في ساعة لم يكن يأتيهم فيها، أول ما قاله أبو بكر قال:

فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.

- ولما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الهجرة قال أبو بكر الصديق بلهفة:

الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الصُّحْبَةُ.

فماذا كان رد فعل أبي بكر لما علم أنه سيصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟







أترك لكم السيدة عائشة تصور هذا الحدث:

قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.

يا الله، يبكي من الفرح للصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هذه الصحبة الخطيرة سيكون فيها ضياع النفس، فمكة كلها تطارده صلى الله عليه وسلم، ويكون فيها ضياع المال، ويكون فيها ضياع الأهل، ويكون فيها ترك البلد، لكن ما دامت في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أمر يبكي من الفرح لأجله.

- لقطة أخرى من لقطات الهجرة:

عند الوصول إلى غار ثور وهي لقطة (بدون تعليق) :

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر:

والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شر أصابني دونك.

فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبا، فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

ادخل.









فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلُدغ أبو بكر في رجله من الجُحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دمعة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟

قال: لدغت فداك أبي وأمي.

فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده.

- لقطة أخرى من لقطات الهجرة: لقطة يحكيها أبو بكر الصديق كما أوردها البخاري في صحيحه، يقول:

ارتحلنا من مكة فأحيينا، أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقامت قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه؟ فإذا صخرة أتيتها، فنظرت بقية ظل، فسويته بيدي، ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله.

فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا فسألته:

لمن أنت يا غلام؟

قال : لرجل من قريش سماه فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن قال:

نعم.

قلت: فهل أنت حالب لبنا؟

قال: نعم.













فأمرته فاعتقل شاه من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب له كثبة من لبن، ومعي دواة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضأ. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ فصببت الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم قال:

أَلَمْ يِأْنِ الرَّحِيلُ؟

قلت: بلى.

فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشة على فرس، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله.

فقال: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.

- لقطة أخيرة من لقطات الهجرة وليست الأخيرة من لقطات أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال له:

أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك.

فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟

قال: نعم، والذي بعثك بالحق.









هل كان هذا الحب من طرف واحد؟

كلا والله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:

الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِِنْهَا اخْتَلَفَ.

فلأن أبو بكر الصديق أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحب الذي فاق كل حب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رفع مكانته في قلبه فوق مكانة غيره.

روى الشيخان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، يقول:

فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟

قال: عَائِشَةُ.

قلت: من الرجال؟

قال: أَبُوهَا.

قلت: ثم من؟

قال: عُمَرُ. فعد رجالا.













سؤال:هل كان يُرْغِمُ أبو بكر الصديق رضي الله عنه نفسه على هذا الحب؟ هل كان يشعر بألم في صدره عندما يقدم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حب ماله أو ولده أو عشيرته أو تجارته أو بلده؟

أبدا والله، لقد انتقل الصديق من مرحلة مجاهدة النفس لفعل الخيرات إلى مرحلة التمتع، والتلذذ بفعل الخيرات، انتقل إلى مرحلة حلاوة الإيمان يذوقها في قلبه وعقله وكل كيانه.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه:

ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

هذا الحب الفريد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قاد إلى أمرين عظيمين يفسران كثيرا من أعمال الصديق رضي الله عنه الخالدة في التاريخ:





الصديق وبعث أسامة



- انظر مثلًا إلى موقفه في إنفاذ بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، والحقيقة أننا نسمع عن إنفاذ جيش أسامة، فلا نعطيه قدره، ونتخيل أنه مجرد جيش خرج، ولم يلق قتالًا يذكر فأي عظمة في إخراجه؟! بيد أن دراسة ملابسات إخراجه، وتأملها تدل على عظمة شخصية الصديق، وكيف أنه بهذا العمل وهو أول أول أعمال خلافته، قد وضع سياسة حكمه التي تعتمد في المقام الأول على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تردد، ولا شك، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعد هذا البعث لإرساله لحرب الروم في شمال الجزيرة العربية، وقد أمّر عليه أسامة بن زيد، ولم يبلغ الثامنة عشر من عمره، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت جزيرة العرب كلها إلا ثلاث مدن هي مكة والمدينة والطائف وقرية صغيرة، وهي جواثا في منطقة هجر بالبحرين.







الجزيرة العربية كلها تموج بالردة ومع هذا أصر أبو بكر الصديق أن ينفذ بعث أسامة بن زيد إلى الروم مع اعتراض كل الصحابة على ذلك الأمر؛ لأنه ليست لهم طاقة بحرب المرتدين فكيف يرسل جيشًا كاملًا إلى الروم ويترك المرتدين، والحق أنه قرار عجيب، البلاد في حرب أهلية طاحنة، وبها أكثر من عشر ثورات ضخمة، ثم يرسل زعيم البلاد جيشًا لحرب دولة مجاورة، كان قد أعده الزعيم السابق، لكن أبو بكر كانت الأمور في ذهنه في منتهى الوضوح ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر فلا مجال للمخالفة، حتى وإن لم تفهم مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وإن لم تطلع على الحكمة والغاية، وهذه درجة عالية من الإيمان، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم بردة مسيلمة في اليمامة، والأسود العنسي في اليمن، ومع ذلك قرر تجهيز الجيش، وإرساله إلى الشام، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر، فالخير كل الخير فيما أمر، فأصر على إنفاذ البعث إلى الروم.







جاءه الصحابة يجادلونه ويحاورونه، وهم على قدرهم الجليل لم يفهموا فهم الصديق رضي الله عنه، فماذا قال لهم؟

قال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة.

وبالفعل أنفذ جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان الخير في إنفاذه، إذ أرعبوا قبائل الشمال، وسكنت الروم، وظنوا أن المدينة في غاية القوة، وإلا لما خرج من عندهم هذا الجيش الضخم، وحفظ الله المدينة بذلك، ورأى الصحابة بعد ذلك بأعينهم صدق ظن الصديق رضي الله عنه، لكن الصديق كان يرى الحدث قبل وقوعه؛ لأنه يرى بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما رأى الصحابة إصرار أبي بكر الصديق قال بعضهم لعمر بن الخطاب: قل له فليؤمر علينا غير أسامة.







فانتفض أبو بكر وأخذ بلحية عمر بن الخطاب وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد كانت لحظات الغضب في حياته رضي الله عنه قليلة جدًا، وكانت في غالبها إذا انتهكت حرمة من حرمات الله عز وجل، أو عطل أمر من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- خطابه إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولى عمرو بن العاص مرة على عمان، ووعده أخرى بالولاية عليها، فلما استتب الأمر لأبي بكر الصديق بعد حروب الردة ولى عليها عمرو بن العاص تنفيذًا لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هذه أمور يجوز للوالي الجديد أن يراها أو يرى غيرها حسبما رأى المصلحة، هذا أمر ليس شرعيًا حتميًا، ولكنه لا يريد أن يخالف ولو قدر أنملة، وهذا هو الذي وصل به إلى درجته، وهذا الذي رفع قدره، وهذا الذي سلم خطواته، وهذا الذي سدد رأيه.









ثم إنه قد احتاجه لإمارة جيش من جيوش الشام، وعمرو بن العاص طاقة حربية هامة جدًا، لكن أبو بكر الصديق تحرج من استقدامه في مكان وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يكره ذلك عمرو بن العاص فأرسل له رسالة لطيفة يقول فيها:

إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلَّاكه مرة، وسماه لك أخرى؛ مبعثك إلى عمان إنجازا لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك.

- هيبته في جمع القرآن، فإنه لما استشهد عدد كبير من حفظة القرآن في موقعة اليمامة، وخشي الصحابة على ضياع القرآن ذهبوا إلى أبي بكر يعرضون عليه فكرة جمع القرآن، فكان متحرجًا أشد التحرج من هذا العمل الجليل، قال:

كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟











ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عن جمعه، ولكن كان من عادة الصديق رضي الله عنه أن ينظر إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإقدام على أي عمل، فما وجده اتبعه، فلما نظر ولم يجد رسول الله قد جمع القرآن تهيب الموقف، واحتار، ولكنه لما اجتمع عليه الصحابة، وأقنعوه وخاصة عمر، استصوب جمعه لما فيه من خير.

وهكذا في كل مواقفه رضي الله عنه ستجد حبًا عميقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دفعه إلى اليقين بصدق ما قال، ودفعه أيضًا إلى الإقتداء به في كل الأفعال والأقوال، ومع ذلك فإن هذا الحب العميق لم يدفعه إلى الظلم أبدًا. وأكتفي كدليل على ذلك بحادثة واحدة في حياة الصديق رضي الله عنه فقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة أبي بكر عائشة حين ذكرتها خوله بنت حكيم، وكان المطعم بن عدي قد خطبها قبل ذلك لابنه فقال أبو بكر لزوجه أم رومان:

إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، والله ما أخلف أبو بكر وعدًا قط.

ثم أتى مطعمًا وعنده امرأته فسأله:

ما تقول في أمر هذه الجارية؟

فأقبل الرجل على امرأته ليسألها ما تقولين؟

فأقبلت هي على أبي بكر تقول: لعلنا إن أعطينا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه.

فلم يجيبها أبو بكر، فسأل المطعم بن عدي: ما تقول أنت؟





فكان جوابه: إنها تقول ما تسمع.

فتحلل أبو بكر عند ذلك من وعده، وقَبِلَ خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان علقها على موافقة المطعم بن عدي مع رغبة نفسه الأكيدة في مصاهرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، طراز نادر من الرجال رضي الله عنه.

فكر وسطي
17-09-2010, 05:34 AM
..............نكمل مابدأنـــــــــــــــــــــــــــاه عن سيرة الصديق..................


....................رقة قلبــــــــــــــــــــــــــــــــــــة .................................


مقدمة.....................
بعض النفوس تكون في طبيعتها غليظة جافة، والبعض الآخر يكون في قلبه رحمة فطرية غير مصطنعة غير متكلفة، وكان أبو بكر رضي الله عنه من هذا النوع الأخير.

لقد سمع أبو بكر وصايا حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، فحفظها، وعقلها وعمل بها:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا- وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ.

كانت رقة قلبه رضي الله عنه تنعكس على حياته الشخصية، وتنعكس على علاقاته مع الناس.

وتستطيع بعد أن تدرك هذه الحقيقة، حقيقة أنه جُبِل على الرحمة والرقة والهدوء أن تفهم كثيرًا من أفعاله الخالدة رضي الله عنه.

- عن عائشة رضي الله عنها كما روى البخاري ومسلم، قالت:

لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، بكرةٍ وعشية، فلما ابتلي المسلمون (تقصد في فترة إيذاء المشركين للمسلمين في مكة) خرج أبو بكر مجاهدًا إلى أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه بن الدغنة، وهو سيد القارة فقال:

أين تريد يا أبا بكر؟

فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.

سبحان الله، سيترك التجارة، والما، والوضع الاجتماعي المرموق، والبيت، والأهل، والبلد، والكعبة، بل أعظم من ذلك عنده سيترك رسول الله صلى الله عليه وسلم، هناك بعض الناس يحبون أن يعبدوا الله بالطريقة التي يرونها هم صحيحة، لكن أبو بكر كان يعبد الله بالطريقة التي يريدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من الممكن أن يبقى أبو بكر في مكة، ويعبد الله في سرية، ويتاجر، ويحقق المال الذي يفيد الدعوة، لكن رسول الله أراد له الهجرة؛ لأنه ليست له حماية في مكة؛ لأن قبيلته ضعيفة، وهي قبيلة بني تيم، فترك كل شيء وهاجر، وإلى أرض بعيد مجهولة غير عربية، إلى الحبشة، لكن الله أراد غير ذلك وأراد له البقاء في مكة فسخر له ابن الدغنة. قال ابن الدغنة:

فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ونلاحظ أنها نفس الصفات التي ذكرتها السيدة خديجة في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأنا لك جار ارجع، واعبد ربك ببلدك.

فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشيةً في أشراف قريش فقال لهم:

أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟

فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة:

مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبنائنا.

لأن قلوب النساء، والأبناء قلوب رقيقة، وأبو بكر رجل رقيق، يخرج كلامه من القلب، فيصل إلى القلوب الرقيقة المفتقرة للمعرفة، لكنهم لا يخشون على الرجال فقلوبهم كانت قاسية، عرفت الحق، واتبعت غيره.

فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره (يعني لا يقرأ في الكعبة ولا في مجالس التقاء الناس ولا في السوق) ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين، وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه.

لا يريد أن يكتم أمر الدعوة، تتحرق نفسه شوقًا لإسماع غيره كلام الله عز وجل، وتشفق روحه على أولئك الذين سيذهبون إلى النار إذا ماتوا على كفرهم تمامًا كرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه ربه بقوله:

[لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] {الشعراء:3} .

هكذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه،


يبكي عند قراءة القرآن
كان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن.

وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا:

إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا في فناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبنائنا فانهه.

وهذا أمر طبيعي جدًا، فإذا وصلت كلمات الله وكلمات الرسول خالصة نقية إلى أسماع الناس وجردوا قلوبهم من المصالح، فمن الطبيعي جدًا أن يؤمنوا بها:

[فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] {الرُّوم:30} .

وطبيعي جدًا أن يقاتل الكافرون دون ذلك، وهم يعلمون صوابها:

[وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا] {النمل:14} .

قالوا: فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.

هنا وُضع ابن الدغنة في موقف حرج فهو لا يريد أن يخسر كل أهل قريش، كما أنه ليس من أهل مكة الأصليين ويبدو أن الكفر الشديد والعناد الكبير سيجعل مكة تغير من قوانينها وأصولها فتكسر قواعد الحماية وتعطل قانون الإجارة، قالت عائشة:

فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال:

قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجلٍ عقدت له.

هنا لا يتردد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فالدعوة في مقدمة حياته على كل شيء حتى على حياته وروحه. فقال أبو بكر:

فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل.

كانت هذه طبيعة أبي بكر، وكلنا يعلم أنه لما أشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، وذلك في مرض الموت، قيل في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ.

فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجلٌ رقيقٌ، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء.

فقال صلى الله عليه وسلم: مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ.

وفعلًا صلى بالناس، وفعلًا بكى كعادته في قراءة القرآن تمامًا كما وصفته ابنته الفاضلة السيدة عائشة رضي الله عنها: رجلٌ رقيقٌ.




موقفه مع ربيعة الأسلمي رضي الله عنهما
هذه النفس الرقيقة، والقلب الخاشع، والروح الطاهرة النقية، والطبيعة الهينة اللينة تفسر لنا كثيرًا من مواقف أبى بكر العجيبة:

- أخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال:

جرى بيني وبين أبي بكر كلام، فقال لي كلمة كرهتها وندم.

ولنتأمل أن هذا الكلام يدور في المدينة، وأبو بكر هو المستشار الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنه نائب الرئيس مباشرة، وربيعة الأسلمي هو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر كلمة كرهها ربيعة، ويبدو أن الخطأ كان في جانب أبي بكر، وأدرك ذلك، ويحدث أن يخطئ البشر مع علو قدرهم، وسمو أخلاقهم، لكنه ثاب إلى رشده بسرعة عجيبة، وشعر بالندم كما قال ربيعة وهو يصف الموقف، لكن هل وقف الندم عند حد الشعور به والتألم الداخلي فقط؟ أبدًا، رقة نفسه خرجت بهذا الندم إلى خير العمل وأسرع، وهو نائب الرئيس يقول لربيعة الخادم،

فقال لي: يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصًا.

قلت:لا أفعل.

أدب ربيعة تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقلت: ما أنا بفاعل.

فانطلق أبو بكر رضي الله عنه رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وانطلقت أتلوه، وجاء أناس من أسلم فقالوا لي:

رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال لك ما قال.

فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة في الإسلام، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه، فيغضب، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه، فيغضب الله عز وجل لغضبهما، فيهلك ربيعة.

والله إنه لمجتمع عجيب، وأعجب منه الإسلام الذي غير في نفسيات القوم في سنوات معدودات حتى أصبحوا كالملائكة.

قالوا: ما تأمرنا؟

قال: ارجعوا.

وانطلق أبو بكر الصديق رضي الله عنه وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه فقال صلى الله عليه وسلم:

يَا رَبِيعَةُ مَا لَكَ وَالصِّدِّيقُ؟

فقلت: يا رسول الله كذا وكذا، فقال لي كلمة كرهتها فقال لي: قل كما قلت حتى يكون قصاصًا. فأبيت.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أَجَلْ، لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قُلْ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ.

فقلت: غفر الله يا أبا بكر.

قال الحسن: فولى أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي.

- وكان من رقيه وحنانه يشفق على المستضعفين في مكة، يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما:

كان أبو بكر يعتق على الإسلام في مكة.

بمعنى أنه إذا أسلم الرجل، أو المرأة اشتراه من صاحبه واعتقه.

فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال أبوه:

أي بني أراك تعتق أناسًا ضعافًا، فلو أنك تعتق رجالًا جلدًا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟

وقد كان في حاجة إلى ذلك ؛لأن قبيلته قبيلة تيم كانت ضعيفة وصغيرة.

قال:أي أبت أنا أريد ما عند الله.

فنزلت فيه:

[فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] {الليل:5: 7} .

ونزلت فيه:

[وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17)الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18)وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(19)إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى(20)وَلَسَوْفَ يَرْضَى] {الليل:17: 21} .

وتأمل معي حينما يعد الله سبحانه وتعالى بنفسه عبده بأنه سيرضى، أي ثمن دُفع وأي سلعة تُشْترى؟ ما أزهد الثمن المدفوع، ولو كان الدنيا بأسرها، وما أعظم السلعة المشتراة إنها الجنة.

- لما وقع حادث الإفك وتكلم الناس في حق السيدة عائشة ابنة الصديق رضي الله عنهما، كان ممن تكلم في حقها مسطح بن أثاثة رضي الله عنه، وهو من المهاجرين، وهو ابن خالة الصديق رضي الله عنه، فحلف الصديق أن لا ينفع مسطح بنافعة أبدًا.

وهذا رد فعل تجاه من طعن ابنته، فمسطح لم يتكلم في خطأ عابر للسيدة عائشة، بل يطعن في عرضها وشرفها وهذه جريمة شنعاء وذنب عظيم. فلما نزلت البراءة وأقيم الحد على المتكلمين نزلت الآية الكريمة:

[وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {النور:22}

لا يأتل: أي لا يحلف.

أولوا الفضل: وهو وصف خاص بالصديق رضي الله عنه، وللعلماء تعليقات كثير على هذه الشهادة من رب العالمين على الصديق أنه من أولي الفضل، على إطلاقها فهي تعني كل أنواع الفضل.

فماذا كان رد فعل الصديق رضي الله عنه؟

قال الصديق:

بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا.

ثم أرجع إلى مسطح ما كان يصله من نفقة وقال:

والله لا أنزعها منه أبدًا

كل هذا وهو ليس بذنب، بل قطع فضلًا ولم يقطع حقًا لمسطح.

أما نحن فللأسف الشديد، كم مرة نسمع المغفرة، ونحن على ذنب كبير حقيقي، ونسمع:

[أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {النور:22} .

فنقول : إن شاء الله، ونُسَوف في التوبة، كم مرة سمعناها، ونحن على ذنوبنا؟

هذا هو الفرق بين الصديق، السبّاق إلى التوبة من ترك فضل وبين المُسَوّفين في التوبة، فيجب علينا أن نتوب في هذه اللحظة؛ لكي نكون قد تعلمنا حقًا من أبي بكر رضي الله عنه، وأرضاه.

- روى مسلم عن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني رضي الله عنه أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا:

ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها.

فقال أبو بكر رضي الله عنه:

أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:

يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ.

فأتاهم فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟

قالوا: لا، غفر الله لك يا أخي.


الصديق وأسرى بدر
ولما استشاره رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الأسرى في موقعة بدر، ماذا كان يرى في أولئك الذين عذبوهم وأخذوا أموالهم، وطردوهم من ديارهم، وحرصوا على حربهم، وكادوا يقتلونهم في بدر لولا أن الله من على المؤمنين بالنصر؟

انظر إليه وكأنه يتحدث عن أصحابه لا يتحدث عن الأسرى، بل كأنه يتحدث عن أصحابه وأحبابه، لقد قال:

يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ فيهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا.

أما عمر بن الخطاب، فقد كان جوابه مختلفًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟

فيرد عمر بن الخطاب فيقول، ولنتأمل كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ملهم، ومحدث ومسدد الرأي، وفيه شدة واضحة على الكفر وأهله، وهي شدة محمودة في زمان الحرب. بل إن رأيه هو ذلك الرأي الذي يريده الله ووافق فيه عمر ما أراد الله عز وجل:

والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان- أحد أقرباء سيدنا عمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه، فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء أئمتهم وقادتهم.

فيقول عمر بن الخطاب:

فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء.

نلاحظ التقارب الشديد في الطباع بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، وإن كان الصواب في الموقف كان مع عمر.

يقول عمر: فلما كان الغد غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت:

يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.

لله درك يا ابن الخطاب، عملاق آخر صنعه الإسلام رقة متناهية مختفية خلف الشدة الظاهرة، وقلب يذوب ذوبانا في حب رسول الله وتواضع جم وأدب عظيم، فقال رسول الله: لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، فَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابَهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.

ولماذا العذاب؟ وكأن بعض الصحابة أرادوا الدنيا بهذا الرأي، وينزل قول الله:

[مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {الأنفال:67، 68} .

الكتاب الذي سبق هو قوله تعالى:

[فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً] {محمد:4} .

ويلخص هذا كله رسول الله بتعليق جامع بعد قضية أسرى بدر، واختلاف العملاقين الكبيرين في الرأي:

إِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ قال:

[فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {إبراهيم:36} .

وَمَثَلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى قَالَ:

[إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] {المائدة:118}.

وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ قَالَ:

[رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا] {نوح:26}.

وَمَثَلُكَ مِثَلُ مُوسَى قَالَ:

[رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ] {يونس:88} .

ولا أحد يُخَطِّئ إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعيسى عليه السلام في رحمتهما مع المذنبين، ولا أحد يخطئ نوح وموسى عليهما السلام في شدتهما في الحق.

إذن هذه المواقف وكثير غيرها توضح مدى الطبيعة الرقيقة الحانية التي جُبِل عليها الصديق رضي الله عنه.

هذه الرقة الشديدة والنفس الخاشعة، والطباع اللينة أورثت في قلب الصديق تواضعًا عظيمًا فاق كل تواضع.

تعالوا نرقبه بإمعان وهو يودع جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، موقف عجيب، أسامة بن زيد دون الثامنة عشر من عمره، وهو جندي من جنود أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأبو بكر الصديق هو زعيم الدولة الأول، خليفة المسلمين يتجاوز في العمر الستين سنة، ومع ذلك يودع بنفسه جيش أسامة، وهو ماش على قدميه، وأسامة بن زيد يركب جواده، ولك أن تتخيل الموقف، أسامة على الجواد، وأبو بكر يسير بجواره على الأرض، قال أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل.

فقال: والله لستَ بنازل، ولستُ براكب، وما عليَّ أن أُغَبّر قدمي في سبيل الله ساعة.

يا الله، يا لها من تربية راقية تربية على منهج النبوة، يربي نفسه على التواضع، ويربي أسامة بن زيد على الثقة بالنفس، ويربي الجنود على الطاعة لهذا الأمير الصغير، ثم هو يربي كل المؤمنين على حسن التوجه وعلى إخلاص النية ووضوح الرؤية، ثم هو يريد عمر بن الخطاب معه في المدينة، وعمر بن الخطاب في جيش أسامة، ومع أن أبا بكر الصديق هو القائد الأعلى لكل الخلافة إلا إنه يستأذن أسامة بن زيد قائلًا:

إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل.

أسامة بن زيد 18 سنة، أي من عمر شاب في الثانوية العامة اليوم. وهو لا يتصنع التواضع، ولكن هذا جزء لا يتجزأ من شخصيته رضي الله عنه وعن أصحابه، وصلي اللهم وبارك على الذي علم هؤلاء مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال.

فكر وسطي
19-09-2010, 11:10 AM
....................مقدمة...................

السبق سمة واضحة جدًا في حياة الصديق رضي الله عنه وأرضاه، والشيطان كثيرًا ما يمنع الإنسان من عمل الخير عن طريق التسويف، وبالذات مع أهل الإيمان والتقوى، يقول له افعل الخير ولكن بعد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين، ولا يقول له لا تفعل الخير، فالشيطان أذكى من ذلك، وعندما يؤجل الإنسان العمل، ولو للحظات قليلة يكون معرضًا بشدة لترك العمل، إما أن ينسى العمل، وإما أن تَجِدّ له ظروف تمنع من العمل من شغل، أو مرض، أو تتغير الحماسة في القلب، بل إن الإنسان قد يموت.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه الرجل العاقل الحكيم كان يفهم لعبة الشيطان فهمًا جيدًا، كان يفهم لعبة التسويف، فما سمح للشيطان أبدًا أن يلعبها معه، كان رضي الله عنه وأرضاه أستاذًا في السبق ونبراسًا في الحسم، تشعر أنه يتحرك في حياته وقد وضع الآية الكريمة:

[وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ] {البقرة:148} .

نصب عينيه، فتجده في سباق دائم مع الزمن، وكأن اللحظة القادمة هي لحظة الموت، فلا بد أن يكون مستعدًا لها، أو هي لحظة الفتنة، فلا بد أن يكون ثابتًا، ومن المؤكد أنه سمع حديث رسول الله الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة والذي يقول:

بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بَعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا.

من يرى حياة الصديق رضي الله عنه يعلم أنه كان دائمًا يبادر بالأعمال الصالحة؛ اتقاء الفتن التي تظهر فجأة وعلى غير موعد سابق.

وإلى بعض الأمثلة التاريخية، على سبق الصديق رضي الله عنه;




سبقه إلى الإسلام

أول ما يلفت الأنظار إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه سبقه إلى الإسلام، فمن المعروف أنه أول الرجال إسلامًا، ما تردد، وما نظر، وما قال آخذ يومًا أو يومين للتفكير، بل أسرع إليه إسراعًا، وهو أمر لافت للنظر جدًا، فهو لن يغير شكله، أو بيئته، أو بلده، بل سيغير إيمانه، وعقيدته التي عاش عليها طيلة 38 سنة، أحيانًا بعض الرجال يعتقدون أنه من الحكمة التروي جدًا في الأمر، وعدم التسرع، وأخذ وقت طويل في التفكير قبل الإقدام على خطوة من خطوات الحياة، وبالذات لو كانت خطوة مصيرية، وهذا قد يكون صوابًا في بعض الأحيان، ولكن في أحيان أخرى عندما يكون الحق واضحًا جليًا مضيئًا كالشمس في كبد السماء ساعة الظهر، يصبح التروي حماقة، وتصبح الأناة كسلًا، وتصبح كثرة التفكير مذمة، هذا مثلًا ما حدث مع قوم نوح، فقوم نوح كانوا يعيبون على الذين آمنوا مع نوح عليه السلام أنهم تسرعوا في الأمر ولم يتفكروا، قالوا:

[فَقَالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ] {هود:27} .

فبادي الرأي معناها أولئك يبدون آرائهم لأول وهلة دون تفكير وتمحيص. وسبحان الله إنه لمن البلاهة أن ترى الشمس ساطعة، فتسأل عنها فتقول دعوني أفكر أولًا وأتروى: هل هي ساطعة أم لا؟

أو ترى نبعًا صافيًا سلسبيلًا في الصحراء، وأنت على مشارف الهلكة من العطش فتأخذ يومًا أو يومين تفكر هل أشرب أم لا؟!

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يرى الحق بهذه الصورة، فلماذا التردد والانتظار؟!

عُرض عليه الإسلام غضًا طريًا واضحًا، فأنار الله قلبه بنور الهداية، وأدرك الحق من أول وهلة فلماذا الانتظار؟

روى البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟

قال ذلك لما حدث خلاف بين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبين أحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم أكمل صلى الله عليه وسلم مسوغات أن يتركوا له صاحبه رضي الله عنه، قال:

إِنِّي قُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.

فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ.

إذن هي فضيلة ولا شك أن أسرع إلى الإسلام هذا الإسراع، وسبحان الله مرت الأيام، وَصَدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين كذبوه من قبل، لكن كان أبو بكر هو الفائز بأجر السبق، من الناس من صدق بعد أيام من سماع الدعوة، ومنهم من آمن بعد سنوات، ومنهم من انتظر حتى تم الفتح ثم آمن، نعم الجميع آمن، والجميع صدق، لكن الصديق فاز بها [وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ(11)فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ]{الواقعة:10: 12}. الأيام التي تمر لا تعود أبدًا إلى يوم القيامة، ولا شك أن أولئك الذين تأخر إسلامهم أيامًا وشهورًا وسنوات، كانت الحسرة تأكل قلوبهم على أيام ضاعت في ظلمات الكفر، لكن الحسرة ما أعادت الأيام، ولا شك أن الذي سارع إلى الخيرات استمتع بهذه الأيام التي قضاها في الإيمان، وفي النهاية الأيام مرت على هذا وذاك، وأنا لا أذكر هذا الكلام للتاريخ، نحن في واقع حياتنا كثيرًا ما نتردد في أعمال الخير فنؤجلها يومًا، ويومين، وشهرًا أو شهرين، ثم نفعل الخير، أو لا نفعله.

[لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] {الحديد:10} .

فالأعمال لها أجران، أجر العمل نفسه، وأجر المبادرة إليه، والسبق في تنفيذه، وقد يكون أجر السبق أعظم من أجر العمل نفسه؛ لأنها تكون بمثابة السُّنة الحسنة التي تسنها لغيرك فيقلدونك، فيكون لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.

روى الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال ; قال رسول الله صلى الله عليه وسلم;

مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا

لكن قضية إسلام أبي بكر الصديق بهذه السرعة قضية تحتاج إلى وقفة، بل وقفات، هذا قرار غير عادي، قرار مهول، بل أكثر من مهول، قرار يتبعه ترك الدين إلى دين غيره، قرار يتبعه هلكة الأموال والأولاد والأشراف، قرار يتبعه قتال الأبيض والأسود والأحمر من الناس، قرار يتبعه تكفير الآباء والآجداد، قرار يتبعه تعب ونصب ووصب، بل جهاد حتى الموت،

هذا قرار يغير المألوف الذي ألفه الناس سنوات وسنوات، وتغيير المألوف يحتاج إلى رجال من طراز خاص، وقد كان الصديق ذلك الرجل.

ولماذا اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصديق من بين كل الناس، لكي يسر له بأمر الدعوة دون غيره؟

وقد كان من المنطقي أن يدعو الرسول أحد أقاربه قبل الصديق، وخاصة في هذه البيئة القبيلة، فلماذا لم يذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا لأبي لهب، أو العباس، أو حمزة، أو غيرهم من عائلته، وأهل بيته؟

وذلك ولا شك قد كان لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقاربه، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الصديق أمورًا، ولا شك، جعلته يتيقن أنه سيوافقه، بل يعينه على أمر هذه الدعوة، ويكون له شـأن عظيم لا يغفل في هذا الدين، فمــا الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصديق رضي الله عنه؟


كيف أخذ الصديق هذا القرار الجريء المُغيّر؟
أو قل: لماذا لم يأخذ الآخرون القرار الذي أخذه الصديق ببساطة وسهولة؟

ما الذي يمنع الناس أن يؤمنوا فيتخلفوا عن ركب الصديق وأمثاله؟

وهنا نقف وقفة ونحلل، ولأننا لا نسرد التاريخ لمجرد العلم به، بل لكي نتحرك به خطوات إلى الأمام، فلنلاحظ الصفات التي كانت في الصديق رضي الله عنه وجعلته يسبق إلى الإسلام، فإن كانت موجودة عندنا، فالحمد لله، وإلا فلنستكملها، لأنه لا يمكن سبق بدونها، كذلك تساعدنا هذه الصفات في الحركة في دعوة الناس إلى الله، فمن كانت فيه مثل هذه الصفات الخيرة، فلنكن بادئين به، فإن للداعية أولويات لا بد أن تحترم، وقواعد لا بد أن تتبع. وقد حاولت أن ألم بمجمل تلك الصفات فحصرتها في عشرين صفة وهذه الصفات يكون بعضها موجود بعض الناس وبعضها الآخر في آخرين، وقد تجتمع في رجل واحد مثل الصديق رضي الله عنه.

أولًا: قبل كل شيء فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء

[إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ] {القصص:56}.

فلما يختار الله للنبوة أفرادًا بعينهم يصطفيهم على بقية البشر، فإن الله بعد ذلك يصطفي عبادًا من عباده يعينون رسل الله في قضاء مهمتهم، وفي توصيل دعوتهم، وقد كان الصديق ولا شك في ذلك من هؤلاء المصطفين. بل إن الله يصطفي من البشر أناسًا على فترات متعددة بعيدًا عن زمان الرسل، يجددون لهذه الأمة أمر دينها، إذًا أول أمر هو اصطفاء الله للصديق لينال هذه المكانة الراقية وذلك لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، وكما صنع الأنبياء على عين الله عز وجل، فكذلك الصديق رضي الله عنه قد صنع على عين الله

وهنا قد يقول قائل أن هذا الأمر ليس بيده، أي اصطفاء الله له، ولكنه لا بد أن يعلم أن هذا الاصطفاء ليس عشوائيًا، حاشا لله، ولكن الله بسابق علمه يعلم أن في هذا العبد صلاحًا وإيمانًا، فيقربه، ويهديه، نـسـأل الله عز وجل أن نكون كذلك.

ثانيًا: قد يصد الناس عن سماع الحق كراهيتهم لقائله، والحق أن أهل مكة جميعًا ما كانوا يكرهون محمدًا قبل بعثته، بل كان جلهم أو كلهم يحبه صلى الله عليه وسلم، فهو الصادق الأمين الشريف العفيف، لكن أتراهم أحبوه مثلما أحبه الصديق رضي الله عنه؟

أشك كثيرًا في ذلك، فإني لا أعتقد أن أحدًا أحب أحدًا مثلما أحب الصديق محمدًا صلى الله عليه وسلم.

محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كانا صديقين حميمين حتى قبل البعثة، وكما ذكرنا من قبل، حديث الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَناكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.

فقد تعارفت روحا النبي صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه، وأول درجات الدعوة الصحيحة أن يحب المدعو الداعية، وأن يحب الداعية المدعو، هذا الحب المتبادل يفتح القلب، وينور العقل، ولا شك أنه درس لا ينسى لكل الدعاة، إذا أردت أن يستجيب الناس لدعوتك فلا بد أولًا من حب متبادل، أَحِبّ الناس وكن أهلًا لحبهم.

ثالثًا: من الموانع الخطيرة لإجابة الدعوات الجديدة الصالحة، الكِبر، آفة عظيمة تصيب قلوب بعض العباد فتصدهم عن كل خير، الكبر أخرج إبليس من الجنة، والكبر أخرج المتكبرين في كل العصور من جنة الإيمان إلى جحيم الكفر والضلال

[وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ] {النمل:14} .

الكبر أخرج معظم عمالقة الكفر في مكة من دائرة الإيمان إلى دائرة الجحود، بل قل معظم أفراد الكفر، فالكافر لا يكون عملاقًا، مثلًا الوليد بن المغيرة كان يستكبر أن يتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم

[وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] {الزُّخرف:31}.

لو نزل على عظيم في مكة كالوليد بن المغيرة، أو على عظيم في الطائف كعروة بن مسعود الثقفي، لو نزل على هؤلاء لاتبعوهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس عظيمًا فقط، بل هو أعظم الخلق أجمعين، ولكن مقياس العظمة عند هؤلاء مقياس مختل، فالعظمة عندهم لا تكون في خلق، ولا عقيدة، بل في وفرة مال أو سعة أملاك أو بأس سلطان.

هؤلاء المتكبرون المتغطرسون يطمس الله على قلوبهم، فلا يعرفون معروفًا ولا يُنكرون منكرًا

[سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ] {الأعراف:146}.

وهكذا صرف الله قلوب المتكبرين عن الإيمان، ولكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليس من هذا الصنف، كان الصديق متواضعًا شديد التواضع، هينًا لينًا سهلًا محببًا، ذكرنا طرفًا من تواضعه وسنذكر أطرافًا أخرى في مواقف قادمة، ومن الصعب أن تخص مواقف التواضع في حياة الصديق؛ لأن تواضعه لم يكن مختلقًا أو مصطنعًا، بل كان تواضعًا فطريًا أصيلًا في شخصيته، هذه النفس المتواضعة للحق كان من السهل عليها جدًا أن ترى سبيل الرشد، وأن تتخذه سبيلا، وأن ترى سبيل الغي، ولا تتخذه سبيلا، وهو درس لا يُنسى للدعاة، فدعوة الإنسان الهين اللين المتواضع أبرك ألف مرة من دعوة المتكبر المتغطرس، وإن كان زعيمًا ممكنًا، وسبحان الله، فكما أن الحب المتبادل يسهل الدعوة، ويسهل قبول الفكرة الجديدة، فالتواضع المتبادل يسهل الدعوة أيضًا، ويسهل قبول الفكرة الجديدة أيضًا، فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم من أشد الناس تواضعًا، بل هو أشدهم على الإطلاق، ولا شك أن قبول الفكرة من الداعية الذي لا يتكبر على الخلق يكون سهلًا سلسًا طبيعيًا، بينما لا يقبل الناس عادة أفكار المتكبرين.

رابعًا: يمنع طائفة من الناس أن يصدقوا غيرهم أنهم شخصيًا اعتادوا الكذب، فالكذاب كثير الكذب، والخائن كثير الخيانة غالبًا ما يصعب عليه أن يصدق الآخرين، أو يأتمن الآخرين، ذلك لأنه دائم الظن أن الناس يفعلون كما يفعل، ويتصرفون كما يتصرف، وأبو بكر لم يكن صادقًا فقط، بل كان صديقًا، كان يستقبح الكذب، وما أوثر عنه كذبة واحدة، ورجل بهذه الصفات لا يفترض الكذب في غيره، بل هو يحسن الظن فيما يقال له، فما بالكم إذا كان الذي يحدثه رجل اشتهر بالصدق، والأمانة حتى لقب بالصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، ولم يشتهر بهذا عامًا أو عامين بل أربعين سنة، ولم يشتهر بذلك في معظم أموره، بل كل أموره، فكيف للصديق أن يفترض الكذب في رجل داوم على الصدق أربعين سنة؟

وكيف لهذا الذي ترك الكذب على الناس أن يكذب على الله رب العالمين؟

هذا استنتاج بسيط لا يغيب عن عقل الصديق، بل إنه لم يغب عن ذهن رجل ما عاشر محمدًا ولا حتى رآه مثل هرقل ملك الروم، فإنه لما سأل أبا سفيان عن صدق النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سفيان وكان ما زال كافرًا قال أنه لا يكذب، فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب عليكم ليكذب على الله.

وهكذا فالصدق المتبادل بين الداعية والمدعو من أشد عوامل قبول الفكرة، وإن كانت جديدة تمامًا.

خامسًا: كثيرًا ما يمتنع كبراء القوم عن إجابة الدعوات، بل يواظبون على حربها، ومقاومتها بسبب الخوف على السيادة والحكم.

فالحاكم الذي يستمد قوته من شرعه الذي وضعه للناس، يخشى إن جاء شرع جديد أن يستبدل بصاحب هذا الشرع، والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو أن يكون الحكم لله

[إِنِ الحُكْمُ إِلَّا للهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] {يوسف:40}.

ألا لله [أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ] {الأعراف:54}.

فأسياد البلد يرفضون السيادة الجديدة، وهذا الأمر صد طائفة ضخمة من حكام مكة في ذلك الزمان، وهذا الأمر هو الذي صد زعماء القوم من زمان نوح وإلى يوم القيامة، الخوف على السلطان، عبد الله بن أُبَي ابن سلول زعيم المنافقين في المدينة، لماذا كان يكره محمدًا صلى الله عليه وسلم؟

لأن الأوس والخزرج كانوا ينسجون له الخرز حتى يتوجوه ملكًا على المدينة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستلم سدة الحكم بالمدينة، وجعل الشرع لله والأمر لله والحكم لله، فأبت نفس ابن أبي سلول ذلك، فرفض الإيمان، ثم ادعاه ظاهرًا فأصبح منافقًا، أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلم يكن زعيمًا من زعماء قريش، وإن كان من أهل الشرف هناك، فلم يكن يخاف على ملك ضائع، أو سلطان مبدد، فلم تكن السيادة والزعامة عائقًا أمامه، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أيضًا لم يكن زعيمًا في مكة، ولم يكن يطلب زعامة بدعوته الجديدة، بل عرضت عليه الزعامة مقابل ترك هذه الدعوة، فرفض رفضًا حاسمًا باتًا، وهكذا التقى الحبيبان من جديد النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه، التقيا في رفض الزعامة، ورفض طلبها، فهان على محمد صلى الله عليه وسلم توصيل الدعوة، وهان على الصديق رضي الله عنه قبولها، ولكنه هذا لا يعني عدم قبول الزعماء للدعوة بشكل مطلق، فقد يهدي الله أحدهم، كما حدث مع سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وهم من زعماء الأنصار، ولكن لا تبدأ بالزعمـاء.

سادسًا: تعارض المصالح من أشد المعوقات لقبول الدعوات الجديدة، وخاصة المصالح المالية، قد تؤثر الدعوة الجديدة سلبًا على مصلحة أحد الناس المادية، فيقاوم الدعوة حفاظًا على مصلحته، وأبو بكر الصديق كان تاجرًا، ودين الإسلام لا يمنع التجارة، بل على العكس يحفز عليها، وهو حتى إن لم يكن يعرف تفاصيل هذا الدين، وماذا يبيح أو يمنع التجارة؟ إلا أنه يرى الداعية لهذا الدين يعمل تاجرًا، وذلك أكثر من خمسة عشر عامًا متتالية منذ زواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها، بل قبل ذلك، فقد كان يرعى تجارة عمه أبي طالب، إذن الوظيفة محفوظة، لكن ما بال تجار مكة غير الصديق يقاومون الدعوة بينما انخرط فيها الصديق؟

مكة بلد آمن، وبه المسجد الحرام وأهل الجزيرة العربية كانوا يذهبون بتجارتهم، وأموالهم يتاجرون في هذا المكان الآمن، وتجار مكة يستفيدون من هذا تمامًا، فإذا انتشرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأهل مكة يتوقعون حربًا لها من العرب، وستتحول البلد الآمن إلى بلد قلاقل وفتن ولا يأمنوا على تجارتهم؛ فلذلك سارعوا حماية لمصالحهم التجارية والاقتصادية، بمقاومة الدعوة في مهدها، بينما الصديق وإن كان تاجرًا، إلا أنه جُبِل على العطاء والكرم والزهد في المال حتى قبل إسلامه، فلم يكن حب المال عائقًا أمام الصديق يمنع من دخول الدين، وسيأتي تفصيل هذه النقطة إن شاء الله عند الحديث عن السمة الرابعة من سمات الصديق وهي ( إنكار الذات ) إذ نذكر طرفًا من عطائه رضي الله عنه، لكن المهم هنا أن نعلم أن تجار مكة الذين تغلغل حب المال في قلوبهم كانت أموالهم حجر عثرة في طريق إيمانهم، بينما تميز الصِّديق عن أقرانه بعطائه وكرمه،.ما بالكم إن كان يستمع إلى دعوة تأتي على لسان رجل ما تعلق بالمال في حياته ولو مرة واحدة سواء قبل بعثته أو بعد بعثته، وسواء قبل تمكينه أو بعد تمكينه، لا شك أن لقاء الزاهدين في المال سيكون لقاءًا مثمرًا إيجابيًا، فإن أردت أن تبدأ فابدأ بالكريم، الذي لا يتعلق بمال، ولا يبكي على ثروة.

سابعًا: التحرر من قيود القبلية والتعصب.

والقبلية عند المتحمسين تكون حاجزا لا يُعبر، وعائقًا لا يُتخطى، وخاصة في هذه البيئة العربية، ويزداد الأمر خطورة إذا كان هناك تنافس شديدًا وحاميًا بين قبيلتين من القبائل، فهذا الأمر على سبيل المثال هو الذي صد رجلًا عاقلًا حكيمًا كعمرو بن هشام (أبو جهل) فإذا به بسبب قبيلته ينقلب إلى أبي جهل، قال أبو جهل وهو من قبيلة مخزوم:

تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا، فأطعمنا، وحملوا، فحملنا، وأعطوا، فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: لنا نبي يأتيه الوحي من السماء.

فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه.

فهكذا منعت القَبَلية أبا جهل وأمثاله من دخول الإسلام.

ورجلٌ من بني حنيفة، وهي فرع من ربيعة آمن بمسيلمة الكذاب، وكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولما سئل عن ذلك قال:

والله أعلم أن محمدًا صادق، وأن مسيلمة كذاب، لكن كاذب بني ربيعة، أحب إليَّ من صادق مضر.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قبيلة ضعيفة، وهي فرع صغير من فروع قريش، تلك هي قبيلة تيم، ولم تكن القبيلة تنازع أحدًا، أو تنافس أحدًا فوقاه الله بذلك شر التعصب القبلي، ثم هو يستمع الدعوة من رجل نجيب كالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أشرف قريش نسبًا، ومن قبيلة قوية ذات منعة، ومع ذلك فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم لا يعتمد على نسبه وقبيلته، بل يدعو أبا بكر وهو من قبيلة أخرى، وهي كما ذكرنا قبيلة ضعيفة نسبيًا، إذن هذان رجلان نزعا من قلبيْهما حمية الجاهلية، ونزعا من قلبيْهما النعرة القبلية، وبحثَا عن الحق أينما كان، لا فرق بين هاشمي أو مخزومي، ولا هاشمي وتيمي، بل لا فرق بين قريش وغيرها، بل لا فرق عربي وأعجمي، الدعوة لجميع الخلق، والمفاضلة بينهم بالتقوى، هذا مقياس عادل يعجب رجلًا حصيفًا كأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

والقبلية قديمًا هي في مقابل القومية حديثًا، فالقومية العربية، والقومية التركية، والقومية البربرية ،والقومية الكردية، كل هذه صور من القبلية القديمة صدت ومازالت تصد كثيرًا من الناس عن سماع كلمة الحق وإجابة داعي الإيمان، وما تفرق المسلمون إلا بقومياتهم، ووالله لا يجتمعون إلا على الإسلام، وذلك مصداقًا لقول الفاروق رضي الله عنه:

نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فأينما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

ثامنًا: بعض الناس يكون أسيرًا للتقاليد، وإن كانت باطلة، ويكون مفتونًا بالآباء والأجداد، ولا يتخيل أن ما عاش هو عليه فترات وعاش عليه الأقدمون فترات أطول ما هو إلا ضلال في ضلال، الدين الجديد لا يُسَفّه أحلامهم فقط، بل يسفه أحلام السابقين، يسفه أحلام الآباء والأجداد، يهدم التقاليد، يزلزل التراث، هذا الذي صد رجلًا مثل أبي لهب، فأبو لهب من ذات قبيلة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو عمه، لكنه يرفض أن يسفه فكر الآباء والأجداد، وأن يسفه فكره هو شخصيًا، ولذلك فهو يرفض الدعوة، بل أشد من ذلك وأعجب أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أكثر الناس رعاية له، ومن أشد الناس حبًا فيه، ومع ذلك وقف حاجز التقاليد أمام إيمانه، ووقف تقديسه لآبائه وأجداده أمام دخول الدين مع أنه يصدق محمد في كل كلمة قالها، لكن أيخالف الأجداد؟

هذا في عرفه مستحيل، فإذا به على فراش الموت، وخير الدعاة وأحب الخلق إلى أبي طالب يقف على رأسه يرجوه أن يقول كلمة واحدة، ثم سيموت بعدها: أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ.

وماذا سيضره بعد الموت من كلام الناس والعرب، ولكن أبدًا التقاليد الموروثة والعقائد العقيمة المسمومة، أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يقفان على رأسه يلعبان على هذا الوتر القبيح، وتر التقاليد المخالفة للشرع، يقولان:

يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزالا يكلماه حتى كانت آخر كلماته:

على ملة عبد المطلب.

لا حول ولا قوة إلا بالله خسارة فادحة، وخطب عظيم، أبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يكن متمسكًا بتقاليد آبائه وأجداده، وكان من القليلين الذين يرتبطون بالحق لا بقائل الكلام، فالرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال، فهو يعلم أن الحق قد يأتي على لسان رجل شاب من قبيلة أخرى، وقد لا يأتي على لسان مُعَمّر خبير ولو كان أبوه أو جده، كما أن الله مَنّ عليه بأبيه وأمه أحياء عند ظهور الدعوة الإسلامية، فما زالت هناك الفرحة عند دعوتهما إلى الحق، وبذلك لا تسفه أحلامهما، وقد تم له بفضل الله ما أراد وما استراح إلا وقد أدخل أبويه وأولاده وزوجاته في هذا الدين، فاعرض كل تقليد أو موروث من الآباء والأجداد على الحق، فإن اتفق فبها ونعمت، وإن خالف، فلا تعدل بشرع الله شيئًا.

تاسعًا: بعض الناس يفتنون بالديانة القديمة، ويعتقدون في صحتها، وفي نبل القائمين عليها، هذا الذي صد بعض النصارى مثلًا، فهم قد غالوا في المسيح جدًا حتى جعلوه إلهًا، أو ابن الله، تعالى عما يصفون، ومن ثم فهم لا يتخيلون أن يأتي رجل، أو تأتي دعوة ترد هذا الإله المعبود إلى عبوديته، وترد هذا الرب إلى بشريته، فكانت الحرب التي لا هوادة فيها.

أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فأي شيء يُعَظّم؟

أيُعَظّم اللات؟

أيعظم العزى؟

أيعظم هبل؟

ألهم تاريخ يشهد لهم بالاحترام والتقديس؟

أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما سجد لصنم قط في حياته سواء قبل إيمانه أو بعد إيمانه، بل كان دائم الازدراء لهذه الأحجار، ويعلم علم يقين أنها ليست آلهة، فكيف ينفع غيره من لا يستطيع نفع نفسه؟

فكانت دعوة الإسلام لأبي بكر خلاصًا من دين ثقيل على النفس، وراحة لقلب شك طويلًا في اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

عاشرًا: من العوائق الهامة عند بعض الناس، أو عند كثير من الناس انغلاق الفكر، وضيق الأفق، وغياب الفطنة والذكاء، والحقيقة إنني اعتبر الكافر إنسانًا غبيًا شديد الغباء بكل ما تحمله الكلمة من معان، حتى وإن كان في ظاهره عالمًا أو حكيمًا أو فيلسوفًا إذ كيف لا يهديه ذكاؤه إلى أن خالق هذا الكون بما فيه هو إله حكيم قدير ليس كمثله شيء، دائمًا ما تأتي آيات التدبر والبحث لأولي الألباب والعقول والنهي:

[إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ] {الرعد:19}.

[أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ] {الأعراف:184} .

[قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] {سبأ:46} .

كيف يعقل أن الحجر الأصم خلق، وصور، وهدى، ورحم، وعاقب، ورزق، ونجّا؟

كيف يعقل أن بقرة تشرع أو أن شجرة تحكم وتدبر؟

الكافر شديد الغباء، هذا الذي منع مثلًا رجلًا مثل حبيب بن عمرو الثقفي من زعماء ثقيف في الطائف، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك.

وكأنه لا يستطيع التفكير وما قاده عقله القاصر إلا إلى هذا الجهل المُطبق.

وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ليس كذلك، بل هو حاد الذكاء تمامًا وكثيرًا ما كان يلتقط ببساطة ما يذهب عن ذهن الجميع، اتسم بذكاء فطري، وعبقرية فذة، إذا كان يلتقط الصعب من الأمور، أفلا يلتقط أن لهذا الكون خالقًا؟ وأن محمدًا رسول؟

حادي عشر: الجبن والخوف الشديد إلى درجة الهلع يمنع كثيرًا من الناس من تغيير المألوف، الجبن يمنع كثيرًا من البشر أن يظهروا آراءهم، أو يعبروا عن أفكارهم، وكم من قضية ماتت بسبب جبن أصحابها، وكم من حق ضاع بسبب جبن طلابه، أبو بكر أشجع الصحابة وأقواهم شكيمة، ما نكص على عقبيه منذ أسلم، ولم يؤثر عنه فرار ولا خضوع ولا فتور، فلما عرض عليه الإسلام، ورأى الحق فيه ما خاف من أحد، ولا اعتبر بالجموع التي ستواجه الدعوة حتمًا، والإسلام قرار جريء، ويحتاج إلى رجل جريء وكان أبو بكر رضي الله عنه ذلك الرجل.

ثاني عشر: الانغماس في الشهوات أيضًا من الموانع المعروفة للدعوات الإصلاحية، فصاحب الشهوات لا يريد أن ينقطع عنها، ولا يريد أن يبتعد عنها ولو إلى فترة قليلة

[فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا] {مريم:59}.

هكذا الذي جعل من نفسه تابعًا للشهوات لا بد أن يضيع الصلاة، ومن أضاع الصلاة كان على إضاعة غيرها أقدر، بل إنه الله يجعل طائفة من الناس وكأنهم يعبدون هواهم وشهواتهم، اسمع إلى قوله عز ووجل:

[أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ] {الجاثية:23} .

هذا الرجل الغارق في الشهوات المنغمس في المعاصي يكون بعيدًا تمامًا عن الدعوات الأخلاقية الفاضلة.

أبو بكر لم يكن من هذه الطائفة، بل على العكس، إنه من خيار الناس أخلاقًا حتى قبل إسلامه، ويعظم من شأن الفضائل والمكارم، وما طعنه طاعن بشيء في أخلاقه، حتى بعد إسلامه ومعاداته للكفر والكافرين، ودعوة الإسلام هي دعوة الأخلاق العظمى في الأرض، والداعي إليها صلى الله عليه وسلم أكمل البشر أخلاقًا، قبل وبعد البعثة، ولا يخفى ذلك على أحد، وكان الجميع يعلم أن هذه الدعوة هي دعوة أخلاق، حتى قبل التحريم الكامل للخمر، والزنا، والربا، وغيرها من الفواحش، ها هو جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يخاطب النجاشي ملك الحبشة في العام الخامس من البعثة يصف أخلاق الإسلام:

أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله وحده؛ لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان، وأَمَرَنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، .

إذن الدعوة الإسلامية أخلاقية منذ اللحظات الأولى لها، ورجل له أخلاق الصديق لا بد أن يستجيب لهذه الدعوة.

ثالث عشر: من الموانع الخطيرة للدعوات الإصلاحية التعود على الذل.

يكون المرء ذليلًا لا يستطيع الحراك إلا بإذن الذي يسقيه الذل والهوان، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان عزيزًا في قومه، صاحب رأي وشرف ومكانة، فكان يأخذ رأيه بإرادته، لا يمليه عليه أحد، والإنسان الذليل ليس بالتبعية أن يكون عبدًا، فكم من العبيد كانت لهم نفوس حرة، وكم ممن يظنون أنفسهم أحرارًا هم أذلاء لغيرهم، هذا بلال العبد يأخذ قراره بنفسه وينخرط بسرعة في فريق المؤمنين، وهذا على الجانب الآخر وفد بني شيبان، وهو على درجة عالية من المكانة والعز والشرف بين العرب يرفض الإسلام لماذا؟

لأنهم أذلاء لفارس، يسكنون بجوار فارس، ومع عزتهم الظاهرة إلا أنهم لا يأخذون قرارًا ولا يقطعون رأيًا يغضب الأسياد الفارسيين، وقالوا:

إن هذا الأمر- أي الإسلام- مما تكرهه الملوك.

ولذلك أجلوا إسلامهم سنوات وسنوات؛ ولذلك نلاحظ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا إلى هرقل عظيم الروم، كان مما قاله فيها صلى الله عليه وسلم:

أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ. كما جاء في البخاري.

وفي رسالة كسرى فارس قال صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ.

فشعوب الروم وفارس كانت ذليلة، لا تأخذ قرارا إلا بعد رأي الأسياد، حتى لو كان القرار قرار جنة أو نار.

رابع عشر: دعوة الإسلام دعوة رقيقة لطيفة حانية، تمس القلب، وتربت على الكتف، وتسمو بالروح، وقلوب العباد متفاوتة، فمنهم من له قلب ألين من الحرير، ومنهم من قلوبهم كالحجارة أو هي أشد قسوة، ولا شك أن غليظ الطباع، قاسي القلب، جافي النفس، سيكون بعيدًا عن هذا الدين، ولا شك أيضًا أن أبا بكر الصديق لم يكن كذلك، وتحدثنا كثيرًا عن رقته وعاطفته الجياشة ودموعه القريبة، ورجل كهذا لا بد أن يدخل الإيمان في أعماق قلبه، ولا بد أن يتأثر بكلمات الرحمن عز وجل، ولا بد أن يتأثر بكلام حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم:

[اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] {الزُّمر:23}.

فإذا بدأت فابدأ برقيق القلب، ليّن الجانب، واتل عليه كتاب الله، وسترى عجبًا.

خامس عشر: بعض الناس يعاني مرضا خطيرا لا يرجى في وجوده تغيير ولا إصلاح، بل يقعده هذا المرض حتى يرى كيف تسير الأمور؟ ثم يسير معها أينما سارت، ذلك المرض هو السلبية، السلبية تقعد بصاحبها عن كل خير، فلا يفعله إلا إذا فعله الناس، ويصبح بذلك رجل إمعة، كهذا الذي صوره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث له رواه الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه:

لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا.

فالرجل الإمعة هذا لا يصلح إلا أن يكون تابعًا، وهي صفة من صفات المنافقين

[الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا] {النساء:141} .

هذه السلبية هي التي صدت رجلًا عاقلًا مثل عتبة بن ربيعة، فإنه لما سمع كلام الله عز وجل على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأثرت فيه الآيات المعجزات من صدر سورة فصلت، عاد إلى قومه مسرعًا يتحدث عن القرآن، وكأنه داعية من دعاة الإسلام، قال:

سمعت قولًا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.

فماذا كان نتيجة هذا اليقين بصدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وماذا فعل بعد العلم، اقرأ إليه وهو يعرض رأيه، يقول عتبة بن ربيعة:

يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

فالرجل عتبة بن ربيعة سلبي إلى أبعد درجات السلبية، فهو على يقين من صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلم أن هذا الكلام ليس بكلام بشر، ومع ذلك فرأيه الذي يظنه حكيما أن تخلي قريش بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين العرب، فإن انتصر العرب عليه فهم مع العرب، وقد أراحوا أهل قريش من محمد صلى الله عليه وسلم ولم يصبهم أذى، وإن انتصر محمد صلى الله عليه وسلم على العرب سارعوا بالانضمام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، سلبية مطلقة، فلما اعترض القوم على كلامه وقالوا:

سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

فماذا فعل؟

ماذا فعل أبو الوليد الرجل العاقل الحكيم الذي أدرك صدق الرسالة؟

قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

والقوم صنعوا السيئ والقبيح، فإذا به يصنع السيئ والقبيح معهم، بل إنهم خرجوا يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، فإذا بعتبة بن ربيعة يحمل سيفه، ويخرج مع الكافرين يقاتل رجلًا تيقن أنه نبي، أي سلبية، وأي إمعية، هذا الطراز الفاشل لا يصلح للدعوات المصلحة.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه على طرفي النقيض من عتبة بن ربيعة، فليس في الإسلام رجلًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبعد عن السلبية من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ظهرت إيجابيته في كل مواقفه رضي الله عنه، ظهرت في إسلامه، وفي إعتاقه للعبيد، وفي دفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فترة مكة، ثم المدينة، وفي إعداده للهجرة، وفي ثباته في كل غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهرت إيجابيته عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهرت في حروب الردة وفارس والروم، وفي جمعه للقرآن، ظهرت إيجابيته في مساعدة الفقراء والمحتاجين وكبار السن من عامة المسلمين، كان رضي الله عنه وأرضاه نبراسًا لكل مصلح، ودليلًا لكل محسن، وما معروفًا إلا وأمر به، ولا رأى منكرًا إلا وحاول تغييره بكل طاقاته، بيده، ولسانه، وقلبه؛ لذلك شق عليه كثيرًا أن يرى بعض المؤمنين يتركون النهي عن المنكر؛ لأنهم فهموا آية من آيات الله عز وجل على غير معناها الصحيح، لقد سمع بعض المؤمنين الآية الكريمة

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {المائدة:105} .

ظن بعض المؤمنين أن هذه دعوة إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظنوا أن الله يقول لهم: عليكم أنفسكم؛ أي اهتموا بأنفسكم فقط لا يضركم ضلال الآخرين فلا تهتموا بهم.

والأمر على خلاف ذلك تمامًا، وقف أبو بكر رضي الله عنه ليصحح لهم الفهم، وليصلح فهم الطريق، قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {المائدة:105} .

وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ يُوشِكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ. روى ذلك أصحاب السنة، والإمام أحمد، وابن ماجه، وهكذا فإن الرجل الإيجابي العظيم كان ولا بد أن يسعى للتغيير، والإصلاح إذا وجد المنهج القويم المعين على ذلك، وقد وجد ضالته في الإسلام فما تردد ولا تأخر.

سادس عشر: كثيرًا ما يقتنع الرجل بفكرة، أو قضية، أو موضوع، ثم إذا به يُصَد عنها بصحبته السيئة، فكما روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ.

كثيرًا ما رأينا في فترة مكة مجموعات من الأصدقاء تؤمن أو مجموعات من الأصدقاء تكفر، فالرجل يتأثر بأحبابه وأصحابه، رأينا مثلًا رجلًا عاقلًا ذكيًا لبيبًا مثل خالد بن الوليد رضي الله عنه يتأخر الإسلام عشرين سنة كاملة، فمَنْ أصحابه المقربون؟

عمرو بن العاصي رضي اله عنه، ظل أيضًا عشرين سنة كافرًا،

وعثمان بن أبي طلحة ظل أيضًا كافرًا عشرين سنة، والثلاثة من أصحاب الذكاء والفطنة والمروءة والنجدة، لكن اجتمعوا على باطل، فأضل كل واحد منهم صاحبيه، وتعاهدوا على ذلك، ثم سبحان الله بعد السنوات الطوال، يدخل الإيمان تدريجيًا في قلب أحدهم فيسري بسهولة إلى الآخر، ثم إلى الثالث، ثم إذا بهم يذهبون للإسلام على يد الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم واحد في السنة السابعة للهجرة، وذلك ليثبتوا قيمة الصحبة، وقيمة الأخلّاء فلما كانوا على الكفر تعاهدوا عليه، ولما أشرف الإيمان في قلوبهم أيضًا تعاهدوا عليه.

مثال آخر: هو أبو البَختري بن هشام، وكان من المشركين، لكنه لم يكن يؤذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل على العكس كان من الذين قاموا لنقض صحيفة المقاطعة المشهورة، ولكونه كف الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله يوم بدر، فقابله أحد الصحابة المجذر بن زياد البلوي، فوجده يقاتل بجوار صديق له، فقال:

يا أبا البختري، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك.

فقال: وزميلي؟

فقال المجذر:لا والله ما نحن بتاركي زميلك.

فقال: والله لأموتن أنا وهو جميعا.

ثم اقتتلا فاضطر، المجذر إلى قتله، فهذه صداقة كافرة قادتهما إلى موت على كفر، ولو لم تكن الصداقة لنجا أبو البختري، ولكن اختياره لأصدقائه كان سببًا في هلاكه.


أصدقاء الصديق رضي الله عنه
[ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا] {التوبة:40} ..

صاحبه الأول حتى قبل الإسلام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى به صاحبًا، ثم أصحابه الآخرون عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله، وغيرهم من أبطال الإسلام، هؤلاء هم أصحابه قبل الإسلام، إذن رجل أحاط نفسه بدائرة من أصحاب كهؤلاء، لا بد وأن يسهل عليه أمر الإيمان، ولو صاحب الأراذل من الناس لصدوه عن الفضائل، روى البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ.

سابع عشر: من الصفات الذميمة التي كثيرًا ما صدت أقوامًا عن دعوة الإسلام صفة الجَدَل، والجدل لا يهلك الأفراد فقط، بل يهلك الأمم، والمجادلون قوم فتنوا بعقولهم، فآثروا أن يستمروا في حوار لا ينقطع، غالبًا لا ينبني عليه كثير عمل، ويخرجون من نقطة إلى نقطة، ويناقشون من زاوية، ثم إلى زاوية أخرى، وليس في العزم اتباع الحق، وليس في النية الاهتداء إلى سواء السبيل، اقرأ وصف القرآن للمجادلين من أهل قريش: [وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] {الأنعام:25} .

وصورة أخرى من الجدل:

[وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا(49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا]. {الإسراء:49، 50}.

صورة أخرى عقيمة من الجدل:

[وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلَائِكَةِ قَبِيلًا(92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا] {الإسراء:90: 93}.

صورة مكررة من الجدل والنقاش والحوار ليس من ورائها طائل، وحتى لو تحقق ما يطلبون، فسيأتون بشبهة جديدة وسؤال عقيم آخر:

[وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ] {الحجر:14، 15}.

وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كما وصفه مقربوه كان سهلًا لينًا هينًا، كان رضي الله عنه قليل الجدل، قليل السؤال، بل قليل الكلام، كان يضع أحيانًا حصاة في فيه، فإذا أراد أن يتكلم رفعها ليتكلم، وذلك حتى لا يتكلم كلما اشتهى الكلام، بل يفكر أولًا، ما إن عُرض عليه الإسلام حتى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

والله ما جربت عليك كذبا، وإنك لخليق بالرسالة لعظم أمانتك، وصلتك لرحمك، وحسن فعالك، مد يدك فإني مبايعك، وموقفه في حادث الإسراء موقف لا ينسى، مواقفه جميعًا رضي الله عنه كانت مبرأة من الجدل والمراء، فسَلِم وسلمت خطواته، وهكذا فالجدل من الصفات الذميمة التي تصد كثيرًا من الخلق عن طريق الهداية، وهي رسالة إلى كل الداعين إلى الله، أن اختبر من تدعوه فإن كان ممن تمرسوا على الجدال، ورغبوا فيه، فكن كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكن كعباد الرحمن الذين وصفهم الله عز وجل: [وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا] {الفرقان:63} .

ثامن عشر: البخل والشح من الصفات التي تبتعد بصاحبها عن دعوة الإسلام، الرجل الشحيح يعلم أن هذه الدعوة الجديدة ستحتاج إلى حماية ورعاية وتضحية وإنفاق، وهو لذلك يفكر ألف مرة، قبل أن يرتبط بهذه الدعوة، ولذلك فالشح قد يؤدي بالرجل إلى التهلكة، وتكون التهلكة باستبداله بغيره:

[هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] بل إن الشح قد يهلك أمة، روى الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهَمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ.

فالشح قد صد اليهود مثلًا عن الإيمان بهذا الدين:

[لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ] {آل عمران:181} .

قالوا هذا القول الفاحش لما سمعوا قول الله عز وجل:

[مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] {البقرة:245} .

هم جُبِلوا على التضحية بكل شيء في سبيل المال، فكيف يرتبطون بدعوة تدعو إلى جهاد بالنفس والمال؟!

أمـا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقد كان مجبولًا على حب الإنفاق، وعلى حب العطاء، وليس في الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هو أكرم من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومواقفه في ذلك لا تحصى ولا تعد.

وكان هذا العطاء قبل وبعد الإسلام، وقبل وبعد الهجرة، وقبل وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل وبعد استخلافه، وحتى آخر لحظة في حياته، رجل جُبِل على الكرم، وهذا الصنف من الرجال لا تكفيه الاستجابة فقط لدعوات الخير، بل يسعى ويكد ويجتهد، حتى يرتبط بمثل هذه الدعوات.

تاسع عشر: دعوة الإسلام هي دعوة لكل الأجيال والأعمار، هي دعوة للصغير والكبير والشاب والشيخ، لكن مما لا شك فيه أن أنسب الأعمار لتحقق الإجابة هي الفترة المتأخرة في سن الشباب، أقصد فترة الثلاثينات من العمر وأحيانًا العشرينات من العمر، وذلك أن الشيخ الكبير يكون مطبوعًا على عقائد معينة، وأفكار خاصة من الصعب أن تغيرها، وأحيانًا يعتاد أشياء خاطئة، ثم يعلم أنها خاطئة فلا يستطيع تصحيحها، وهذا واقع نشاهده وندركه، والشاب الصغير كثيرًا ما يكون طائشًا في تصرفاته، متسرعًا في أحكامه، تنقصه الخبرة اللازمة، والرأي الحكيم، ثم إنه قد يكون ملتفتًا إلى شهواته، وملذاته، منصرفًا عن من ينغص عليه هذه الشهوات والملذات، وفوق ذلك فإنه في الغالب ما يكون تابعًا لرأي والده وعائلته، وبالذات في المجتمع القبلي المعتز بالآباء والأجداد، أما الرجل البالغ في متوسط العمر فإنه قد تجاوز مرحلة الطيش والشهوات والاتباع، وأصبح يقود نفسه وعائلته، وتكون قد حنكته التجارب فيحكم الرأي، ويصيبه، ومن الناحية الأخرى فهو لم يبلغ من العمر أرذله بحيث تصده السنوات الطوال عن التغيير والإصلاح، أبو بكر الصديق أسلم وهو في الثامنة والثلاثين من العمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأربعين من العمر، وهو سن يجمع بين كل الخير، ففيه حماسة الشباب وطاقتهم، وفيه أيضًا حكمة الشيوخ وخبرتهم، فلم يكن عجيبًا أن يأخذ قرارًا هامًا مثل قرار دخول الإسلام إذا رأى فيه خيرًا، دون انتظار لرؤية والد أو كبير، يظهر هذا في حواره مع أبيه بعد ذلك، وقد أسلم الابن أبو بكر الصديق، وظل الوالد فترة كبيرة دون إسلام، فمع اختلاف العقيدة لم يكن الأب يلوم عليه كثيرًا في إسلامه، ولم يكن يعنفه أو يعذبه، مثلما فعلت القبائل الأخرى مع شبابها، بل كان يبادله الرأي، وينصحه، فمثلًا ينصحه مرة أن يعتق الرجال الأشداء من العبيد بدلًا من إعتاق الضعفاء حتى يحمونه، ومرة ينصحه بترك مال للأولاد، ولا ينفقه كله في سبيل الله، نعم وجهات نظر مختلفة عن وجهة نظر الصديق رضي الله عنه، لكنه لم يكن يفرض عليه رأيًا، أو يجبره على فعل، فقد صار الصديق رجلًا حكيمًا عاقلًا، قد يحتاج إلى مشورة، ولكنه لا يحتاج إلى إكراه أو إرغام، وسبحان الله، فإن سن الأربعين هذا هو غاية النضج والرشد، وفيه تكتمل جميع الطاقات، ويصبح الإنسان قادرًا على التفكر والتدبر والرجوع إلى الصواب، والاستقامة على المناهج السليمة، وقد بين الله ذلك في كتابه عندما قال:

[حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ] {الأحقاف:15} .

بلوغ الأشد، وهذا الكلام العاقل الرزين، وهذه العودة إلى الله أقرب ما تكون عند سن الأربعين وما حولها، يقول ابن كثير:

[وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً] {الأحقاف:15} أي: تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه.

وأبو بكر لم يختر أن تنزل الرسالة، وهو في سن الثامنة والثلاثين قريبًا من الأربعين، ولكن الله اختار ذلك، فكما صنع محمدًا على عينه سبحانه، وهيأه للرسالة، وهو في الأربعين من عمره، فإن الله أيضًا اصطفى من الخلق من يصلح أن يكون صاحبًا لهذا الرسول، وخليفة من بعده، فهيأه منذ خلق، وولد؛ ليكون في هذا العمر وقت نزول الرسالة

[صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ] {النمل:88}.

عشرون والأخيرة: إذا توافقت بعض صفات الفرد مع فرد آخر، فإنه ينشأ نوع من التجاذب بين الفردين، وكلما زادت التوافق كلما ازداد التجاذب، حتى يصل إلى حد أن يكون الفردان روحًا واحدة في جسدين، فيفرح أحدهما فرحًا حقيقيًا لفرح الآخر، ويحزن أحدهما حزنًا حقيقيًا لحزن الآخر، ويألم أحدهما حقيقة لألم الآخر، حالة كهذه تفسر أن يقتنع رجل برأي رجل آخر، بل يدافع عنه إلى نهاية المطاف، مع كون هذا الرأي محارَبًا من عامة الناس، ذلك أنه أصبح دون تكلف، ولا افتعال كرأيه تمامًا، ولا أحسب أن رجلًا في أمة الإسلام كان شديد الشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبالطبع فالمقصود هو الشبه في الأخلاق والأفعال لا في الصور والأجساد، ألا يلفت الأنظار أن الصفة الرئيسية التي اشتهر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة قبل البعثة وبعدها هي صفة الصدق، والأمانة، فعُرف بالصادق الأمين، ثم تجد أن الصفة الرئيسية التي اشتهر بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه هي أيضًا صفة الصدق حتى عرف بالصديق، بل كان عمله في الجاهلية كما سيأتي شرحه إن شاء الله هو ضمان الديات والمغارم، وهو عمل يحتاج إلى صدق وأمانة، ألا يلفت هذا الأنظار إلى شخصيتين متقاربين جدًا، حتى في غلبة صفة معينة على لقبهم الذي يشتهران به، فيعرف هذا بالصادق الأمين، وهذا بالصديق، بل أعجب من ذلك، لما نزل الوحي على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، عاد مذعورًا إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يرجف فؤاده وهو يقول:

زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي.

ثم أخبر خديجة بالخبر، وقال لها:

لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي.

فقالت خديجة رضي الله عنها وأرضاها:

كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا.

ثم بدأت تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا قالت؟

قالت: إنك لتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

هذه هي المبررات التي قالت من أجلها السيدة خديجة إن الله لا يخزي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي جميعًا صفات تختص بعلاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمجتمع الخارجي، وعلاقاته بالناس، وهي أساس الدين.

احفظ هذا الموقف، وتعال نراجع ما قاله زيد بن الدغنة سيد قبيلة القارة وهو يسأل أبا بكر عن سبب خروجه من مكة مهاجرًا إلى الحبشة، فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي.

هنا قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله.

لماذا في رأي ابن الدغنة لا يجب أن يخرج ولا يخرج رجل مثل أبي بكر؟ يبرر ذلك فيقول:

إنك تكسب المعدوم، وتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

سبحان الله، نفس الخمس صفات التي ذكرتها السيدة خديجة في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الاتفاق الملحوظ يفسر كثيرًا سرعة تلبية الصديق لدعوة الإسلام، فالدعوة وكأنها أنزلت عليه لا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحركته لها ستكون في حماسة قريبة جدًا من حماسة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نجد شخصًا فيه هذا التوافق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كالذي كان بين الصاحبين الجليلين مما يؤكد أن الله كما اختار محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة فقد اختار أبا بكر للصحبة.

ثم من فضل الله على الأمة أن استخلف أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان امتدادًا طبيعيًا جدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع عظم الخطب بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن الاستخلاف بالصديق هون كثيرًا من المصيبة على المسلمين.

إذن نقول: إن موانع الاستجابة لدعوة الإسلام لم تكن موجودة عند الصديق رضي الله عنه، بل على العكس كانت لديه دوافع كثيرة لسرعة التلبية، عددنا منها عشرين أمرًا، ولعل هناك أكثر من ذلك، والأمر مفتوح للبحث؛ لأن الحدث كبير، ويحتاج إلى وقفات كثيرة، وتحليلات أكثر.

كانت هذه الفقرة السابقة بكاملها، وهي فقرة سبقه إلى الإسلام عبارة عن نقطة من النقاط التي تثبت الصفة الثالثة من صفات الصديق رضي الله عنه الأساسية التي نتحدث عنها، وهي صفة السبق والحسم وعدم التسويف، وإن كان السبق إلى الإسلام حدثًا هامًا لا يغفل، فالسبق في حياة الصديق رضي الله عنه كان علامة مميزة له في كثير من المواقف الأخرى، بل لعله كان حريصًا ألا يُسبق في أي مجال من مجالات الحياة، تشعر وأنت تقرأ سيرته أنه قد اتخذ في حياته شعارًا واضحًا: [وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] {طه:84} .

فكأنه رضي الله عنه وأرضاه دائم العجلة إلى الله عز ووجل.

نذكر هنا بعض الأمثلة الأخرى التي تساعد في فهم معنى السبق في حياة الصديق رضي الله عنه، وإن كان من المستحيل حصر كل الأمثلة في حياته، فهي حياته كلها:



سبقه إلى الاطمئنان على إيمانه
حرصه، وسبقه، وحسمه في الاطمئنان على صدق إيمانه، وعلى عقيدته، وهذا كلام قد يتعجب له الكثير، قد نفهم أن نعرض قضية سرعة إسلامه للمناقشة؛ لغرابتها، ولكن الجميع يعلم أنه منذ أن أسلم وهو أعلى الصحابة إيمانًا وأمنتهم عقيدة، فكيف يسارع إلى الاطمئنان على عقيدته وإيمانه، هل من الممكن أن يشك أحد في هذا الإيمان، وفي هذه العقيدة، اسمع إلى هذه القصة العجيبة:

روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي ربعي حنظلة بن ربيع الأسيدي الكاتب أحد كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال:

كيف أنت يا حنظلة؟

فالصديق رضي الله عنه يطمئن على حال حنظلة بسؤال عادي: كيف أنت؟ لكن حنظلة رضي الله عنه فاجأ الصديق بإجابة غير عادية، إجابة غريبة، قال:

نافق حنظلة.

نافق حنظلة؟! حنظلة من الرجال المشهود لهم بالإيمان، فكيف يقول ذلك عن نفسه، تعجب الصديق رضي الله عنه، وسارع يقول:

سبحان الله، ما تقول؟

فبدأ حنظلة رضي الله عنه يفسر كلماته العجيبة وقال:

نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة، والنار كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا.

يقصد أنهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأثرون كثيرًا بالكلام عن الجنة والنار، حتى وكأنهم يرونها عيانًا بيانًا، ومن المؤكد وهم في هذه الحالة يعتزمون أن لا يفعلوا شيئًا في حياتهم إلا أفعال الآخرة فقط، ينوون أن يخرجوا، فيفردون الأوقات الطويلة في الصلاة والقرآن والقيام والدعوة والجهاد وغير ذلك، ويصبحون في حالة زهد تام في الدنيا وقناعها، لكن سبحان الله إذا خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلطوا بأمور الحياة الطبيعية، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، يعني لاعبنا وتعاملنا مع الأزواج، والأولاد، والمعايش المختلفة، عند هذه الحالة الأخيرة ينسون كثيرًا مما سمعوه من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، هذا التباين في حالتهم في مجلس العلم، وحالتهم في معترك الحياة العامة عده حنظلة نفاقًا، وهذه ولا شك حساسية مفرطة وتحرٍ عميق لقضية الإيمان، وكان من المتوقع من أبي بكر الصديق الذي يزن إيمانه إيمان أمة أن يهون الأمر على حنظلة، ويوضح له أن ذلك يعتبر شيئًا طبيعيًا، فمن المستحيل على المرء أن يظل على حالة إيمانية مرتفعة جدًا دون هبوط، ولو قليل، كان من المتوقع من هذا الصديق رضي الله عنه الذي لا يشك أحد في إيمانه، والمبشر بالجنة تصريحًا والمقدم على غيره دائمًا، كان من المتوقع منه أن يحادثه في قضية الإيمان برباطة جأش، وثبات قدم، لكن الصديق رضي الله عنه رجل المفاجآت رضي الله عنه، وقف يحاسب نفسه بسرعة، عقله لا يتوقف عن مساءلة نفسه، وقلبه لا يطمئن على عظيم إيمانه، حاسب نفسه بصراحة ووضوح فكانت المفاجأة العظمى أن قال:

فوالله إنا لنلقى مثل هذا.

سبحان الله، أبو بكر الصديق المشهود له بالإيمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ليس إيمانًا عاديًا، بل إيمان كإيمان أمة، أو يزيد، والمشهود له بالتقوى من الله عز وجل، حيث قال في حقه:

[وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى] {الليل:17} .

يقصد أبا بكر، هذا الرجل يجد في نفسه هذا الأمر الذي خشي أن يكون نفاقًا، ومع أن الخاطر عجي ومع أن الهاجس غريب، ومع أنه من الطبيعي تمامًا لرجل في مكانته أن يطرد هذه الأفكار بسرعة، إلا أن الصديق ليس كذلك، الصديق يسبق إلى الاطمئنان على إيمانه، فإذا به يسارع مع حنظلة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للاطمئنان على قضية الإيمان، يقول حنظلة رضي الله عنه:

فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم هنا سارع حنظلة يقول:

نافق حنظلة يا رسول الله.

فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

وَمَا ذَاكَ؟

قال حنظلة:

يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، كأنا رأي العين،فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا.

هنا يتكلم الطبيب الماهر، والحكيم العظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأني الحظ على وجهه ابتسامة رقيقة وبشرًا في أساريره وحنانًا في صوته بأبي هو وأمي، وهو يقول في هدوء وتؤدة:

والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكِمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً.

ثلاث مرات.

ومن المفهوم يقينًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقصد ساعة طاعة وساعة معصية كما يفهم كثير من الجهال أن هناك ساعة لله، وساعة يخرجون فيها عن منهجه وشرعه، لكن المقصود هو ساعة تفرغ وخلوة واجتهاد في الطاعة، وساعة أخرى تفرغ لأمور الدنيا الحلال، والذي يطالب الإنسان بها أيضًا في شرع الله كرعاية الأزواج والأولاد، ومتابعة أسباب الرزق واللهو الحلال، والنوم الذي لا يضيع صلاة، وغير ذلك من أمور الحياة المختلفة.

الشاهد اللطيف في القصة هو حرص الصديق على قضية الإيمان مع أنه كان من الممكن أن ينتظر حتى يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة من الصلوات، لكنه سارع إليه مطبقًا شعاره

[وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] {طه:84}.

سبقه إلى الدعوة
وسبحان الله، إن كان عجيبًا سبق الصديق إلى الإسلام، فلعل الأعجب من ذلك سبقه إلى الدعوة إلى هذا الدين، وحماسه لنشره وحميته لجمع الأنصار له، وسرعته في تبليغ ما علم من الرسول صلى الله عليه وسلم مع قلة ما علمه.

سَبَق الصديق إلى الدعوة إلى هذا الدين الجديد، فإذا به يأتي في اليوم الأول لدعوته بمجموعة من الرجال قَلّ أن يجتمعوا في زمان واحد، الرجل بألف رجل أو يزيد، أتى في اليوم الأول بخمسة هم:

عثمان بن عفان.

الزبير بن العوام.

سعد بن أبي وقاص.

طلحة بن عبيد الله.

عبد الرحمن بن عوف.

ما هذا؟! هؤلاء الخمسة، صناديد الإسلام، وعباقرته، أتوا جميعًا على يد الصديق؟ نعم، صِدْق، فهو الصديق، والحدث عظيم، ويحتاج إلى وقفات، فبتحليل إسلام هؤلاء الخمسة يزداد المرء عجبًا:

الملحوظة الأولى:

ليس من هؤلاء أحد من قبيلة بني تيم إلا طلحة بن عبيد الله فقط، وبقيتهم من قبائل أخرى فعثمان بن عفان أموي، من بني أمية، والزبير بن العوام من بني أسد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف من بني زُهرة، فالاستجابة له لم تكن من باب القبلية، ولكن كما هو واضح كان له صداقات قوية، وعلاقات وطيدة بكثير من أركان المجتمع المكي قبل الإسلام، وهذا ولا شك أساس من أسس الدعوة.

الملحوظة الثانية:

أن أعمار هذه المجموعة كانت صغيرة جدًا، وبعيدة عن عمر الصديق، فالزبير بن العوام رضي الله عنه كان في الخامسة عشر من عمره، ومع ذلك لم يستقله أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأَسَرّ له بهذا السر الخطير، سِرّ دعوة الإسلام في بلد لا محالة ستحارب هذه الدعوة، في الخامسة عشر من عمره، هذا يعني أنه في سن ولد في الصف الثالث الإعدادي في زماننا، يعني الزبير بن العوام أخذ قرار الإسلام وتغيير الدين ومحاربة أهل مكة جميعًا وهو في الإعدادية، ويبدو أن تربيتنا لأطفالنا تحتاج إلى إعادة نظر، فكثير منا ينظر إلى ابنه في الجامعة، وبعدها على إنه صغير لا يتحمل مسئولية، ولا يأخذ قرارًا بمفرده، وطلحة بن عبيد الله كان أكبر من ذلك قليلًا، وكذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان في السابعة عشر من عمره، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نحو ذلك أيضًا، وكان أكبرهم هو عثمان ن عفان، ويبلغ من العمر آنذاك حوالي الثامنة والعشرين.

إذن أبو بكر الصديق قبل الإسلام كان له علاقات طيبة مع كل طوائف مكة على اختلاف قبائلها، وعلى تفاوت أعمارها، وعندما فكر في تبليغ الدعوة بلغها للشباب من أهل مكة، وبالذات لأولئك الذين اشتهروا بالطهر والعفاف، وحسن السيرة، فكان لهم بمثابة الأستاذ لتلامذته، سمعوا له، واستجابوا، فكان خيرًا له ولهم، وللإسلام، والمسلمين، وهي إشارة لكل الدعاة أن يعطوا قدرًا أكبر وأعظم للشباب، فعلى أكتافهم تقوم الدعوات.

الملحوظة الثالثة:

أنه بعد أن أتى بهذا الرعيل الأول، وهذا المجهود الوافر، ما فتر حماسه، وما كلت عزيمته، ولكنه أسرع في الأيام التالية يأتي بغيرهم، أتى بأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أمين هذه الأمة، وهو من بني الحارث بن فهر، وكان يبلغ من العمر سبعة وعشرون عامًا، وجاء أيضًا بالصحابي الجليل عثمان بن مظعون وهو من بني جمح، ثم أتى بالأرقم بن أبي الأرقم وأبو سلمة بن عبد الأسد وهما من بني مخزوم، وما أدراك ما بنو مخزوم، هي قبيلة تتنازع لواء الشرف مع بني هاشم قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف أثر عليهما حتى يأتي بهما يدخلان في الإسلام تحت قيادة رجل من بني هاشم؟

هذا أمر لافت للنظر ولا شك، ومن الواضح الجلي أن الصديق رضي الله عنه كان قريبًا من قلوبهم إلى درجة أقرب من القبيلة والعنصرية والعصبية وحمية الجاهلية، وغير ذلك من الدوافع المنتشرة في ذلك الزمان، ومن الجدير بالذكر أن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه والذي فتح بعد ذلك بقليل بيته للمسلمين، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدون فيه لقاءاتهم ويتعلمون فيه دينهم بعيدًا عن عيون مكة، ومعرضًا نفسه لخطر عظيم وخطب جليل، جدير بالذكر أن هذا البطل المغوار والمغامر الجريء كان يبلغ من العمر ستة عشر عامًا فقط، ولا تعليق.

الملحوظة الرابعة:

أن ستة من الذين دعاهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه للإسلام من العشرة المبشرين بالجنة، وهم صفوة الصحابة وخير الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم، والآخرون أيضًا من أهل الجنة إن شاء الله فهم من السابقين السابقين، وإن العقل ليعجز أن يتخيل حجم الثواب الذي حصله أبو بكر الصديق من جراء دعوته لهؤلاء وغيرهم، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:

مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْآثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا.

وكما قال أيضًا صلى الله عليه وسلم في حديث الإمام مسلم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري:

مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ.

فتدبر يا عبد الله في أفعال العظماء الذين أتى بهم الصديق رضي الله عنه، تدبر في أعمال عثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وأبي عبيدة، والأرقم، وأبي سلمة، وعثمان بن مظعون، ثم سيأتي بعدهم آخرون أمثال بلال، وعامر بن فهيرة، وغيرهم، تدبر في ذلك، وأعلم أن أجور هؤلاء جميعًا، ومن هداهم الله على أيديهم، كل هذا في ميزان الصديق رضي الله عنه وأرضاه، حتى تعلم عظم الدعوة إلى الله، وشرف العمل الذي وكله الله للأنبياء ومن سار على نهجهم

[وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] {فصِّلت:33}. تدبر في كل هذا، ثم تدبر في مجهوداتنا لهذا الدين، هذا الصديق أتى بهؤلاء، وحمل معه أجور هؤلاء، فمَن مِن البشر أتينا به إلى طريق الله، وكم من الأجور حملنا معنا في ميزاننا، سؤال لا بد أن نقف مع النفس وقفة لإجابة، ونسأل الله أن يسدد خطانا ويبصرنا بما يصلح ديننا ودنيانا وأخرتنا.

نعود إلى بطلنا الصديق رضي الله عنه، ونتساءل لماذا استجيب لدعوته بهذه السرعة؟

ولماذا أحبه قومه لهذه الدرجة؟

اسمع كلام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وهو يصف أبا بكر الصديق، ولاحظ أن هذا الوصف قاله طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يوم إسلامه، قال:

وكنت أعرف أبا بكر، فقد كان رجلًا سهلًا محببًا موطأ الأكناف.

أي لين الجانب، فها هي صفة أولى نلاحظها في كلام طلحة رضي الله عنه، فالصديق كان سهلًا محببًا إلى القلوب، كان لينًا مع الناس رفيقًا بهم، كان حنونًا عطوفًا رحيمًا، ورجل بهذه الصفات لا بد أن يحبه الناس، وصدقت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تصف المؤمن فتقول:

الْمُؤْمِنْ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرٌ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ.

روى ذلك الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وروى البخاري ومسلم عن السيدة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها أنها قالت:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ.

ونكمل الاستماع إلى وصف طلحة رضي الله عنه لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:

وكان تاجرًا ذا خلق واستقامة.

وهنا أيضًا نلاحظ سمات لا بد أن تجذب القلوب لصاحبها، الصديق كان تاجرًا، وكان كثير الأموال، وكان رجلًا معطاءً، كثير العطاء، والناس بطبعها تحب مجالسة الرجل الذي ألف العطاء، وألف السخاء، وإن كانوا لا يريدون منه مالًا، فعلى الأقل هو لن يطلب منهم شيئًا، والناس أيضًا بطبعها تنفر من الذين يطلبون منهم شيئًا، ويستقرضونهم في كل مناسبة، ومن ثم فلا عجب أن أهل مكة كانوا يحبون مجلس الصديق رضي الله عنه، فوق ذلك يقول طلحة رضي الله عنه:

كان تاجرًا ذا خلق واستقامة.

والتجارة والمال الكثير كثيرا ما يغيران من نفوس الناس، وكثيرًا ما يغش التاجر في تجارته، ويدلس على زبائنه، وكثيرًا ما يحلف على بضاعته بالكذب ليزداد ربحًا، والتاجر المستقيم صاحب الخلق لا بد وأن يكون محبوبًا، ولا بد أن يكون مقربًا لقلوب الناس، وبالتبعية، فإن الله يعظم جدًا من أجر التاجر المستقيم، روى الترمذي والدارمي وقال الترمذي: حديث حسن. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ.

فإذا كان التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقي فما بالك بالتاجر الصِّديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ويكمل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه كلامه عن الصديق فيقول:

وكنا نألفه، ونحب مجالسه؛ لعلمه بأخبار قريش، وحفظه لأنسابها.

فها هي صفة جديدة تحبب الناس في الصديق، وكان لها أثرًا في استجابة الناس له، فالصديق كان عالمًا بالعلم الذي يفيد في زمانه، والعلم الذي يحتاجه أهل البلد، علم الأنساب كان رضي الله عنه أعلمهم بالنسب، وهذا أمر بالغ الأهمية في المجتمع المكي القديم، شهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته بنت الصديق عائشة رضي الله عنها وجاء في صحيح مسلم أن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وفوق علمه بالنسب، فهو كريم الخلق، فلم يطعن في نسب أحد مهما علم فيه من مثالب ومساوئ، وهذا يجعله، ولا شك محبوبًا للناس جميعًا، وهي رسالة إلى كل الدعاة أن عليهم أن يتعلموا العلم النافع الذي يصلح بيئتهم ومجتمعهم، وأن لا يتكبروا بعلمهم على الناس، فذلك- كما علمنا الصديق- الطريق إلى قلوب العباد.

الملحوظة الخامسة:

والصديق رضي الله عنه وأرضاه لم يكن حريصًا على أصدقائه ومعارفه على حساب أهل بيته، كثير من الدعاة ينفقون الساعات الطوال في دعوة الآخرين، ثم هم يقصرون تقصيرًا شديدًا في دعوة أهل بيتهم، مع أنهم سيسألون عنهم قبل الآخرين، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

الصديق رضي الله عنه كان راعيًا في بيته، وكان مسئولًا عن رعيته رضي الله عنه، أدخل في الإسلام زوجته أم رومان رضي الله عنها، وزوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وأدخل أولاده عائشة، وأسماء، وعبد الله رضي الله عنهم أجمعين، ثم ما لبث أن أدخل أمه أيضًا في الإسلام بعد أن طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالهداية، وتأخر ابنه عبد الرحمن عن الإسلام كثيرًا فقد أسلم يوم حديبية، فشق ذلك على أبي بكر وكان له موقف عجيب معه سيأتي شرحه لاحقًا إن شاء الله، وتأخر إسلام أبيه أكثر من ذلك، لكن ما نسيه الصديق رضي الله عنه وأرضاه، حتى كان يوم فتح مكة، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو قحافة أبو أبي بكر الصديق رجلًا مسنًا طاعن في السن حتى قالوا كان رأسه ثغامة (والثغامة نبات أبيض يُشَبه به الشيب) فجاء به الصديق رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرسول الكريم المتواضع صلى الله عليه وسلم:

يَا أَبَا بَكْرٍ هَلَّا تَرَكْتَهُ حَتَّى نَأْتِيَهُ.

فقال أبو بكر في أدب جم:

هو أولى أن يأتيك يا رسول الله.

فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إِنَّا نَحْفَظُهُ لِأَيَادِي ابْنِهِ عِنْدَنَا.

وهكذا فعائلة الصديق كلها مسلمة، بل لم تجتمع الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أجيال أربعة متعاقبة في عائلة واحدة إلا في عائلة الصديق رضي الله عنه، فالجيل الأول هو جيل أبو قحافة وزوجته والدا الصديق رضي الله عنه، والجيل الثاني هو الصديق رضي الله عنه وزوجاته، والجيل الثالث أولاد الصديق أسماء وعائشة وعبد الله وعبد الرحمن، والجيل الرابع هم أحفاد الصديق ولهم صحبة مثل عبد الله الزبير بن العوام ابن السيدة أسماء رضي الله عنها، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، فهذه العائلة المباركة بارك الله فيها، وعمت بركتها على أمة المسلمين جميعًا.


سبقه في كل أعمال الخير
وكما رأينا سبقه رضي الله عنه وأرضاه في الإسلام والإيمان والدعوة، فإننا أيضًا نرى بوضوح سبقه رضي الله عنه في كل أعمال الخير، يروي لنا الإمام مسلم عن أبي هريرة، والبيهقي عن أنس والبزار عن عبد الرحمن بن أبي بكر حديثًا يوضح لنا مثالًا لمسارعة الصديق رضي الله عنه إلى الخير، نذكر هنا رواية البزار؛ لأن فيها توضيحًا أكثر للموقف، يقول عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما:

صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال:

مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟

فقال عمر: يا رسول الله، لم أحدث نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت مفطرًا. فقال أبو بكر: ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت صائمًا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هَلْ أَحَدٌ مَنْكُمُ الْيَوْمَ عَادَ مَرِيضًا؟

فقال عمر: يا رسول الله لم نبرح، فكيف نعود المريض؟

فقال أبو بكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاكٍ، فجعلت طريقي عليه؛ لأنظر كيف أصبح؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ مِسْكِينًا؟

فقال عمر: صلينا يا رسول الله، ثم لم نبرح؟

فقال أبو بكر: دخلت المسجد، فإذا بسائل، فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن، فأخذتها، ودفعتها إليه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أَنْتَ فَأَبْشِرِ بِالْجَنَّةِ.

ثم قال كلمة أرضى بها عمر، بل إن في رواية أبي هريرة في صحيح مسلم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا فيقول:

فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟

فقال أبو بكر: أنا.

وفي نهاية الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ.

حقًا، من العسير والله أن تحصر مواقف السبق في حياة الصديق رضي الله عنه وأرضاه فالسبق في حياته يشمل كل حياته، يلخص هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الذي رواه أبو داود، والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. يقول عمر:

أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالًا عندي، قلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا. فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟

قلت: مثله.

وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟

قال: أبقيت لهم الله ورسوله.

فقلتُ - أي عمر - : لا أسبقه في شيء أبدًا.

فكر وسطي
22-09-2010, 03:40 AM
...................الصديق وانكـــــــــــــــــــــــــــــــــــااار الذات...................


مقدمة.........................

إنكـار الذات معناه: أن الإنسان لا يرى نفسه مطلقًا، ليس لنفسه حـظٌ في حياته، وإن كان حلالًا، وإن كان مقبولًا في عرف الناس، وفي الشرع، لكنه دائمًا يؤخر نفسه، ويقدم غيره.

إنكار الذات معناه: أن تتخلص النفس من حظ النفس، فلا تهتم بثنـاءٍ، ولا مدح، ولا تنتظر أن يشار إليها في قول أو فعل.

إنكار الذات معناه: أن تؤخر حاجات النفس الضرورية، وتقدم حاجات الآخـرين، حتى وإن لم تربطك بهم صلات، أو علاقات رحم، أو مصلحة، أو مـال.

إنكـار الذات هو أعلى درجات السمو في النفس البشرية، تقترب فيه النفس من الملائكة، بل لعلها تفوق الملائكة، لأن الملائكة جبلت على الطـاعة، أما الإنسان فهو مخير بين الخير، والشر.

ولعل أكثر مثل يوضح لنا إنكار الذات نجده في الأم، في تعاملها مع أولادها، وليس معنى إنكار الذات، أن الإنسان لا قيمة له، بل على العكس، فالمنكرون لذواتهم هم أعلى الناس قيمةً، وأرفعهم قدرًا، لكنهم لا ينتظرون من الناس مقابلًا لذلك.

الأم مثلًا لا ترى نفسها أمام أولادها، قد تتعب، قد تـسـهر، قد تنفق، قد تـسـاعد، تفعل أي شيء، أي شيء، وهي سعيدة بذلك؛ لأنها أسعدت أولادها، ولا ترى ما أصابها من تعب أو سهر أو مرض، هذه هي الأم.

بيد أن إنكار الذات عند المؤمن أعلى من ذلك، أعلى من ارتباط الأم بوليدها، لمـاذا؟

ذلك لأن الأم ترتبط بوليدها برابطة فطرية، طبيعية، كما أنها لا تنكر ذاتها إلا مع أطفالها، فقد لا تفعل ذلك مع جيرانها، أو معارفها، أو أقاربها، أو حتى مع زوجها، أمـا المؤمن الذي يفعل ذلك، فإنه ينكر ذاته في حياته كلها، مع القريب والبعيد، مع الأهل، وغيرهم، مع الأصحاب، وغير الأصحاب، بل قد يفعل ذلك مع من أخـطـأ في حقه وآذاه، صفة عجيبة حقًا ، صعبة، عالية جدًا، في أعلى درجات سلم الإيمـان.


أين حظ النفس عند الصديق؟
ولقد كان الصديق رضي الله عنه من أروع الأمثلة الإسلامية على صفة إنكار الذات، أنكر الصديق رضي الله عنه ذاته في حق الله عز وجل، فلا يأمره الله بشيء، ولا ينهى عن شيء، إلا امتثل، واستجاب، مهما كانت التضحيات، الصديق أنكر ذاته في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواقفه في إنكار ذاته مع الرسول لا تحصى، فهو لم يكن يرى نفسه مطلقًا بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصديق قد أنكر ذاته مع المؤمنين، حتى من أخطأ في حقه منهم، بل حتى من تجاوز خطؤه الحدود المألوفة، المعروفة بين الناس

ابحث في حياة الصديق، ونَقّب، أين حظ النفس عند الصديق؟

لا تجد، أين إشباع الرغبات الطبيعية عند البشر من حبٍ للمال، وحبٍ للجاه، والسلطان، وحب للسعادة، وحب الظهور، بل حب الحـيـاة؟

أين ذلك عند الصديق؟

لن تجده أبدًا، مثال عجيب من البشر، وآية من آيات الرحمن في خلقه،

ولعلنا نكتفي هنا بالمرور السريع على مثال من إنكار الصديق لذاته، ولعلنا نتوقف عند المـال مثلًا.

أين حظ الصديق من ماله؟

جبل الصديق رضي الله عنه على حب العطاء، حتى لتشعر وأنت تقرأ سيرته أنه يستمتع بالعطاء ويبحث عنه، وهذا شيء عجيب، فالإنسان بصفة عامة جبل على حب المال حبًا شديدًا، قال عز وجل: [وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا] {الفجر:20} .

وقال: [قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا] {الإسراء:100} .

أي شديد البخل وشديد المنع، الصديق لم يكن كذلك، وسبحان الذي سَوّاه على هذه الصورة، فالصديق كان يحب الإنفاق حتى في الجاهلية قبل أن يسلم. عمله في ضمان الديات: كان رضي الله عنه قبل إسلامه مسئولًا عن ضمان الديات والمغارم في مكة، فإذا سأل قريشًا ضمانًا قبلوه، وإذا سألهم غيره خذلوه، وهذا عمل خطير، فقد يتحمل الصديق دية رجل، ثم لا يوفي أهله، فيكون على الصديق قضاؤها، أي أنه عمل فيه خسارة، ويحتاج إلى كثير من المال، وإلى نفس راغبة في قضاء حوائج الناس، وتحمل مغارمهم، إذا كان هذا هو الصديق قبل إسلامه، فما بالكم بعد أن أسلم؟

ما بالكم كيف يكون حاله إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا قدسيًا ينقله عن رب العزة عز وجل يقول فيه الله تعالى: انْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ؟

وذلك كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، بل كيف يكون حاله وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم أن مال العبد لا ينقص من الصدقة؟ الصديق لا يحتاج إلى قسم الرسول صلى الله عليه وسلم ليصدقه، الصديق رضي الله عنه كان واضعًا نصب عينيه حقيقة ما اختفت لحظة عن بصره وعقله وقلبه، تلك الحقيقة هي:

إن كان قال فقد صدق.

هكذا، مجرد القول يعني عنده التصديق الكامل الذي لا شك فيه، فما بالكم إذا سمعه صلى الله عليه وسلم يقسم؟


الصديق ينفق ماله كله في سبيل الله
هذه الطبيعة الفطرية، وهذا اليقين في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر لنا كثيرًا من مواقف الصديق رضي الله عنه، فالصديق رضي الله عنه شاهد مع بدايات الدعوة في أرض مكة، التعذيب الشديد والتنكيل الأليم بكل من آمن من العبيد، والعبيد في ذلك الزمان يباعون ويشترون، وليس لهم أدنى حق من الحقوق، تألمت نفس الصديق الرقيقة لهذه الوحشية المفرطة من الكفار مكة، وسارع بماله ينقذ هذا، ويفدي ذاك، يشتري العبد، ثم يعتقه لوجه الله، هكذا [لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا] {الإنسان:9} .

مر رضي الله عنه ببلالٍ رضي الله عنه، وهو يعذب على صخور مكة الملتهبة، وعلى صدره الأحجار العظيمة، فساوم عليه سيده أمية بن خلف عليه لعنة الله، وعرض عليه أن يشتريه، أو يبادله بعبد آخر أجلد منه، وأقوى، وليس بمسلم، وفي رواية أنه اشتراه بسبع أوقيات من الذهب، ودار حوار رائع بين الصديق رضي الله عنه، وبين أمية بن خلف عليه لعنه الله، قال أمية يريد أن يبث الحسرة في قلب الصديق:

لو عرضت عليَّ أوقية واحدة من الذهب لبعته لك.

قال الصديق العظيم رضي الله عنه في هدوء: لو طلبت مائة أوقية من الذهب لأشتريه.

سبحان الله، فارتدت الحسرة في قلب أمية بن خلف، أمية بن خلف المشرك لا يدرك قيمة بلال، بعد أن أسلم، لكن الصديق رضي الله عنه يدرك ذلك، فهذا العبد الأسود القليل في نظر المشركين، وأهل الدنيا، هذا العبد ذاته ثقيل في ميزان الله عز وجل، بما يحمل في قلبه من إيمان وتوحيد وإسلام، هذه المعاني الرقيقة السامية لا يفهمها أهل المادة، لكن يفهمها الصديق بعمق ويتعامل على أساسها.

اشترى الصديق رضي الله عنه أم عبيس رضي الله عنها وأعتقها، واشترى زنيرة رضي الله عنها وأعتقها، واشترى النهدية وابنتها رضي الله عنهما وأعتقهما، ولهما قصة لطيفة رواها ابن إسحاق في سيرته، كانت النهدية وابنتها ملكًا لامرأة من بني عبد الدار، مر بهما الصديق رضي الله عنه، وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول:

والله لا أعتقكما أبدًا.

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: حلّ يا أم فلان. أي تحللي من يمينك، فقالت: حل أنت، أفسدتها فأعتقهما.

قال: فبكم هما؟

قالت بكذا وكذا، قال الصديق رضي الله عنه: قد أخذتهما، وهما حرتان، ارجعا إليها طحينها.

هنا نجد ردًا لطيفًا عجيبًا من الجارتين المسلمتين اللتين تخلقتا بخلق الإسلام الرفيع قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر، ثم نرده إليها؟

سبحان الله، بعد النجاة من هذا الظلم الشديد، والسخرة المهينة ما زالتا تحرصان على مال سيدتهما، قال الصديق رضي الله عنه:

ذلك إن شئتما.

ومر الصديق رضي الله عنه بجارية بني مؤمل (حي من بني عدي) وكانت مسلمة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله آنذاك مشركًا، وكان شديد الغلظة على المسلمين، وكان يضربها ضربًا مؤلمًا لساعات طوال، ثم يتركها ويقول:

إني لم أتركك إلا عن ملالة.

مر بها الصديق رضي الله عنه، فابتاعها ثم أعتقها لوجه الله.

ودعا الصديق رضي الله عنه غلامه عامر بن فهيرة إلى الإسلام، فلما أسلم أعتقه أيضًا لوجه الله.

وكما رأينا فإن الصديق رضي الله عنه لم يكن يفرق بين عبد وأمه، أو قوي وضعيف، هذا الأمر لفت نظر أبيه أبي قحافة فقال له:

يا بني إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالًا جلدا، يمنعونك، ويقومون دونك؟

ولا ننسى أن الصديق رضي الله عنه من بطن ضعيف من بطون قريش، فقال الصديق رضي الله عنه في إيمان عميق:

يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل.

فأنزل الله في حقه قرآن كريمًا، قال عز وجل:

[وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى(20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى(21) ]. {الليل17: 21} .

قال ابن الجوزي: أجمع العلماء أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وتخيل معي أن الله عز وجل ينزل قرآنًا يشهد فيه للصديق بالتقوى، بل بأنه الأتقى، ويشهد له بإخلاص النية، فهو يريد أن يتزكى، ولا يريد جزاء من أحد، وإنما يريد وجه الله فقط، ثم انظر الوعد الرباني الجليل العظيم، ولسوف يرضى، ومهما تخيلت من ثواب وجزاء ونعيم، فلا يمكن أن تتخيل ما أعده الله عز وجل لمن وعد بإرضائه [وَلَسَوْفَ يَرْضَى] {الليل:21} .

روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي.

الصديق رضي الله عنه كان يملك عند إسلامه أربعين ألف درهم، أنفقها جميعًا في سبيل الله عز وجل، أنفق منها خمسة وثلاثين ألف درهم في مكة، حتى لم يبق إلا خمسة آلاف درهم، أخذها معه في الهجرة أنفقها على رسول الله وعلى المؤمنين، حتى فني ماله، أو قل: بقي ماله. وليس: فني ماله. فالذي يبقى هو الذي يُنفق في سبيل الله، والذي يفنى هو الذي يُمْسك في يد العبد، ولكن تخيل قدر هذا الإنفاق لا بد أن نعرف قيمة هذه الأربعين ألف درهم في زماننا، لا تنسى أننا نتحدث عن زمن مر عليه أكثر من ألف وأربعمائة عام، إذا كانت قيمة الجنيه المصري مثلًا قد تغيرت كثيرا في غضون عشرة أو عشرين أو ثلاثين سنة، فما بالك بألف وأربعمائة من السنين تعالوا نقوم بحسبة لطيفة، ورد في بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اشترى شاة بدرهم، إذن الصديق رضي الله عنه كان يملك ما يساوي أربعين ألف شاة، ونحن اليوم نشتري الشاة بمتوسط 800 جنيه مصري مثلًا، إذن الصديق رضي الله عنه كان يملك ما يساوي 32 مليونًا من الجنيهات المصرية، يعني أكثر من 6 مليون دولار، وطبعًا كان الدرهم له قيمته، ولم يكن هناك تضخم، ولا أزمة اقتصادية، ولا تعويم للدرهم.

سبحان الله أنفق كل هذه الثروة الطائلة في سبيل الله، وفوق ذلك كان تاجرًا لم يتوقف عن تجارته، فهناك إنفاق فوق كل هذه الأموال المدخرة، وفوق ذلك هناك إنفاقه في المدينة المنورة من تجارته هناك، فقد أنفق كل أمواله في فترة مكة كما ذكرنا، لكن عاود الكسب من جديد، فمثلًا أنفق في تبوك أربعة آلاف درهم (حوالي مليون ونصف جنيه مصري) كانت هي كل ما يملك من مال، ولم يترك لأهله إلا كما قال: تركت لهم الله ورسوله.

هذا الإنفاق العجيب، والنفس المعطاءة هو الذي دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنَي مَالُ أَبِي بَكْرٍ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهَ. وفي رواية الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَأْنَاهُ، مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ.

فكر وسطي
26-09-2010, 04:57 AM
.................الصديق والثباااات..........................

مقدمة
لما علم الله عز وجل من الصديق إيمانًا عميقًا في قلبه، ويقينًا صادقًا في عقله، وعملًا صالحًا في كل جوارحه، لما رأى منه حبًا جارفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قاد إلى تصديق كامل، واتباع دقيق، لما اطلع على قلبه فوجده رقيقًا حانيًا عطوفًا، ووجد خلقه حسنًا رفيعًا عاليًا، لما علم منه سبقًا إلى الخيرات، ومسارعة إلى الحسنات وحسمًا وعزمًا في كل أمور حياته، لما رأى منه عطاءً ثم عطاء، لما رأى منه كل ذلك وغيره، أنعم عليه بنعمة عظيمة وهِبة جليلة، أنعم عليه بنعمة الثبات على كل ما سبق من خير، الثبات على الإيمان، وعلى الإسلام، الثبات على الطاعة وحسن الخلق، الثبات على العطاء، الثبات أمام الفتن، كل الفتن صغيرة كانت أو كبيرة، دقيقة كانت أم عظيمة، خفية كانت أم ظاهرة.

والثبات شيء صعب وعسير، الإنسان قد ينشط في فترة من الفترات، ولكنه سرعان ما يفتر، قد يقوى في زمان، لكنه يضعف في أزمان، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ هَلَكَ.

ولكن العجيب في حياة الصديق رضي الله عنه أن ترى ثباتًا في كل الفضائل، وفي كل المواقف منذ أسلم، وحتى مات، مهما تغيرت الظروف والأحوال، والثبات فعلًا شيء عسير، الدنيا من طبيعتها التقلب، من النادر أن تجد فيها شيئًا ثابتًا، كما قالوا قديمًا: دوام الحال من المحال، يقول سبحانه:

[يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ] {النور:44} .

ويقول:

[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] {آل عمران:140} .

ويقول:

[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ] {الحج:5} .

هكذا الإنسان دائمًا في تقلب، والأرض كذلك دائمًا في تقلب، والقلب أيضًا كذلك، كثير التقلب، بل قيل: إن القلب سمي قلبًا؛ لأنه سريع التقلب.

روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:

يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكِ.

فقلت:

يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟

قال: نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنِ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.

وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.

ويزداد الأمر صعوبة على القلب بتغير الظروف من حوله، فقلب قد يثبت على حاله من الغنى، فإذا افتقر الإنسان فتن، وقلب قد يثبت على حاله من الفقر، فإذا اغتنى الإنسان فتن، قد يثبت في بلد، ويفتن في آخر، قد يثبت في عمل، ويفتن في آخر، قد يثبت في سن، ويفتن في سن آخر، بل قد يثبت في نهار، ويفتن في ليل، بل قد يثبت لحظة، ويفتن في لحظة تالية، والإنسان في هذه الدنيا ليس متروكًا في حاله، كثير من الأعداء تناوشه وتهاجمه، الشيطان لا يهدأ ولا يستكين

[ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] {الأعراف:17} .

فالدنيا مجموعة متراكمة من الفتن

[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ] {فاطر:5} .

النفس، نفس الإنسان تُغير كثيرًا من قلبه [إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي] {يوسف:53}.

وشياطين الإنس أحيانًا ما يكونون أشد ضراوة من شياطين الجن، وبين كل هذه المتقلبات يعيش القلب، فكيف لا يتقلب؟ وهو القلب المشهور بالتقلب، والقلب إن كان ضعيف الإيمان فتقلبه خطير

[وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ] {الحج:11} .

والنجاة من التقلب عسيرة إلا إذا مَنّ الله بها على عبده، والله لا يَمُنّ بالثبات على عبد خامل كسلان، بل لا بد أن يقدم شيئًا، اسمع إلى قوله عز وجل:

[لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] {النور:63} .

إذن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعًا لصيقًا دقيقًا يقي الإنسان شر الفتن، أو قل: يجعل الإنسان أهلًا أن يَمُنّ الله عليه بنعمة الثبات، جميع الخلق بلا استثناء لا يثبتون بغير تثبيت الله لهم، اقرأ إن شئت كلام الله سبحانه، في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا] {الإسراء:74} .

واقرأ معي قوله تعالى:

[يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ] {إبراهيم:27} .

وأكثر المسلمين اتباعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأكثر المسلمين تلقيًا لتثبيـت الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أيضًا، حياته عجيبة رضي الله عنه وأرضاه، كم من الفتن عرض عليه، وكم من الثبات قدم رضي الله عنه، روى الترمذي وغيره حديثًا وقال: حديث حسن. يفسر لنا هذه الفتن الكثيرة التي عرضت للصديق رضي الله عنه في حياته، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يُتْرُكُهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.

ولكون الصديق هو الأمثل في الإيمان، بعد الأنبياء، فإن ابتلاءه كان شديدًا. ولنتجول في حياة الصديق رضي الله عنه، نتعرف على طرف من ابتلائه وطرف من ثباته.


ثباته أمام فتنة المال
وقصدت أن أبدأ بها؛ لأنها فتنة عظيمة، وكثير من المؤمنين يثبتون أمام فتن شتى، فإذا جاءوا إلى فتنة المال، وقعوا فيها، ويقول أحد الصحابة:

ابتلينا بالضراء، فصبرنا، وابتلينا بالسراء، فلم نصبر.

حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وكذلك رواه الإمام أحمد عن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ.

وإن كان هناك بشر لا يهتز أمام المال غير الأنبياء، فهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لقد شاهدنا كثيرًا من المتقين، وشاهدنا كثيرًا من الزاهدين في الدنيا، وسمعنا عن أمثلة عظيمة، ومواقف مشهودة، لكننا لم نسمع عن رجل اعتاد أن ينفق كل ماله في سبيل الله، لا يُبقي لأهله، ولنفسه شيئًا، ليس مرة أو مرتين يفعلها، ولكنه اعتاد الثبات على ذلك، ونحن تحدثنا من قبل عن إنفاقه رضي الله عنه في الدعوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء في فترة مكة، أو المدينة، وذكرنا تقدير رسول الله لذلك، لكن نذكر هنا طرفًا سريعًا من ثباته أمام فتنة المال بعد أن تولى الخلافة:

- فها هو الصديق بعد أن أنفق ماله كله، يمتلك مقاليد الحكم في المدينة، ويضع يده على بيت المال، وها هي القبائل المرتدة تعود إلى الإسلام بعد عام من القتال المستديم، فيأتي خراجها، وتأتي صدقاتها، ويمتلأ بيت المال، ثم ها هي فارس تفتح، والشام كذلك تفتح، وتأتي الغنائم وفيرة، والكنوز عظيمة، فماذا فعل الصديق رضي الله عنه؟

ما تغير قدر أنملة، وما فتن بالدنيا لحظة، ليس الصديق الذي يتبدل، لقد أعطى الدنيا حجمها، وزهد فيها، وأعطى الآخرة حجمها كذلك فعمل لها، فقد سمع من حبيبه وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم حديثًا وضح فيه حجم الدنيا مقارنة بالآخرة، وهو الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعُهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ. يعني التي تلي الإبهام.

ما غاب عن ذهنه أبدًا هذا المقياس، ومن أجل هذا لم يفتن بالدنيا لحظة، لقد سمع وصية من معلمه ومعلمنا، ومرشده ومرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعها نصب عينيه، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ.

- أصبح الصديق ذات يوم بعد أن ولي الخلافة، وعلى يده أبراد (والبُرد هو الثوب المخطط) فكان يحمل هذه الأبراد متجهًا إلى السوق؛ ليتاجر كعادته، حتى بعد أن أصبح خليفة، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله:

أين تريد؟

قال:إلى السوق.

قال عمر: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمر المسلمين.

قال: فمن أين أطعم عيالي؟

ولنتأمل، يده على بيت المال بكامله، ويتساءل هذا السؤال! فأشار عليه أن يذهبا إلى أبي عبيدة أمين بيت المال، ليفرض له قوته وقوت عياله، فذهبا إليه، ففرض له، إلى هذه الشفافية في الضمير، والأمانة في اليد، والنقاء في النفس وصل الصديق رضي الله عنه، ينزل إلى السوق، وهو خليفة كي يتاجر حتى يطعم عياله، وطبعًا عف الصديق، فعفت الرعية، لم نسمع عن وزير من وزراء، أو مستشار من مستشاريه هرّب أمواله إلى بنوك فارس والروم.

- وانظروا إلى الصديق، وهو على فراش الموت، بعد رحلة طويلة من الجهاد المضني، انظروا إليه كيف يقول وهو رأس الدولة التي دكت حصون فارس والروم، يقول مخاطبًا عائشة رضي الله عنها:

أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين، لم نأكل لهم دينارًا، ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم (يقصد الطعام البسيط) في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضب، وهذه القطيفة (كساء في بيته رضي لله عنه)، فإذا مت فابعثي بهن (العبد الحبشي، والبعير الناضب، والقطيفة) إلى عمر وابرأي منهن.

تقول السيدة عائشة: ففعلت.

فلما جاء الرجل الذي أرسلته السيدة عائشة إلى عمر، بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول:

رحم الله أبا بكر، لقد أتعب مَن بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده.

وجاء في رواية أخرى موقفًا آخر له عند الوفاة يصور مدى عفته وثباته، إذ قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم وإن حائطي الذي بمكان كذا وكذا فيها.

يقصد أن عمر قد أرغمه على تقاضي أجر من بيت مال المسلمين، يرى الصديق أنه كان كبيرًا، مع أنه لم يكن يكفي إلا الكفاف، كما ثبت في روايات أخرى، فالآن سيتبرع لبيت المال بحائط له في مقابل هذا المال.

فلما توفي الصديق ذُكِر ذلك لعمر فقال:

رحم الله أبا بكر، لقد أحب أن لا يدع لأحد بعده مقالًا.

هذا طرف من ثباته أمام فتنة المال


ثباته أمام فتنة الرئاسة والمنصب
فتنة الرئاسة فتنة عظيمة، وابتلاء كبير، وكثير من الناس يعيش حياة التواضع، فإذا صعد على منبر الحكم تغير، وتبدل، وتكبر، فتنة عظيمة، وانظر إلى الحسن البصري يقول في كلمة عظيمة له:

وآخر ما يُنزع من قلوب الصالحين، حب الرئاسة.

أما الصديق رضي الله عنه، فإنه قد نزع منه حب الرئاسة منذ البداية، كان يعيش قدرًا معينًا من التواضع قبل الخلافة، وهذا القدر تضاعف أضعافًا مضاعفة بعد الخلافة، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا:

إن أعظم خلفاء الأرض تواضعًا بعد الأنبياء كان الصديق رضي الله عنه. والله لقد فعل أشياء يحار العقل كيف لبشر أن يتواضع إلى هذه الدرجة؟ ولولا اليقين في بشريته لكانت شبيهة بأفعال الملائكة، هو قد سمع من حديث حبيبه صلى الله عليه وسلم الحديث الذي رواه مسلم عن أبي يعلى معقل بن يسار رضي الله عنه: مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ.

والصديق جهد للمسلمين ونصح للمسلمين كأفضل ما يكون الجهد والنصح، ولذا فهو ليس فقط يدخل الجنة معهم، بل يسبقهم إليها، كيف يتكبر الصديق، وهو الذي كان حريصًا طيلة حياته على نفي كل مظاهر الكبر، والخيلاء من شخصيته، وكان يتحرى ذلك حتى في ظاهره، يروي البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وقعت الكلمات في قلب أبي بكر، وتحركت النفس المتواضعة تطمئن على تواضعها، أسرع الصديق رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي إلا أن تعاهده.

أشعر أنه قالها، وهو يرتجف، ويخشى من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثلج صدره وطمأنه، ووضح له متى يكون استرخاء الإزار منهيًا عنه، قال:

إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ.

شهادة من سيد الخلق، وممن لا ينطق عن الهوى، إن الصديق لا يفعل ذلك خيلاء، وكان من الممكن أن يقول له إنك لست متعمدًا للإسبال، لكنه يخرج من كل هذا إلى الحقيقة المجردة، تواضع الصديق رضي الله عنه.

وإلى مواقف من حياة الصديق كخليفة ورئيس وحاكم.

ذكرنا بعض المواقف له في السابق، ذكرنا موقفه مع أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قبل ذلك وهو يودعه إلى حرب الروم في الشمال، والآن نذكر بعض مواقفه الأخرى:

- موقف عجيب من مواقف الخليفة الرئيس أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كان الصديق رضي الله عنه يقيم بالسنح على مقربة من المدينة، فتعود أن يحلب للضعفاء أغنامهم كرمًا منه، وذلك أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان هو الوزير الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع جارية تقول بعد مبايعته بالخلافة:

اليوم لا تحلب لنا منائح دارنا.

فسمعها الصديق رضي الله عنه فقال:

بلى، لعمري لأحلبنها لكم.

فكان يحلبها، وربما سأل صاحبتها:

يا جارية أتجدين أن أرغي لك أو أصرح؟

أي يجعل اللبن برغوة، أم بدون رغوة، فربما قالت: أرغ. وربما قالت: صرّح. فأي ذلك قالته فعل.

- موقف آخر أغرب، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعهد عجوزًا كبيرة عمياء في بعض حواش المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح لها ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة فقال عمر:

أنت هو لعمري.

وكان من الممكن أن يكلف رجلا للقيام بذلك، ولكنه الصديق، يشعر بالمسئولية تجاه كل فرد من أفراد الأمة، كما أنه رضي الله عنه قد آثر أن يخدمها بنفسه، يربي نفسه على التواضع لله عز وجل، ويربي نفسه على ألا يتكبر حتى على العجوز الكبيرة العمياء.

- أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام يوم الجمعة فقال:

إذا كان بالغداة فاحضروا صدقات الإبل نقسم، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن.

صدقات الإبل كانت قد جاءت كثيرة إلى أبي بكر الصديق، فوضعوها في مكان، وسيدخل في اليوم التالي أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما، ليقسما هذه الصدقات، فسيدنا أبو بكر يحذر الناس، فقالت امرأة لزوجها:

خذ هذا الحظام لعل الله يرزقنا جملًا.

فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر قد دخلا إلى الإبل، فدخل معهما، هنا الرجل ارتكب مخالفة واضحة لخليفة البلاد، ودخل عليه بغير إذن، مع كونه نبه على ذلك، فالتفت إليه أبو بكر فقال:

ما أدخلك علينا؟

ثم أخذ منه الحظام، فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسمة الإبل دعا الرجل، فأعطاه الحظام، وقال:

استقد.

أي اقتص مني، كما ضربتك اضربني، سبحان الله، فقال عمر رضي الله عنه:

والله لا يستقيد، لا تجعلها سنة.

يعني كلما أخطأ خليفة في حق واحد من الرعية، قام المظلوم بضرب الأمير فتضيع هيبته، فقال الصديق رضي الله عنه:

فمن لي من الله يوم القيامة؟

فقال عمر: أَرْضِهِ.

فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة، ورحلها وقطيفة (أي كساء)، وخمسة دنانير، فأرضاه بها.

هذا خليفة البلاد، وقد ضرب أحد رعاياه ضربة واحدة فقط، ولكنه يريد أن يُضْرب مكان هذا السوط الذي ضرب، حتى يقف أمام الله عز وجل يوم القيامة خالصًا، ليس لأحد عنده شيء.

- بل اقرأ وصيته إلى جيوشه، وهي تخرج لحرب الروم، في بعث أسامة بن زيد، ثم بعد ذلك إلى فتح فارس، ثم إلى فتح الروم، كان يوصيها بوصايا عجيبة، وكأنه يوصي بأصدقاء، وليس بأعداء، كان يوصيهم بالرحمة حتى في حربهم كان مما قال لهم:

لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرًا، إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم، وما فرغوا أنفسهم له.

وتأمل معي يا أخي، أيوصي بأحباب أم يوصي بأعداء؟!

والله ما عرف التاريخ مثل حضارة الإسلام، ورقي الإسلام، ونور الإسلام، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أين هذا من حروب الشرق والغرب؟

أين هذا من حروب غير المسلمين؟

فالمسلمون قد علّموا غيرهم الرحمة في كل شيء حتى في الحرب.


ثباته أمام فتنة الأولاد
فالمرء قد يقبل أن يضحي تضحيات كثيرة، إذا كان الأمر يخصه هو شخصيًا، ولكن إذا ارتبط الأمر بأولاده، فإنه قد يتردد كثيرًا، فغالبًا ما يحب الرجل أولاده أكثر من نفسه، كما أن ضعف الأولاد، ورقتهم، واعتمادهم على الأبوين، يعطي مسوغات قد يظنها الرجل شرعية للتخلف عن الجهاد بالنفس والمال، واقرأ قول الله عز وجل:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {التغابن:14} .

روى الترمذي، وقال: حسن صحيح. أن رجلًا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية قال:

هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم، وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، رأوا الناس قد فقهوا في الدين، هموا أن يعاقبوهم (أي يعاقبوا أولادهم)، فأنزل الله:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {التغابن:14} .

الآية التالية مباشرة لهذه الآية في سورة التغابن تقول:

[إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ] {التغابن:15} .

هكذا بهذا التصريح، التقرير الواضح: إنما أموالكم وأولادكم فتنة.

أين أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه من هذه الآيات؟

القضية كانت في منتهى الوضوح في نظر الصديق رضي الله عنه، وأوراقه كانت مرتبة تمامًا، الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة على كل شيء، والصديق مع رقة قلبه، وعاطفته الجياشة، ومع تمام رأفته مع أولاده، كان لا يقدم أحدًا منهم، مهما تغيرت الظروف على دعوته، وجهاده، وما فتن بهم لحظة.

- أعلن الدعوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، ودافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كاد أن يقتل، ولم يفكر أنه إذا مات سوف يخلف وراءه صغارًا ضعافًا، محتاجين في وسط الكفار المتربصين، كان يجاهد، ويعلم أنه إذا أراد الحماية للذرية الضعيفة أن يتقي الله عز وجل، وأن ينطلق بكلمة الدعوة، وكلمة الحق أيًا كانت العوائق

[وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا] {النساء:9} .

- لما هاجر الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبكي من الفرح، لأنه سيصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مليء بالمخاطر، مخلفًا وراءه ذرية في غاية الضعف، ويعلم أن قريشًا ستهجم على بيته لا محالة، وقد حدث، وضرب أبو جهل لعنه الله أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما، فسال الدم منها، ما رأى الصديق كل ذلك، كل ما رآه هو نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطريق الله عز وجل، ليس هذا فقط ولكنه حمل معه كل أمواله، كل ما تبقى بعد الإنفاق العظيم، خمسة آلاف درهم حملها جميعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم،

وماذا ترك لأهله؟

ترك لهم الله ورسوله، يقين عجيب، وثبات يقرب من ثبات الأنبياء، أبو قحافة والد الصديق رضي الله عنه كان طاعنًا في السن وقت الهجرة، وكان قد ذهب بصره، دخل على أولاد الصديق، وهو على وَجَل من أن الصديق قد أخذ كل ماله، وترك أولاده هكذا، لكن الابنة الواعية الواثقة المطمئنة بنت الصديق أسماء رضي الله عنها، وعن أبيها، وضعت يد الشيخ على كيس مملوء بالأحجار توهمه أنه مال، فسكن الشيخ لذلك، الشيخ الكبير لن يفهم هذه التضحيات، ولن يفهمها أحد إلا من كان على يقين يقارب يقين الصديق رضي الله عنه.

- الصديق يوظف أولاده في عملية خطيرة، عملية التمويه على الهجرة، عملية قد تودي بحياتهم في وقت اشتاط الغضب بقريش، حتى أذهب عقلها، عبد الله بن الصديق كان يتحسس الأخبار في مكة نهارًا، ثم يذهب ليلًا إلى غار ثور يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأباه بما يحدث في مكة، ويظل حارسًا على باب الغار حتى النهار، ثم يعود أدراجه إلى مكة، السيدة أسماء كانت حاملًا في الشهور الأخيرة من حملها، ومع ذلك، فكان عليها أن تحمل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق في غار ثور سالكة طريقًا وعرًا، وصاعدة جبلًا صعبًا، وذلك حتى إذا رآها أحد لا يتخيل أن المرآة الحامل تحمل زادًا إلى الرسول وصاحبه، مهمة خطيرة، وحياتها في خطر، لكن ما أهون الحياة إن كان الله هو المطلب، وإن كانت الجنة هي السلعة المشتراة.

- ومر بنا كيف تبرع بكل ماله في تبوك، وما ترك شيئًا لأولاده رضي الله عنه، وأرضاه، فلما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماذا أبقى لأهله؟ قال:

أبقيت لهم الله ورسوله.

- ثم ها هو الصديق يقدم فلذة كبده عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، ها هو يقدمه شهيدًا في سبيل الله، علمه حب الجهاد، وحب الموت في سبيل الله، فأصيب في الطائف بسهم، ولم يمت في ساعتها، بل بقى أيامًا وشهورًا، ويقال: إنه خرج بعد ذلك إلى اليمامة في حروب المرتدين، واستشهد هناك. الثابت أنه استشهد في خلافة الصديق رضي الله عنه، وكأن الله أراد أن ينوع عليه الابتلاءات حتى يُنقى تمامًا من أي خطيئة، بل إنه قال كلمة عجيبة لما رأى قاتل ابنه عبد الله وكان قد أسلم بعد أن قتله قال:

الحمد لله الذي أكرمه بيديك (يعني أكرمه الشهادة) ولم يُهْلِكّ بيده (أي الموت كافرًا) فإنه أوسع لكما.

سعيد لأن ابنه قد مات شهيدًا في سبيل الله، وأيضًا لأن هذا الرجل لم يقتل على يد عبد الله، فكانت أمامه فرصة للإسلام، أي رجل هذا؟!

- لكن إن كان لنا أن نفهم كل هذه التضحيات، فإن له موقفًا مع ولد من أولاده يتجاوز كل حدود التضحيات المعروفة، والمألوفة لدى عامة البشر، الصديق رضي الله عنه في غزوة بدر يكون في فريق، فريق المؤمنين، وابنه البكر عبد الرحمن بن أبي بكر في الفريق الآخر، فريق المشركين، ولم يكن قد أسلم بعد، وإذا بالصديق رضي الله عنه يبحث عن فلذة كبده، وثمرة فؤاده؛ ليقتله، نعم ليقتله!

وقف كفر الابن حاجزًا بين الحب الفطري له، وبين حب الله عز وجل، فقدم الصديق حب الله عز وجل دون تردد، ولا تفكير، وضوح الرؤية، نعم وضوح الرؤية إلى هذه الدرجة، لكن بفضل الله لم يوفق الصديق في أن يجد ابنه؛ لأن الله مَنّ عليه بعد ذلك بالإسلام، أسلم يوم الحديبية، ولما أسلم قال لأبيه:

لقد أهدفت لي يوم بدر، فملت عنك، ولم أقتلك.

أي رأيتك هدفًا سهلًا في بدر، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه من أمهر الرماة في فريق المشركين، فقال أبو بكر في ثبات وثقة:

ولكنك لو أهدفت إليّ، لم أمل عنك.

وسبحان الله، وكأن الله أراد أن يشبه أبا بكر بإبراهيم عليه الصلاة والسلام أكثر وأكثر، فقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم مثلًا للصديق بعد تخيير الحكم في أسارى بدر، أراد الله أن يشبه أبا بكر بالخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي ابتلي البلاء المبين بذبح ابنه، فيبتلي الصديق كذلك بالبحث عن ابنه ليذبحه بيده، أيّ مثل رائع ضربه الصديق لهذه الأمة؟!

كيف تغلّب على هذا المعوق الخطير الذي كثيرًا ما خلف أناسًا عن السير في طريق الدعوة، وعن السير في طريق الجهاد؟

[شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا] {الفتح:11}.

لكن هذا لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة لاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسبق إلى الخيرات، والشعور بأهمية الدعوة، واستحقار أمر الدنيا، وتعظيم الآخرة، كان كل ذلك وراء هذا اللون العجيب من الثبات.


فتنة ضياع النفس وثباته أمامها
والنفس غالية، وإن ذهبت النفس فلا عودة لها إلى يوم القيامة، لكن الصديق واضح الرؤية، وثاقب النظر، له قواعد ثابتة تحكم حياته، من هذه القواعد: [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] {التوبة:51}. من هذه القواعد:

[لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ] {يونس:49}.

من هذه القواعد:

[إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] {التوبة:111} .

من هذه القواعد:

[وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ] {الحج:78} .

من هذه القواعد:

[كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ] {آل عمران:185} .

إذا نظرت إلى هذه القواعد مجتمعة أدركت جانبًا لا بأس به من حياة الصديق، تعالوا نستمتع بوقفات مع الصديق رضي الله عنه، نرقب كيف خلصت نفسه من حظ نفسه:

- تروي السيدة عائشة رضي الله عنها أنه لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة الأربعين رجلًا (يعني في أوائل فترة مكة) ألح الصديق رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال:

يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّا قَلِيلٌ.

فلم يزل أبو بكر يلح، حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، ويبدو أن هذا لم يكن ظهورًا كاملًا للمسلمين؛ لأنه من المعروف أن الظهور الكامل لم يكن إلا بعد إسلام الخطاب رضي الله عنه، ولما ذهبوا إلى المسجد الحرام لم يكتف الصديق بمجرد الظهور، فوقف خطيبًا يدعو إلى الله تعالى، ويدعو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، لذا يقولون: إن الصديق أول خطيب في الإسلام.

بعد رسول الله طبعًا، ماذا كان رد فعل المشركين؟

ثار المشركون ثورة عنيفة، وقاموا يضربون الصديق ضربًا عنيفًا، تنكروا لأعرافهم في الجاهلية، ونسوا مكانة الصديق المرموقة في المجتمع المكي القديم، وأكل الحقد قلوبهم، وما زال بهم الحقد حتى أعمى أبصارهم، دنا الفاسق عتبة بن ربيعة من الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وجعل يضربه بنعلين مخصوفين في وجهه، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وذلك من شدة تورم وجهه، وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملوه في ثوب، حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم إلى المسجد، وقالوا:

والله لئن مات أبو بكر، لنقتلن عتبة بن ربيعة.

ثم رجعوا إلى أبي بكر، فجعلوا يكلمون أبا بكر، وهو في إغماءه طويلة، حتى أفاق آخر النهار، فرد عليهم، فماذا قال؟

قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

سبحان الله حتى، وهو في هذه الحالة بين الحياة والموت، طبعًا بنو تيم لم يفهموا هذه العاطفة الجياشة، كل ما فهموه هو الوضع الخطير الذي وضعهم فيه الصديق رضي الله عنه، وها هم قد توعدوا بقتل زعيم من زعماء قريش عتبة بن ربيعة، ولا شك إن قتلوه ستنقسم قريش إلى أحزاب، وشيع، وإن لم يقتلوه إذا مات الصديق، فإنهم سيخلفون وعدهم، وهذه في عرف العرب إهانة لا تستقيم بعدها حياة، كل هذه الأمور المتفاعلة جعلتهم يعنفون الصديق، ويلومونه، ويكيلون له الكلام، بما فيهم أبوه أبو قحافة، ومع ذلك فالصديق رضي الله عنه له مكانة كبيرة في قلوبهم، التفوا إلى أمه أم الخير وكانت آنذاك مشركة، وقالوا:

انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه.

فلما انصرفوا حاولت أمه أن تطعمه، وتسقيه، لكنه جعل يقول:

ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أشبهه بالأم التي أصيبت هي وولدها في حادث فأغمى عليها ثم أفاقت، أيكون لهم من هم إلا الاطمئنان على ولدها؟!

هكذا أحَبّ الصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يزيد، قال الصديق لأمه:

اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه.

وأم جميل هي أخت عمر بن الخطاب، وكانت آنذاك مسلمة، وأخوها مشركًا، فخرجت أم الصديق إلى أم جميل فقالت:

إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله.

هنا نرى موقفًا لطيفًا من أم جميل بنت الخطاب رضي الله عنها، فتلك المرأة المسلمة الواعية الحذرة خشيت من أم الصديق، أم الصديق ما زالت مشركة، أفتكشف نفسها وتعرفها بإسلامها هكذا؟!

وإن فعلت أتثبت له أنها تعرف المكان الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرسول يجلس مع صحابته في دار الأرقم، وقريش لا تعرف ذلك أفتدل هي عليه؟

هنا فكرت أم جميل بسرعة وقالت:

ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله.

لكنها في نفس الوقت تعرف من هو الصديق، فهو الرجل الثاني في الدعوة، وقد يكون في احتياج إلى شيء هام، ثم إنه يعلم أن أمه مشركة، ومع ذلك أرسلها إليها، فأسرعت المرأة الحكيمة، وقالت بلباقة:

إن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟

قالت أم الصديق:

نعم.

فذهبت معها حتى دخلت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فوجدته صريعًا ملازمًا الفراش في حالة خطيرة بين الحياة، والموت، فقالت فزعة:

والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإنني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.

أعرض الصديق عن كل هذا، وكان له همًا واحدًا قال:

فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

احتارت أم جميل رضي الله عنها، أم الصديق واقفة، وستعرف خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهمست إلى الصديق:

هذه أمك تسمع.

قال الصديق مطمئنًا:

فلا شيء عليك منها.

ويبدو أن الصديق كان يرى قربًا من أمه للإسلام، فلم يرى بأسًا من ذلك؛ لأن أمه ما لبثت أن أسلمت، قالت أم جميل رضي الله عنها:

سالم صالح.

قال الصديق رضي الله عنه:

أين هو؟

قالت: في دار الأرقم.

قال الصديق رضي الله عنه في إصرار وعزم:

فإن لله عليّ أن لا أذوق طعامًا، ولا أشرب شرابًا، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فانتظروا حتى جاء المساء، وهدأت الرجل بمكة، وسكن الناس، وخرجت المرأتان بالصديق رضي الله عنهم، لا يقوى على السير، ولكنه يتكئ عليهما، سارا به، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تألم لما فيه، وأسرع إليه، وأكب عليه يُقَبّله صلى الله عليه وسلم، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة، فأسرع الصديق يُطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس، إلا ما نال الفاسق من وجهي.

ثم إن الصديق رضي الله عنه، وهو في هذا الموقف لم ينس دعوته، ولم ينس أمه أنها ما زالت مشركة، وها هي ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنوار النبوة على وجهه، فتاقت نفسه إلى إسلامها، قال:

يا رسول الله، هذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك، فادعها إلى الله، وادع الله لها، عسى الله أن يستنقذها بك من النار.

فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاها إلى الله، فأسلمت الحمد لله أسلمت رضي الله عنها، وعن ابنها، وعن زوجها، وعن أحفادها، وعن أولاد أحفادها.

كان هذا طرفًا من جهاد الصديق بمكة وبذله لروحه؛ فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفاء لدين الله عز وجل، تعالوا نقلب صفحات من جهاده رضي الله عنه في المدينة المنورة.


ثباته في بدر
لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة قافلة بني سفيان، وعزم زعماء مكة على قتاله استشار الصحابة في ذلك، الموقف خطير، الصحابة لم يخرجوا من المدينة في الأصل ليقاتلوا جيشًا، بل مجرد قافلة، فلم يكن معهم إلا السيوف، فلم تكن العدة عدة قتال، كما أن هناك أقوام في المدينة كانوا يرغبون في اللقاء، ولكن لم يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيقاتل، إذًا من الممكن أن يأتي على ذهن الصحابة، أن لو أجلنا القتال لنقوم به في ظروف أفضل، وعدد أكبر، فرصة ضياع الحياة في هذه المعركة كبيره، والحق أن بعض الصحابة ترددوا، يصورهم ربنا سبحانه وتعالى في كتابه فيقول:

[كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5)يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ] {الأنفال:5،6} .

أين كان الصديق رضي الله عنه في هذا الموقف؟

كان أول الرجال قيامًا، يشجع النبي صلى الله عليه وسلم على القتال، دائمًا يسبق الناس، حتى ولو كان السبق لفقد الحياة، قام الصديق فقال وأحسن، وسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام من بعده الرجال الواحد تلو الآخر، لكن، سبق بها الصديق، ولما تقرر القتال، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوم بعملية استكشافية، يستكشف فيها مواقع جيش المشركين وعدتهم، قام بالعملية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ومن معه؟

إنه أبو بكر الصديق الصاحب الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأحداث، مهمة خطيرة، ولكن لا أقل من الدنيا في عين الصديق، وتبدأ المعركة، ويلتحم الجيشان، ويتصاعد الغبار، وتسيل الدماء أنهارًا، وتتناثر الأشلاء في كل مكان، يوم الفرقان، فأين كان الصديق رضي الله عنه؟

كان في أخطر المواقع على الإطلاق، كان رضي الله عنه يقف بجوار النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه أخطر موقع على الإطلاق، لأن القوم كانوا حريصين على قتل النبي صلى الله عليه وسلم.


ثباته في أحد
تعالوا نتحدث عن ثباته في أحد مثلًا، ويوم أحد يوم عظيم كانت الجولة في بدايتها للمؤمنين، ثم خالف الرماة، وعصوا فداول الله الأيام، ونقلها إلى قريش، وأصبحت الغلبة للمشركين، وفر من فر، وثبت من ثبت، ولا شك أن الصديق كان من الثابتين رضي الله عنه، قال الله عز وجل:

[وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] {آل عمران:152} . ولا شك أيضًا أن الصديق كان ممن أراد الآخرة، كان الصديق أول من وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتمع معه حول الرسول صلى اله عليه وسلم مجموعة من السابقين الأولين، عمر، وطلحة، وعلي، وأبو عبيدة، والزبير، وغيرهم، ودار قتال شرس ما لانت فيه قناة الصديق، ولا من وقف معه، وتم إنقاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانسحبوا في مكان آمن، وفي اليوم التالي لأحد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج في أثر المشركين حتى لا يظنوا أن المسلمين قد كسرت شوكتهم، فانتدب المسلمين أن يخرجوا إلى مكان يعرف بـ"حمراء الأسد " فقام له رجال، لا شك أن الصديق رضي الله عنه كان منهم، يروي الإمام مسلم أن عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما قالت لعروة بن الزبير في قوله تعالى:

[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] {آل عمران:172} .

أي الذين استجابوا في الخروج إلى حمراء الأسد، بعد القرح الذي أصابهم في أحد، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:

يا ابن أختي كان أبواك منهم، الزبير، وأبو بكر (الزبير أبوه وأبو بكر جده، لأنه كان ابن أسماء بنت أبي بكر)، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركين، خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في أثرهم؟

فانتدب منهم سبعون رجلًا، كان فيهم أبو بكر، والزبير رضي الله عنهم أجمعين، وأرضاهم.

- ثباته في الحديبية: بعد عام واحد من الاجتياح الرهيب للمشركين لأرض المدينة المنورة، وحصار المؤمنين في المدينة في غزوة الخندق، والموقف العصيب الذي مر به المؤمنون، لدرجة وصفها ربنا سبحانه وتعالى بقوله:

[هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا] {الأحزاب:11} .

بعد عام واحد من هذا التهديد المروع، يقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى العمرة في مكة بألف وأربعمائةٍ من الصحابة، والآن يذهبون إليهم في عقر دارهم، فلما علمت قريش بقدوم النبي للعمرة جمعت الجيوش، لتصد المؤمنين عن الكعبة، ووصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس للشورى نذهب أو لا نذهب؟

قام بطلنا الصديق رضي الله عنه، وقال:

يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد حربًا، ولا قتل أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.

وتحرك المسلمون إلى مكة، ثم كانت المفاوضات، وانتهى الأمر إلى الصلح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس في المفاوضات أمام المشركين، كان الصديق رضي الله عنه واقفًا وراءه بسيفه، وفي جلسة من جلسات المفاوضات، قال عروة بن مسعود الثقفي مخاطبًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، محاولًا أن يلقي الهزيمة النفسية في قلبه، وفي قلوب المؤمنين، قال:

يا محمد أجمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش، خرجت رجالا ونساءً، صغارًا وكبارًا، قد لبسوا جلود النمور (أي لباس الحرب)، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة، وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك.

يقصد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنهم سيتركونه عند القتال، وهنا لم يعط الصديق لرسول الله صلى الله عليه وسلم الفرصة للرد، بل انطلق في حمية وجرأة عجيبة، يرد على المشرك، فسبه سبة منكرة شنيعة، ثم قال في ثبات واضح له:

أنحن نفر عنه وندعه؟

أنحن نفر عنه وندعه؟

هذا فعلا هو المستحيل، وصدق رضي الله عنه، وصدقوا جميعًا، فقد بايعوا فعلا على الموت، فسبحان الله، أيّ جيل ثابت كان هذا الجيل العظيم؟


ثباته في حنين
ونقفز أعوامًا أخرى لنصل إلى يوم حنين، لا شك أن الصديق رضي الله عنه كانت له مواقف مشهودة في كل مشاهد صلى الله عليه وسلم، لكني آثرت التعليق على حنين، حيث فر كثير من المسلمين، وحيث كانت الفتنة عظيمة، فيظهر ثبات الصديق بجلاء، ووضوح، فر المسلمون في حنين، وتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم تجابهه جموع غفيرة من هوازن، والوقوف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقابل هذه الآلاف المؤلفة لا يعني إلا شيئًا واحدًا، الموت، لكن:

تَهُونُ الْحَيَاةُ وَكُلٌّ يَهُونُ وَلَكِنَّ إِسْلَامَنَا لَا يَهُونْ

نُضَحِّي لَهُ بِالْعَزِيزِ الْكَرِيمِ وَمِنْ أَجْلِهِ نَسْتَحِبُّ الْمَنُونْ

نعم، كان الصديق رضي الله عنه يستحب المنون، يستحب الموت ما دام في سبيل الله عز وجل، أكاد أراه رضي الله عنه، وهو يصول ويجول تحت فتنة السيوف، وكأنه لا يراها، لا يرى إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، يقاتل عن يمينه تارة، وعن يساره تارة أخرى، وأمواج البشر المشركة تتكسر على صخرته رضي الله عنه وأرضاه، فكان الثبات ثم الثبات

[ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ] {التوبة:26} .

الصديق كان ثابتًا في كل مشاهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أيضـًا ثابتًا أثناء خلافته في معاركه.


فتنة ترك الديار والأوطان
وترك الوطن فتنة عظيمة فكم من الذكريات، وكم من الأهل، وكم من الأصحاب، وكم من الأحباب، ترك الوطن فتنة عظيمة، ولا سيما لو كان الرجل صاحب مكانة، وكثير المال، كالصديق رضي الله عنه، فالصديق تاجر، أوضاعه مستقرة، وتجارته رابحة، وها هو يترك الاستقرار، والراحة، وينطلق مهاجرًا إلى أرض مجهولة، وأقوام غريبة، ثم أي البلاد يترك، يترك مكة المكرمة، زادها الله تكريمًا وتعظيمًا وتشريفًا، يترك البلد الحرام، يترك البيت الحرام، يترك أشرف بقعة في الأرض، روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند خروجه من مكة مهاجرًا إلى المدينة يقول:

وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ.

الصديق مع عظم تجارته، واستقراره، هاجر مرتين من هذه البقعة المشرفة إلى غيرها من بقاع الأرض، الهجرة الأولى كانت إلى الحبشة، وتحدثنا عنها في موقف سابق وذكرنا فيها أن ابن الدغنة سيد قبيلة القارة أجاره، وأعاده إلى مكة، وكان الصديق في هذه الهجرة متجهًا إلى بلاد بعيدة عبر الصحراء والبحار، إلى قوم لا يتكلمون العربية، وإلى بلد لم يألف العادات المكية، لكن الصديق هاجر، ولسان حاله يقول كما قال النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا يحتذي به الصديق رضي الله عنه قال:

[وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] {الصَّفات:99}.

والهجرة الثانية كانت إلى يثرب، والتي سميت بعد ذلك بالمدينة المنورة لما نورها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها، وقد ذكرت سابقًا فقرات من هذه الهجرة المباركة، وفيها برز الدور العظيم للصديق سواء في الإعداد قبل الهجرة، أو أثناء الهجرة، وسواء في المساعدة المادية، أو المعنوية، وسواء في التضحية بالنفس، أو بالمال، أو بالجهد، أو بالوقت، كان الصديق رضي الله عنه في الهجرة ثاني اثنين، وهذا يكفيه، يكفيه أن يكون ثانيًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن الديار، والأوطان، والأملاك، والأعمال ما وقفت أبدًا مهما تعاظمت أمام إيمان الصديق رضي الله عنه، وكانت على ثقلها فتنة عارضة ثبت فيها الصديق ثباته المعهود.


ثباته أمام غلبة أهل الباطل
كثير من المسلمين ينظرون نظرة إحباط، ويأس إلى واقعهم، عندما يشاهدون محاور القوة الرئيسية في الأرض في أيدي الكافرين، عندما يجدون أن الكفار قد ملكوا من المادة والسلاح والعدد، والعدة ما يفوق المسلمين أضعافًا مضاعفة، فتنة تحتاج إلى كثير إيمان، وكثير فقه، وكثير ثبات، وقد كان الصديق رضي الله عنه المؤمن الفقيه الثابت الذي مَنّ الله به على أمة المسلمين، فحفظها خير الحفظ، ونصح لها خير النصح، وجهد لها خير الجهد.

فتنة غلبة أهل الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه
فتنة عظيمة هائلة مروعة، لا نستطيع في هذا المضمار الضيق أن نوفيها حقها، لكن نشير فقط إلى ثبات الصديق رضي الله عنه، هذا الثبات الذي فاق كل تخيل، حتى فاق تخيل الصحابة أنفسهم، والفتنة كانت هائلة، ارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية: مكة، والمدينة، والطائف، وقرية جواثا في منطقة هجر بالبحرين، لا أقول عشرات الآلاف من المرتدين، بل مئات الآلاف، وليس فقط بمنع الزكاة، بل منهم من ارتد كلية عن الإسلام، ومنهم من فتن المسلمين في دينهم وعذبهم وقتلهم، ومنهم من ادعى النبوة،

غلبة عظيمة لأهل الردة، وقلة في المؤمنين، في هذا الموقف الحرج رأى جمهور الصحابة أن اعتزال الفتنة بتركها هو الأولى، قالوا للصديق رضي الله عنه:

الزم بيتك، وأغلق عليك بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

يأس كامل في الإصلاح، وإحباط يملأ القلوب، موقف من أصعب مواقف التاريخ قاطبة، لكن الصديق رضي الله عنه كان أعلم الصحابة، وأفقه الصحابة، وأثبت الصحابة، تحول الشيخ الكبير الرحيم المتواضع ضعيف البنية إلى أسد هصور، عظيم الثورة، شديد البأس، عالي الهمة، سريع النهضة، أصر على قتال المرتدين جميعًا وفي وقت متزامن، قال في شأن مانعي الزكاة:

والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا (الأنثى من ولد الماعز) وفي رواية عقالًا (وهو الحبل الذي يربط به البعير) كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها.

وقال في شأن بقية المرتدين، والذين يبلغون مئات الآلاف:

أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي.

أي تقتطع عنقي، بهذه العزيمة، وهذه العقيدة، لما رأى الصحابة هذا الإصرار من الصديق رضي الله عنه انشرحت صدورهم لهذا الحق الذي أجراه الله على لسان هذا الرجل، يقول عمر كما جاء في صحيح البخاري:

فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنه الحق.

وهكذا أخرج الصديق رضي الله عنه الجيوش تلو الجيوش، أحد عشر جيشًا في ملحمة خالدة، تضحيات عظيمة، تعب وجهد، ودم وشهادة، ثم نصر وتمكين وسيادة، وأشرقت الأرض من جديد بنور ربها، وحكمت الجزيرة العربية مرة ثانية بالقرآن، وأعز الله الإسلام وأهله، وأذل الله الشرك وأهله، كل هذا في عام واحد، عام واحد فقط، والحمد لله رب العالمين



فتنة غلبة أهل فارس والروم
وفارس والروم في ذلك الزمان هما أعظم قوتين عسكريتين في الأرض، يقتسمان العالم، ويهيمنان على معظم مساحة المعمورة، دول متقدمة صاحبة حضارة، ومال، وعمران، وجنات وأنهار، وأعداد لا تحصى من الرجال، وسلاح لا مثيل له في زمانهم، وأعوان في كل بقاع الأرض، وتاريخ في الحروب، وتنظيماتها، وخططها، وطرقها، الصديق رضي الله عنه في الطرف الآخر يحكم دولة أقصى مساحتها جزيرة العرب، لم تتعود على الحروب النظامية، فقيرة الموارد، ضعيفة السلاح قليلة العدد، ليس هذا فقط، ولكنها لم تنفض يدها بعد من حروب أهلية طاحنة أكلت الأخضر واليابس، تلك هي حروب الردة، يخرج الصديق من هذه الحروب الهائلة بعزيمة أقوى من الجبال، ولا تهزه عروش كسرى وقيصر، ويأخذ قرارًا عجيبًا، وهو فتح فارس، وذلك بعد أقل من شهر على انتهاء حروب الردة، ثم يتبعه بقرار آخر أعجب بعد خمسة شهور، وهو فتح الشام، وقتال الروم في وقت متزامن مع قتال الفرس، وكما فصلنا من قبل، فالصديق كان على يقين من النصر، ولم يكن يساوره أدنى شك في أن الدولة الأخيرة ستكون للمؤمنين، وخاض معاركه بهذه الروح، وكتب الله له النصر بعد جهاد طويل، ومعارك هائلة، وضع فيها الصديق رضي الله عنه خططًا عبقرية، وقال فيها أراءً سديدة وفعل فيها أعمالًا مجيدة.


الثبات على فتنة الطاعة وعبادته
وقد يظن ظان أن هذا الأمر بسيط، وهين إلى جوار غيره من الفتن التي تعرضنا لذكرها آنفًا، فتن المال، والرئاسة، والأولاد، والإيذاء، وضياع النفس، وترك الديار، وغلبة أهل الباطل، قد يظن ظان أن من ثبت في هذه الأمور الشديدة سيثبت حتمًا في أمر الطاعة، والعبادة، فهي أمور في يد كل مسلم، يستطيع أن يصلي ويصوم ويزكي، بديهيات عند كثير من الناس، لكن هذه لمن أعظم الفتن، قد يسهل على الإنسان أن يفعل شيئًا عظيمًا مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث في حياته، لكن أن يداوم على أفعال العبادة كل يوم كل يوم، بلا كلل ولا ملل ولا كسل، فإن هذا يحتاج إلى قلب عظيم، وإيمان كبير، وعقل متيقظ ومنتبه، لا يقوى على ذلك إلا القليل من الرجال، وقد كان الصديق رضي الله عنه سيد هذا القليل بعد الأنبياء، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابَ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَانِ.

فبعض الناس يكون مكثر في الصلاة، فيدخل من باب الصلاة، وهكذا.

قال أبو بكر رضي الله عنه:

مـا على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

نَعَمْ، وَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.

ذلك أن الصديق رضي الله عنه كان مكثرًا، وبصفة مستديمة من كل أعمال الخير، ومر بنا من قبل كيف أنه أصبح صائمًا ومتبعًا لجنازة وعائدًا لمريض ومتصدقًا على مسكين؟ هكذا حياته كلها لا قعود، ولا فتور، كان رضي الله عنه يتحرج جدًا من فوات فضيلة أو نافلة، روى أحمد، وأبو داود، والحاكم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:

مَتَى تُوتِرُ؟

قال: أول الليل بعد العتمة.

أي بعد صلاة العشاء، قال:

فَأَنْتَ يَا عُمَرُ؟

قال:آخر الليل.

قال: أَمَا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَأَخَذْتَ بِالثِّقَةِ.

أي بالحزم، والحيطة مخافة أن يفوت الوتر.

وَأَمَا أَنْتَ يَا عُمَرُ فَأَخَذْتَ بِالْقُوَّةِ.

أي بالعزيمة على الاستيقاظ قبل طلوع الفجر؛ لصلاة قيام الليل، ثم الوتر. فالصديق رضي الله عنه لا يتخيل أن يفوته الوتر، ماذا يحدث لو استيقظ على صلاة الفجر دون أن يصلي الوتر؟

في حقه تكون كارثة، لذلك يأخذ نفسه بالحزم يصليه أول الليل، ثم إذا شاء الله له أن يستيقظ، ويصلي قيام الليل صلى، ولا يعيد الوتر، بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأخذ بالعزيمة، فهو يعلم علم اليقين أنه سيستيقظ الفجر ليصلي، منهجان مختلفان، ولكنهما من أروع مناهج الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومع حرصه، وطاعته، ومثابرته، وثباته على أمر الدين كان شديد التواضع، لا ينظر إلى عمله، بل كان دائم الاستقلال له، كان يقول:

والله، لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.

وروى الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:

دخل أبو بكر حائطًا (حديقة) وإذا بطائر في ظل شجرة، فتنفس أبو بكر الصعداء، ثم قال:

طوبى لك يا طير، تأكل من الشجر، وتستظل بالشجر، وتصير إلى غير حساب، يا ليت أبا بكر مثلك.

وكان يقول إذا مُدح:

اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.

رضي الله عن الصديق، وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.


ثباته أمام فتنة الموت
والموت فتنة عظيمة، والفراق ألمه شديد، وكم من البشر يسقطون في هذه الفتنة، إلا أن الصديق رضي الله عنه، كان كما عودنا رابط الجأش، مطمئن القلب، ثابت القدم أمام كل العوارض التي مرت به في حياته:

- مر بنا موقفه من وفاة ابنه عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما شهيدًا، وكيف تلقى الأمر بصبر عظيم، وبرضا واسع.

- وماتت أيضًا زوجته الحبيبة القريبة إلى قلبه أم رومان رضي الله عنها، والدة السيدة عائشة رضي الله عنها، وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، ماتت في السنة السادسة من الهجرة في المدينة، بعد رحلة طويلة مع الصديق في طريق الإيمان، أسلمت قديمًا وعاصرت كل مواقف الشدة والتعب، والإنفاق، والإجهاد، والهجرة، والنصرة، والجهاد، والنزال، كانت خير المعين لزوجها الصديق رضي الله عنه، ثم ماتت، وفارقت، وفراق الأحبة أليم، لكن صبر الصديق رضي الله عنه وأرضاه صبرًا جميلًا، وحمد واسترجع.

- ومات كثير من أصحابه وأحبابه ومقربيه، مات حمزة بن عبد المطلب، ومات مصعب بن عمير، ومات أسعد بن زرارة، ومات سعد بن معاذ، ومات جعفر بن أبي طالب، ومات زيد بن حارثة، وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين، ماتوا وسبقوا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فانتظر الصديق رضي الله عنه صابرًا غير مبدل:

[مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب:23} .

- وجاءت فتنة كبيرة، فتنة موته هو شخصيًا رضي الله عنه وأرضاه، ونام على فراش لا بد من النوم عليه، نام على فراش الموت، فماذا فعل وهو في لحظاته الأخيرة؟

ماذا فعل وهو يعلم أنه سيغادر الدنيا وما فيها؟

ماذا فعل وهو سيترك الأهل والأحباب والأصحاب؟

هل جزع أو اهتز؟

حاشا لله، إنه الصديق رضي الله عنها وأرضاه، ها هو على فراش الموت يوصي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ثبات، وثقة، واطمئنان:

اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملًا بالليل لا يقبله بالنهار.

يحذره من التسويف، وتأجيل الأعمال الصالحة، ويحفزه على السبق الذي كان سمتًا دائمًا للصديق في حياته.

وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة، باتباعهم الحق في دار الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة، باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدًا أن يكون خفيفًا، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني أخاف ألا ألحق بهم.

وإن الله تعالى ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء.

ليكون العبد راغبًا راهبًا لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت ولست تعجزه.

انظر إلى صدق الوصية، وحرص الصديق أن يصل إلى بكل المعاني التي كانت في قلبه إلى عمر بن الخطاب الخليفة الذي سيتبعه في خلافة هذه الأمة

ثم انظر إلى هذا الموقف العجيب، وهو ما يزال على فراش الموت، استقبل المثنى بن حارثة رضي الله عنه قائد جيوش المسلمين آنذاك في العراق، وكان قد جاءه يطلب المدد لحرب الفرس، فإذا بالصديق الثابت رضي الله عنه لا تلهيه مصيبة موته، ولا تصده آلام المرض، وإذا بعقله ما زال واعيًا متنبهًا، وإذا بقلبه ما زال مؤمنًا نقيًا، وإذا بعزيمته، وبأسه وشجاعته كأحسن ما تكون، أسرع يطلب عمر بن الخطاب الخليفة الجديد، يأمره وينصحه ويعلمه، قال:

اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة، وإن عظمت عن أمر دينكم، ووصية ربكم، وقد رأيتني مُتَوَفّى رسول الله وما صنعت، ولم يُصَب الخلق بمثله، وإن فتح الله على أمراء الشام، فاردد أصحاب خالد إلى العراق (سيدنا خالد بن الوليد كان قد انتقل بجيشه من العراق إلى الشام)، فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وهم أهل الضراوة بهم والجراءة عليهم.

أرأيت عبد الله كيف يكون الصديق رضي الله عنه وهو في هذه اللحظات الأخيرة؟

لم ينس الجهاد، ولم يشغل عن استنفار المسلمين، أرأيت كيف أنه وحتى اللحظة الأخيرة في حياته ما زال يعلم ويربي ويوجه وينصح؟

هذا هو الصديق الذي عرفناه.

ودخلت عليه ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهو في آخر اللحظات، ونفسه تحشرج في صدره، فآلمها ذلك، فتمثلت هذا البيت من الشعر:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

أي لا يغني المال عن الإنسان إذا جاء لحظة الوفاة، فخشي الصديق رضي الله عنه أن تكون قالت ما قالت ضجرًا، أو اعتراضًا، فتقول عائشة رضي الله عنها، فنظر إلى كالغضبان، ثم قال في لطف:

ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق:

[وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ] {ق:19} .

هكذا ما زال يربي ويعلم، ثم جاءوا لهم بأثواب جديدة كي يكفن فيها فردها، وأمر أن يكفن في أثواب قديمة له بعد أن تعطر بالزعفران، وقال:

إن الحي أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى.

هكذا بهذا الثبات العظيم، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وأن يدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى:

[تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ] {يوسف:101} .

- غير أنه مع كل ما سبق من فتن عرضت للصديق في حياته إلى لحظة موته، فإن كل هذه الفتن تهون، وتضعف، وتتضاءل أمام الفتنة العظمى، والبلية الكبرى، والمصيبة القصوى التي لحقت به وبالمسلمين، لما مات ثمرة فؤاد الصديق، وخير البشر، وسيد الأنبياء والمرسلين، وحبيب الله، لما مات النور المبين الذي أضاء الأرض بنبوته، وعلمه، وخلقه، ورحمته، لما مات رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

أعظم فتنة مرت بالصديق رضي الله عنه، وأعظم فتنة مرت بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكان من فضل الله على الصديق رضي الله عنه أنه مَنّ عليه بثبات يوازي المصيبة، وبوضوح رؤية يقابل الفتنة، وبنفاذ بصيرة يكشف البلوى، وينير الطريق للصديق ولمن معه من المسلمين.

وفي موضوع ثبات الصديق رضي الله عنه يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الصديق رضي الله عنه جملة قصيرة لكن عظيمة المعاني قال: كان الصديق رضي الله عنه كالجبل، لا تحركه القواصف، ولا تُزيله العواصف.

رضي الله عن الصديق وعن الصحابة أجمعين.

فكر وسطي
30-09-2010, 07:12 AM
....................استخلاف الصديق .........................


مقدمة
استقر الصحابة في حوارهم كما ذكرنا على أن الخلافة ستكون في قريش، وهذه خطوة عظيمة للوصول إلى الخليفة، لكن ما زال هناك خطوات وخطوات، فقريش قبيلة عريقة بالبطون الشريفة، ففي أي بطن ستكون الخلافة، ثم إن المهاجرين بالآلاف، والرجال الذين يستطيعون إدارة الأمة أكثر مما يتخيل الإنسان، فكل رجل من المهاجرين أمة، مَن مِن هؤلاء سيتولى هذه الخلافة، وقد نتخيل أن الأمر شاق، وعسير، ولكن فلننظر ماذا حدث؟


عمر يبايع أبا بكر رضي الله عنهما
قال الصديق رضي الله عنه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:

ابسط يدك نبايع لك.

فقال عمر: أنت أفضل مني.

قال أبو بكر: أنت أقوى مني.

قال عمر: فإن قوتي لك مع فضلك.

أي مجتمع هذا الذي ينفر فيه كل رجل من الإمارة؟

ونحن نرى اليوم بعض الإخوة الملتزمين، ويفترض أنهم مدركين للدين جيدًا، ولكنهم يختلفون على إمامة مسجد، أو إمامة في صلاة، فماذا سيكون حالهم لو كانت إمامة أمة؟!

تقدم أبو عبيدة بن الجراح الأمين رضي الله عنه وقال:

لا ينبغي لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين، وأمّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اشتكى فصليت بالناس، فأنت أحق الناس بهذا الأمر؟

وروى النسائي والحاكم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للناس:

ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم أبا بكر للصلاة؟

قالوا: بلى.

قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم مَن قدّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: لا أحد، معاذ الله أن نتقدم على أبي بكر.

هنا وثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفاروق، فأخذ بيد أبي بكر الصديق في حسم واضح للمشكلة، وبايع الصديق على الخلافة، وطلب البيعة له من الحضور فماذا حدث؟


والأنصار يبايعون أيضًا
قام أسيد بن حضير، وبشير بن سعد رضي الله عنهما يستبقان للبيعة، ووثب أهل السقيفة للبيعة، بايع الحباب بن المنذر رضي الله عنه، وبايع ثابت بن قيس رضي الله عنه، وبايع زيد بن ثابت رضي الله عنه، وبايع كل الأنصار في السقيفة.

إلا سعد بن عبادة رضي الله عنه، وحتى لا يذهب الذهن بعيدًا، فإن سعد بن عبادة رضي الله عنه بايع بعد أيام قلائل من يوم السقيفة، وما منعه من البيعة في اليوم الأول إلا حراجة موقفه، فقد كان مبايعًا للخلافة قبل مبايعة أبي بكر بوقت قصير، كما أنه لا يستطيع حراكًا لمرضه، ويحسب له أن أخذ الموضوع في هدوء يحسد عليه، ولم يتكلم بكلمة، ولم يظهر منه في خلافة الصديق رضي الله عنه أي اعتراض على إمارة الصديق، بل إنه خرج بإذنه إلى الشام مجاهدًا حيث استشهد هناك.

وهكذا في يوم السقيفة تمت البيعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بإجماع قلما يتكرر في التاريخ، وبآداب من المستحيل أن توجد في أمة غير أمة الإسلام، هذا تاريخكم، تطلعوا حولكم، وشاهدوا في كل بلاد العالم، كيف يكون الصراع على السلطة؟

آخر ما سمعت هو نصف مليون قتيل في صراعات على السلطة في أنجولا، وها نحن نرى ما يحدث في معظم بلاد العالم اليوم، ثم انظر ما يحدث أيضًا في البلاد التي يطلقون بلادًا حضارية متقدمة، أليست البرامج الانتخابية تشمل في الأساس محورين رئيسين:

المحور الأول: شكر في الذات، واستعراض للقدرات.

والمحور الثاني: محاولة التعريض، والسب، والقذف، والفضيحة بالنسبة للطرف الآخر.

ألا يبحث كل مرشح عن عيوب غيره؛ ليبرزها للناس فيسجل بها نقاطًا لصالحه؟

ألا تسمعون عن تزييف، وتزوير، ومكيدة؟

ألا تسمعون عن قهر، وتعذيب، وظلم، وبهتان؟

قارن بين ما رأيت في سقيفة بني ساعدة، وما ترى في أي سقيفة في العالم اليوم، وستدرك لا محالة عظمة هذا الدين ورقي هذا التشريع.

لاحظنا في هذه البيعة أنه لم يحضرها أحد من المهاجرين إلا الثلاثة الذين ذكرناهم كما لم يحضرها عامة الأنصار، بل حضرها رءوس القوم، ولذلك ففي اليوم التالي ذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عامة الناس، وخاصتهم من الذين لم يبايعوا بعد، حتى يبايعوا الصديق مبايعة عامة، ولم يتخلف عن هذا اللقاء إلا الذين كانوا مشغولين بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم للدفن، وهم أهل بيته:

علي بن طالب ابن عمه وزوج ابنته فاطمة،

والعباس بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم،

والزبير بن العوام ابن عمة رسول صلى الله عليه وسلم السيدة صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها.


الجميع يبايع الصديق رضي الله عنه
في اليوم الثاني صعد أبو بكر المنبر، ووقف عمر بن الخطاب يكلم الناس قبل أبي بكر، ويقدمه إليهم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

أيها الناس قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة، ما كانت إلا عن رأيي.

يقصد مقالة أن رسول الله ما مات، ولكن ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى، وجميل جدًا أن يعترف الإنسان بأخطائه أمام الناس، وهذا من عظمة الصحابة.

ثم يكمل: وما وجدتها في كتاب الله عز وجل، ولا كانت عهدًا عهده إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرى رسول الله صلى اله عليه وسلم سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا.

أي أنه كان يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون آخر من يموت في هذا الجيل، ولكن الله عز وجل شاء أن يموت، حتى يدير هؤلاء الأخيار الأمور بدون رسول، فيكونون نبراسًا لمن بعدهم، وهو اعتذار لطيف عما بدر منه أمس، فعمر قدوة وقد يتأثر به الناس.

ثم قال عمر رضي الله عنه:

وإن الله قد أبقى معكم كتاب الله الذي به هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به هداكم لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأولى الناس بأموركم، فقوموا فبايعوه.

فقام الناس جميعًا من المهاجرين، والأنصار وبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الخلافة، في إجماع عجيب، ثم قام الصديق رضي الله عنه، وخطب خطبته المشهورة الرائعة، ثم بعد الانتهاء من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء الزبير بن العوام رضي الله عنه، وبايع أبا بكر الصديق، ثم جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما روى ابن سعد، والحاكم والبيهقي، وبايع في هذا اليوم الثاني، وهذا هام جدًا؛ لأن كثير من الناس، وخاصة الشيعة يطعنون في بيعة علي للصديق رضي الله عنه، ويصرون على أنها تأخرت ستة شهور كاملة بعد وفاة السيدة فاطمة رضي الله عنها، وسنأتي إن شاء الله إلى تحليل موقف علي بالتفصيل فيما بعد، ثم بعد أيام قليلة جاء سعد بن عبادة رضي الله عنه وبايع الصديق على الخلافة.

إذن اجتمعت المدينة بأسرها على خلافة الصديق رضي الله عنه، واستقرت الأوضاع، واجتمع الناس على قلب رجل واحد، كل هذا والمسلمون مصابون بمصيبة هي الأعظم في تاريخهم، مصيبة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا المصاب ما عطل شرعًا، ولا أذهب عقلًا، ولا أوقف حياة، لا بد للحياة أن تسير، وعلى الوجه الذي أراده الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم.


بعض ما أثير من شبهات بشأن بيعة الصديق رضي الله عنه
رواية الطبري بشأن سعد بن عبادة

جاءت رواية عجيبة في الطبري، أعجب بها المستشرقون أيما العجب، وأظهروها في تأريخهم للحدث، ورددها وراءهم عدد من المعجبين بهم، والحق أن الطبري رحمه الله، مع أنه كان عالمًا جليلًا، وإمامًا عظيمًا، ما كان ينظر كثيرًا في إسناد الروايات التي يذكرها في كتابه، وقد اعترف هو بنفسه بذلك في مقدمة كتابه المشهور (تاريخ الأمم والملوك)، وقال إن همه كان الجمع، وليس التحقيق، وإن على علماء الرجال، والحديث، والرواية أن يبحثوا في صحة ما جاء في كتابه.

جاءت في الطبري رواية تقول:

إن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال بعد مبايعة الصديق رضي الله عنه:

لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي.

فكان- كما تقول الرواية- لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجمعتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولا يفيض بإفاضتهم. أي في الحج.

هذه الرواية الباطلة إذا بحثت في أسانيدها ذهب عنك العجب، ففي إسنادها لوط بن يحيى، وهو شيعي صاحب هوى معروف، كثير الكذب، متروك، قال عنه الذهبي رحمه الله:

إخباري تالف، لا يوثق به، ولم ينقل عنه إلا الشيعة، ولا يؤخذ بقوله البتة، وبالذات في القضايا الخلافية، وفي أمور الفتن.

فالرواية سندًا لا تصح بالمرة، كما أنها متنًا لا تصح أيضًا، فمن المستحيل أن ينسب مثل هذا الكلام إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه الصحابي الجليل الذي في رقبته بيعة العقبة الثانية على السمع والطاعة، ومن المستحيل أن يقول مثل هذا الكلام، ولا يخاطبه فيه الصحابة، ولا يخاطب فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهو كلام في غاية الخطورة، وسعد بن عبادة رضي الله عنه ليس رجلًا عاديًا، بل سيد الأنصار، ولو قال مثل هذا الكلام لأحدث فتنة لا محالة في المدينة، ولو كان هذا الموقف حقيقيًا، لذكرته كتب السيرة الموثقة، ولكنه لم يرد في أي كتاب سيرة، ولا كتاب سنن، ولا في أي كتب من الصحاح، وبذلك يتضح فيه الاختلاق، سواء في السند، أو في المتن.

مسألة غضب علي والزبير يوم المبايعة

تذكر إحدى الروايات أن عليًا والزبير غضبا يوم المبايعة، والرواية صحيحة، وفعلًا غضب علي رضي الله عنه، وغضب الزبير رضي الله عنه، ولكن لماذا غضبا؟

أشاع الحاقدون أن هذا كان بسبب اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانا يريان أن غيره أفضل، وطبعًا المقصود بغيره هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن، بالرجوع إلى نفس الرواية التي ذكرت غضبهما نجد أنها فسرت الغضب على محمل آخر، ومحمل مقبول، لكن المغرضين أخذوا ما يناسبهم من الرواية وتركوا بقيتها، روى الحاكم وموسى بن عقبة في مغازيه، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بسند صحيح كما صححه ابن كثير رحمه الله، قال:

ما غضبنا إلا لأنا أُخِرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخبره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس وهو حي.

إذن غضب علي والزبير رضي الله عنهما كان؛ لأن مشورة اختيار الخليفة تمت في غيابهما، وهو أمر مفهوم ومقبول، ومن الطبيعي أن يغضبا لذلك، بل من الطبيعي أن يغضب بقية المهاجرين لهذا الأمر؛ لأنهم جميعًا لم يحضروا هذا الحدث الهام، ولا شك أن كثيرًا منهم من أهل الرأي والمشورة، كان ينبغي أن يكونوا حضورًا في اختيار الخليفة، ولا يكتفى بثلاثة من المهاجرين فقط، هذا عذرهم، لكن على الجانب الآخر فإن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة رضي الله عنهم معذورون كذلك في غياب بقية المهاجرين، وقد رأينا الأحداث بالتفصيل، وكيف أن أبا بكر وعمر كانا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت اجتماع الأنصار، وجاء إليهما رجل أخبرهما بالخبر، فقاما إلى الأنصار على غير إعداد ولا تحضير، وفي الطريق لقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على غير اتفاق، فأخذاه معهما، ودخلوا جميعًا السقيفة، وتسارعت الأحداث في السقيفة كما رأينا، وكان يُخشى إن لم يتم اختيار خليفة في ذلك الوقت أن تحدث فتنة في المدينة، وأن يكثر القيل والقال، والخلاف والتفرق، فما حدث لم يكن القصد منه استثناء المهاجرين من الحضور، ولكن سرعة التقاء الأنصار، ولهم ما يبررهم كما بَيّنا سابقًا هي التي أدت إلى هذه النتيجة العاجلة، ويبدو أن بعض المهاجرين الآخرين كانوا يجدون في أنفسهم لنفس السبب الذي ذكره علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام رضي الله عنهما، مما دعا أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يقف خطيبًا في المهاجرين بعد المبايعة بأيام كما روى موسى بن عقبة والحاكم بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال:

خطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه في المهاجرين فقال:

ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة، ولا سألتها في سر، ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، لقد قُلّدت أمرًا عظيمًا ما لي طاقة به ولا يد إلا بتقوى الله.

فقبل المهاجرون مقالته.

والمهاجرون لا يحتاجون لهذه المقالة حتى يطمئنوا، فهم يعرفون صدق الصديق، وزهده، ومكانته، وقلبه، وإيمانه، ولو أخذت آراءهم جميعًا ما اختاروا غير الصديق رضي الله عنه، ولكنه رضي الله عنه أراد أن يقطع الشك باليقين، ويقتل الفتنة في مهدها، ويسترضي أصحابه مع كونه لم يكن مخطئًا في استثنائهم، بل كان مضطرًا.

إذن كان من الواضح أن إسراع الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة لم يكن اجتهادًا مصيبًا منهم، فها هي آثار، ورواسب حدثت في نفس المهاجرين مع أن الخليفة أبا بكر منهم، فكيف لو كان من غيرهم؟

ونعود ونؤكد أن هذه الرواسب لم تكن لأمر قبلية، أو عصبية، أو اعتراض عن الاختيار، ولكن وجدوا في أنفسهم لاستبعاد رأيهم في هذه القضية الخطيرة، هذا الموقف من الأنصار رضي الله عنهم أجمعين هو الذي حدا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقول عبارتين في وقتين مختلفين، لم يفقههما القارئ غير المتتبع للأحداث، وللظروف التي قيلت فيها هاتان العبارتان:

أما العبارة الأولى فقد قالها يوم السقيفة وبعد مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ قال رجل من الأنصار لعمر بن الخطاب:

قتلتم سعدًا والله.

يقصد قتلتم سعد بن عبادة رضي الله عنه سيد الأنصار باختياركم غيره، فقال عمر بن الخطاب:

قتل الله سعدًا.

وهذه رواية صحيحة، بل في البخاري، وهذه الكلمة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه هي دعاء على سعد بن عبادة رضي الله عنه، ولا شك أنها تعبير عما يجيش في صدر عمر رضي الله عنه من أسى وحزن وغضب لاجتماع الأنصار بمفردهم، وذلك خشية الفتنة التي كان من الممكن أن تحدث لو اختاروا زعيمًا ليس على رغبة المهاجرين، يروي البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تفسيرًا لهذا الموقف فيقول:

وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ، أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ، وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ، أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ؛ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا.

أي مخافة أن يقتلا نتيجة الفتنة التي قد تحدث، وليس معنى دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه على سعد بهذه الكلمة أن بينهما شقاقًا، أو كرهًا، فعمر بن الخطاب غضب من سعد في موقف من مواقف حياته العديدة كما يغضب رجل من رجل عند الإختلاف، وهذا شيء طبيعي جدًا أن يحدث بين المؤمنين، ولكن ليس معناه أن يحدث هجران بين المسلمين أكثر من ثلاث، وهذا ما لم ينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسعد بن عبادة، أو عمر بن الخطاب والحباب بن المنذر أو غيرهم، وليس من الطبيعي، ولا الفطري أن بتعايش الناس دون اختلاف في الرأي، أو غضب من بعض الأفعال، أو حتى خروج لبعض الكلمات التي لا يرضى عنها قائلها، فهذا أمر وارد في حق البشر جميعًا، لكن المهم هو عدم التمادي في هذه الأمور، والمهم هو العودة سريعًا إلى الاجتماع بعد الاختلاف.

العبارة الثانية التي قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاءت في رواية البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أيام إمارته على المسلمين خطب في الناس فقال:

بلغني أن فلانًا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانًا.

يقصد أنه سيبايع فلانًا، وفلانًا هذا هو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه دون مشورة أحد، فهو في رأيه أحق الناس بالخلافة بعد عمر، يكمل عمر فيقول: فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وتمت.

فلتة بمعنى فجأة، فعمر يريد أن يحذر من يقول بيعة أبي بكر كانت فجأة دون ترتيب، ومع ذلك تمت، ونجحت، وبويع أبو بكر، فما المانع إن مات عمر أن نبايع رجلًا فجأة، ويتم له الأمر.

ثم يكمل عمر يصحح المفاهيم للأمة، ويقول:

ألا وإنها- أي بيعة الصديق- قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها.

وهذه عبارة هامة جدًا، يقصد عمر أن عملية الانتخاب الفجائية كان من الممكن أن يتبعها شر عظيم، فلا بد أن تعقد الشورى بين كل الأطراف الذين يستعان برأيهم في هذه الأمور، وبيعة الصديق الفجائية كان من الممكن أن لا تقر من عامة المسلمين، لولا أن المبايع هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولو تخيلنا أن المهاجرين انقسموا على أنفسهم فاختار بعضهم طلحة مثلًا، واختار بعضهم عليًا مثلًا، واختار بعضهم عمر مثلًا، وهكذا، كيف يجتمعون؟

ولذلك قال عمر بن الخطاب تعقيبًا على هذا الكلام: وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر.

أي أن السابق فيكم الذي لا يُلحق في الفضل لا يصل إلى منزلة أبي بكر، فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر من المبايعة له، فأبو بكر الصديق وقعت له المبايعة بالإجماع في الملأ اليسير في السقيفة، ثم وقعت له المبايعة في عامة الناس من رءوس القوم الذين لم يحضروا البيعة، وليس هذا إلا للصديق رضي الله عنه.

لذا نصيحة عمر للأمة ألا تتسرع في أمر اختيار قائدها، فليس منهم من سيجمع الناس عليه مثلما أجمعوا على أبي بكر، فعليهم بالشورى المتأنية وبطرح كل الأسماء المرشحة، وبدراسة كل واحد منهم، ثم اختيار واحد، ومن المؤكد أن هذا الواحد سيكون مقبولًا من بعض الناس، ومرفوضًا من غيرهم، فإذا حدث اختياره بعد شورى حقيقية، أمن الشعب الفتنة، وإن أرغم الناس عليه إرغامًا فلا تؤمن الفتنة.

سؤال لا بد أن يطرح نفسه الآن:


لماذا أجمع الناس على بيعة الصديق رضي الله عنه؟
يبدو أننا مهما قلنا، ومهما شرحنا، ومهما ذكرنا من مواقف وأحداث، فإننا لن نوفي هذا الرجل حقه، فنحن إن كنا نقارنه بأناس عاديين، لكان يسيرًا أن نفقه هذا الاجتماع على صعوبته، لكنه رضي الله عنه، يقارن برجال أعلام أفذاذ عباقرة، ما تكرر في التاريخ جيل مثلهم، كل رجل منهم أمة، وأَخْرِج كتب السيرة، والتاريخ، واقرأ:

- اقرأ مثلًا قصة حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما فعله للإسلام والمسلمين منذ أسلم وحتى مات، اقرأ عن علمه، وعدله، وفقهه، وورعه، وتقواه.

- اقرأ مثلًا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما قدمه في حياته الطويلة، اقرأ عن كرمه، وزهده، وعن أخلاقه.

- اقرأ مثلًا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعن تاريخه المجيد، وفضله العظيم، وكلامه الحكيم، اقرأ عن قوته، وحكمته، وحلمه، وشجاعته، وذكائه.

- اقرأ عن غيرهم من الصحابة، عن الزبير، عن طلحة، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن سعيد بن زيد، عن عبد الرحمن بن عوف، عن سعد بن أبي وقاص.

من المؤكد أن كل اسم من هذه الأسماء يترك في النفس العديد من ذكريات من الإيمان، والجهاد، والبذل، والمروءة.

- اقرأ عن حمزة، عن مصعب، عن سلمان، عن حذيفة، عن صهيب، عن بلال، اقرأ عن أبي ذر، عن معاذ، عن ابن مسعود، عن ابن عباس، عن عمار، عن خالد.

- اقرأ عنهم وعن عشرات معهم، وعن مئات معهم، وعن آلاف معهم، بل عن ملايين معهم.

- اقرأ عن عظماء، وعلماء المسلمين في كل عصر، وفي كل مكان، اقرأ عنهم جميعًا.

- واعلم أنهم لو جمعوا في كفة جميعًا، كل من سبق ذكرهم، لو جمعوا في كفة، والصديق في كفة لرجح بهم الصديق،

أيّ فضل!

وأيّ قدر!

وأيّ عظمة!

وأيّ مكانة!

روى الإمام أحمد رحمه الله بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال:

رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ، وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ، فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَوُزِنَ بِهِمْ، فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُمَرَ، فَوُزِنَ، فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُثْمَانَ، فَوُزِنَ بِهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ.

أي رفعت الموازين، ويبدو أيضًا أننا لا نعطي القدر الكافي لعمر رضي الله عنه، ولعثمان رضي الله عنه، ونسأل الله أن ييسر لنا الحديث عنهم بشيء من التفصيل، لاحقًا إن شاء الله.

نعود إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهناك العديد من الأحاديث التي تذكر فضل الصديق رضي الله عنه وأرضاه، أكثر من أن تحصى هنا، فالصحابة ما ترددوا في اختيار الصديق، وما اختلفوا عليه؛ لأنه بالإجماع كان أفضلهم، وكانوا يعلمون ذلك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ولنمر قليلًا بين أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم في حق هذا الرجل الجليل:

- روي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين. وفي رواية الطبراني زاد:

فيعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينكره.

- وروى البخاري عن عبيد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

كنا لا نعدل بأبي بكرٍ أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نفاضل بينهم.

- وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال:

كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن متوافرون نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت.

- وأخرج الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:

خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.

يعلق الذهبي على هذا الحديث فيقول:

هذا متواتر عن علي رضي الله عنه، فلعن الله الرافضة ما أجهلهم.

الرافضة أي الطائفة من الشيعة التي رفضت خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

- وأخرج الترمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

أبو بكر سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبالطبع فهذا الحب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستنتجه عمر، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرح به من قبل.

- روى البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال:

قلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟

قال: عَائِشَةُ.

قلت: من الرجال؟

قال: أَبُوهَا.

قلت: ثم من؟

قال: عُمَرُ.

قلت: ثم من؟

قال عمرو بن العاص: فعد رجالا.

- وروى الطبراني، عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال:

من فضل على أبي بكر، وعمر أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أزرى على المهاجرين والأنصار.

أي انتقص من المهاجرين والأنصار.

- وروى البخاري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال:

متى الساعة؟

قال: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟

قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله.

فقال الرسول: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.

قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.

قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بعملهم.

فإحساس أنس رضي الله عنه بأبي بكر، وعمر، كان هو إحساس كل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

- وأخرج الترمذي وحسنه ابن ماجه وأحمد وغيرهم عن أنس قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر:

هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِيينَ وَالْآخِرِينَ خَلَا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ.

الكهل بين الثلاثين والأربعين، وقيل المقصود بالكهل العاقل الحكيم، وأخرج الترمذي نفس الحديث عن علي.

- وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ.

وأخرج الطبراني نفس الحديث عن جابر بن سمرة وعن أبي هريرة.

- وأخرج الترمذي والحاكم وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم، فدخل المسجد، وأبو بكر وعمر، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما وقال:

هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وأخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه.

- وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ.

- وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن حنطب، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا بكر وعمر فقال:

هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ.

وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمرو وبطرق أخرى عن ابن عباس وعن جابر.

- وأخرج الترمذي وقال: حسن صحيح، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر:

أَنْتَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ، وَصَاحِبِي فِي الْغَارِ.

والصحبة في الغار فضيلة ولا شك.

هذه مجموعة من الأحاديث التي تثبت فضل الصديق على باقي الصحابة، وهي ليست كل ما ورد في حق الصديق رضي الله عنه، فقد أعرضت عن مجموعة ضخمة من الأحاديث إما لتكرارها، وإما لضعف في السند، هذه الكثرة في الأدلة جعلت علماء أهل السند يتفقون على أفضلية الصديق رضي الله عنه، ويتفقون على تقديمه على كل الصحابة رضي الله عنه أجمعين،

هذه الدرجة العالية من الفضل، والإيمان جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطمئن إلى إيمان الصديق، وإلى تصديق الصديق حتى في غيابه، وهذه درجة عالية جدًا في الفضل، بمعنى إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرًا عجيبًا غريبًا قد يشك فيه بعض الناس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطمئن، ويضمن أن يصدقه الصديق حتى قبل أن يعرف موقف الصديق، درجة متناهية في الفضل بين الصحابة، وهاكم دليلا على ذلك:

- أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، ثم أقبل على الناس فقال:

بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا، فَضَرَبَهَا، فَقَالَتْ:

إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ.

فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم.

فقال صلى الله عليه وسلم:

فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.

وما هما ثَمّ.

أي لم يكونا موجودين في هذا اللقاء الذي يتحدث فيه رسول الله، ثم يكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ، إِذْ عَدَى الذِّئْبُ، فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، فَطَلَبَهَا، حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ:

هَذِهِ اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِي لَهَا غَيْرِي؟

فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟

قال: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.

وما هما ثَم.

واختلفوا كثيرًا في شرح المقصود بحادثة السبع هذه، لكن الشاهد الثابت من القصة هو تكلم الذئب، وتكلم البقرة، وإيمان الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وإيمانه بأن الصديق وعمر رضي الله عنهما سيؤمنون بذلك حتمًا، ولم يكونا حاضرين في المجلس، وهي فضيلة ولا شك للصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

إذن ليس من عجب أن يختار المؤمنون أبا بكر الصديق للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأحاديث السابقة، وغيرها تشير إلى أن الصحابة جميعًا كانوا يعتبرونه أفضلهم، وأقربهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلاهم منزلة في الدنيا والآخرة، وهذا كله سَهّل عليهم اختياره خليفة للمسلمين، بل إن هذا الأمر لم يكن خافيًا حتى على المشركين، كان المشركون يعلمون أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الوزير الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر الصحابة قربًا له، حتى في الهجرة لما اكتشف خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته، والمشركون يحاصرون البيت ماذا فعلوا بعد هذا الاكتشاف؟

أول شيء فعلوه أن ذهبوا إلى بيت الصديق رضي الله عنه، فهم يعلمون أنه الصاحب الأول له، ولا بد أن الصديق يعرف مكانه، وصدق ظنهم فلم يجدوه هناك، فضرب أبو جهل السيدة أسماء رضي الله عنها على وجهها حتى أطار قرطها، لماذا تجاوز أبو جهل الحدود؟

لأنه على يقين من أن الصديق رضي الله عنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعماه الحقد عن مراعاة قواعد الجاهلية من احترام حرمة البيوت، ومن عدم التعرض للنساء بالأذى.

- في يوم أحد لما هزم المسلمون، وانسحبوا إلى الجبل جاء أبو سفيان ليتأكد من موت زعماء المسلمين، فالزعيم الأول بلا شك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان:

أفيكم محمد صلى الله عليه وسلم؟

فلم يجيبوه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أمرهم ألا يجيبوه، فماذا قال أبو سفيان؟ لقد قال مباشرة:

أفيكم ابن أبي قحافة؟

فلم يجيبوه، إذن أبو سفيان كان يعلم أن القائد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلما لم يجيبوه قال:

أفيكم عمر؟

فلم يجيبوه أيضًا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم منعهم من الإجابة، فهؤلاء هم الزعماء الثلاثة بالترتيب في نظر أبي سفيان المشرك آنذاك، عندها قال أبو سفيان: أما هؤلاء فقد كفيتموهم.

هنا لم يملك عمر نفسه فقال:

يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله ما يسوؤك.

إذن الشاهد من هذه الأمور أن الناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم كانوا يرون أن أبا بكر رضي الله عنه هو الرجل الثاني في هذه الدولة، وهو الرجل المتوقع أن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غاب الرسول أو مات،

طبعًا، بفضل الله، عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الآن يؤمنون بصحة خلافة الصديق، وبفضله ومكانته، لكننا ندلل على هذا الأمر لأن هناك طائفة من المستشرقين، وطائفة من الشيعة، وطائفة من العلمانيين يطعنون في خلافة الصديق رضي الله عنه، ويطعنون في سرعة اختياره في سقيفة بني ساعدة، ذلك أنهم لا يقدرون للصديق قدره، ولا يعرفون مكانته، أو هم يعرفون وينكرون لأهداف خبيثة في نفوسهم، وللأسف الشديد فهذا التيار الرامي إلى الطعن في خلافة الصديق، وفي نزاهة الصحابة الذين اختاروا هو تيار متصاعد في البلاد الإسلامية في ظل العلمانية المتصاعدة في كثير منها، وفي ظل سيطرة كثير من العلمانيين على كراسي التعليم والتربية في كثير من جامعات ومدارس المسلمين، وفي ظل الهجمة الصليبية، واليهودية الشرسة على دين الإسلام، وعلى المسلمين، الطعن في خلافة الصديق يدرس في كثير من الجامعات المتخصصة، وفي أقسام التاريخ، وأقسام السياسة، ولا بد للمسلمين من وقفة، ولا بد لعلماء المسلمين من انتباه، ولا بد للآباء والمربين أن يتعلموا فضل الصديق، وفضل الصحابة، ويعلمونه أولادهم وتلامذتهم، فالدفاع عن الصديق والصحابة دفاع عن الدين في صلبه وفي عمقه.

وقد يقال من قِبَل العلمانيين والمتشككين:

آمنا معكم بفضله، ومكانته، وإيمانه، وتقواه، لكن ليس بالضرورة أن يكون المؤمن التقي الورع هو أصلح الناس للخلافة فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعط الإمارة لأناس لا يشك أحد في تقواهم، وورعهم لأنهم لا يصلحون للقيادة والإمارة، فلم يعط لأبي ذر مثلًا وقال له:

إنك امرؤ ضعيف.

وولى عمرو بن العاص على وجوه الصحابة بما فيهم أبو بكر وعمر في سرية ذات السلاسل؛ لأنه أبصر بالحرب، فقد يكون هناك ممن هو أبصر بالخلافة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ونحن وإن كنا نعلم أن هذا الطرح من المتشككين طرح جدلي لأن الأيام أثبتت تفوقه على غيره في كل الأمور، إلا إننا نسير معهم فيما قالوه، ونقارع كما يقولون الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، نقول لهم......................

فكر وسطي
05-10-2010, 05:14 PM
....................شبهـــــــــــــــــــــــــاا اات حول استخلاف الصديق ...................................


مقدمة
مع كل ما سبق عرضه، إلا أننا نجد المغرضين لا يعجبهم ذلك، فقد أكثرت طوائفهم، وفرقهم، من شيعة، وعلمانية، ومستشرقين، من وضع الشبهات، وأكثروا من الطعن في كل رموز الإسلام، في أبي بكر، في عمر، في علي، في عائشة، في سعد بن عبادة، وفي غيرهم ولعلنا نضع هنا سؤال:

- إذا لم يكن الصديق رضي الله عنه فمن غيره يكون خليفة؟!

وهذا ليس مجرد عصف ذهني، أو مجرد طرح نظري لأسماء أخرى، ولكن هذا السؤال؛ لأن هناك طوائف مختلفة من المشككين في خلافة الصديق رضي الله عنه طرحت أسماء أخرى؛ للطعن في خلافة الصديق رضي الله عنه، ولتشويه الصورة الجميلة للجيل الأول، ولأهداف أخرى كثيرة، كثير من المستشرقين فعل ذلك، وسار على نهجهم بعض المستغربين من أبناء المسلمين، وكثير من طوائف الشيعة أيضًا فعلت ذلك، ولم يطعنوا في خلافة الصديق رضي الله عنه فقط، بل في خلافة عمر وعثمان أيضًا رضي الله عنهم أجمعين.

وتكاد تنحصر الأسماء المرشحة في شخصين:

الأول: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثاني: هو سعد بن عبادة رضي الله عنه زعيم الخزرج والأنصار.

أما سعد بن عبادة فقد تحدثنا عن تفصيلات موقفه، ولماذا كان مرشحًا للخلافة؟ وكيف نزل الأنصار عن رأيهم بترشيحه؟ والعدول بعد ذلك إلى ترشيح أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟ وكيف بايعوا جميعًا بما فيهم سعد بن عبادة رضي الله عنه؟

وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم يطرح اسمه حقيقة من أحد، اللهم إلا من أبي بكر الصديق نفسه يوم السقيفة، لما رشحه للخلافة وقال:

أنت أقوى مني.

فقال عمر:

قوتي مع فضلك.

والجميع يعلم أن أبا بكر مقدم على عمر، وعمر نفسه كان يقول:

والله لئن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلى علي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.

كما أن الشدة المعروفة عند عمر رضي الله عنه لم تكن مناسبة للأمة، وهي خارجة من المصيبة الكبيرة بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.


شبهة أحقية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة
إذن يبقى اسم واحد محل كلام ونقاش وجدال، وهو البطل الإسلامي العظيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه، أشاع كثير من الشيعة أنه كان أحق بالخلافة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأعجبت الفكرة كثير من المستشرقين، فذكروها في كتبهم على أساس أن الخلافة حق منهوب من علي بن أبي طالب، بل إن بعض الشيعة المتطرفة تجاوزت الحدود في علي بن أبي طالب، وادعت أنه كان أولى بالرسالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم في ذلك تخاريف عظيمة، بل إن طائفة أخرى تجاوزت هذا الأمر إلى تأليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تعالى الله عما يصفون، هذا الغلو في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ظهر في أواخر أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه، في بدايات الفتنة واتساع رقعة الإسلام، ودخول الكثير من المغرضين في دين الله، ومحاولتهم هدم الإسلام من جذوره وأصوله، دخل في دين الله كثير من اليهود والمجوس الذين أرادوا أن يقسموا الدولة الإسلامية إلى طائفتين متنافرتين من جهة، وأن يطعنوا في رموز الصحابة من جهة أخرى، وقد يكون عبد الله بن سبأ اليهودي هو أول من أشاع بين الناس فكرة التشيع لعلي بن أبي طالب، وإنه أولى بالخلافة من عثمان بن عفان، بل ومن أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين، وكان لعبد الله بن سبأ أعوان من قبائل شتى، كلها تنقم على الإسلام لأسباب مختلفة، وكثير منهم من أرض فارس حيث الأقوام الذين أكل الحقد قلوبهم، لانهيار دولتهم على أيدي المسلمين بقيادة أبي بكر، ثم عمر رضي الله عنهما.

وما زالت إلى الآن هذه المغالاة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأكثر طوائف الشيعة اعتدالًا ترى شرعية خلافة الصديق، وعمر على سبيل جواز إمامة المفضول للفاضل، أي أنهم يزعمون أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان، لكن يجوز أن يتولى الخلافة الأقل فضلًا، هذا الفكر المتشيع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يقتصر فقط على طوائف الشيعة، بل كما ذكرنا أعجبت الفكرة المستشرقين، فذكروها في كتبهم، وأفردوا لها البحوث، والتحليلات، وانتقل هذا الفكر إلى طائفة من المسلمين المحسوبين على أهل السنة، والمتعلمين على أيدي هؤلاء الغربيين، والله لقد قرأت في هذا الموضوع كتابات يقشعر منها البدن، ويكاد المرء يصاب بالغثيان من أولئك الذين يطعنون في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة، وما زال هذا الفكر يدرس إلى الآن في جامعات إسلامية وغربية كثيرة.

وسؤال هام قد يطرأ على الذهن:

لماذا اختار عبد الله بن سبأ اليهودي، أو غيره ممن ابتدع هذه الفكرة، لماذا اختاروا اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليدعوا أنه كان أحق بالخلافة؟

لماذا لم يختاروا أي صحابي جليل آخر، وما أكثر الصحابة؟

لقد فكر هؤلاء في أنه لكي يقتنع الناس بشخصية أخرى غير الصديق رضي الله عنه، وعمر، وعثمان رضي الله عنهما لا بد أن يأتوا باسم تهفو له نفوس المسلمين بصفة عامة، ويشعرون بعاطفة كبيرة نحوه، ونفوس المسلمين قد تهفو إلى كل الصحابة، إلا أن علي رضي الله عنه يتميز عنهم بأمرين هامين جعلا المغرضين يختارونه لهذا الأمر، أما الأول:

فهو لقرابته رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ابن عمه ومن بني هاشم وأقرب إلى الرسول من أبي بكر وعمر وعثمان.

وأما الثاني فهو أنه زوج ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو أحفاده الحسن والحسين رضي الله عنهما أولاد السيدة فاطمة رضي الله عنها، وليس هذا لأحد غيره، نعم تزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه ابنتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يكن له أولاد من السيدة رقية والسيدة أم كلثوم يحملون نسل الرسول صلى الله عليه وسلم.

لهذين السببين اختاروا على بن أبي طالب كي يستغلوا اسمه في تفريق المسلمين إلى طائفتين شيعة، وسنة وما زال هذا التقسيم إلى الآن موجودًا.

وقبل أن نرد على هذين الأمرين فإننا نريد أن نقول أننا لا يجب أن يدفعنا حبنا للصديق رضي الله عنه، ورفضنا لفكرة الإشاعة بأن علي بن أبي طالب كان أحق بالخلافة من الصديق رضي الله عنه، لا يجب أن يدفعنا هذا الأمر إلى التقليل من شأن الصحابي الجليل العظيم على بن أبي طالب رضي الله عنه، فله من المناقب والآثار ما نعجز عن وصفه في مجلدات ومجلدات، وهو أول من أسلم من الصبيان، وله مواقف مشهورة في تاريخ الإسلام، وفي الهجرة، وفي كل الغزوات، وكان مقربًا لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله مواقف عظيمة حتى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في خلافة الصديق، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، ثم في خلافته هو رضي الله عنه، وفي الجملة فهو من أفضل الصحابة على الإطلاق، بل يجزم كثير من العلماء المسلمين أنه رابعهم في الفضل بعد الصديق أبي بكر، وعمر الفاروق، وذي النورين عثمان رضي الله عنهم جميعًا، إذا وضعنا هذه الخلفية في عقولنا، فإننا نكون في مأمن من التقليل من حجم شخصيته، وهذا هو عين الصواب في التعامل مع جيل الصحابة بأكمله، رضي الله عنهم أجمعين.

ونعود إلى الأمرين اللذين تميز بهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه على غيره من الصحابة، وهما قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزواجه من ابنته فاطمة رضي الله عنها.

أما الأمر الأول: قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فهل تكفي القرابة لتقديم شخص على آخر؟

وهل تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم يشير من قريب، أو بعيد في جعل هذا الأمر لقرابته؟

ألم يقل صلى الله عليه وسلم:

الْأَئِمَّةُ فِي قُرَيْشٍ.

ولو أراد لقال الأئمة في بني هاشم، لكنه لم يرد ذلك، دعوة الإسلام ليست دعوة قبلية، ولو أخذها علي بن أبي طالب لكان ذلك دليلًا على القبلية لا يقاوم، ومنذ متى تنفع القرابة أو تجدي، حتى وإن كانت قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم؟

بل ألم نشاهد أبا طالب العم القريب إلى قلب الرسول صلى الله عليه وسلم يظل كافرًا حتى آخر لحظة من حياته فيدخل النار، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وهل كانت العقليات والكفاءات في عائلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى وأكبر من العقليات والكفاءات خارجها؟

لقد حاول رسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته أن يرسخ في أذهان الأمة أن المرء بعمله لا بنسبه، فلو أخذها رجل من بني هاشم مع وجود من هو أعلى منه كفاءة وأعظم فضلًا أكان ذلك يرضيه صلى الله عليه وسلم؟

هذا كله ولا شك لا يقلل من فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن ولا شك أن الخلفاء الثلاثة الأوائل قد فاقوه في الفضل بإجماع الأمة وقتها وبعد ذلك، ولم يكن للقرابة أن تغير من هذا الفضل أبدًا.

ثم هل كان يتقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره إلا بقليل على الأشياخ الكبار بالنسبة له كأبي بكر وعمر وعثمان؟ علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يبلغ من العمر وقت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حوالي 31 سنة بينما كان الصديق رضي الله عنه في الواحدة والستين من عمره، نعم تولى قيادة بعض الجيوش الإسلامية شباب كثير، لكن قيادة الجيوش شيء وقيادة الأمة شيء آخر، ولا شك أن الخبرات المتراكمة لرجل مثل الصديق رضي الله عنه كانت نفعًا للأمة، والأمة لم تخسر طاقات الشباب، فالصديق الإمام يوجه، وينظم، ويخطط، والجميع في الأمة ينفذ.

والأمر الثاني: هو زواج عليّ من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، أكان ذلك الأمر يؤهله للخلافة؟

إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغني عن فاطمة نفسها رضي الله عنها شيئًا، ولا تنجو إلا إذا عملت، أفيغني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زوج ابنته إلا إذا عمل؟

- روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجل:

[وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] {الشعراء:214} قال:

يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- أو كلمة نحوها- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةَ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مِالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.

وهكذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وضح أن هذه العلاقات لا تقدم ولا تؤخر في فضل المؤمنين، وإن التفاضل بين الناس لا يكون إلا بالتقوى والعمل الصالح، والكفاءة، وغير ذلك من الأمور المكتسبة، ولا يتفاضل الناس بحسب الأشياء التي لا دخل لهم فيها، كالنسب، واللون، والجنس، والحالة المادية، وغير ذلك من أمور التفاضل.

ولعل هذا هو الحكمة أو جزء من الحكمة التي من أجلها لم يعش لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولاد من الذكور، فإذا كان الناس تشيعوا هكذا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، واستخلفوه للتفريق بين المسلمين، فماذا كان يفعل المسلمون مع ابن الرسول صلى الله عليه وسلم لو عاش، لا شك أن طائفة الشيعة هذه كانت ستجد فيه، وفي ذريته ذريعة للاتباع، وتفريق المسلمين تحت قيادات مختلفة.

ولا شك أن الذين أشاعوا هذه القضية كانوا يعلمون أن حجتهم ليست بالقوية، فهم يطلبون خلافة لعي بن أبي طالب رضي الله عنه على أساس القبلية والقرابة، وهي مؤهلات غير مقبولة في الشرع الإسلامي، فماذا يفعلون حتى يثبتوا خلافة في غير موضعها؟ لقد بحثوا عن مصداقية أخرى لهذا الأمر فوجدوها.


قضية ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم
والقضية لها علاقة وثيقة بقصة استخلاف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهي من أول أعماله في الخلافة رضي الله عنه، ونتج عنها بعض المواقف التي أساء المستشرقون، وأصحابهم فهمها، واستغلوها في الطعن في عظماء الصحابة، لقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضًا، كانت له بالمدينة وفدك (قرية خارج المدينة)، وما بقي من خمس خيبر، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم ذهب العباس وعلي رضي الله عنهما يطلبان نصيب العباس ونصيب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الصديق رضي الله عنه لهما كما جاء في البخاري: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ.

ثم قال الصديق رضي الله عنه: إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أيضًا في رواية أخرى للبخاري:

لست تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به، إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ.

يا لها من كلمة جميلة من الصديق رضي الله عنه، كلمة رائعة، هي تلخص فلسفة الصديق رضي الله عنه في حياته:

إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ.

اللهم ارزقنا فهمًا كهذا الفهم، وعملًا كهذا العمل، وإخلاصًا كهذا الإخلاص.

إذن أبو بكر الصديق عرّف عليا والعباس رضي الله عنهما بحكم هام، وهو أن الأنبياء لا يورثون درهمًا ولا دينارًا، وما تركوه فهو صدقة، أي في بيت مال المسلمين، قد شاء الله عز وجل ذلك حتى لا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم، بأنهم طلبوا الدنيا وورثوها لورثتهم، ولذا فحياة الأنبياء صلوات الله عليهم وتسليماته، تكون زهدًا وورعًا وبعدًا عن الدنيا، وكذلك يكون الحال لورثتهم.

لكن هل كان هذا الحكم خافيًا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟

أبدًا لم يكن خافيًا عليه هذا الحكم، سبحان الله، بل لم يكن خافيًا على العباس رضي الله عنه أيضًا، ولم يكن خافيًا عن كثير من الصحابة، فقد روي نفس الحديث من طريق أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس، والسيدة عائشة، وأبي هريرة، فما تفسير طلب العباس وعلي رضي الله عنهما للإرث؟!

وما تفسير سؤال السيدة فاطمة رضي الله عنها نصيبها في ميراث أبيها صلى الله عليه وسلم؟!

بل أكثر من ذلك، فإنه لما رفض أبو بكر الصديق إعطاء العباس وعلي رضي الله عنهما من الإرث، تشهد علي رضي الله عنه، وحمد الله ثم قال: إنا نعرف يا أبا بكر فضيلتك، ثم ذكر عليّ قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم، أي أنه ما زال يطلب الإرث لزوجته، فقال أبو بكر رضي الله عنه:

والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي.

أي إنه لا يقطع قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه يقضي بما يراه صوابا، فما تفسير تكرار الطلب من علي رضي الله عنه مع علمه بالحكم؟!

بل أكثر من ذلك، فإنه لما رفض أبو بكر الأمر وجدت السيدة فاطمة رضي الله عنها أي حزنت، وغضبت، وذلك كما جاء في رواية البخاري، وهجرت الصديق رضي الله عنه، فلم تكلمه حتى مرضها الأخير الذي ماتت فيه بعد ستة شهور من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فما تفسير غضبها وهجرانها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه؟!

طبعًا المستشرقون والمستغربون والشيعة وجدوا في هذا الموقف مادة ثرية جدًا للطعن في كل الصحابة، فمنهم من اتهم أبا بكر الصديق رضي الله عنه بالظلم، لأنه حرم السيدة فاطمة من نصيبا من الإرث، ومنهم من اتهم السيدة فاطمة وعلي والعباس بحب الدنيا والسعي وراءها، وبمخالفة الشرع بطلب شيء نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من اتهم علي بن أبي طالب بأنه لم يبايع أبا بكر غضبًا لنفسه ولزوجته، ومنهم من اتهم الصحابة بالخلاف على الدنيا والهجران لذلك، فما هو التفسير الحقيقي، والمقبول لهذه المواقف المتشابكة؟

الحق أنه من المستحيل لعلي والعباس والسيدة فاطمة رضي الله عنهم أجمعين أن يطلبوا الدنيا بهذه الصورة مخالفين الشرع ومخالفين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالذات أن السيدة فاطمة تعلم يقينًا أنها أول من سيلحق بأبيها صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، هي تعلم أنها قد اقتربت جدًا من الوفاة وليس من المعقول أن تتعلق بالدنيا إلى درجة المخالفة بهذه الصورة،

التفسير المنطقي للموقف يقول: إن العباس، وعلي، والسيدة فاطمة رضي الله عنهم كانوا يريدون الإرث ليقوموا فيه بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، يعني ينفقوا على آل بيته بما يكفيهم من الطعام، ثم يقومون هم بتقسيم الصدقة على من يستحقها في الوجه الذي يرونه هم، وذلك لأنهم قرابته وأحق الناس به كما يقولون، أي أنهم لا يريدون الإرث لأنفسهم، ولكن يريدون حق تقسيم الإرث على أهل الصدقة، هذا هو ما يفهم في ضوء سيرة هؤلاء الأخيار وهم جميعًا من أهل الجنة السابقين.

لكن على الجانب الآخر فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه رفض هذا الأمر، وأصر على أن يتولى هذا الأمر بنفسه، لأنه قال كما جاء في مسند أبي داود ومسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها لمن يقوم بالأمر من بعده.

أي جعل التصرف في هذا الإرث للخليفة بصرف النظر عن كونه الصديق أو غيره، والعلة في ذلك واضحة، وهي نفي أي شبهة قد تقدح في ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، وغلق الباب على اتهامهم بإنفاقها في غير وجهها، كما أنه أصلح لتجنب هوى النفس، فإن كان الوارثون الآن على درجة عالية من التقوى، وسيتصرفون فيه كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أدراك بالجيل الثاني أو الثالث أو الرابع من الوارثين، إذن الأفضل أن تظل في حوزة بيت مال المسلمين يتصرف فيها الخليفة والذي يراقب عمله طائفة كبيرة من المؤمنين، لكن السيدة فاطمة رضي الله عنها لم تفقه هذا الفقه الذي رآه الصديق رضي الله عنه، وكذلك علي بن أبي طالب والعباس رضي الله عنهما، فإنهم اجتهدوا في أنهم من الأصلح والأنسب أن يقوموا هم بهذا الأمر، ولذلك حزنوا لرفض الصديق رضي الله عنه لطلبهم، ولا مانع، أن يجتهد المسلمون فيختلفوا في الاجتهاد، وأن يغضب فريق من فريق، أو رجل من رجل، لا مانع أبدًا، لكن هذا الغضب لم يخرج كُلًّا من الطرفين عن آداب الإسلام وأخلاقه، كما إنه لم يؤثر على طاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه للصديق رضي الله عنه، ولم يؤثر على معاملة الصديق رضي الله عنه لعلي، وللسيدة فاطمة رضي الله عنهم أجمعين وذكرنا من قبل وجوهًا من هذه المعاملة بينهم، بل إن الصديق رضي الله عنه زار السيدة فاطمة في بيتها في مرضها الأخير، وأذنت له بالدخول عليها بعد استئذان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتَرَضّاها الصديق رضي الله عنه حتى رضيت كما جاء في رواية البيهقي رحمه الله، أي أنه طيب خاطرها حتى تموت وهي راضية، وهذا من أدب الصديق رضي الله عنه، وخلقه، وسَعَة صدره، فإنه هو المصيب في اجتهاده، وهو الخليفة وهو الأحق بأن يُسترضى، لكن هذا هو الصديق الذي عرفناه.

ولا مجال هنا لادعاء الهوى والدنيا في نفس الصديق، ففي ضوء سيرته فإن هذا لا يعقل، وفوق ذلك فإن العقل ينفي ذلك، فالصديق بمنعه لميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوصول لورثته قد منع ابنته عائشة رضي الله عنها، ولم يتجه مع ميل الإنسان الفطري بحب ابنته، كما أنه كما ذكر ابن تميمة في منهاج السنة قد أعطى ورثة النبي صلى الله عليه وسلم أضعاف أضعاف هذا الميراث من بيت مال المسلمين، وذلك بعد أن فتح الله على المسلمين قبائل العرب بعد حرب الردة، وبعد أن فتح عليهم فارس، والشام، ثم إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سار على نفس نهج الصديق رضي الله عنه لما تولى إمارة المؤمنين، فعلي رضي الله عنه لم يقسم التركة على ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، بل عمل فيها بما كان يعمل الصديق رضي الله عنه.

ولا مجال أيضًا لقول أن السيدة فاطمة رضي الله عنها قد هجرت أبا بكر الهجران المذموم المنهي عنه:

فأولًا: ليس من المعتاد في شرع الإسلام أن يختلط الرجال بالنساء، ويتقابلوا يوميًا حتى نقول أن السيدة فاطمة قد هجرت الصديق رضي الله عنه.

ثانيًا: السيدة فاطمة كانت تؤدي أمر ربها لها ولآل البيت، وللنساء بصفة عامة [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا] {الأحزاب:33} .

ثالثًا: السيدة فاطمة كانت مشغولة بمصابها الكبير بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت مشغولة أيضًا بمرضها، فإنها ما لبثت أن مرضت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: الصديق نفسه كان مشغولًا جدًا عن مثل هذه الأمور، فمن المؤكد أنه قد أخرج القضية من ذهنه تمامًا، فقد كان مشغولًا بمصيبة شنيعة هي ردة الجزيرة العربية، وكانت الأحداث متلاحقة بشكل سريع جدًا، والجيوش تتحرك في كل مكان، واجتماعات الحرب لا تنتهي، والأخبار لا تنقطع، والصديق لا يجد وقتًا لنوم أو لراحة، فكيف له أن يفكر في قضية كان قد حسمها بالفعل وفق سنة حبيبه محمد صلى الله عليه سلم.

إذن، بالتفكير المنطقي، والعاقل، والموزون، وبالبحث الجاد عن الصحيح من الأحاديث، والمواقف، وباتباع الشرع اتباعًا حقيقيًا نرى أن كل الشبهات التي أثارها المستشرقون والشيعة ما هي إلا فقاعات هواء، لا تقوى أمام الحجة والبرهان، والدليل الصحيح، فلا يجب أن يهتز المسلمون أبدًا لهذه التفاهات، ولكن عليهم أن يبحثوا عن تاريخهم في مصادره الصحيحة، ويفقهوه بعقول علمائهم الصادقين المخلصين، لا بعقول المغرضين الطاعنين.


خـطـبـة الاستخـلاف
يتبقى في تأريخ هذه الفترة أن نتعرض سريعًا لخطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والتي ألقاها بعد أن انتخبه الصحابة للخلافة، وسبحان الله، فإن الخطبة على قصرها، وإيجازها كانت بليغة جدًا، ومحددة لسياسة الصديق رضي الله عنه في الحكم، وشارحة للمسلمين وحكامهم الأصول الصحيحة للحكم في الإسلام، والخطبة فعلًا عجيبة، فقد حوت معان كثيرة جدًا في كلمات قليلة جدًا، ولذلك فقد أتت الخطبة في صورة بيان، بيان يلقيه زعيم الأمة في استلامه الحكم، تلا فيه قواعد حكمه، القاعدة تلو الأخرى، في صورة تلغرافات سريعة رائعة، قال الصديق رضي الله عنه في خطبته بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله:

أما بعد أيها الناس فأني قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم

هذه هي القاعدة الأولى في بيان الصديق رضي الله عنه، المساواة بين جميع أفراد الأمة، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى، لا فرق بين الحاكم المحكوم، لا فرق بين الوزير والغفير، فالكِبر المهلك، الكِبر في الحاكم، أو الكبر في الهيئة الحاكمة يسقط الأمة ويهلكها، الكِبر بطر الحق، وغمط الناس [ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ(45)إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ(46)فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ] {المؤمنون:45: 47}.

وهذا هو بطر الحق، أنكروا الحق لأنه أتى من قبل غيرهم. فماذا كانت النتيجة؟

[فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ] {المؤمنون:48} .

الكِبر، مهلك، والصديق رضي الله عنه وأرضاه يضع قاعدة هامة لكل من تولى أمرًا للمسلمين (لا تتكبر) ها هو أعظم رجال الأمة على الإطلاق بعد رسولها بشهادة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم ها هو يقول:

قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم.

إذن كانت هذه هي القاعدة الأولى الهامة.

القاعدة الثانية في بيان الصديق رضي الله عنه

فإن أحسنت، فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني

قاعدة هامة أصيلة نتجت عن القاعدة السابقة، الحاكم والمحكوم كلاهما طرفان في منظومة واحدة تريد الوصول إلى الحق وإلى الصواب وإلى الخير لهذه الأمة، الحاكم بشر معرض لكل ما يحدث للبشر، من اجتهاد مصيب وخاطئ، ومن رأي سديد وغير سديد، والعلاقة بين الحاكم وشعبه ليست علاقة تنافسية، وليست علاقة تقوم على الحذر والرعب، والإرهاب والخوف، أبدًا، العلاقة في الإسلام بين الحاكم والمحكوم علاقة لطيفة جميلة رقيقة، كل من الطرفين يحب الآخر، وكل من الطرفين يخاف على الآخر، الحاكم إذا اجتهد فأصاب أعانه الشعب بكل طاقته، وإذا اجتهد فأخطأ وهذا ولا شك وارد الحدوث، بل هو مؤكد الحدوث، فعلى الشعب التوجيه، والتقويم، والإرشاد، وعلى الحاكم أن يقبل النصح في غير ضجر ولا غضب، فالجميع كما يقولون في مركب واحدة، والجميع يريد لهذه المركب السلامة.

كانت هذه هي القاعدة الثانية من قواعد الحكم في بيان الصديق رضي الله عنه، كما أنه بهذا الكلام قد أرسى قاعدة أخرى هامة، هي قاعدة الشورى، فالحاكم مهما بلغت درجة ذكائه، وفطنته، وورعه، وتقواه يحتاج إلى الآخرين، ليس فقط للنصح، ولكن لأخذ القرار وتنفيذه، ودائمًا يجعل الله البركة في الجماعة والشورى، والاجتماع على الأمر الأقل فضلًا خير من التفرق على أمر فاضل.

القاعدة الثالثة في البيان الصديقي الرائع

الصدق أمانة، والكذب خيانة

كلمة ثقيلة جدًا في الميزان الإسلامي، وتستمد ثقلًا أكبر من كونها تأتي من الصديق رضي الله عنه، والذي كانت حياته كلها تجسيدًا لمعاني الصدق والوفاء، فيلتقي القول مع العمل، فيحدث للقلب يقينًا كاملًا بما يسمع، الصدق أمانة والكذب خيانة.

وآه من الحاكم الكذاب، كم من التداعيات الخطيرة تحدث في بلده وفي شعبه نتيجة الكذب، وإن قام الحكم على الكذب والأباطيل والتصريحات الخادعة فلا أمل في القيام، لا طموح في الصدارة، المصارحة بين الحاكم وشعبه أساس رئيس من أسس الحكم في الإسلام، وركن لا بديل عنه لضمان علو الأمة ورقيها، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابُ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ.

القاعدة الرابعة الأصيلة في البيان

واعلموا أن الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله

والصديق هنا يرسي قاعدة في غاية الأهمية في بناء الأمم، وفي قيادة الشعوب، وهي قاعدة العدل، ولا تقوم أمة بغير عدل، ولابن تميمة رحمه الله كلمة جميلة في هذا المعنى يقول:

إن الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، ولو كانت مسلمة.

لقد ذكر ربنا عز وجل في كتابه الكريم في أكثر من موضع مصير الأمم الظالمة، قال الله عز وجل:

[وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ] {الأنبياء:11} . وقال:

[وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] {هود:102} .

وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا َ،سَرَقَ فِيهُمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفَََ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَأَيْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا.

لا واسطة في الأمة العادلة، لا اعتبار لقرابة أو لمنصب أو لسطوة أو لمال أو لملك، الاعتبار الوحيد هو العدل، حتى مع من تكره

ولا يجرمنكم شنئان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] {المائدة:8} . وهكذا فالصديق يعطي درسًا لا ينسى في بناء الأمم، ويضع يده على مقومات الأمة الناجحة، هكذا في بساطة وسهولة، في هذا البيان العجيب.

القاعدة الخامسة الرائعة: في بيان الصديق

لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل

كلمات تكتب والله بماء الذهب، قالها بلسانه، وصدّقها بعمله رضي الله عنه وأرضاه، ومن أول يوم تولى فيه الخلافة، وهو يجعل الجهاد سبيله، ومن أول يوم تولى فيه الخلافة وهو عزيز، وأمته عزيزة، لأنه لم يعدل عن الجهاد أبدًا، كانت هذه هي أول كلماته عند استلام الحكم، ثم كانت آخر كلماته هي تحفيز عمر بن الخطاب على استنفار الناس للجهاد في أرض فارس مع المثنى بن الحارث، تعلّم دروسًا لا تقدر بثمن من معلمه، ومعلم البشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى أبو داود وصححه الألباني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ (نوع من الربا) وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ (أي في زمن الجهاد) وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادِ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ.

لا بد للأمة الناجحة من أعداء، ولا بد للحق من باطل يحاربه، ولا بد للحق من قوة تحميه، هكذا فقه الصديق وهكذا نجحت الأمة في زمانه.

القاعدة السادسة الهامة في خطاب الصديق

ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء

قاعدة أخرى أصيلة في بناء الأمم، الذنوب مهلكة، وما أكثر ما ربط الله عز وجل في كتابه الكريم بين هلكة الأمم وبين ارتكاب الذنوب

[أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ] {الأنعام:6} .

وهكذا لا تقوم الأمة التي تنتشر فيها الذنوب، والميوعة، والخلاعة، والفاحشة، هذا عام على كل أهل الأرض، وخاص بصورة أكبر في أمة الإسلام، قد تظهر الأمة في أعين الناس قوية صلبة منيعة، ومع ذلك فالذنوب تنخر في عظامها، حتى إذا أراد الله عز وجل لها هلكة حدث السقوط المروع، والانهيار الكامل، وأصابهم الله بأنواع من البلاء ما خطرت على أذهانهم، ولا مرت ببالهم، روى ابن ماجه وصححه الألباني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا.

سبحان الله تظهر الأمراض التي لم نكن نسمع عنها، وما الإيدز في أمريكا مثلًا منا ببعيد، وهكذا يرسي الصديق تلك القاعدة الخالدة في بناء الأمم.

القاعدة السابعة والأخيرة في بيان الصديق هي أهم قاعدة في كل البيان، وعلى أساسها يفرق بين العدل والظلم، وبين الكبر والتواضع، وبين الصدق والكذب، وبين الجهاد والقعود، وبين الأفعال الحميدة والأثام القبيحة، هذه القاعدة السابعة تحدد المرجعية التي بها نعرف كل هذه الأمور، العدل في رأيك قد يكون مختلفًا عن العدل في رأيي، العدل في مقياس أمة، قد يكون ظلمًا في مقياس أمة أخرى، ما تراه أمة ذنبًا قد تراه أمة أخرى فضيلة،

إلى أي شيء نرجع؟ وإلى أي شيء نحتكم؟

يقول الصديق رضي الله عنه في إيجاز:

أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم

فالصديق هنا يحدد ببساطة المرجعية للحاكم وللأمة، المرجعية لا تكون إلا لله عز وجل ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، أو قل للكتاب والسنة، وهكذا يحدد الصديق مصادر التشريع في أمته، ولا فلاح للأمة في الدنيا، أو في الآخرة إلا باتباع الكتاب والسنة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق،

أصول ثوابت، تربى عليها الصديق، وخرجت من فمه ببساطة ويسر، ولو تدبرتها لعلمت أن معانيها تحتاج إلى مجلدات ومجلدات.

وهكذا انتهت الخطبة الموجزة الرائعة، انتهى البيان الجليل، لم يستغرق سوى دقيقتين أو ثلاث، واستمعوا إليه مرة أخرى، كاملًا كما قاله الصديق يوم الاستخلاف، وتخيلوا الصديق يقف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة من حوله يستمعون بإنصات:

أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، واعلموا أن الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.

الله أكبر، بناء الأمة الإسلامية القوية، ليس لغزًا من الألغاز، وليس من ضروب المستحيل، ولكن الصرح القوي العظيم يحتاج إلى أساس متين، وها هو الصديق يشرح لنا في إيجاز كيف يكون الأساس لهذا الصرح العظيم.

بعد هذه الخطبة الجليلة، وهذه المبايعة المباركة ستبدأ فترة جديدة في تاريخ الأمة الإسلامية، ستبدأ فترة عظيمة بكل ما تحمله كلمة عظيمة من معان، ستبدأ حياة قصيرة جدًا في أيامها، طويلة جدًا في أعمالها، ستبدأ فترة خلافة الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

المدة الزمنية لهذه الفترة هي سنتان وثلاثة شهور، أما الأعمال فلا تكفي القرون لأدائها، طبعًا في هذه الكتاب من المستحيل أن نشرح هذه الأحداث، وكان الغرض منه هو شرح ما حدث في سقيفة بني ساعدة، وما دار حولها من أحداث وما ورد على ألسنة المستشرقين والشيعة من شبهات، وكيف يكون الرد عليها، ولم نتعرض في هذه المجموعة لمعظم الأحداث التي تمت في خلافة الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ولكننا سنفرد لها كتبًا أخرى إن شاء الله .

ومع ذلك فإنه من المستحيل أن نوفي هذا الرجل حقه في التكريم والتبجيل، فكل ما ذكرناه هو ملخص لطرف من حياته، ولست مبالغًا في قول أن دراسة كل يوم من أيام الصديق رضي الله عنه تعتبر أمرًا حتميًا لفهم كيف يفلح المؤمنون في الدنيا والآخرة، ولفقه كيف تتقدم الأمم، وكيف تصنع الحضارات.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وُزِنَ بِأُمَّتِي فَوَزَنَ بِهِمْ.

فرضي الله عن الصِّدِّيق ورضي الله عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أجمعين.

فكر وسطي
14-10-2010, 06:02 PM
...............فتنة الردة ....وبعث اسامـــــــــــــــة.....................



مقدمة
كانت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مصيبة عظيمة، وكان لها رد فعل كبير على الصحابة، وتم اختيار أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين، وهو أول خليفة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتمع المسلمون على مبايعته، وعلى تأييده، وأصبح رضي الله عنه خليفة رسول الله بعد وفاة الرسول في نفس الليلة، ففي فجر الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الأول بويع أبو بكر الصديق خليفة للمسلمين رضي الله عنه وأرضاه.

وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة حدثت في الجزيرة العربية فتنه من أشد الفتن التي مرت على الأمة الإسلامية، كأن الله سبحانه وتعالى يبتلي هؤلاء القوم، ابتلاهم أولا بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بهذا الأمر الشديد، والحمد لله فقد صبروا على هذا الابتلاء العظيم...


فتنة الردة
ما إن علمت الجزيرة العربية بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى نقضت عهدها، وتركت دينها، ولم يثبت من الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث مدن، وقرية واحدة.

فارتدت قبائل بني حنيفة، وبني أسد، وعبس، وذبيان، وقضاعة، وكندة، وتميم، وقبائل اليمن، وعمان، والبحرين، ومهرة، وتهامة، وغير ذلك من قبائل، ولم يبق على الإسلام إلا المدينة المنورة، ومكة، والطائف، وقرية جُوَاثى بشرق الجزيرة العربية، وحتى هذه الأماكن باستثناء المدينة المنورة كانت على شفا حفرة الردة، لولا أن ثبتهم الله عز وجل برجال صادقين فيهم،

فكانت مكة على خطر عظيم، ولقد راودتها فكرة الردة، وتكلم الناس في الردة، حتى هَمّ كثير منهم بها، فقيض لهم الله من وقف فيهم خطيبًا، وهو سهيل بن عمرو، وكان حديث عهد بالإسلام، فقد أسلم في فتح مكة، ولما أُسِر هذا الرجل في غزوة بدر أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينزع ثَنِيَّتَيْه حتى لا يقف خطيبًا، يهاجم النبي صلى الله عليه وسلم، كما كان يفعل، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

يَا عُمَرُ، دَعْهُ، فَلَعَلَّهُ يَقِفُ مَوْقِفًا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

فلما كانت الردة، وقف هذا الرجل وقال لهم خطبة عظيمة في الكعبة يحض الناس فيها على عدم الارتداد، والتمسك بحبل الله، وحبل رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال لهم:

لقد كنتم آخر من أسلم، فلا تكونوا أول من غَيّر وبدّل.

قال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي، وإن الله تعالى قد قال:

[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ] {آل عمران:144} .

نفس الآية التي قرأها أبو بكر الصديق في المدينة قرأها هو في مكة، فثَبَت الناس، ولم يرتدوا، فكل هؤلاء في ميزان حسنات هذا الرجل.

أما المدينة الثالثة التي ثبتت ولم ترتد، وهى الطائف، وهذا شيء غريب جدا، فالطائف كانت قاسية على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب إليها في العام العاشر أو الحادي عشر من البعثة، بعد وفاة السيدة خديجة، ووفاة عمه أبي طالب، فقد ذهب إلى الطائف راجيًا منها النصرة، فوجد منها أبشع الردود، وقذفوه بالحجارة حتى سالت الدماء من قدميه الشريفة صلى الله عليه وسلم، ولقد أبى الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطيع ملك الجبال في إطباق عليهم الأخشبين- والأخشبان: جبلان عظيمان- وقال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.

فكما تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبتوا على الإيمان، وجعل الله من أصلابهم من يؤمن بالله، ومن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتت مدينة الطائف.

فهذه هي المدن الثلاث التي ثبتت على الإسلام، أما القرية فهي قرية صغيرة تسمى جُوَاثى في منطقة البحرين، وما زالت موجودة، ومعروفة باسمها، فمنطقة البحرين ارتدت كلها، وليس المقصود بمنطقة البحرين دولة البحرين الموجودة الآن، ولكن المقصود هو كل شرق الجزيرة العريبة، فهذه المنطقة كلها ارتدت، ولم يبق فيها على الإسلام، إلا جُوَاثى، وبفضل الله تعالى قيض الله لذلك رجل يُدعى الجارود بن يعلى، هذا الرجل قام، فخطب في الناس خطبة يدعوهم للإيمان بالله وبرسوله، حيا أو ميتا، وثبت الناس بخطبة الجارود بن يعلى، وكلهم إن شاء الله في ميزان حسناته أيضا، فثبتت هذه القرية الصغيرة، ولما ثبتت على الإيمان حاصرتها قوى البغي والردة من البحرين، ومنعوا عنها الطعام حتى كادت أن تهلك إلى أن أذن الله لها في النجاة.


نِعْمَة الصِّدِّيق رضي الله عنه
كان من الممكن أن تكون لهذه الفتنة العظيمة آثار وخيمة، لولا أن الله عز وجل مَنّ على الأمة في ذلك الوقت بنعمة عظيمة هائلة، تلك هي نعمة الصديق رضي الله عنه.

لقد كان الصديق رضي الله عنه فعلًا نعمة من الله عزّ وجل أيد بها هذه الأمة، وحفظ به الدين والقرآن، وقمع به المشركين والمرتدين.

وحقًا فهذا رجل يوزن بأمة كما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام أحمد في مسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ، بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالَ:

رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ، وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ، فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَوُزِنَ بِهِمْ فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُمَرَ فَوُزِنَ فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُثْمَانَ فَوُزِنَ بِهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ.

يقول أبو هريرة رضي الله عنه يصف هذا الموقف المتأزم:

والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبِد الله.

ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له:

مه يا أبا هريرة؟

فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله، فقالوا:

يا أبا بكر رد هؤلاء، تُوَجّه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة؟

فقال: والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله.

وليس هذا الكلام مبالغة أبدًا من أبي هريرة رضي الله عنه، فالصديق فعلًا عظيم، وتظهر عظمته بصورة أكبر عندما نعلم أن هذا الموقف كان بعد أيام قليلة جدًا من استلامه للحكم، ومن المعتاد أن قائد الدولة يحتاج إلى فترة للتأقلم على الوضع الجديد، ولاكتساب الخبرة، ولكن الصديق رضي الله عنه أدار الأمور بحزم وكفاءة، وكأنه يحكم الدولة منذ سنوات وسنوات.

ولا ننسى أن مصيبة الردة هذه جاءت بعد أيام قلائل من مصيبة أخرى كبيرة، هي مصيبة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن مصاب الصديق كان كبيرًا، فهو أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، و أشدهم حزنًا على فراقه، ولكن الله عز وجل رزقه نعمة الثبات، والثبات نعمة جليلة لا توهب إلا لمن كان مؤمنًا حقًا.

[يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ] {إبراهيم:27} .

كان ارتداد الجزيرة العربية على درجات فمن العرب من منع الزكاة، وادعى أنها كانت تُعطى لرسول الله صلى الله عليه وسلم شخصيًا، فلما مات الرسول صلى الله عليه وسلم سقطت عنهم الزكاة بزعمهم.

وكانوا قد تأولوا قول الله تعالى:

[خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] { التوبة:103} .

وقالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المأمور بأَخْذ الصدقة، وأَخْذ الزكاة، وهو الذي كان يصلي عليهم، وبموته لم تعد هناك صلاة عليهم.

وهذا مفهوم مغلوط سطحي مدفوع بحب الإنسان للمال، ورغبته في الكَنْز والتملك، وليس مبنيًا أبدًا على علم أو على اجتهاد صحيح مقبول؛ لأن الزكاة أصل من الأصول الإسلامية، وهي من المعلوم من الدين بالضرورة، ولها نصابها المعروف، ولها مصارفها المحددة،، وجمعت مع الصلاة في كتاب الله عشرات المرات، ولذلك اعتبر من ينكر الزكاة كأصل من الأصول الإسلامية المعتبرة مرتدًا خارجًا عن الدين، مفارقًا للجماعة، سواء بعد ذلك اعترف بالصلاة، أو بالصيام، أو بغيرها من الأحكام أم لم يعترف.

وهذا بالطبع غير من عَلِم أن الزكاة حق، ولكن غلبت نفسه الضعيفة على عدم إخراجها، ولكن دون أن يستحل ذلك، فهذا لا يعده عامة الفقهاء مرتدًا، إنما يعدونه فاسقًا، يحتاج إلى إقامة حد، أو تعزير، بحسب ما يراه الحاكم.

وقد وقفت أكثر من قبيلة عربية في ذلك الوقت هذا الموقف الخبيث، فأنكرت الزكاة أصلًا، واشترطوا أن يقبلوا الإسلام بدون زكاة،، وبذلك أخذوا حكم المرتدين.

ومن العرب من ترك الإسلام كله، وعاد إلى ما كان يعبد من أصنام، وقالوا مقالة تعبر عن جهل عميق بحقيقة النبوة، إذ قالوا:

لو كان محمد نبيًا ما مات.

رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلن مرة واحدة في حياته أنه لن يموت، بل كان دائم التذكير بأنه بشر يجري عليه ما يجري على عامة البشر، والفارق الوحيد بينه وبين عامة الناس أنه يأتيه الوحي من السماء.

قال تعالى يعلم نبيه كيف يخاطب الناس:

[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ] {الكهف:110} .

بل صرح رب العالمين في كتابه الكريم في أكثر من موضع أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيموت كعامة الخلق فقال تعالى:

[إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] {الزُّمر:30} .

وقال:

[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ] {آل عمران:144} .

وهكذا فحجة ترك الإسلام لأجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات حجة واهية، ولكنها وجدت قبولًا عند بعض القبائل.

ومن العرب من لم يكتف بالردة، ويترك المسلمين في شأنهم، بل انقلبوا على المسلمين الذين لم يرتدوا، فقتلوهم، وذبحوهم، وفعلوا بهم أشنع المنكرات.

ومن العرب من سارع بادعاء النبوة، وكلهم يطمع في أن يصل إلى ما وصل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من سيطرة كاملة على جزيرة العرب، و قيادة كل القبائل، فزعم بعض القوم أنهم يأتيهم الملائكة من السماء توحي إليهم، وأنهم أنبياء، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيًا، ومن أشهر هؤلاء مسيلمة الحنفي الكذاب، والأسود العنسي، وطليحة بن خويلد، وسجاح، وغيرهم.

وإن كان بعضهم لم ينكروا نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قالوا نحن أنبياء مثله، وشركاء في هذا الأمر، ومنهم من قال نحن أنبياء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهكذا تعددت أنواع الردة، ولكنهم في النهاية فريق واحد اسمه فريق المرتدين، تميزوا بوضوح عن المسلمين الذين كانوا قلة قليلة مبعثرة في ثلاث مدن وقرية، وبعض الأفراد في بعض القبائل.

لقد كانت أزمة طاحنة حقًا.


أسباب حدوث الردة
قد يتساءل البعض سؤالًا هامًا:

لماذا حدثت الردة بهذه الصورة المروعة؟!

لماذا يبقى القليل على الإسلام، و يعرض الكثير عنه؟!

أليس الإسلام واضحًا نقيًا معجزًا؟

أليس البديل الذي أتى به من ادعى النبوة بديلا هزيلًا واهنًا، لا تُقره لغة، ولا يقتنع به عاقل؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا حدثت الردة؟!

بادئ ذي بدء هناك قاعدة أصيلة، وسُنة محكمة لا خلف لها حكمت الأحداث في تلك الأيام، وتحكم الأحداث إلى يوم القيامة، تلك هي سُنة حرب الحق و الباطل.

ما دام هناك بشر على الأرض، فسيكون هناك أهل خير، وسيكون هناك أهل شر، وسيكون هناك حق، وسيكون هناك باطل.

ومن السنن كذلك أن أهل الباطل كثرة، وأن أهل الحق قلة، تواترت على ذلك الآيات، والأحاديث، ورأينا ذلك في الواقع مرات ومرات.

القليل الذي يكبت جماح هواه ليسير في طريق الحق، والكثير الذي يعبد هواه مهما قاده إلى المهالك.

[وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ] {الأنعام:116} .

[وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ] {يوسف:103}.

هذه قاعدة أصيلة تحكم الدنيا، فالفاسدين أكبر بكثير من الصالحين، لكن كان البعض يتوقع أن تكون الردة ليست بهذا الحجم، لكون الناس قريبي عهد برسول الله صلى الله عليه وسلم، بمنهجه القويم، وتربيته العظيمة، وقيادته المبهرة، وإعجازه الواضح.

فلماذا ؟!

الواقع أن هناك أعدادًا ضخمة من العرب دخلوا في الإسلام في العامين الأخيرين من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما عرف في التاريخ بالوفود، ولم يدخل هؤلاء في الإسلام إلا انبهارًا بسيطرة المسلمين على الجزيرة العربية، وانتصارهم على قريش أكبر القبائل العربية، ثم على هوازن وثقيف، وغيرها من القبائل العظمى في الجزيرة، فجاء الناس أفواجًا يدخلون في دين الله عز وجل، ولكن ليس كلهم عن اقتناع، فمنهم من جاء رغبًا في المال، والغنائم، والارتباط بالقوة الأولى الجديدة في الجزيرة، ومنهم من جاء رهبًا من قوة المسلمين، ومنهم من جاء لا رغبًا ولا رهبًا، ولكن اتباعًا لزعمائهم وقادتهم، فساقهم زعماؤهم كالقطيع فدخلوا في دين لا يعرفون حدوده، ولا فروضه، ولا تكاليفه، ولم يفقهوا حقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم وحقيقة الرسالة، ولم يعيشوا مع القرآن، ولا مع السنة، بل إن الكثير من العرب الذين أسلموا في السنتين التاسعة والعاشرة من الهجرة لم يروا الرسول صلى الله عليه وسلم أصلًا، فلما مات الرسول صلى الله عليه وسلم اعتقد الجميع أن الدولة الإسلامية انهارت بموت من أسسها كما تنهار الكثير من الأعمال المعتمدة على شخص بعينه إذا غاب هذه الشخص، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أسس جيلًا كاملًا فَقِه معنى الإسلام الحقيقي، وعلم هذا الجيل أن استمرارية الإسلام في الأرض ليست مرتبطة بأشخاص، بل هي طبيعة ذاتية في هذا الدين فهو لا يموت، ولا يندثر، ولا ينهار، قد يتعرض لأزمات، ولكن يخرج منها حتما، لأنه دين الله عز وجل، والله عز وجل ناصر دينه.

قال تعالى:

[هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] {التوبة:33} .

كانت هذه هي ظروف الأعراب حول المدينة، ولم تكن الظروف فقط هي العامل المؤثر في سرعة ارتدادهم، بل كانت طبيعتهم الغليظة، والجافية سببًا في عدم قبول فكرة الإسلام الرقيقة الطيبة.

قال الله تعالى يصف حالة هؤلاء الأعراب:

[الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] {التوبة:97}.

هذا وصف رب العالمين لطبيعة هؤلاء الأقوام.

وفوق ذلك- كما ذكرت- هم لم يأخذوا الفرصة كاملة، والوقت المناسب لفقه حقيقة الإيمان، فدخلوا في الإسلام، ولم يؤمنوا حقيقته بعد.

قال تعالى يصف حالهم:

[قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {الحجرات:14} .

فهم دخلوا في الإسلام بأجسادهم، وألسنتهم، ولكن القلوب ما زالت بعيدة عن حقيقه الإيمان، ولذلك فليس مستغربًا أن يرتدوا عند أول شعور يراودهم بضعف الدولة الإسلامية، وقلة حيلتها.

ولم تكن المشكلة فقط في عوام الأعراب، ولكن كانت أيضا في زعمائهم، فالقبائل العربية ما تعودت مطلقًا على القيادة الجماعية، بل كان كل زعيم قبيلة زعيمًا في مكانه وقبيلته، يأمر فيطاع، ويشير، فلا راد لكلمته، وفجأة ضاعت زعاماتهم، وذابت في الدولة الإسلامية، ولم يقبل غالبهم بذلك، فلما مات رسول صلي الله عليه وسلم بحث كل منهم عن زعامته المفقودة، فكانوا أقرب ما يكون إلى عبد الله بن أُبَي ابن سلول الذي كان سينصب زعيمًا للمدينة المنورة قبل قدوم الرسول صلي الله عليه وسلم، فلما جاء الرسول صلي الله عليه وسلم ضاعت زعامته، فظل مع كونه في الظاهر مسلمًا يتحين الفرصة للقضاء علي الإسلام والمسلمين، وأمثال ابن سلول في العرب كثيرة، هناك مسيلمة الحنفي الكذاب، وطليحة بن خويلد الأسدي، والأسود العنسي، وغيرهم، وهؤلاء لم ينسوا زعامتهم أبدًا، ثم مات رسول صلي الله علية وسلم، وليس هذا فقط، بل تولى حكم الدولة الإسلامية أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو من أضعف بطون قريش، وهو بطن بني تيم، فوجد هؤلاء الزعماء في أنفسهم قوة للخروج عن الدولة الإسلامية، لقد كان خروجًا سياسيًا في المقام الأول، لم يكن أبدًا اقتناعًا بمبادئ الجاهلية، ورغبة في عبادة هبل، واللات، والعزى، بدلًا من عبادة رب العالمين، ولم تكن أبدًا اقتناعًا بنبوة أولئك الذين ادعوا النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان الأمر سياسيًا بحتًا.

حب الكرسي والزعامة آخر ما يخرج من قلب الإنسان، وكان هؤلاء الزعماء من الذكاء بحيث لم يطعنوا في الإسلام لعلمهم أنهم لا طاقة لهم بالإتيان بمثله، ولكنهم ضغطوا على معنى خطير يشغل بال كل عربي في ذلك الوقت، وهو معني القبلية، وهو معنى خطير حقا، وقاومه الإسلام بكل ضراوة، فالإسلام ليس دين قريش حتى تقف في مواجهتها قبيلة أخرى، إنما هو دين الله عز وجل لكل العباد من كل القبائل، والألوان، والأجناس.

لكن لقرب العهد بالجاهلية والقبلية دخل في روع الأعراب عن طريق زعمائهم أن قبائلهم ليست أقل من قريش، ولا يصح أن تخضع لها، فالحرب- في تصويرهم- حرب قبائل، ومن لم يبحث له عن مكان الآن، فلن يجد مكانًا في المستقبل.

وباعت الأعراب كل شيء في سبيل القبيلة، عبر عن ذلك أحد المرتدين من بني حنيفة التي ظهر فها مسيلمة الكذاب يدعي النبوة، فقال في صراحة:

والله أعلم أن محمدًا صادقًا، وأن مسيلمة كاذب، ولكن كاذب ربيعة أحب إليّ من صادق مضر.

هكذا في صراحة، أو قل في وقاحة.

فليس الحق هو الذي يبحث عنه ليتبعه، وإنما هو يعبد هواه، وهواه في القبيله، فليتبع كذاب بني حنيفة، وليترك صادق مضر.

ومع ذلك فالصورة النهائية للوضع، هي حرب بين الحق والباطل، هي السنة الكونية الطبيعية جدًا، هي حرب بين الإسلام وأعداء الإسلام، بصرف النظر عن مسميات الأعداء، لقد كانت القبلية هي القناع الذي وقف وراءه أعداء الإسلام في ذلك الوقت لحرب الإسلام، أما الهدف العميق الأصيل، فهو حرب الإسلام ذاته، و دليل ذلك أن المرتدين قتلوا المسلمين في قبائلهم نفسها، لقد انقلب مسيلمة الكذاب الحنفي على المسلمين من بني حنفية، فقتلهم، وكذلك فعل طلحة، وفعل غيرهم.

الأقنعة تتبدل، والحرب ضد الإسلام مستمرة، إنها سُنة ثابثة.

[وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] {البقرة:217} .

الأغلفة الخارجية، والأقنعة تختلف، وحرب الإسلام واحدة.

الأقنعة قد تكون قبلية، أو اهتمامات سياسة، أو أطماع اقتصادية، أو تنافس، أو أحقاد، أو أضغان.

كل هذا لا قيمة له في المضمون الحقيقي، والحرب في النهاية حرب الحق مع الباطل بكل صوره.

كانت الردة من أشد المواقف التي مرت بالأمة الإسلامية منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا، وما أحسب أن هناك ماهو أخطر منها في المستقبل، لقد كانت أزمة جعلت جيل الصحابة يعتقد أن القضية قد انتهت، والإسلام سيندثر، ولا أمل مطلقًا في النجاة، وعندما يعتقد جيل الصحابة الحكيم جدًا، والقوي جدًا هذا الاعتقاد، فاعلم أن الخطب عظيم، وأن المصيبة هائلة.

ولا تُقَارن فتنة الردة بما بعدها من فتن أبدًا، فلا فارس، ولا الروم، ولا التتار، ولا الصليبية، ولا من سبق، ولا من لحق، يقارن بهذه الأزمة الخطيرة أبدًا.

لقد كانت خطرًا داهمًا ليس على كيان الدولة الإسلامية فقط، ولكن على الإسلام نفسه كدين وكشريعة، فلو قدر لهذه الفتنة أن تستمر لتبدلت مفاهيم، وتغيرت تصورات، ولحُرّف الدين كما حُرّف قبل ذلك دين اليهود والنصارى.

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها واصفة لهذا الحدث المروع:

لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم نجم النفاق، وارتدت العرب، واشرأبت اليهودية، والنصرانية، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية.


بعث أسامة وموقف الصحابة منه
أشار بعض الصحابة على أبي بكر بأن لا ينفذ بعث أسامة، ويظل هذا الجيش في المدينة ليحميها من المتربصين بها.

وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوصى بإنفاذه قبل وفاته، وجهز الجيش، وخرج الجيش على مشارف المدينة، وعلم الجيش بمرض الرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرجوا، فكان أول قرار يأخده في الخلافة، هو قرار إنفاذ بعث أسامة بن زيد، وكان صلى الله عليه وسلم قد أنفذ هذا البعث ليحارب الرومان في شمال الجزيرة العربية، وقبائل قضاعة الموجودة في شمال الجزيرة العربية، والجزيرة العربية كلها انقلبت، وكلها ارتدت عن دين الإسلام، وكلها تضع المدينة تحت المجهر، وكل الجزيرة العربية تتخطف وتتوعد المدينة، وهذا الجيش الخارج من المدينة، لم يكن موجها إلى من ارتدوا، ولكن كان موجهًا إلى الرومان، ولم يكن في منطقة قريبة من المدينة حتى يستطيع أن يأتي إليها إذا داهمها المرتدون، بل كان هذا الجيش خارجا إلى مشارف الشام، ومع ذلك أصر أبو بكر رضي الله عنه أن يُنفذ هذا الجيش مع كل ما يحيط بالمسلمين من خطورة.

وثار عليه بعض الصحابة، وكلموه في ذلك، فقال لهم كلمة تسجل بحروف من نور:

والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة.

فهذا ما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، وبالفعل، يخرج جيش أسامة بن زيد، فتكلمه الصحابة في أمير الجيش، ويأتى له عمر بن الخطاب، ويقول:

لو اتخذت أميرًا غير أسامة بن زيد.

وكان سِنه يومئذ سبعة عشر عامًا، أو ثمان عشر عامًا، يطلب منه عمر أن يُنَصب أميرًا أكثر حكمة منه؛ لأن الأمر صعب، فيمسكه أبو بكر من لحيته ويهزه ويقول له:

ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أمنع أميرا أمّره رسول الله عن إمارة جيشه. وكان قد نشب خلاف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على إمارة أسامة بن زيد، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أصر على ذلك، فإذا كان هذا الإصرار، فكيف يغيره أبو بكر الصديق؟!

فأصر أن يكون أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه هو الأمير.

ويخرج بعث أسامة بن زيد، والجزيرة العربية كلها متأججة في نار الردة، ويخرج البعث من المدينة، وفي الجيش عمر بن الخطاب تحت إمارة أسامة بن زيد، وأراد أبو بكر عمر بن الخطاب؛ ليسانده الرأي في المدينة في ذلك الوقت، فالموقف صعب، وهو الرجل الثاني بعد أبي بكر الصديق رضى لله عنه، فيخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يمشي، وأسامة بن زيد راكب على فرسه، وأبو بكر ماشيا بجواره، يخاطبه في ذلك، يقول له: لو أذنت لي في عمر بن الخطاب، أستعين برأيه في المدينة.

وأسامة يقول له:

يا أبا بكر، إما أن تركب، وإما أن أنزل.

فيصر رضي الله عنه على المشي، ويقول:

وما لي لا أُغَبّر قدماي في سبيل الله ساعة.

ويأخذ عمر بن الخطاب، ويرجع به إلى المدينة، ويخرج الجيش المسلم إلى مشارف الشام.


أثر إنفاذ بعث أسامة
لعلها حكمة أظهرها الله عز وجل من إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على إنفاذ بعث أسامة، وتوفيق أبي بكر بإصراره على خروج الجيش كما أوصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الحكمة هي إرهاب القبائل المرتدة.

لما خرج الجيش إلى أطراف الشام فرت منه الجيوش الرومانية في هذه المنطقة، فلم يلق قتالا من الرومان، فوجد بعض القبائل في هذه المنطقة ارتدت، فقاتل كل هذه القبائل، وشتت شملها، وهزمها، وهربوا إلى منطقة تسمى دومة الجندل، ولكن أسامة بن زيد لم يكن مأمورا بقتال هذه القبائل، ولا تتبعها، فأكتفى، وعاد بسرعة إلى أبي بكر الصديق في المدينة ومعه الغنائم من هذه الموقعة، ومكث أسامة بن زيد في هذه الرحلة خمسة وثلاثين يومًا فقط، وهذا هو التقدير الأقرب، لكن هناك من يقول أن هذا البعث استغرق شهرين، لكن الأقرب ما ذكرنا.

خروج الجيش إلى شمال الجزيرة أحدث بكل القبائل العربية الموجودة في هذه المنطقة رهبة من المسلمين مما جعلهم يظنون أن للمسلمين قوة في المدينة، فمن المؤكد أن بالمدينة جيوش عظيمة جدا، وأن هذا جزء صغير من الجيوش، فكل القبائل المرتدة في هذه المنطقة ظنت هذا الظن، فلم يكن يمر جيش أسامة في منطقة إلا أرعبهم، فقررت عدم الهجوم على المدينة وإثار السلامة، لرعبهم من جيش أسامة بن زيد، وخوفا ممن في المدينة، مع أنه لم يكن هناك جيش بالمدينة، إلا أنها كانت حكمة من الله عز وجل ألهم بها نبيه، ووفق لها أبا بكر، فأُلْقي في قلوبهم الرعب، فكانت هذه فائدة عظيمة من خروج جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه.


موقف الصحابة من الردة
يا أبا بكر أَغْلق عليك بابك، وليسعك بيتك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

كانت هذه هي الكلمات التي واجه بها الصحابة رضى الله عنهم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أول استلامه الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ووصلت الأنباء بارتداد العرب عن دين الإسلام.

لقد كان موقفًا صعبًا طاشت فيه عقول، وذهلت فيه ألباب، وكانت فتنة حقيقية تركت الحليم حيران، واعتقد بعض الصحابة أن هذه هي نهاية الدنيا، وفكر البعض في اعتزال الناس، وأن يعبد، ويجتهد في العبادة إلى أن يأتيه اليقين، ومنهم من فكر في الخروج إلى الصحراء.

وفي هذا الموقف اختار الصحابة جميعًا رأيًا، واختار الصديق رأيًا آخر، لقد رأى الصحابة أن الجزيرة العربية قد ارتدت بكاملها تقريبًا، ورأوا كذلك أن المدينة المنورة العاصمة أصبحت خالية تقريبًا من الجنود، وذلك عندما كان جيش أسامة في الشام، ورأوا كذلك أن هناك بعض القبائل القريبة من شمال المدينة قد أعلنت ردتها، وهي في ذات الوقت علمت بخروج جيش المدينة إلى الشام، وهذه القبائل ليست بسيطة، ويأتي على رأسها قبائل أسد، وفزارة، وعبس، وذبيان، وكانت هذه القبائل قد أرسلت رسولًا مرتدًا هو عيينة بن حصن الفزاري، ومعه الأقرع بن حابس؛ ليفاوضا المسلمين في المدينة في أن يقبل أبو بكر منهم الصلاة، ويرفع عنهم الزكاة، في مقابل أن يرفع المرتدون أيديهم عن المدينة.

لقد كان الموقف خطيرًا فعلًا، وكانت المدينة مهددة.

في هذا الجو المشحون جاء الصحابة إلى أبي بكر رضي الله عنهم يعرضون عليه قبول طرح عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، بل إعطاءهما بعض المال، وذلك لتحييدها، وتخفيف ضغط الأزمة، قال الصحابة رضي الله عنهم:

نرى أن نطعم الأقرع، وعيينة طعمة يرضيان بها، ويكفيانك مَن وراءهما، حتى يرجع إليك أسامة، وجيشه، ويشتد أمرك، فإنا اليوم قليل في كثير، ولا طاقة لنا بقتال العرب.

كان هذا رأي الصحابة، مساومة الأقرع وعيينة، وتأجيل القتال، لكن الصديق رضي الله عنه كان له رأي آخر، لقد قال لهم:

أما أنا فأرى أن ننبذ إلى عدونا، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وأن لا نرشوا على الإسلام أحدًا، وأن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنجاهد عدوه كما جاهدهم، والله لو منعوني عقالا، لرأيت أن أجاهدهم عليه حتى آخذه، وأما قدوم عيينة وأصحابه إليكم، فهذا أمر لم يغب عنه عيينة، هو راضيه، ثم جاءوا له، ولو رأوا ذباب السيف، لعادوا إلى ما خرجوا منه، أو أفناهم السيف، فإلى النار قتلناهم على حق منعوه، وكفر اتبعوه.

وعارض عمر بن الخطاب وكل الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر في قتال المرتدين قائلين له:

علام تقاتل الناس؟!

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا.

وكان عمر يتكلم عن تلك الطائفة من المسلمين التي ارتدت عن دفع الزكاة فقط, ولم تترك الإسلام كلية، فهو يعارض أبا بكر في قتالهم؛ لأنهم لم ينكروا الألوهية، ولا الرسالة، أما من ارتد، وادعى النبوة، وقاتل المسلمين، وأنكر نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو متفق معه على أنهم مرتدون.

فقال الصديق رضي الله عنه:

والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال.

ثم قال في قوة:

والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله، لقاتلتهم على منعه.

وهنا لنا وقفات مع اجتهاد الصديق رضي الله عنه:

أولًا: لقد قال:

والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.

فهو قد وجد أن الزكاة دائمًا تقرن بالصلاة في كتاب الله، ومن ثَمَّ فلها حكمها، وقد ذكرت الزكاة في القرآن الكريم ثلاثين مرة، قرنت فيها مع الصلاة في ثمان وعشرين مرة، والجميع يعلم أن من ترك الصلاة مستحلًا تركها، فهو كافر يستحق المقاتلة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح:

الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا كَفَرَ.

فإذا كانت تارك الصلاة كذلك، فكذلك الذي ترك الزكاة المقرونة بها مستحلًا لهذا الترك، فهو كافر أيضًا ويستحق المقاتلة.

ثم إنه رأى في الاستثناء الذي قاله صلى الله عليه وسلم:

إِلَّا بِحَقِّهَا.

تفسيرًا لم يفقهه كثير من الصحابة، فليس الإيمان شيئًا نظريًا بلا تطبيق في واقع الحياة، وليست كلمات تقال فارغة من المضمون، فلا إله إلا الله كلمة لها حقها، وهو كبير، وأعظم حقوقها الطاعة، والاتباع لله ورسوله، دون تردد أو تحريف، وقول لا إله إلا الله دون طاعة، وبدون أداء حقها، لا يعطي الإنسان وصف الإيمان الصحيح، وأهل مكة المشركون كانوا يؤمنون بأن الله خالق لكل شيء، ولكنهم رفضوا أوامره، فكفروا بذلك مع اقتناعهم بكونه خالقًا، وكذلك المال في الإسلام له حق، وحق المال الزكاة، ومن لم يؤده لم يفقه حقيقة معنى التكليف الإلهي، والذي يرده من الأصل، ويرفض هذا الحق منكرًا له، فهو لم يفقه لا إله إلا الله، ولا حقها، وبذلك يكفر، ومن كفر من بعد إيمانه وجب قتاله.

هكذا في بساطة استنبط الصديق رضي الله عنه وجوب قتال هؤلاء الذين استحلوا منع الزكاة.

ثم ختم استنباط وجوب القتال من منهجه الثابت ومرجعيته المضمونة، لقد رأى أن هؤلاء قد أعلنوا إعلانًا صريحًا أنهم سيخالفون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يستمروا على عهده، وهذه بالنسبة للصديق رضي الله عنه قاصمة حقيقية.

[فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] {النساء:65}.

لقد قال الصديق في ثقة:

والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه.

فقضية مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضية لا يتخيلها الصديق رضي الله عنه، ومن هنا استنبط حكمه الموفق.

ولما رأى الصحابة إصرار أبي بكر على قتال المرتدين ومانعي الزكاة، ناقشوه في المشكلة الثانية:

أين الجيوش التي ستحارب هؤلاء المرتدين؟!

ولكن أبا بكر يرد عليهم بكلمات خالدة، تُكتب بحروف من نور، قال:

أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي.

أي: حتى تقطع رقبتي، وهذه الكلمة تلخص حياة أبي بكر الصديق كلها أقاتلهم وحدي.

فكل القرارات التي اتخذها في حياته رضي الله عنه وأرضاه كانت قرارات يبدأ فيها هو بالخير، دون أن يكون هناك خير على سطح الأرض كلها كالذي هو عليه، يبدأ بنفسه أولًا، فقد كان أول من أسلم من الرجال، ولم يكن هناك مسلمون، علم أن الحق في الإسلام فأسلم، ولما كان حادث الإسراء والمعراج قال له الناس:

إن محمد يقول إنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس.

فقال أبو بكر:

والله، لو قال ذلك لصدقته.

وصدق بحادث الإسراء والمعراج دون أن يسأله، وفي الهجرة كان الشخص الوحيد الذي خرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم، في كل الأمور له وقفة بمفرده، حتى يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت له وقفه مختلفة عن الصحابة، فبوقفته أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعله سببا في ثبات الصحابة، أمام وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أنفذ بعث أسامة بن زيد مع معارضة الصحابة له، وهو الذي جهز الجيوش لمحاربة المرتدين، وكل الصحابة يعارضه، وهو يقول:

أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي.

وفي ذلك يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مقولة في حق أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، يقول:

والله لقد حدث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحداث ما إن لم يَمُنّ الله على المؤمنين بأبي بكر الصديق رضي الله عنه لخشيت ألا يعبد الله في الأرض بعد ذلك.

يقول إن الله سبحانه وتعالى جعل أبا بكر سببا لبقاء عبادته في الأرض بثباته ومحاربته للمرتدين، ولو لم يصر على ذلك لما عبد الله في الأرض بعدها.

ودخلت كلمات أبي بكر في قلوب الصحابة فلم تترك شكًا, ولا تحيرًا إلا أزالته.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

فوالله، ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتل، فعرفت أنه الحق.

وعلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه على موقف الصديق هذا قائلًا:

والله لرجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعًا في قتال أهل الردة.

هنا، ومن هذا الموقف، يظهر لنا هنا عامل هام من عوامل الخروج من الأزمة، وهو العلم، فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعلم الصحابة، كما يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان أبو بكر أعلمنا.

وهذا العلم هو الذي أخرج المسلمين من الأزمة، وما أكثر ما ضل المخلصون لغياب العلم، فالإخلاص وحده لا يكفي، والنوايا الحسنة فقط لا تكفي، والتضحية الكاملة وحدها لا تكفي، إنما يجب أن يكون كل ذلك مصقولًا بل مسبوقًا بالعلم، ولعلنا هنا نفهم لماذا بدأ القرآن الكريم في النزول بآيات تحث على العلم.

وهكذا رأينا كيف كان موقف الصحابة رضي الله عنهم أن يؤثروا السلامة لأنهم لا طاقة لهم بهؤلاء المرتدين، وقتالهم فهم أضعاف المسلمين، حتى أن عمر أشار على أبي بكر بعدم قتالهم، فقال له أبو بكر:

أجبَّار في الجاهلية، خوَّار في الإسلام يا عمر؟!

فما هي إلا لحظات حتى شرح الله صدر عمر للذي شُرح له صدر أبي بكر، وعرف عمر أن أبا بكر على الحق.

فكر وسطي
10-11-2010, 12:25 AM
.......................معركة اليمامة ................."هي طويلة ولكن تفاصيل ممتعة وصبر وعزيمة غلبت انفة الجبال الشامخات ".............................



....................مقدمة......................... ...........

تقع في شمال المدينة مباشرة على بُعد أميال قليلة من المدينة قبائل عبس، وذبيان، وهذه القبائل بمجرد خروج جيش أسامة بن زيد إلى منطقة الشمال، ولقربها من المدينة، عرفت أنها بدون جيش يحميها، وأن هذا الجيش هو كل طاقة المدينة، فخرجت جيوش عبس وذبيان تترصد للمدينة، وهجموا بالفعل على المدينة، وعلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه أن الجيوش تترصد المدينة لتهجم عليها، فما كان من الصديق رضي الله عنه وأرضاه، إلا أن جهز بقية الصحابة الموجودين بالمدينة، ليحاربوا هؤلاء القوم، ولا ينتظرهم حتى يدخلوا عليهم المدينة، وجعل نفسه رئيسًا للجيوش، وهذه أول معركة يقودها بنفسه، فقاد المعركة بنفسه رضي الله عنه وأرضاه، فخرج على رأس الجيش، وأشار عليه بعض الصحابة أن يبقى بالمدينة، حتى إذا قتل لا ينفك أمر المسلمين، إلا أنه أصر على الخروج، وجعل على ميمنته النعمان بن مقرن, وعلى الميسرة عبد الله بن مقرن، وعلى المؤخرة سويد بن المقرن، وخرج الجيش في آخر الليل، وعسكر الجيش قرب جيوش عبس وذبيان، ولم تعرف عبس وذبيان أن أبا بكر وصل إلى هذا المكان، حتى إذا صلى المسلمون صلاة الفجر، هجموا على جيوش عبس وذبيان، وانتصروا عليهم انتصارا عظيما، ولم يكتفوا بالانتصار فقط، بل طاردهم أبو بكر حتى منطقة تسمى ذا القصة على بعد أميال، وتتبع الفارين منهم، وأهلك منهم الكثير، وعاد بجيشه إلى المدينة المنورة، فكان لهذا الأمر الأثر الكبير على الجزيرة العربية، فلم يجرؤ أحد أن يهاجم المدينة مرة أخرى.

................الإعداد لحرب المرتدين...................

بدأ الصديق رضي الله عنه في إعداد الأمر كخير ما يمكن أن تعد أمور الحرب، فقام بأمور عظيمة، وتجهيزات مهيبة، وفي وقت محدود، لقد كان الصديق رضي الله عنه رجلًا بأمة.

قام الصديق أولًا بحراسة المدينة المنورة حراسة مستمرة، فوضع الفرق العسكرية في كل مداخل المدينة، وكان على رأس هذا الفرق علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، وكانت هذه الفرق تقوم بحراسة المدينة بالتناوب ليلًا ونهارًا، وقامت بالفعل بصد بعض الهجمات الليلة التي قام بها المرتدون، ثم قام الصديق رضي الله عنه بعد خطوة تأمين المدينة عسكريًا بمراسلة كل القبائل التي بقيت على الإسلام لتوافيه في المدينة المنورة، وأقام معسكرًا للجيوش الإسلامية في شمال المدينة في منطقة تعرف بذي القصة على بعد أربعة عشر ميلًا، فجاءت الوفود الإسلامية من مكة، والطائف، وجاء المسلمون الذين لم يرتدوا من قبائل غفار، وأسلم، وجهينة، ومزينة، وكعب، وطيئ، وبجيلة، وغيرها.

وأرسل الصديق رضي الله عنه رسائل شديدة اللهجة إلى كل قبائل المرتدين يدعوهم فيها إلى العودة إلى ما خرجوا منه، وإلا حاربهم أشد المحاربة، وهدد في هذه الرسائل، وتوعد، وذلك ليلقي الرهبة في قلوبهم، كنوع من الحرب النفسية على المرتدين.

وبدأ الصديق رضي الله عنه في تجهيز مجموعة من الجيوش الإسلامية التي ستخرج لحرب المرتدين في وقت متزامن، فجهز أحد عشر جيشًا كاملًا، ومع أن كل جيش لم يَعْدُ أن يكون ألفين أو ثلاثة، أو بالكاد خمسة آلاف، ولكنها كانت جيوشًا منظمة, راغبة في الجهاد, مستعدة للموت, فاهمة لقضيتها, معتمدة على ربها، ومن كانت هذه صفته فيرجى له النصر إن شاء الله، وحدد الصديق رضي الله عنه اتجاه كل جيش من هذه الجيوش الأحد عشر. وإذا درست خريطة توزيع تحركات هذه الجيوش، فستدرك بوضوح مدى دقة الصديق رضي الله عنه، ومهارته، وعبقريته، وعلمه، وتوفيقه، فقد وُزعت هذه الجيوش على الجزيرة توزيعًا دقيقًا، بحيث تستطيع تمشيط كل رقعة منها تمشيطًا كاملًا، فلا تبقى قبيلة، أو منطقة، إلا وفيها من جيوش المسلمين.

واختار الصديق رضي الله عنه لقيادة كل جيش رجلًا من عمالقة الحرب في الإسلام، ووجهه إلى وجهة معينة، وذكر له تفصيلًا أنه لو تم له النصر فإلى أين سيتجه بعد ذلك؛ فالجيوش تتجمع أحيانًا، وتتفرق أحيانًا أخرى، وذلك لسد كل الثغرات.

وكانت قيادة الجيوش الإسلامية، ومسارح عملياتها على هذه الصورة:


الجيش الأول بقيادة خالد بن الوليد

كان أبو بكر قد اختار للإمارة في بادئ الأمر زيد بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أخو عمر بن الخطاب، ولكنه رفض متعللًا بأنه يرجو أن يكون شهيدا، ولا يحق للأمير أن يقاتل وهو حريص على الشهادة، حتى لا يعرض جيشه للخطر.

ثم عرض الإمارة بعد ذلك على سالم مولى أبى حذيفة، ورفض أيضًا متعللًا بما تعلل به زيد بن الخطاب.

ثم عرض الإمارة على أبي حذيفة، لكنه هو الآخر لم يوافق.

وكان آخر من عرض عليه أبو بكر الإمارة هو خالد بن الوليد، أمّره أبو بكر الصديق فرفض خالد, فأصر أبو بكر على توليته، فقاد خالد بن الوليد رضي الله عنه ذلك العبقري المسلم الفذ الجيش الأول من المدينة إلى قبيلة أسد، وكان عدد الجيش أربعة آلاف مجاهد وكان أكبر الجيوش، إلا أن المهمة كانت صعبة، فقد كان متجهًا إلى حرب طيئ أولًا، ثم بني أسد، تلك القبيلة الخطيرة التي يقودها طليحة بن خويلد الأسدي، ثم بني تميم، وفيهم مالك بن نويرة، فإذا انتهى من كل هذا بنجاح فإن عليه أن يتوجه إلى بني حنيفة، لمقابلة أخطر جيوش المرتدين، وعلى رأسها مسيلمة الكذاب، وذلك لمساعدة الجيشين الثاني والثالث، وكان على هذا الجيش المكوَّن من أربعة آلاف مقاتل أن يلتقي بالجيش الذي جهزه طليحة بن خويلد في قبيلة أسد، وعدده ستة آلاف مقاتل.

وكان مع خالد في جيشه عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه، فلما مرَّ المسلمون على قبائل طيئ، وهي قبيلة عدى بن حاتم، وقد ارتدت معظم القبيلة إلا فرعين أحدهما يُدعى غوث، والآخر يسمى جديلة.

وأراد خالد بن الوليد أن يغير على قبيلة طيئ المرتدة، فقال له عدي بن حاتم:

أعطني يوما أكلمهم لعلهم يرجعون.

فذهب، وكانت قبيلة طيئ على مشارف الردة، فوقف عدى بن حاتم في منطقة غوث، وحضهم على الإيمان فوافقت القبيلة، وثبتت على إسلامها، وأتى منها بخمسمائة رجل مجاهد لم يرتدوا، ورجع بهم إلى جيش المسلمين، فأصبح الجيش الإسلامى أربعة آلاف وخمسمائة، وأراد خالد أن يكمل مسيره، فقال له عدي بن حاتم:

أتحب أن أقاتل معك بيد أم بيدين؟

فقال: بل بيدين.

فقال له: فإن غوث إحدى يدي، وجديلة الأخرى، فأعطني فرصة مع جديلة.

فذهب عدي بن حاتم لجديلة، وكلمها، فثبتت على إسلامها أيضا، فأتى منها بخمسمائة رجل، فأصبح جيش المسلمين خمسة آلاف مقاتل، فكان كما يقول الرواة: أَبْرَك رجل في قومه.

فانطلق خالد إلى طليحة الأسدي، ودخل معهم خالد بن الوليد في قتال شديد ستة آلاف ضد خمسة آلاف، فإلى حد ما، كانت الموقعة متكافئة بالإضافة إلى أن جيش المسلمين فيه من العقيدة ما يهزم جيش طليحة بن خويلد، وهزمهم خالد هزيمة نكراء، وفر منهم الكثير، وتتبع خالد بن الوليد الفارين من الجيش إلى مناطق كثيرة، وممن فر، طليحة بن خويلد نفسه، فر هو وامرأته إلى الشام، ثم بعد ذلك أراد الله له الخير، فأسام وشارك في الفتوح وجاهد جهادا عظيما في فتوح فارس، وكانت له مواقف مشرفة في هذه المعارك، فمن ادعاء النبوة إلى الجهاد العظيم, الحمد لله أنه فر في هذا اليوم. خالد بن الوليد جاءه امر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه إذا انتصر فعليه أن يقتل كل من قتل مسلما، فهناك بعض القبائل ارتدت فقتلت من ثبت من المسلمين.

وتقول الروايات إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في الخطاب الذي بعثه، أنه سمح لأمراء الجيوش أنهم إذا دخلوا على هذه القرى أن يحرقوا المرتدين بالنار، وأن يميتوهم شر ميتة، فيلقوهم من شواهق الجبال، ويرجومهم بالحجارة، وهذه كلها أساليب ما تعودها المسلمون في حربهم، ولكن الأمر كان شديدا جدا، فالجزيرة العربية كلها مرتدة، وكان الصديق يريد أن يرهب أعداء الله.

والرسالة طويلة بعثها أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى كل أمراء الجيوش يقول في آخرها:

وأمرته أن لا يقاتل أحدا حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن دخل في دين الله، وعمل صالحا قَبِل ذلك منه، ومن أبى فلا يُبقي على أحد، ويحرقهم بالنار، ويسبي الذراريّ، والنساء.

وصل خالد بعد ذلك إلى قبيلة بني تميم، فوجدهم دخلوا في الإسلام كما خرجوا منه، لما رأوا انتصار المسلمين على جيوش بني أسد، وكان الصديق قد أوصى أمراء الجيوش أنهم إذا سمعوا الأذان في الحي، وإقامة الصلاة نزلوا عليهم، فإن أجابوا إلى أداء الزكاة، وإلا الغارة، فجاءت السرية حي مالك بن نويرة، أسر خالد بن الوليد مجموعة منهم مالك بن نويرة نفسه، وهناك اختلاف شديد على تصرف خالد بن الوليد في مالك بن نويرة، وبعض الأسرى الآخرين والتفسير الأقرب إلى الصحة أن خالد بن الوليد قال لبعض الحراس الذين يحرسون الأسرى:

ادفئوا أسراكم.

لأنها كانت ليلة شديدة البرد، ولكن مجموعة من الحراس في لغتهم إذا قالوا: ادفئوا الرجل. يعنون: اقتلوه، فقتلوا الأسرى، وبدءوا بمالك بن نويرة قائد القوم، فقتلوا منهم عددا، حتى بلغ خالد بن الوليد ذلك، فقال:

حسبكم.

وبعض الروايات تقول إنه تعمد قتلهم، وبعض المستشرقين يقول:

إن خالد بن الوليد كان يريد أن يتزوج من زوجة مالك بن نويرة، فقتله لهذا السبب.

وكان في السرية أبو قتادة الأنصاري، فغضب، ومضى حتى أتى أبا بكر، فغضب عليه أبو بكر، حتى كلمه فيه عمر، فلم يرضى إلا أن يرجع إلى خالد، ويقيم معه، فرجع إليه، ولم يزل معه، حتى قدم خالد المدينة.

استدعى أبو بكر الصديق خالد بن الوليد ليناقشه في ذلك الأمر، ويستجوبه على ما فعله مع مالك بن نويرة، وأصحابه، وفسر خالد بن الوليد الأمر لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقبل منه الصديق رضي الله عنه، وأعاده أميرا على جيش آخر بعد أن قام بما أمره رضي الله عنه في حرب قبيلة أسد، وقبيلة بنى تميم، وانتصر في المعركتين انتصار ساحقًا.

فما كان لأبي بكر الصديق أن يؤمّر خالد بن الوليد مهما كانت الأمور صعبة، ومهما كان الموقف شديد على المسلمين، وهو قاتل ظالم، أو يفعل معصية كهذه، يقتل رجل ليتزوج زوجته، طبعا هذا أمر شديد جدًا في حق رجل كخالد بن الوليد، وكلنا يعلم أداء خالد بن الوليد في الإسلام، وهو سيف من سيوف الله، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الأقرب إلى الصواب، وهذا هو الأقرب إلى الظن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم


الجيش الثاني بقيادة عكرمة بن أبي جهل

وكان هذا الجيش متجها إلى قبيلة بني حنيفة التي فيها مسيلمة بن حبيب الكذاب، وحتى نستطيع أن نستوعب قيمة المعركة، وقيمة اتجاه الجيش الثاني والثالث المتجهَيْن إلى هذه القبيلة، نتحدث قليلا عن تاريخ بني حنيفة، وكيف بدأت الردة في بنى حنيفة؟

كيف انتقلوا من الإيمان إلى الكفر؟

في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل وفاته، قدمت الوفود من كل الجزيرة العربية تبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وكان من ضمن هذه الوفود، وفد بني حنيفة، جاء عدد كبير منهم، وكان قد أسلم منهم قبل ذلك ثمامة بن أثال، وهذا الرجل صحابي جليل من الذين آمنوا، وحسن إسلامهم، وهو لم يأت مع قومه، بل أَسَرَه محمد بن مسلمة، وهو قافل من غزوة القرطاء، وعامله الرسول صلى الله عليه وسلم بإحسان، فأسلم، ثم عاد إلى قومه، ثم أتى بمجموعة من قومه ليسلموا على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، فأتى القوم الرسول صلى الله عليه وسلم، وبايعوه صلى الله عليه وسلم، وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا جاء قوم يبايعوه على الإسلام أن يعطيهم عطاءً، حتى يؤلف قلوبهم، فأعطاهم، فَقَالُوا:

يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبًا لنا في رِحالِنا وفي رِكابِنا يحْفظها لنا.

يعني لم يأت معهم لهذه المبايعة، ولكنه ظل مع متاعهم، وإبلهم خارج المدينة؛ ليقوم بحراستها، وكان مسيلمة بن حبيب هو الذي ظل مع متاعهم ليحرسها لهم، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال:

أَمَا إنّهُ لَيْسَ بِشَرّكُمْ مَكَانًا.

أي لحفظه ضيعة أصحابه، وذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءوه بما أعطاه، فلما انتهَوْا إلى اليَمَامَةِ ارْتَدّ عَدُوّ الله، وَتَنَبّأَ، وَتَكَذّبَ لهم، وقال:

إني قد أشركت في الأمر معه.

وقال لوفده الذين كانوا معه:

ألم يقل لكم حين ذَكَرْتُمُونِي له أما إنه ليس بشركم مكانا؟

ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه.

ومسيلمة بن حبيب يشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي، ويشهد أنه رسول الله، لكنه يقول أنه أُشرك في الأمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوتي نصيبه من النبوة، كما أَوّله هو لنفسه، فقالوا له:

ألا تدخل فتبايع.

فدخل يبايع الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد أن تركهم عند الإبل، فجلس مع أحد الناس من قبيلته، يحدثه، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى بعدُ فقال له:

ألا تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: أبايعه إن يجعل لي الأمر من بعده.

فعلق شرط المبايعة أن يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم له الأمر من بعده، وكان صلى الله عليه وسلم يمر من ورائه، فسمعه، وهو يقول:

أبايعه على أن يجعل لي الأمر من بعده.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في يده عود من جريد، وقيل كان معه سواك، فقال له:

يَا مُسَيْلِمَةَ، وَاللَّهِ لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعُودَ مَا أَعْطَيْتُهُ لَكَ، وإنى أرى فيك الذي أُريته ويحدثك ثابت بن قيس فأعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يحدثه.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤية، فحدث بها الصحابة، وعلم بهذه الرؤية ثابت بن قيس، ولم يحدثه النبي صلى الله عليه وسلم لكفره الشديد، وترك ثابت بن قيس يكلمه، وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وترك مسيلمة فحدثه ثابت ابن قيس بالرؤيا التي رآها فكان الرسول صلى الله عليه وسلم، قد رأى في المنام أنه قد أوتي له بخزائن الأرض، وأنه يلبس في يديه سوارين من ذهب، فكرههما الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذهب محرم على الرجال، فكره أن يكون في يديه سوارين من ذهب فأوحي إليه أن أنفخهما، وفى رواية أخرى أن جربيل قال له:

انفخهما.

فنفخهما، فطارا، وقد أولهما النبي صلى الله عليه وسلم أنهما كذابان يخرجان في قوم، فهذا أحدهما مسيلمة بن حبيب، ثم ظهر الكذاب الآخر، وهو الأسود العنسي في اليمن في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

أما طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة في قبيلة أسد، فقد ظهر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسجاح التي ادعت النبوة ظهرت بعد الرسول، أما في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ظهر مسيلمة بن حبيب والأسود العنسي.

%عاد مسيلمة بن حبيب إلى بني حنيفة، وأخذ يدعو بدعوته أنه نبي، وقد أُشرك في الأمر مع محمد فآمن له بعض قومه، ثم أراد أن يكتب رسالة، أو خطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليُثبت دعائم نبوته في الجزيرة العربية، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة مع رجلين من قومه قد آمنا بدعوته يقول:

من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، إني قد أُشركت في الأمر معك، فلنا نصف الأرض، ولكم نصف الأرض، أو تجعل لي الأمر من بعدك، ولكني أعلم أن قريشا قومًا يعدلون.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجلين:

أَأَنْتُمَا عَلَى دَعْوَتِهِ؟

فقالا: نعم.

فقال:

لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتَكُمَا.

فحفظ دماءهما لأنهما رسوليْن، ثم أعاد الرسوليْن إلى مسيلمة بن حبيب، وكتب صلى الله عليه وسلم رسالة، وأعطاها إلى حبيب بن زيد أحد الصحابة الشباب، وقال له:

اذْهَبْ بِهَا إِلَى مُسَيْلِمَةَ.

قال في رسالته صلى الله عليه وسلم:

مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ- وهذه أول مرة يطلق عليه الكذاب- السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

فهذا الأمر ليس من اختيارك أنت، فقد اختار الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يخترك، فما كان من مسيلمة الكذاب إلا أن أسر حبيب بن زيد رضي الله عنه, وقيده، فكان إذا قال له:

أتشهد أن محمدًا رسول الله؟

قال: نعم.

وإذا قال: أتشهد أني رسول الله؟

قال: أنا أصم لا أسمع.

ففعل ذلك مرارًا، فقطعه مسيلمة عضوًا عضوًا، فمات شهيدًا رضي الله عنه. فكان هذا الأمر شديدا على المسلمين؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل هذين المرتدين؛ لأنهما رسولان مع أن المرتد يحل دمه، ومع ذلك حفظ الرسول الله صلى الله عليه وسلم دمهما ولم يقتلهما، ولكن هذا الرجل المرتد قتل الصحابى الجليل، فشق ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبعث له جيشًا يقاتله، أو يردُّه إلى الإسلام، ولكنه في ذلك الوقت صلى الله عليه وسلم كان مشغولا بتجهيز بعث أسامة بن زيد إلى حدود الشام، وكان ذلك قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعظم الصحابة كانوا في جيش أسامة، فلم يكن هناك وقت، ولا قوة، وطاقة ليبعثها إلى بني حنيفة، وكان قد ارتد مع مسيلمة في ذلك الوقت جموع غفيرة تقدَّر بعشرة الآلاف.

وقرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرسل إلى بني حنيفة مَن يردهم للإسلام، ويُعلمهم، فاختار رجلًا منهم؛ حتى يكون أقرب للسان قومه, ولعلهم يستجيبون له أكثر من غيره، وهو صحابي اسمه نهار الرَجَّال، أو نهار بن عنفوة، وكان قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة، وكان قد حفظ من القرآن الكثير، وكان مما حفظه سورة البقرة، فكان من أهل البقرة، وكان أهل البقرة معروفين بالمدينة؛ وذلك لفضل سورة البقرة، فوثق الرسول صلى الله عليه وسلم من دينه, وأرسله حتى يُعلم بني حنيفة الإسلام، فأتى هذا الرجل مسيلمة الكذاب في خيمته، وجلس معه طويلًا، فاجتمع بنو حنيفة حول الخيمة؛ ليعرفوا ما الذي يسفر عنه اجتماع مبعوث محمد صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة؟

وهل مسيلمة على الحق؟

وهل أُشرك في الأمر مع محمد صلى الله عليه وسلم كما يقول؟

أم أن محمدًا قد بعث من يُكذِّبه؟

اجتمع القوم مسلمهم ومرتدهم حول خيمة مسيلمة, وطال الحديث بين مسيلمة الكذاب وبين نهار الرجَّال، ثم خرج نهار الرجال فسأله القوم:

ما يقول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسيلمة؟

وكان القوم يعتقدون أن محمدًا رسول الله حتى المرتد منهم, ولكنهم يزعمون أن مسيلمه أشرك في الأمر معه، حتى أنهم ما زالوا يصلون الصلوات،

فإذا بالرَّجَّال يقول:

لقد أُشرك مسيلمة في الأمر مع محمد.

وارتد الرجل.

وفي هذا الموقف يجدر بنا القول أن الحق لا يُعرف بالرِّجال، مسيلمة بن حبيب الكذاب كان قد قال من الآيات الكثير التي هي من سخافات القول، أو من خرافات القول، فكيف صدق هؤلاء القوم ذلك الكذاب، ثم كانت فتنة أكبر حين خرج عليهم نهار بن عنفوة بكذبه، وردته هو الآخر، وهو مبعوث محمد صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة، وفي هذا اليوم فقط ارتد من بني حنيفة أربعون ألفا، فأصبح جيش مسيلمة خمسين ألفا، وانقسمت بنو حنيفة،

فخمسون ألفا على الإسلام، وخمسون ألفا ارتدوا، أربعون ألفا منهم في يوم واحد على يد هذا الرجل نهار الرَّجال، فسبحان الله لا يأمن أحد شر الفتنة، فبعد أن جلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحفظ البقرة، ارتد بعد أن وعده مسيلمة الكذاب بإمارة، ووزارة، فارتد، واختار أن يعيش حياة الكفر مع هذا الكذاب المرتد، فقويت شوكة مسيلمة بن حبيب الكذاب، وأصبح له جيش تعداده خمسون ألفا، وانقلبوا على المسلمين من قبيلتهم يعذبونهم، وكان فيهم ثمامة بن أثال الصحابي الجليل، فبدأ ثمامة بن أثال يقاتل مسيلمة الكذاب، لكن قوة مسيلمة الكذاب كانت قوية، فالمسلمون الموجودون في بني حنيفة لم يقاتلوا كلهم مع ثمامة بن أثال، فمجموعة منهم قاتلوا معه، ومجموعة أخرى كانت منتظرة النتيجة، هم مسلمون، لكنهم لم يقاتلوا الكذاب مع ثمامة.

وفي هذه اللحظة يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصلت الأنباء إلى بني حنيفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد توفي، فارتدت بقية القبيلة، الخمسون ألفا الباقية، وأصبحت القبيلة كلها مرتدة، ولم يبق فيها إلا قلة قليلة جدا، ثُمامة بن أُثال مع بعض الناس، فهربوا من القبيلة.

ففي غضون شهور ارتدت كل بني حنيفة, ووفد بني حنيفة جاء ليبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بقليل، ثم نهار الرَّجال ذهب إليهم في وقت بعث أسامة بن زيد، أي قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بشهر، أو شهرين، فأرتد أربعون ألفا، ثم بعد ذلك وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعدها بشهر، أو بأقل من شهر ارتد الخمسون ألفا الباقية، فأصبح جيش مسيلمة الكذاب جيشا عظيما.

لذلك فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وجه لها جيشين، جيش على رأسه عكرمة بن أبي جهل، والآخر على رأسه شرحبيل بن حسنة، وقال لعكرمة بن أبي جهل:

إذا أتيت بني حنيفة، فلا تقاتلهم حتى يلحقك جيش شرحبيل بن حسنة؛ لأنه يعلم أن جيش مسيلمة كبير، لكن الحقيقة أن أبا بكر لم يكن يعلم أن جيش مسيلمة بن حبيب وصل لمائة ألف، وقوة الصحابة بالمدينة كانت ضعيفة، فالجيش الأول حوالى ثلاثة آلاف، والجيش الثاني كان نفس العدد، وكانت هذه كل قوة المسلمين المتجهة إلى قبيلة بني حنيفة، وفي هذا الوقت كان خالد يحارب في الشمال قبيلة أسد وبني تميم.

فتعجل عكرمة بن أبي جهل في قتال مسيلمة قبل أن يأتيه شرحبيل بن حسنة، وقد قال الرواة عبارة قصيرة تعليقا على هذه المعركة التي دارت بين عكرمة، ومسيلمة، قالوا: فكاد جيش مسيلمة أن يأكل جيش عكرمة بن أبي جهل.

مائة ألف أمام ثلاثة آلاف، فلو قاتل المائة ألف من غير أسلحة لهزموهم، فاجتاح جيش مسيلمة جيش عكرمة بن أبي جهل، ففر جيش عكرمة في البلاد، وتفرقوا في المنطقة من بني حنيفة حتى المدينة المنورة، ووصلت الأنباء إلى أبي بكر الصديق بالمدينة، فحزن حزنا شديدا، وعلم أن الجيش الإسلامي في طريقه إلى المدينة، فأرسل رسالة إلى عكرمة بن أبي جهل، ففي بداية الرسالة عَنَّفه بشدة على تسرعه في محاربة مسيلمة الكذاب، ثم قال له لا ترجع بجيشك إلى المدينة، واتجه بجيشك إلى حذيفة بن محصن، وعرفجه بن هرثمة في اليمن، فقاتِل معهما.

وهذا من حكمة أبي بكر، وبُعد نظرته الحربية، فقد خشي إن عاد هذا الصحابي بجيشه الفارّ إلى المدينة أن يفت ذلك في عضد المسلمين بالمدينة، ويصور لهم الجيش عظمة جيش مسيلمة، فيرعب المسلمين الموجودين في المدينة المنورة، ولا يستطيع أبو بكر الصديق بعد ذلك إرسال جيش آخر إلى مسيلمة الكذاب، فأرسل له ليبتعد عن المدينة، ويتوجه بجيشه إلى اليمن؛ ليقاتل مع حذيفة وعرفجة بن هرثمة.

وبرغم خطئه لم يُقله عن إمرة الجيش، بل ظل أميرًا على جيشه، أخطأ عكرمه بن أبي جهل، ولكن ليس حق هذا الخطأ القتل، أو الإبعاد؛ لأنه يرى في عكرمة حكمة، ومهارة حربية، لكنه اجتهد فاخطأ في هذا الأمر، وأرسل رساله إلى حذيفة بن محصن، وإلى عرفجة بن هرثمة يقول لهما:

يأتيكما عكرمة بن أبي جهل، فإن أتاكما فاسمعا منه، فإن له رأيا.

وجعل إمارة الجيوش إلى حذيفة بن محصن، وعمل أبو بكر على أن يقاتلوا متحدين حتى لا يقعوا في نفس الخطأ الذي وقع فيه عكرمة في بني حنيفة، فوجههم إلى عمان في منطقه (دبا) ليقاتلوا المرتدين في منطقة عمان وإذا تم النصر، يتجهوا إلى مهرة وعلى رأسهم عرفجه بن هرثمة وسنأتي في تفاصيل تلك المعركة.


الجيش الثالث بقيادة شرحبيل بن حسنة

يتقدم جيش شرحبيل بن حسنة، وكان تعداد جيشه ثلاث آلاف، فأرسل أبو بكر الصديق رسالة إلى شرحبيل بن حسنة يقول له:

انتظر ولا تقاتل مسيلمة الكذاب، حتى أبعث إليك بمدد، أو أمر آخر.

فعسكر شرحبيل بن حسنة قرب بني حنيفة منتظرا مدد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم يبدوا له أن بني حنيفة في تعب، أو في إرهاق من قتالها مع عكرمة بن أبي جهل، فيجتهد شرحبيل بن حسنة اجتهادا آخر، مع أن الأمر صريح، وواضح من أبي بكر الصديق، ولكنه هاجم قبل أن يصل له المدد القادم من أبي بكر الصديق.

هاجم شرحبيل بن حسنة بجيشه الصغير الذي لا يتجاوز تعداده الثلاثة آلاف مقاتل على جيش مسيلمة الذي قد بلغ تعداده بعد الردة مائة ألف، فيحدث مع جيش شرحبيل نفس الذي حدث مع عكرمة بن أبي جهل، وكاد جيش مسيلمة أن يأكل جيش شرحبيل بن حسنة أيضا، وفر جيش شرحبيل بن حسنة في البلاد هو الآخر، سبحان الله، نفس ما حدث قبل ذلك، فالنتيجة واحدة في الجيشين، كما أن السبب واحد، وهو أن كلا الأميرين لم يسمعا ويطيعا لكلمة خليفة المسلمين، وكانت نتيجة معصية الأمير أن ألحق الأذى بالمسلمين كلهم، وشرحبيل بن حسنة من القادة المهرة جدا فهو من أقوى القادة، ومع ذلك قدّر الله سبحانه وتعالى أن اجتهد، وأخطأ في هذا الاجتهاد، وأبو بكر الصديق يحزن حزنا شديدا، ويرسل له أن امكث في مكانك، ولا ترجع إلى المدينة.


الجيش الرابع بقيادة خالد بن الوليد وموقعة اليمامة

في الوقت الذي انهزم فيه جيش عكرمة، وجيش شرحبيل، كان خالد بن الوليد قد انتصر انتصاراته العظيمة في أسد، وفي تميم، وانتهت مهمته، وعاد إلى المدينة؛ ليحقق معه أبو بكر الصديق في حادث قتل مالك بن نويرة، ثم يقبل منه أبو بكر الصديق، ويدعو له بالخير، ثم يُأَمّره على جيش آخر، ليذهب هذا الجيش مع جيش شرحبيل بن حسنة بقيادة خالد بن الوليد لقتال مسيلمة الكذاب في بني حنيفة، ويصبح خالد بن الوليد هو المكلف الآن بقتال بني حنيفة، فيجمع خالد بن الوليد جيشه، وبعض الصحابة من المدينة، إلى جيش شرحبيل بن حسنة، ويتوجه الجميع إلى قبيلة بني حنيفة، وبعد خروج جيش خالد من المدينة، يرسل أبو بكر الصديق مددا آخر إلى خالد بن الوليد، على رأسه سليط بن قيس أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلحق هذا المدد بخالد بن الوليد، فتصل هذه الجيوش، والمدد إلى اثني عشر ألف في أكثر تقدير، وتذكر بعض الروايات أنهم عشرة آلاف.

وفي الوقت الذي توجه فيه خالد من المدينة لمحاربة مسيلمة الكذاب كان هناك جيش آخر متجه من الشمال إلى بني حنيفة لقتالهم أيضا، وعلى رأس هذا الجيش سجاح التي ادعت النبوة، فهو ليس جيشًا مسلمًا، بل إنه جيش مرتد، وهذا الجيش على أغلب التقديرات تعداده يصل إلى مائة ألف، فلم تكن قوة المرتدين قوة واحدة، بل كان هدف كل قوة السيطرة على الجزيرة العربية بمفردها.

فأتت سجاح إلى اليمامة مدعية أنه قد أوحي إليها أن تقاتل اليمامة أولًا؛ لأن قوة اليمامة أكبر من قوة المدينة، فقالت لأتباعها:

عليكم باليمامة، دفوا لهم دفيف الحمامة، كأنها غزوة ذي صرامة.

وتدعي أن هذه آيات، قد أوحيت إليها، فتتجه الجيوش إلى اليمامة إلى مسيلمة الكذاب، فيعلم أنه قد أتته سجاح بجيوش عظيمة، وهو ينتظر خالد بن الوليد من الناحية الثانية، فخشي أن تجتمع عليه الجيوش.

عسكرت سجاح قبل اليمامة بقليل، فجمع مسيلمة الكذاب أربعين رجلًا من قومه، وذهب ليتفاوض مع هذه النبية، فالتقى معها في خيمتها، وتدور محادثات بين سجاح مدعية النبوة، ومسيلمة الكذاب مدعي النبوة، فقال لها: ماذا أُنزل عليك؟

فقالت: أو تبدأ النساء؟!

فبدأ مسيلمة الكذاب يتلو عليها بعض آياته: لقد أنعم الله على الحبلى أن أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى.

وهناك آيات أخرى ذكرها ابن كثير وهي من الفواحش، وقالها لهذه المرأة، فقالت:

أشهد أنك نبي.

ثم قال لها: قولي لي من الآيات.

فقالت له بعض آياتها، فآمن هو الآخر بها، فآمنت به، وآمن بها.

وعرضت عليه أن ترحل، ولا تحاربه شريطة أن يعطيها نصف ثمار اليمامة ففي بادئ الأمر وافقها، ثم عرض عليها أن يتزوجها، فقال:

لو تزوجتك، فآكل بك العرب؟

فقالت: نعم.

ولما وافقت على ذلك فقال لها: بذلك أوحي إلي.

ثم عادت إلى قومها تنبئهم هذه الأنباء، وأن مسيلمة قد تزوجها، وأن الجيشين أصبحوا قوة واحدة، فقال لها قومها:

وما صداقك؟

فاكتشفت أنه لم يعطها مهرًا، فقالوا: كيف لا يعطيك مهرا وهو مسيلمة؟

فعاد له فريق من قومها يقولون له: وما صداق سجاح النبية؟

ففكر مسيلمة، هو لا يريد أن يتخلى عن ثمار اليمامة، فأعطاهم مهرًا طريفًا جدًا، أرسل إلى المؤذن، وقال له:

اذهب إلى قبيلة بنى تغلب قبيلة سجاح، وقل لهم: إني وضعت عنكم صلاة العشاء، وصلاة الفجر.

وكان هذا صداق سجاح النبية، فكان شَرّ مهر في التاريخ، ولم يسمع به من قبل، وكان من قبل قد أحل لهم الخمر، وأحل لهم الزنا, ثم أتت الأنباء إلى اليمامة ان خالدًا على مشارف اليمامة، فلما علمت بذلك سجاح- وكان لخالد بن الوليد رهبة في قلوب كل العرب- فخشيت على نفسها، وعلى قومها من الهلكة، فرغم قلة جيش خالد بن الوليد، وكثرة جيش سجاح ومسيلمة، إلا أنها خشيت خشية شديدة، لدرجة أنها ذهبت لمسيلمة تعرض عليه أن يعطيها نصف ثمار اليمامة، ولا يفكر في أمر زواجهما، وترحل هي عن اليمامة، فخشي مسيلمة الكذاب أن تنقلب عليه إن هو رفض أن يعطيها نصف ثمار اليمامة، وخالد بن الوليد على الأبواب، فوافقها، وأعطى لها نصف ثمار اليمامة رغما عن أنفه، فأخذت نصف الثمار، وعادت إلى قومها، ويقال بعد ذلك أنها قد أسلمت في عهد عمر بن الخطاب، والبعض يقول أن إسلامها تأخر حتى عهد معاوية، ولكن الأقرب أنها أسلمت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ثم يأتي جيش خالد بن الوليد، وكان قائدًا محنكا عظيم الخبرة في الحرب، وكان لخالد بن الوليد نظرة حربية ثاقبة، فأرسل العيون لينقلوا له الأخبار، ويتحسسوا له الطريق؛ ليكون على معرفة كبيرة بعدوه، ومن ضمن هذه العيون أرسل فرقة تتحسس الطريق في اليمامة، ووجدت في طريقها ستين رجلا من بني حنيفة أرادوا أن يغيروا على بعض المسلمين حول بني حنيفة، فتقاتلوا مع هؤلاء الستين، وأسروهم، ولم يقتلوا واحدًا، وأتوا بهم إلى خالد، وكانت فرصة ليعرف خالد بن الوليد أخبار مسيلمة بن حبيب الكذاب، فتحدث معهم خالد، وسألهم:

أتشهدون أن مسيلمة رسول الله؟

فقالوا: نعم، منا نبي، ومنكم نبي.

فرغم أسرهم، وإحاطة جيش خالد بهم، إلا أنهم ثابتون على ردتهم، قال لهم خالد بن الوليد:

إن لم تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله قتلتكم.

فقالوا: منا نبي ومنكم نبي.

فأصروا على ردتهم، فبدأ رضي الله عنه وأرضاه يقتلهم، كما أمره أبو بكر الصديق، واحد تلو الآخر، لعل بعضهم يرجع عما يعتقده، لكنهم ثبتوا على ردتهم ثباتا قد لا يثبت عليه بعض المسلمين، وقتل منهم تسعة وخمسين رجلًا، وبقي رجلًا، لكنه لم يرجع، وظل على ردته، وأراد خالد قتله، ولكن أشار عليه أحد المسلمين أن يحتفظ به أسيرا؛ لأن له كلمة في قومه، وكان اسمه مجاعة بن مرارة، فقيده، ووضعه في خيمته، ووَكّل في إطعامه، وشرابه زوجته، وقال لها: استوصي به خيرا، فإنه أسير.

حتى مع أنه مرتد، لكنها أخلاق المسلمين، وترك خالد الأمر لزوجته؛ لأنه لا يستطيع أن يتنازل عن جندي واحد من المسلمين؛ لأن المسلمين اثنا عشر ألفًا، ثم تقدمت الجيوش الإسلامية ناحية بني حنيفة، وقسم جيشه، ورتب قواته، فجعل شرحبيل بن حسنة على المقدمة، وهذا أيضًا نظر حربي ثاقب من خالد بن الوليد يجعله على مقدمة الجيوش، رغم فراره، وعدم مواجهته لمسيلمة في بادئ أمره، إلا أن خالد يثق في قوته، وحنكته في الحرب، ثم يجعل على ميمنته زيد بن الخطاب، وعلى الميسرة أبا حذيفة، وكان أبو بكر الصديق قد عرض الإمارة على زيد بن الخطاب، وأبو حذيفة من قبل ورفضاها، فيحفظ لهما مكانتهما، ويضع زيد على إمارة الميمنة، ويضع أبا حذيفة على إمارة الميسرة، ثم فَرّق بين المهاجرين والأنصار، حتى يعلم المسلمون من أين يُؤتون، وليحفز المسلمين على القتال، وجعل على راية الأنصار ثابت بن قيس، وعلى راية المهاجرين سالم مولى أبي حذيفة، ويبقى خالد بن الوليد في منتصف الجيوش حتى يدير هو كل المعركة، وجعل فسطاطه في مؤخرة هذا الجيش، وفي داخل الفسطاط مجاعة الأسير، وزوجته تقوم برعايته، وجعل في مؤخرته سليط بن قيس، وكان من العادة أن هذه المؤخرة لا تقاتل في الحروب، وإنما دورها حماية ظهر الجيش، وقاتل هو بكل الجيش المقدمة والميمنة والميسرة ومنتصف الجيش الذي يوجد فيه بنفسه.

أما مسيلمة بن حبيب الكذاب فكانت عنده مجموعة كبيرة من الحصون، أكبرها يسمونه الحديقة، وله أسوار عالية، وكانت قوة مسيلمة كبيرة جدا لا تستوعبها هذه الحديقة، فخرج بجيشه خارج حديقته، وعسكر خارج اليمامة في منطقه تسمى عقرباء، وجهز جيشه، وجعل على ميمنته محكم بن الطفيل، وهو وزير مسيلمة، اتخذه وزيرا منذ ادَّعى النبوة, وجعل على الميسرة نهار الرَّجال الذي ارتد مع مسيلمة، وبقي مسيلمة نفسه في مؤخرة جيشه، ووضع خيمته على باب حصنه، حتى إذا حدثت هزيمة يدخل هو الحصن، وكان هناك بعض الحصون الأخرى، وضعوا فيها النساء والأطفال. واقترب خالد بن الوليد، وبدأت موقعة اليمامة، وتعد هذه المعركة من المعارك القليلة التي من الممكن على ضوئها أن يتغير التاريخ، فلنتذكر هذه الموقعة دائما، هناك بعض المواقع الكثيرة تحدث وتنتهي ولا يتغير شيء بعدها، وهناك بعض المواقع التي تغير وجه التاريخ، ومن هذه الواقع الفارقة ليس في التاريخ الإسلامي فحسب، بل في تاريخ البشرية كلها موقعة اليمامة التي غيرت وجه التاريخ.


مشاهد من داخل المعركة
التقى الجيشان، وكان جيش مسيلمة الكذاب في منتهى القوة، فتعداده مائة ألف مقاتل، وجيش خالد بن الوليد اثنا عشر ألف، فبالنسبة لجيش مسيلمة، وبالحسابات الدنيوية فهو ضعيف، وفي بداية المعركة يهجم جيش مسيلمة هجوما شديدا على جيش المسلمين، واخترقوا جيش المسلمين حتى وصلوا إلى فسطاط خالد بن الوليد الذي هو قبل مؤخرة الجيش، ودخلو خيمة القائد، وحرروا مجاعة، وكادوا أن يقتلوا زوجة خالد بن الوليد، لولا أن أجارها مجاعة بن مرارة، فقال: نعمت الحرة هي.

فكانت تستوصي به خيرا، وكانت تطعمه، وتسقيه في أسره، فحفظ لها الجميل، فأطلقوا زوجة خالد بن الوليد، بعد أن أجارها مجاعة، وأخذوا مجاعة، وبدءوا يقاتلون المسلمين قتالا شديدا.

وكان الانكسار الأول في جيش المسلمين، وفَوْر وقوع هذا الانكسار جمع المسلمون أنفسهم، وظهرت نماذج في جيش المسلمين لا تكاد تتكرر في التاريخ، فيقوم زيد بن الخطاب الذي رفض الإمارة، حتى يطلب الشهادة، يقول للمسلمين:

أيها الناس عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوكم، وامضوا قدما، والله لا أتكلم حتى ألقى الله فأكلمه بحجتى.

فنذر ألا يتكلم حتى ينصره الله على هؤلاء المرتدين، أو يقتل في سبيل الله في هذه المعركة، وبدأ يجمع حوله مجموعة من الصحابة الأبرار، ويقاتل قتالا شديدًا في جهة اليمين وهو قائد الميمنة، حتى وفقه الله تعالى إلى أن يصل إلى نهار الرّجال، وهو قائد ميسرة المرتدين، فتبارز معه، وقتل الحق الباطل، فقتل زيد بن الخطاب نهار الرَّجال، ويموت هذا الرجل على الردة بعد أن تعلم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستمر زيد في القتال، وبمجرد موت نهار الرجال، تضعف الهمة عند بني حنيفة، فهذا أحد قادتهم، ومن كبار رجالهم، وقد تبعه في ردته أربعون ألفًا, فضعفت الهمة في قلوبهم، فانكسروا انكسارا كبيرا، وهجم عليهم المسلمون، واستمر زيد بن الخطاب في القتال، ودخل في عمق جيش المرتدين، ثم قابله رجل يسمى أبو مريم الحنفي من بني حنيفة، فتقاتل معه، فقدّر الله تعالى أن يحقق لزيد بن الخطاب أمنيته، ويلقى الشهادة على يد أبي مريم الحنفي، هذا الرجل بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه، وكان يقول:

لقد أكرم الله زيدًا بالشهادة على يدي، ولم يُهِنِّي على يديه.

وبقتل زيد بن الخطاب حدث في ميمنة المسلمين ما حدث في ميسرة المشركين، قتل قائد من قواد المؤمنين، وحدث انكسار ثان في جيش المسلمين، فهجم جيش مسيلمة في هذة المرة هجوما شديدا، واجتاحوا جيش المسلمين للمرة الثانية حتى وصلوا لخيمة خالد بن الوليد للمرة الثانية، فتظهر نماذج أخرى، يقوم ثابت بن قيس الذي يحمل راية الأنصار، وينادي على الأنصار:

يا للأنصار.

فيلبي الأنصار، ويقومون على المشركين، ويقاتلون قتالا شديدا، يقاتل ثابت بن قيس رضي الله عنه، وهو يحمل الراية، فتقطع إحدى رجليه، ويقع على الأرض، ثم يسمع النداء: يا للأنصار.

فيسرع، وهو برجل واحدة، ويحبو على الأرض، فيقول له أبو سعيد الخدري: ما عليك.

فيقول: ألبي ولو حبوًا.

فيسرع حبوا حتى يلتقي مع المشركين، فيقتل رضي الله عنه وأرضاه، ويستشهد في هذه المعركة ثابت بن قيس خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم قد قال فيه:

نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ.

فهذه شهادة في حق ثابت تثبت أنه عند حسن ظن الرسول فيه، ثم يستمر جيش مسيلمة في الهجوم على جيش المسلمين، فيظهر نموذج آخر، وهو أبو حذيفة، كان أبو حذيفة من حفّاظ سورة البقرة، فينادي:

يا أهل البقرة.

فيقوم له المسلمون الحافظون لسورة البقرة، ويقاتلون قتالا شديدا حتى يأذن الله له بما كان يريد، فيستشهد رضي الله عنه، ويستمر الهجوم قويا على المسلمين، فيحمل راية المهاجرين سالم مولى أبي حذيفة، فيقول له المسلمون وكان رجل ضعيف البنية:

نخشى أن نُؤْتى من قِبَلك.

فيقول: تُؤْتْوْن من قِبَلي؟! بئس حامل القران أنا إذًا.

وكان سالم حافظًا القرآن، ويقاتل قتالا شديدا، فتقطع يده اليسرى، وكان يقاتل بيده اليمنى، ويحمل الراية في يده اليسرى، فتقطع يده اليسرى، فيحمل الراية باليمنى، فتقطع يده اليمنى ويسقط على الأرض رضي الله عنه وأرضاه، ويأتيه عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه قبل وفاته بقليل، فيجده يقول: [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] {آل عمران:146} .

ثم يقول: أين أبو حذيفة؟

فيقول له المسلمون إنه قد استشهد في المكان كذا وكذا، فيقول: ادفنوني في جواره.

وكان قد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي حذيفة الذي كان مولاه إلى أن أعتقه أبو حذيفة، وكان أبو حذيفة قد تبناه، فأصبح اسمه سالم بن أبي حذيفة حتى نزلت آية تحريم التبني، فأطلقه حذيفة، وكان اسمه سالم بن عبيد، ولكنه اشتهر في المسلمين بسالم مولى أبي حذيفة لأنه كان يحب هذا الرجل حبا شديدا، فقال: ادفنوني بجواره.

المسلمون بعد هذه الملاحم العظيمة اشتدت شوكتهم، وبدءوا يهجمون على المشركين هجوما شديدا، حتى أذن الله لهم بالتقدم داخل صفوف المشركين، وحينما كانت تُحاصَر فئة من المسلمين، يقولون: أغثنا يا خالد.

فيجمع مجموعة من المسلمين، ويتجه نحوهم، وينقذهم بفضل الله تعالى، هذا القائد المظفر خالد بن الوليد، وفي هذا الهجوم الثاني للمسلمين يصل خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب، يخترق الجيش كله، ويصل لمسيلمة الكذاب، فيدعوه إلى الإسلام، فكان حريصًا على قوة الإسلام، يقول له ارجع للإسلام، لو رجعت للإسلام ستحفظ دماء هؤلاء الناس من القتل، فيأبى مسيلمة أن يسلم، ويستمر على ردته، ثم يحدث انكسارًا ثالثًا في جيش المسلمين، ويهزم جيش المسلمين لثالث مرة؛ لأن جيش المشركين كبير جدا، فيدخل جيش المشركين للمرة الثالثة، ويبدءوا هجومهم حتى يصلوا إلى خيمة خالد للمرة الثالثة، فقام عمار بن ياسر، وكان من المشتركين في هذه الموقعة، ومن حفاظ القرآن، فيقول: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال.

يقول أبو سعيد الخدري: والله لقد رأيت يوم اليمامة عمار بن ياسر يقف على تل ويقول: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال. وإن أذنه تتأرجح بجانبه.

فينشط أهل القرآن، ويهجمون هجوما شديدا على المشركين، ويطلق خالد بن الوليد شعارا للمعركة حتى يحفز المسلمين فيقول: وامحمداه.

فكلما قال خالد: وامحمداه.

ازدادت الحمية في قلوب المسلمين، وعلموا أن هذا الرجل مسيلمة الكذاب ليس منصورا من الله سبحانه وتعالى، وأن النصر معهم وأنهم إذا ماتوا، ماتوا على الإيمان، وهو ميت على الردة، فهجموا هجوما شديدا على المشركين حتى استطاعوا أن يقحموهم إلى اتجاه الحصن الكبير، وبدأ المسلمون في قتل العدد الكبير منهم من المشركين، فلا يجد محكم بن الطفيل حلا لهذا الموقف إلا أن يدخل الناس داخل الحديقة، فيقول لكل المرتدين: عليكم بالحديقة.

فيسرع المرتدون إلى الحديقة، والمسلمون وراءهم بالسيوف.

فرّ المرتدون أمام المسلمين حتى دخلوا الحديقة بأعداد هائلة حتى كان داخل الحديقة في ذلك الوقت ما يقرب من تسعين ألف مقاتل، وأراد المسلمون دخول الحديقة، فلم يستطيعوا دخولها لمناعة أسوارها العالية، وأنعم الله على المسلمين في هذه الموقعة بصحابي جليل قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قولة عظيمة، قال: رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ لَا يُؤْبَهُ بِهِ إِذَا اسْتَأْذَنَ لَا يُؤْذَنُ لَهْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ.

فخرج هذا الصحابي بفكرة عجبية جدًا لفتح باب الحصن العظيم، فقال للمسلين:

ضعوني على درع، ثم ارفعوا هذا الدرع بأسنة الرماح، ثم ارفعوني، حتى أصل إلى أعلى السور، ثم اقذفوني داخل الحديقة، أفتح لكم الباب من داخل الحديقة.

وبداخل الحديقة تسعون ألفا من المرتدين، ولم يوافقه الصحابة في بادئ الأمر، إلا أنه رضي الله عنه أصر على ذلك، وكان مستجاب الدعوة فدعا الله أن يعنه وأن يبلغه الشهادة، ثم وافقه الصحابة بعد ذلك، فلم تكن هناك وسيلة أمامهم غير ذلك، فأسوار الحديقة عالية جدًا، فألقوه داخل الحديقة، وبحسابات العقل البشري لا يستطيع رجل واحد أن ينجو من مثل هذه الأمواج البشرية المتلاطمة داخل الحديقة، وشاء الله أن يقتل البراء بن مالك كل من يلقاه ولم يكن هم البراء بن مالك أن يقتل عددًا من المرتدين بقدر ما كان همه أن يفتح الباب، وتكالب عليه المرتدون، وظل يقاتل حتى وصل إلى باب الحصن، وفتح الباب، بعد أن أصابه ثمانون طعنة، وقد يقرأها إنسان في سطر لكن تخيل أن يصاب بكل هذه الطعنات ما بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ومع ذلك يقاتل، ويثبت حتى يفتح الباب، ويدل ذلك على أن الله عز وجل مع هذا الجيش وما هي إلا أسباب أخذها ذلك الجيش [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] {الأنفال:17}

كان مجرد سبب أخذ به المسلمون، وبارك الله فيه، وبمجرد فتح الباب، أُسقط في يد المرتدين، فهم لم يتخيلوا أن يسقط عليهم رجلٌ، ويثبت لقتالهم، ويفتح الباب، فأصاب ذلك في نفوسهم رهبة شديدة من المسلمين، وعلموا أن المسلمين منصورون، ومع ذلك قاتلوا على ردتهم، ودخل جيش المسلمين الحديقة، وبدءوا يقاتلون المرتدين، وثبت المرتدون على القتال حتى شاء الله تعالى أن يقتل محكم بن الطفيل وزير مسيلمة الكذاب، وقائد ميمنته، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، بينما كان يخطب في الناس ويحفزهم لقتال المسلمين، فرماه عبد الرحمن برمحه فدخل الرمح في عنقه فسقط صريعًا مرتدًا، وكان يشارك في المعركة من أبناء أبي بكر الصديق عبد الله وعبد الرحمن.

ولما قُتل محكم بن الطفيل علت همة المسلمين، وضعفت نفوس المرتدين، وازداد القتل في المرتدين...

...............وحشي بن حرب يقتل مسيلمة..................


وصل إلى مسيلمة الكذاب أحدُ المسلمين الذي أراد أن يكفر عن ذنب قديم عظيم ارتكبه في جاهليته، فحمل رمحه، وسدده إلى قلب مدعي النبوة الكافر، فخر صريعًا، وهذا الرجل الصحابي هو وحشي بن حرب قاتل حمزة بن عبد المطلب، والذي ظل طوال حياته كافرًا إلى أن منّ الله عليه بالإسلام والهداية، وأسلم على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعاهد نفسه أن يكفر عن ذنبه، وجاءت هذه الموقعة؛ ليكفر عن ذنبه، كما يقول: أتمنى أن تكون هذه بتلك.

أي قتله لمسيلمة الكذاب بقتله حمزة سيد شهداء.

وفي نفس اللحظة الذي يسقط فيها مسيلمة الكذاب برمح وحشي كان تطير عنق مسلمة الكذاب بسيف آخر في تزامن عجيب من أبي دجانة واسمه سماك بن خرشة وكان يُلقب بين الصحابة بصاحب العصابة الحمراء، وكان يركب خيله بخيلاء ويتبختر بها بين الصفوف حتى قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد: إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ.

ففي موضع القتال يحب الله هذه المشية؛ لأنها تلقي الرهبة في قلوب الأعداء، هذا الرجل أيضًا قتل مسيلمة الكذاب، لكن يبدو والله أعلم أن رمح وحشي بن حرب سقط أولًا؛ لأن المشهور أن وحشي بن حرب هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، والمشهور أيضًا أن إحدى الجواري كانت تقف على رأس شرفة فلما سقط مسيلمة الكذاب قالت: يا ويلاتاه، قتل مسيلمة العبد الأسود.

فعرف أن وحشي بن حرب هو الذي قتل مسيلمة الكذاب.

وبعد أن قطع أبو دجانة رأس مسيلمة الكذاب شاء الله له أن يلقى الشهادة، فقتله أحد المرتدين بسهم وسقط رضي الله عنه وأرضاه شهيدًا في معركة اليمامة.

بعد قتل مسيلمة الكذاب وهنت نفوس المرتدين، وخارت عزائمهم، فلم يقووا على فعل شيء، فأعلنوا تسليمهم وقبل أن يعلنوا تسيلمهم كان المسلمون قد أوسعوهم قتلًا، وبلغ عدد قتلى المرتدين في معركة اليمامة واحدا وعشرين ألف مرتد، وكان جيش المسلمين اثني عشر ألف مجاهد، قتل منهم ألف ومائتا شهيد سقطوا من المسلمين.

وحتى نعرف قيمة هذه المعركة وأهميتها، فإن الذين شهدوا غزوة بدر، وكانوا يسمون البدريون وكان لهم ثقل شديد في الإسلام استشهد منهم في هذه المعركة ثمانية وخمسين بدريًا، لنعرف أن هذه الموقعة كانت خطيرة في ميزان الإسلام، وشهداء المعركة من حفظة القرآن خمسمائة شهيد، ولا بد من معرفة أهمية الرقم، لنعرف أن المسلمين في حينها كانوا لا يحفظون القرآن في الكتب، ولم يكن هناك كتاب واحد يجمع القرآن، بل كان القرآن محفوظ في صدور هؤلاء الناس، وبعض جذوع النخل، وبعض العظام مكتوب عليها بعض الآيات، ولم يكن هناك شيئًا يجمع القرآن سوى صدور هؤلاء الناس، فمقتل خمسمائة في يوم واحد كان له من الأثر شديد على المسلمين لدرجة أن المسلمين خافوا على القرآن ألا يجمع، إلا أن الله قد منّ على الإسلام بالرجل العظيم أبي بكر الصديق الذي جمع القرآن في حياته رضي الله عنه وأرضاه.

هذه الموقعة من المواقع المؤثرة في تاريخ الإسلام، ولولا هذه الموقعة بفضل الله تعالى لانقلبت الكفة تمامًا في الجزيرة العربية؛ لأن هذا الجيش من أقوى جيوش المرتدين، وقد أذن الله عز وجل بالنصر لاثني عشر ألف على مائة ألف، فهذا تأييد عظيم من الله سبحانه وتعالى، لكن المسلمين دفعوا ثمنًا غاليًا دفعوا دماء كثيرة في سبيل هذا النصر، وفي سبيل إرضاء الله عز وجل.


من شهداء معركة اليمامة.................


الشهداء في هذه الموقعة كثيرون، وسنمرّ على بعض الشهداء ممن لهم ثقل عظيم في الإسلام.

زيد بن الخطاب

فمن أول الشهداء زيد بن الخطاب، وهو أخو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وسبقه إلى الإسلام، ويقول عمر:

ما كان هناك من خير سبقني إليه إلا زيد بن الخطاب، فقد سبقني إلى الإسلام، وسبقني إلى الشهادة.

وكان عمر يقول:

كلما هبت ريح الصّبا حملت إليّ نسائم زيد.

وريح الصبا ريح تهب من ناحية الشرق، من ناحية قبائل بني حنيفة، وعندما كان يجلس مع الصحابة، وتهب ريح الصبا يبكي عمر، وحين يسأله الصحابة عن سبب بكائه، يقول:

كلما هبت ريح الصبا أتذكر زيد بن الخطاب.

سالم مولى أبي حذيفة

كان أبو حذيفة من أوائل من أسلم، وسالم بن عبيد هو أيضًا من السابقين إلى الإسلام، وهما من المهاجرين، وكان سالم مولى لأبي حذيفة، أي عبدًا ولما أسلم أعتقه لله سبحانه وتعالى، ثم تبناه، فأصبح اسمه سالم بن أبي حذيفة، ثم لما نزلت آية تحريم التبني أصبح اسمه سالم بن أبي عبيد، واشتهر بسالم مولى أبي حذيفة، ولشدة الحب بينهما، لما هاجر المسلمون، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، والأنصار آخى بين سالم وأبي حذيفة مع كونهما من المهاجرين.

ولكي نعرف قيمة سالم مولى أبي حذيفة الذي كان مولى في العرف القديم في وقت كانت القبائل تعتز فيه بالشرف، وتنظر إلى العبيد نظرة ازدراء واحتقار إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لسالم:

الْحَمْدُ لِلَِّهِ الَّذِي جَعَل فِي أُمَّتِي مِثْلَكَ.

ويقول في حديث آخر:

اقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى أَرْبَعَةٍ: سَالِمِ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. رضي الله عنهم وأرضاهم.

ولما طُعن عمر بن الخطاب، وعندما كان يفكر فيمن يخلفه، قال:

لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لوليته.

وهذا إقرار كبير بالفضل لسالم مولى أبي حذيفة.

ثابت بن قيس

كان ثابت بن قيس من أوائل الأنصار الذين أسلموا، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا آنفًا:

نِعْمَ الرَّجُلَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ.

أبو دجانة سماك بن خرشة

من الأنصار ومر بنا منذ قليل.

الطفيل بن عمرو الدوسي

الطفيل بن عمرو الدوسي من قبيلة دوس، وهو من كبار الصحابة الذين أسلموا بمفردهم، أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد أن أسلم طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيده إلى قبيلته ليدعوهم إلى الإسلام، فأعاده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قبيلة دوس، فظل يدعو فيها فترة من الزمان، فآمن معه أهل بيته ولم يؤمن معه أحد من القبيلة كلها فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له:

ادع على قبيلة دوس.

فدعا لهم صلى الله عليه وسلم، وقال:

اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا.

ثم قال له:

عُدْ إِلَى قَوْمِكَ.

فعاد إلى قومه، فدعا فيهم فترة وجيزة، ثم عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسعين بيتًا، هم كل قبيلة دوس، أسلموا على يد الطفيل بن عمرو الدوسي، منهم أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، فكل هذه القبيلة في ميزان حسناته، أسلم وهدى قومه، واستشهد في موقعة اليمامة.

وكان قد رأى رؤيا قبل الموقعة بيوم واحد فقال لأصحابه:

إني رأيت رؤيا فاعبروها، إني رأيت رأسي حلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأرى ابني عمرًا يطلبني طلبًا حثيثًا، ثم رأيته حبس عني.

قالوا: خيرًا.

قال: أما أنا فقد أولتها، أما حلق رأسي فقطعه، وأما الطائر فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها، فالأرض تحفر لي، فأغيّب فيها، وأما طلب ابني لي، ثم حبسه عني، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني، فقتل الطفيل باليمامة شهيدًا، وجرح ابنه عمرو بن الطفيل ثم عوفي، وقتل عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب شهيدًا.

عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول

يقول عنه ابن كثير في كتابه كان من سادات الصحابة برغم أن أباه كان رأس المنافقين في المدينة، وكان من قدماء الصحابة الذين شاركوا في الغزوات مع الرسول صلى الله عليه وسلم بداية من غزوة بدر، وكان من أحرص الناس على قتل أبيه، فكان من شدة إيمانه يرى أن أباه منافق يستحق القتل، لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم منعه حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.

عباد بن بشر

من قدماء الصحابة، وله من المواقف مع النبي صلى الله عليه وسلم الكثير، وشارك في معظم الغزوات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقوم الليل يسمع صوت عباد بن بشر يقوم الليل هو أيضًا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقول السيدة عائشة، وهو يصلي صلاة الليل يقول:

اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا، اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا.

وله القصة المشهورة حينما كان يحرس جيش المسلمين هو وعمار بن ياسر يتبادلان الحراسة، ثم جاءت نوبة عباد بن بشر، فكان قائمًا يصلي لله بالليل، وعمار بن ياسر نائم, فأصابه سهم في جسده، فنزع السهم، وأكمل صلاته، فأصابه سهم ثان، فنزعه، وأكمل صلاته، فجاءه سهم ثالث، فنزعه، ثم ركع وسجد، وفي التشهد أيقظ عمار بن ياسر، فلما استيقظ وجد الدماء في كل مكان، ووجد الثلاثة أسهم فقال له:

هلا أيقظتني من السهم الأول.

فقال:

كنت أقرأ آيات ما أحببت أن أقطعها، لولا أني خشيت على ثغر من ثغور المسلمين.

هذا عباد بن بشر من شهداء المسلمين في موقعة اليمامة.

السائب بن عثمان بن مظعون

كان من قدماء الصحابة ممن أسلموا وهم صغار، هاجر مع عثمان بن مظعون إلى الحبشة، وهو طفل صغير، وشب في الحبشة، ثم عاد، واستشهد وهو شاب في موقعة اليمامة.

السائب بن العوام

وهو أخو الزبير بن العوام، أسلم وهو صغير، واستشهد وهو شاب في موقعة اليمامة.

عبد الله بن أبي بكر الصديق

قدم أبو بكر الصديق في الموقعة ابنيه عبد الرحمن وعبد الله، واستشهد عبد الله في هذه المعركة، أما عبد الرحمن فلم يستشهد، وكان له دور عظيم في المعركة، فهو الذي قتل محكم بن الطفيل كما ذكرنا.

معن بن عدي

كان من الأنصار، وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن الخطاب، وكانا قد تعاهدا سويًا على أن يقاتلا في سبيل الله، وأن يموتا في سبيل الله، وقبل المعركة أكدا عهدهما، وكتب الله لهما الشهادة معًا.

من أبطال اليمامة

هناك بعض من الصحابة ممن حضروا هذه المعركة ولم ينالو الشهادة

وكان لهم دور كبير في المعركة:

عمار بن ياسر

وقد تحدثنا عن دوره في الانكسار الثالث للمسلمين في معركة اليمامة

وأنه كانوا يدعو المسلمين ويقول:

يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال.

فالقرآن ليس مجرد كلام يحفظ، بل لا بد من فعل يدل عليه، فيقول أبو سعيد الخدري أحد الذين شهدوا المعركة:

والله إن عمارًا كان يقول ذلك، وإن أذنه تتأرجح بجانبه.

ولهذه الأذن قصة، كان عمر قد ولاه على العراق، وأهل العراق أهل فتن، وثورات، فكلما جاءهم أمير شكوه إلى عمر بن الخطاب، وعمار بن ياسر هو من هو، ولكن أهل العراق بطبعهم نسجوا حوله المشاكل حتى قام من بينهم من يقول له في جرأة ووقاحة:

يا أجدع الأذن.

فقال له عمار بن ياسر بصبره وحلمه: لقد سببت خير أذني، لقد قطعت في سبيل الله، وقد نال الشهادة في معركة صفين وعمره ثلاثة وتسعون عامًا.

البراء بن مالك

الذي ضرب ثمانين ضربة في فتح الحديقة، ولم يستشهد، فلا نامت أعين الجبناء كما يقول خالد بن الوليد، أُلقي في داخل الموت، ولم يرد الله له أن يستشهد في ذلك الوقت، وقد ذكرنا أنه كان مستجاب الدعوة، وقد دعا الله أن يرزقه الشهادة، فاستشهد بعد ذلك في فتوحات فارس في معركة تُسْتَر.

وكُسرت شوكة بني حنيفة
كتب الله النصر للمسلمين في هذه الموقعة، وبذلك كسرت شوكة المرتدين في قبيلة بني حنيفة، ولم يسمع لهم بعد ذلك صيت في الجزيرة العربية حتى في فتوحات الشام وفارس.

أما عن مصير من استسلموا وهم من نجوا من المعركة وباقي المقاتلين، فبعد انتصار خالد بن الوليد تسلل مجاعة بن مرارة إلى الحصون المجاورة، وكان فيها الذراري والنساء، وأمرهن بلباس عدة الحرب، والوقوف في الشرفات، ونزل هو إلى خالد وعرض عليه الصلح وإلا نزل هؤلاء القوم ليقاتلوك، ونظر خالد إلى الشرفات، فرأى أناس مدججين بالسلاح، ورغم استسلامهم، لكن هناك أعداد كثيرة لا يعلم عددهم إلا الله، فنظر خالد إلى جيش المسلمين، فوجده قد أنهك من الحرب، واستشهد منهم ألف ومائتان فرأى خالد أن يصالحه، ولا يدخل في قتال ليس مضمونًا.

وفي البداية قال له مجاعة:

هؤلاء القوم سيرجعون إلى الإسلام، ثم أصالحك على نصف ثمار اليمامة، ثم ذهب مجاعة إلى الحصن، ورجع إلى خالد، وقال لم يوافق القوم إلا على ثلث ثمار اليمامة، فوافق خالد بن الوليد على ذلك، وبعد إتمام الصلح فتح مجاعة الحصون، وعرف خالد أنها خدعة، فليس في هذه الحصون غير النساء والأطفال.

وفي هذا الوقت جاء خطاب من أبي بكر بأن لا يقبل الصلح من بني حنيفة إذا عرض عليه، ولكن خالد قد أنهى الصلح فقرأ خالد الرسالة على المسلمين بصوت مسموع، فقال له مجاعة:

لكنك أمضيت الصلح.

فقال له خالد: نحن قوم لا نخون العهد.

وأخذ خالد الثلث، وأسلم القوم وذهبوا إلى أبي بكر الصديق، وبايعوه، وعنفهم أبو بكر تعنيفا شديدا، وأصر أبو بكر عليهم أن يقرءوا بعض ما كان يقوله مسيلمة، فقالوا: يا خليفة رسول الله إن هذا الأمر قد مضى وانتهى ومات مسيلمة.

فأصر عليهم فقرءوا عليه بعض آيات مسيلمة فقالوا:

والمبذرات زرعًا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما إهالة وسمنا لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر.

وكان له أشياء أخرى منها:

الفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل.

فتعجب أبو بكر من هذا الكلام وأن هذا الكلام لا يخرج من عاقل فقال لهم: كيف وافقتموه واتبعتموه؟

قالوا: يا خليفة رسول الله إنها القبلية.

قفد كانوا يعرفون كذبه، فقد جاء أحد الأعراب من بني حنيفة لمسيلمة، وقال له: اقرأ علي بعض آياتك، فقرأ عليه، فقال له الرجل: من يأتيك؟

قال: رجس.

قال: يأتيك في ليل أم في النهار؟

فقال: يأتيني في الليل، في ظلمة.

قال: أشهد أن محمدًا صادق وأنك كاذب، ولكن كاذب بني حنيفة أحب إلي من صادق مضر.

وما تبعه قومه إلا للقبلية، والعصبية حتى يكون لهم شأن في الجزيرة العربية، ولهذا اتبعوا مسيلمة وظاهروا على الحق.

انتهت بذلك موقعة اليمامة التي هي من أكبر المواقع الإسلامية.

.................................................. ........

فكر وسطي
07-01-2011, 08:02 PM
.

......................نهـــــــــــــــــــــاية الفتنة ..........................


.................مقدمة...............
كان الجيش الخامس متجها إلى الشمال على رأسه خالد بن سعيد رضي الله عنه أحد قدامى الصحابة، وكان متجها لقبيلة قضاعة بالذات.

أما الجيش السادس فكان متجها إلى مشارف الشام، وعلى رأسه عمرو بن العاص رضى الله عنه.

ولم يلاق هذان الجيشان قتالًا يُذكر، وما وصلوا إلى الشام حتى فرت منهم القبائل, فعادوا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.


الجيش السابع بقيادة العلاء بن الحضرمي
اتجه الجيش السابع إلى قبائل عبد القيس الموجودة في البحرين، وخاض حربًا هامة في التاريخ الإسلامي، وكان على رأسه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه، وهو من سادات وقدامى الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، وكان شديد التقوى والورع. وذهب بجيشه مسافة طويلة جدًا، واجتاز بجيشه صحراء موحشة، لم يكن يمر بها أحد حتى وصل إلى قبائل عبد القيس فعسكر هناك، قبل معسكر المرتدين في مكان يسمى هَجَر، وكانت كل القبائل في تلك المناطق قد ارتدت عن الإسلام وعلى رأسها قبيلة عبد القيس، وما ثبت على الإسلام إلا قرية صغيرة تسمى جواثى وكانت هذه القرية على مشارف الردة، فقام فيهم رجل من أشرافهم خطيبا، وهو الجارود بن يعلى، وكان ممن هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمعهم فقال لهم:

يا معشر عبد القيس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتوه، ولا تجيبوني إن لم تعلموه.

فقالوا: سل.

قال: أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد؟

قالوا: نعم.

قال: تعلمونه أم ترونه؟

قالوا: نعلمه.

قال: فما فعلوا؟

قالوا: ماتوا.

قال: فإن محمدا صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

فقالوا: ونحن أيضا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنت أفضلنا.

وثبتوا على إسلامهم، وتركوا بقية الناس فيما هم فيه.

وتعرضت هذه القرية الصغيرة بسبب ثباتها على الإسلام إلى الحصار الشديد من القبائل المرتدة المجاورة، وضيق عليهم المرتدون حتى منعوا عنهم الأقوات، وجاعوا جوعا شديدا حتى فرج الله عنهم.

ولهم في ذلك أشعار كثيرة:

ألا أبلغ أبا بكر رسولا وفتيان المدينة أجمعينا

فهل لكم إلى قوم كرام قعود في جواثا محصرينا

كأن دماءهم في كل فج شعاع الشمس يغشى الناظرينا

توكلنا على الرحمن إنا قـد وجدنـا الصبر للمتوكلينا

وهم في شدة حصارهم كان جيش العلاء بن الحضرمي قد عسكر في هجر، وأرسل الرسائل إلى القبائل المرتدة، وكانت أول رسالة إلى قبيلة تميم التي عادت إلى الإسلام، وخرج منها ألف مقاتل على رأسهم قيس بن عاصم، وهو من الصحابة رضي الله عنه وأرضاه وعسكر معه في هجر، وأتاه ثمامة بن أثال في ألف من بني حنيفة، واستطاع الجارود بن يعلى أن يتسلل من قريته جواثى بجيش بعد رسالة وصلته من العلاء بن الحضرمي ليعسكر معه بهجر، ويكسر الحصار المفروض عليه من القبائل المرتدة.

وبدأت المعارك تدور بين جيش المسلمين بقيادة العلاء بن الحضرمي، وبين المرتدين بقيادة النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، وهو ملك البحرين في ذلك الوقت.

واستمرت المعارك شهر كاملًا وخندق كل جيش حوله خندقًا، وفي ذات يوم سمع العلاء بن الحضرمي ضجة في معسكر المرتدين، فقال:

من يأتيني بخبر القوم؟

فقام إليه عبد الله بن حذف وهو من جواثى، فذهب فوجد القوم سكارى، فأبلغ العلاء بن الحضرمي بخبر القوم، فجهز الجيش في الليل، وباغتهم، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، وأصبحوا بين مقتول وهارب وتذكر الروايات أنه قتل ما يقرب من العشرة آلاف من قبيلة عبد القيس، وفر بعضهم تجاه الشمال في الجزيرة العربية، والبعض الآخر فر عبر البحر إلى جزيرة دارين، البحرين حاليًا.

وفي ذلك الوقت بعث العلاء بن الحضرمي رسالة إلى المثنى بن حارثة الذي كان على رأس جيش للمسلمين إلى قبائل بكر بن وائل، وقال له في الرسالة كن مترصدًا للقوم فإنهم مرتدون. فتلقى المثنى بن حارثة كل من فر من أمام العلاء بن الحضرمي إلى الشمال، وأعمل فيهم القتل إلا من رجع إلى إسلامه.

لم يبقى أمام العلاء بن الحضرمي سوى من هرب إلى جزيرة دارين، وكان بينه وبينهم البحر، والمسافة تقطعها السفن في يوم وليلة ولم يكن مع العلاء بن الحضرمي في ذلك الوقت سفن ووقف جيش المسلمين أمام البحر، وقال العلاء بن الحضرمي:

والله لا نترك مرتدًا بعد أن أمرنا أبو بكر بقتالهم.

وعرض العلاء بن الحضرمي على جيشه أن يغزوا الماء بجيشهم, فاعترضوا في بادئ الأمر، إلا أنهم وافقوه لما رأوا إصراره، وركب الجيش البحر ووصلوا إلى دارين دون أن يفقد المسلمون مقاتلًا واحدًا.

وتذكر كل كتب التاريخ هذه الحادثة العجيبة دون الإشارة إلى كون ذلك كرامة امتن بها الله على جيش الإسلام، أو أن العبور تيسر لهم بعد أن هيَّأ الله لهم المد والجزر, فعبروا دون أن يُفقد منهم أي شيء، ومهما يكن من أمر فقد وصل الجيش إلى جزيرة دارين، ورأى الفارون المرتدون جموعَ المسلمين تخرج من البحر، فسقط في أيديهم, وأعمل المسلمون فيهم السيف, وقتلوا منهم مقتلة عظيمة في دارين، ثم عاد المسلمون منصورين في سفن المرتدين.

وتذكر بعض الروايات أن أحد المسلمين فقد درعه، فبحث عنه العلاء بن الحضرمي في البحر بنفسه، ولما حاول المسلمون أن يثنوه عن رغبته أصر على أن يبحث عن الدرع حتى وجده وذهب بنفسه ليعطيه لصاحبه.

وكان سهم الفارس في المعركة ستة آلاف درهم، وسهم الراجل ألفي درهم. وانتصر الجيش السابع، ونفَّذ ما كلفه به أبو بكر الصديق رضي الله عنه.


الجيشان الثامن والتاسع والانتصار في مهرة
كانت عمان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي جاهليتها على رأسها اثنان أحدهما يدعى جيفر، والآخر عباد، وكانا أخويْن، ولما جاءت الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاءه وفد من عمان وأسلم على يديه، وكلم الوفد الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر عمان، وأن على رأسها أخوين جيفر وعباد، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعباد فدعاهما إلى الإسلام فأسلما فأمَّرهما على عمان، وكذلك كان يفعل صلى الله عليه وسلم دائمًا مع كل رئيس قبيلة إذا أسلم أن يؤمره على قومه أو قبيلته، ويحفظ له مكانته، وأسلمت كل عمان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ظهر فيهم رجل يدعى لقيط بن مالك، وكان يلقب بذي التاج، وادعى هذا الرجل النبوة، ولم يشتهر ذكر هذا الرجل لقِصر أجله، واتبعه خلق كثير، وجهز جيشًا ليقاتل به جيفر وعباد، وكانا قد ثبتا على إسلامهما، واستطاعا أن يجمعا المسلمين، ويهربا من أمام جيش لقيط إلى ساحل البحر، واستولى لقيط على منطقة عمان كلها.

ولما علم أبو بكر بأمر لقيط بن مالك جهز له جيشين: أولهما هو الجيش الثامن الذي بعثه أبو بكر رضي الله عنه لقتال المرتدين، وكان بقيادة حذيفة بن محصن رضي الله عنه وأرضاه.

والجيش الآخر، وكان هو الجيش التاسع وكان بقيادة عرفجة بن هرثمة، وقد أمر أبو بكر رضي الله عنه الجيشين بأن يتحدا بقيادة حذيفة بن محصن، ولحق بهما عكرمة بن أبي جهل بعد أن هُزم أمام مسيلمة، وكان أبو بكر قد بعث إليه أن يلحق بعرفجة في اليمن، وعسكرت الجيوش في غرب عُمان في مكان يسمى دبا، وأرسل حذيفة رسالة إلى جيفر وعباد فرجعا بمن معهما من المسلمين إلى جيش حذيفة بن محصن وعسكروا مع المسلمين في دبا.

وجهز لقيط جيشه، وتقابل مع المسلمين في موقعة شرسة للغاية، وكانت القوة متكافئة وظل الفريقان في صراع إلى أن مَنّ الله على المسلمين بمدد من جيش العلاء بن الحضرمي، فرجحت كفة المسلمين، وكتب الله النصر للمسلمين، وقُتل لقيط بن مالك، وقتل معه عشرة آلاف مرتد في عمان، ودخل جيفر وأخوه عباد بجيشهما إلى عمان ليمتلكوا زمام الأمور.

أما جيوش المسلمين الثلاثة فانطلقت إلى مكان يسمى مهرة لقتال المرتدين هناك.

وكان أبو بكر قد جعل حذيفة أميرًا للجيوش في عمان ثم عرفجة في اليمن، وبعث إليهما عكرمةَ بن أبي جهل، وكان صاحب رأي ومشورة في الحرب، فبعث إليهما أبو بكر بأن يسمعا منه، ولما وصل الجيش إلى مهرة بعث أبو بكر برسالة يؤمر فيها عكرمة بن أبي جهل على الجيوش الثلاثة؛ ليحفظ له مكانته، ويقول له لا تعد إلى المدينة حتى أرى منك موقفًا.

وتوجه عكرمة إلى مهرة بعد أن تولى قيادة الجيوش الثلاثة لقتال المرتدين، وكان بهذه المنطقة كثير من القبائل المرتدة، وكان على رأس هذه القبائل اثنان يدعى أحدهما شخريط والآخر مصبح، وبعد ارتدادهما اختلفا فكل منهما يريد إمارة المرتدين، وانقسما وتقاتلا ووصل عكرمة، وعلم بأمرهما فراسل شخريط، وهدده بقوة المسلمين وأن معه من العداد ما لا يطيق ورغبه في الإسلام، فأسلم شخريط لما تيقن بقوة المسلمين، وأنهم سيحاربون معه ضد مصبح، وتسلل بجيشه وانضم إلى جيش عكرمة بن أبي جهل، ولا يُعرف إن كان إسلامه صادقًا أم لا، وقاتل المسلمون في هذه المعركة قتالًا شديدًا وصبروا، وكذلك مصبح ومن معه، فكانوا يقاتلون حمية من أجل وجود شخريط مع المسلمين، واستمر القتال حتى كتب الله النصر للمسلمين، ووقع مصبح قتيلًا في المعركة، وكتب الله النصر للمسلمين في هذه المعركة.


الجيشان العاشر والحادي عشر والتوجه إلى اليمن
بعد انتصار المسلمين في مهرة جمع عكرمة الجيش ليذهب به إلى اليمن.

وكان المتجه إلى اليمن جيشان من المدينة الجيش العاشر بقيادة المهاجر بن أمية، والجيش الحادي عشر بقيادة سويد بن مقرن، وكان سويد بن مقرن متجها إلى تهامة، أما المهاجر بن أمية فوجهه أبو بكر إلى صنعاء، وكان بها أغلب المرتدين.

وقبل الحديث عن الجيش العاشر نذكر نبذة عن تاريخ اليمن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ظهر في اليمن رجل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يدعي النبوة وهو الأسود العنسي واسمه عبهلة بن كعب، وتبع الأسود العنسي الكثير من المرتدين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن بعد أن أسلم أهلها ليعلمهم ويفقههم، وكان أمير اليمن رجل يدعى شهر بن باذان.

وباذان هذا هو باذان بن بهرام الذي بعثه كسرى ليأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم حيًا أوميتا، وذهب باذان هذا إلى المدينة، وعسكر بجبشه خارج المدينة وبعث أميرين إلى المدينة ليتحسسا الأخبار في المدينة، وكانا عاقلين فوجدهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما:

إِنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ رَبَّكُمَا اللَّيْلَةَ.

فقالا لباذان ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم

فقال لهما احفظا هذه الليلة، فبعث إلى كسرى فوجده، قد قتل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم باذان، ومن معه وولاه النبي صلى الله عليه وسلم اليمن، ولما مات ولى النبي صلى الله عليه وسلم من بعده ابنه شهر بن باذان.

وظهر الأسود العنسي في إمارة شهر بن باذان وكان معاذ بن جبل يعلم الناس في ذلك الوقت.

وقام الأسود العنسي بجيشه على شهر، وقتله، وتزوج امرأته، وكانت امرأة صالحة إلا أنه تزوجها قهرًا.

واضطهد الأسود العنسي المسلمين فكان يقتل كل من يعرف أنه مسلم، وهرب معاذ بن جبل إلى حضرموت، وانقسم من ثبت من المسلمين إلى قسمين البعض هرب مع معاذ إلى حضرموت، وكان واليها من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم اسمه طاهر بن أبي هالة، وكان من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بقي في اليمن عامل الأسود العنسي بالتقية.

واشتد أمر الأسود العنسي، وكان له جيش كبير، وكان له ثلاثة قادة أحدهما قيس بن مكشوح، والثاني داذويه، والثالث فيروز الديلمي.

ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الأسود العنسي وادعاءه للنبوة، بعث صلى الله عليه وسلم برسالة مع وبر بن يحنس إلى معاذ بن جبل؛ ليجمع حوله المسلمين، ويقاتلوا الأسود العنسي حتى يقتله.

وبدأ معاذ بن جبل في تجميع المسلمين سواء من أخفوا إسلامهم، أو من كانوا معه في حضرموت.

وفي ذلك الوقت فكر القواد الثلاثة المرتدين أن ينقلبوا على الأسود العنسي ليأخذوا منه قيادة اليمن، فعلم بذلك الأسود العنسي فأحضر مائة من الإبل وخط خطًا وجمع أهل صنعاء جميعًا وعزم على قتل الإبل بمفرده ليعلم أهل صنعاء قوته، وشدة بأسه، ثم أحضر القواد الثلاثة، وقال لهم سمعت بأنكم تريدون الاستقلال بالجيوش، فلما رأوا من شدة بأسه، وقوته خافوه وآمنوا بنبوته وإن كان في قلوبهم الانقلاب عليه.

ولما علم معاذ بن جبل بأمر القواد الثلاثة وتفكيرهم في الانقلاب على الأسود العنسي بعث معاذ برسالة إلى قيس بن مكشوح سرًا كالذي بعثها عكرمة إلى شخريط، فيقول له: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وجنود الطاهر بن أبي هالة في حضرموت لك مدد.

وأرسل قيس إلى داذويه، وفيروز الديلمي، واتفقوا على الدخول في الإسلام ليساعدهم جيش المسلمين في تحقيق هدفهم، وهو القضاء على الأسود وجيشه.

كانت امرأة شهر بن باذان التي تزوجها الأسود العنسي قهرًا امرأة صالحة وذات دين، وكانت ابنة عم فيروز الديلمي، فراسلها فيروز الديلمي سرًا لتعاونهم على قتل الأسود العنسي، فوافقت على ذلك وحددت لهم ليلة، وحددت لهم بابًا لا يقف عليه أحد من الحراس، وتسلل القواد الثلاثة إلى قصر الأسود العنسي في الليلة المتفق عليها، وفتحت امرأة الأسود الباب بعد أن سقته من الخمر، فدخل عليه فيروز الديلمي، فوجده قد سكر سكرًا شديدًا، فخنقه بيده حتى ظن أنه قد مات، ولما دخل عليه القواد الثلاثة ليعلنوا موته وجدوه حيًا، فهجموا عليه، وتقدم إليه قيس بن مكشوح، فذبحه، فتقول امرأته: ما رأيت خوار رجل كخوار الأسود العنسي.

وصرخ صرخة جاء على أثرها الحراس، فخرجت إليهم زوجته، وقالت: إن النبي يوحى إليه.

فخرجوا، ومضت تلك الليلة، وخبأ قيس بن مكشوح رأس الأسود العنسي، ثم خرج على أهل صنعاء في اليوم التالي بعد أن جمعهم ليعلن إسلامه، وإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن الأسود العنسي كذاب ورمى لهم برأسه، فهرب المرتدون، وانقض عليهم المسلمون يقتلونهم، وجاء الطاهر بن أبي هالة بجيشه، وفيه معاذ بن جبل، ودخل اليمن، وعاد الناس إلى الإسلام مرة أخرى، وأثناء هذه الأحداث يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة: يُقْتَلُ الْآنَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ، وَيَقْتُلُهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ.

فقالوا: من يا رسول الله؟

فقال: فَيْرُوزُ فُيْرُوزُ فَيْرُوزُ.

وكان هو الذي سارع بقتله في بادئ الأمر، وشاركه قيس بن مكشوح.

وأنبأهم النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الأسود في الوقت الذي قتل فيه.

بعد قتل الأسود العنسي وسيطرة المسلمون على اليمن يرسل المسلمون رسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الأسود العنسي، ووصل البريد إلى المدينة صبيحة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع البريد إلى اليمن ليخبرهم بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت المسافة بين اليمن والمدينة مسيرة ثلاثة أيام.

فلما وصلهم خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتدوا، فبعد دفاعهم عن الإسلام ارتدوا، وكان على رأس المرتدين قيس بن مكشوح، وبمكيدة منه قتل داذويه الأمير الثاني، وحاول قتل فيروز الديلمي، إلا أن جارية أخبرته بمكيدة قيس بن مكشوح، فهرب فيروز الديلمي، وهرب معاذ بن جبل أيضًا إلى حضرموت عند الطاهر بن أبي هالة.

وسيطر قيس بن مكشوح ومعه جيش المرتدين على المنطقة مرة أخرى، وعلم بذلك أبو بكر الصديق، فوجه إلي اليمن الجيش العاشر، وكان على رأسه المهاجر بن أمية، ولما علم المسلمون في حضرموت خبر هذا الجيش راسلوه وتواعدوا على موعد دخول اليمن، ودخل معهم من داخل صنعاء فيروز الديلمي بجيش، وفيروز لم يرتد كما ارتد قيس بن مكشوح، واجتمعت الجيوش الثلاثة، وقاتلوا قيس بن مكشوح قتالًا شديدًا، وكتب الله النصر للمسلمين، واستسلم قيس بن مكشوح، واستسلم معه عمرو بن معدي كرب، وكان من الصحابة إلا أنه قد ارتد في اليمن، وأرسلهما معاذ بن جبل إلى أبي بكر الصديق مع أحد الرسل، وفي الطريق أسلما قبل أن يصلا إلى المدينة، وقبل منهما أبو بكر بعد أن عنفهما بشدة.

وبعد هذا الانتصار الساحق سيطر المسلمون على اليمن ولم تعد إلى الردة مرة أخرى بفضل الله تعالى.

أما الجيش الحادي عشر لم يلق هذا الجيش قتالًا في منطقة تهامة بعد أن سيطر المسلمون على اليمن فقد رجع الناس إلى دينهم.

وانتهت هذه الفتنة

بذلك انتهت حروب الردة، وبفضل الله كتب الله النصر للمسلمين في كل المواقع، ولم يبق على الجزيرة العربية مرتد واحد بعد أن ارتدت كل الجزيرة العربية.

واستمرت هذه الحروب سنة كاملة، فقد انتهت الحروب في ربيع الأول من السنة الثانية عشرة من الهجرة.

وانتهت بانتهاء حروب الردة فترة من أشد الفترات التي مرت على المسلمين وأصعبها، وكاد أن يضيع الدين لولا أن الله قيض له رجلًا كأبي بكر الصديق، ولعل هذه الحروب كانت تثبيتا لأقدام الإسلام في الجزيرة العربية، ليستكمل المسلمون جهادهم في الدعوة إلى الله بفتح بلاد فارس والروم.

بعد انتهاء خالد من بني حنيفة، وانتصاره عليهم، بعث إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأن يتوجه لفتح فارس، وألا يُكْرِهَ أحدًا على الخروج معه، بالرغم من كون هذا الأمر عجيبًا؛ لأن الجزيرة لم تلتقط أنفاسها بعد، في أعقاب ما كانت تموج به من الفتن, وما قامت بها من حرب أهلية طاحنة، كادت أن تعصف بالدولة الإسلامية.

فكر وسطي
07-01-2011, 08:16 PM
..........هنا انتهت سيرة الصاحب المحبب الي قلب صاحبه .....................


سوف ابدي بسيرة عمر رضي الله عنه .................اعرف ان الموضوعات طويلة وربما مرت

علينا كل المعلومات ولكن مع زحمة غيرها قد تسقط بعضها ......لذلك اقروا ولو اجزاء

متفرقــــــــــة ......ممتعة جدا وفيها من الفكر والتفكر بهم شيء كثير ................

................شكرا .................نايف الشريف ......لهذا المتصفح ............وجوزيت خيرا ..

فكر وسطي
10-01-2011, 02:14 PM
الصحابي رقم ( 92)

..........................مقدمة................... ............

قيمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التاريخ الإسلامي والعالمي:

إنَّ حياة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه صفحة مُشْرقة من التاريخ الإسلامي، الذي بهر كل تاريخ وفَاقَه، والذي لم يحو تاريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة في سبيل الله... (عمر بن الخطاب د/ علي الصلابي)

إن حياة الفاروق عمر رضي الله عنه إنما هي قدوة للدعاة، والعلماء، والساسة، ورجال الفكر، وقادة الجيوش، وحكام الأمة، وطلاب العلم، وعامة الناس، لعلهم يستفيدون بها في حياتهم، ويقتدون بها في أعمالهم، فيكرمهم الله بالفوز في الدارَيْن....

صاحبنا اليوم- كما قيل عنه- (كان طويلًا جسيمَا أصلع صلعة عرف بها، فكان يقال له: أصلع قريش أو الأصيلع. شديد الحمرة.... كان يَفْرَع الناسَ طولًا كأنَّه على دابة. ويصفه ابنه عبد الله فيقول: كان أبي أبيض لا يتزوج النساء لشهوة إلا لطلب الولد، أعسر يعمل بكلتا يديه، كأنَّه من رجال بني سَدُوس....

وإذا ذهب إنسان مع خياله مُجسدًا هذه الأوصاف، تراءت له صورة من أجمل صور الرجال ملاحةً ومَهابةً وجلالًا....) (شهيد المحراب عمر بن الخطاب أ / عمر التلمساني ص 47)

إنّ حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تُمثل نموذجًا في غاية الروعة لمن يريد أن يصنع مَجدا، أو يحقق هدفا، أو يغيّر من حياته إلى الأحسن، ونحن إذ نعيش دقائق من حياتنا مع هذا العملاق العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يجدر بنا أن نضع نصب أعيينا هدفا واضحا نحاول تحقيقه، بل وننتقل من حياة الترف والبذخ والتنافس في الدون؛ إلى حياة الجد والاجتهاد والتسابق إلى النعيم الدائم، والعيش الرغد " فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ".


التعريف به رضي الله عنه...................

ولا تقتصر الاستفادة من تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المسلمين فحسب، بل تعم الفائدة الجميع، مسلمين وغير مسلمين، ولا ننس أن نقول: إنه رضي الله عنه صاحب الفضل في ابتكار الكثير من الوسائل التي ما زال الناس ينتفعون بها إلي اليوم فهو:

* " أول من دوّن الديوان وعمل فيه؛ والديوان سِجِل أو كتاب تُدوّن فيه وتُسجَّل أسماء أفراد الجيش والذين يُعطَون والعمال... " (تاريخ دمشق جزء 57 ص 404)

* " وهو أول من اتخذ الدِّرة.

* وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين... " (أسد الغابة جزء 1 ص832)

* " وهو أول من جمع القرآن في الصحف.

* وهو أول من سَنِّ قيام شهر رمضان، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة.

* وهو أول من ضرب في الخَمْر.

* وهو أول من فتح الفتوح وهي الأرضون والكور التي فيها الخراج والفيء، فتح العراق كله السواد والجبال، وأذربيجان، وكور البصرة وأرضها، وكور الأهواز، وفارس، وكور الشام ما خلا أجنادين فإنها فتحت في خلافة أبي بكر الصديق رحمه الله، وفتح عمر كور الجزيرة، والموصل، ومصر، والإسكندرية، وقتل رحمه الله وخيله على الرَّي وقد فتحوا عامَّتها.

* وهو أول من مسح السواد وأرض الجبل، ووضع الخراج على الأرضين، والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهمَا، وعلى الفقير اثني عشر درهمًا، وقال: لا يعوز رجلا منهم درهم في شهر. فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر رحمه الله مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم ودانقين ونصف.

* وهو أول من مصّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل وأنزلها العرب، وخَطَّ الكوفة والبصرة خططا للقبائل.

* وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.

* وهو أول من كتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسم القسوم في الناس، وفرض لأهل بدر وفضّلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقدمهم في الإسلام.

* وهو أول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة... " (الطبقات الكبرى جزء 3 صفحة 281، 282)

...................نسبه وقبيلته.......................

عمر بن الخطاب في عداد أشراف مكة نسبًا، ومن أرفعها قدرًا، وأعلاها منزلة، فهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي.

" وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقيل: حنتمة بنت هشام بن المغيرة. فعلى هذا تكون أخت أبي جهل وعلى الأول تكون ابنة عمه، قال أبو عمر: ومن قال ذلك- يعني بنت هشام- فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل والحارث ابني هشام، وليس كذلك وإنما هي ابنة عمهما؛ لأن هشامًا وهاشمًا ابني المغيرة أخوان، فهاشم والد حنتمة وهشام والد الحارث وأبي جهل.

وكان يقال لهاشم جد عمر: ذو الرمحين.

وقال ابن منده: أم عمر أخت أبي جهل. وقال أبو نعيم: هي بنت هشام أخت أبي جهل وأبو جهل خاله... " (أسد الغابة جزء 1 صفحة 814)

مولده

وُلد رضي الله عنه في السنة الثالثة عشرة من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، وذلك بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة.

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له

روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. "

لماذا أحد هذين الرجلين؟

كان أهل الإسلام يجتمعون في بدء الإسلام سرًّا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، لقلة عددهم، وشدة قريش عليهم.

وكان ممن عرف بالشدة على المسلمين عمر بن الخطاب، وأبو جهل، وكان لهما من المكانة الشيء الكبير، وفي هذا الوقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوقع خيرًا للإسلام والمسلمين، بإسلام أحد هذين الرجلين.

أما عمر بن الخطاب، فكان من أشراف قريش، لا من الأشراف اللاهين العابثين تفاهة وانغماسا في الملذات، فما كانت أيام شبابه لهوًا وعبثًا، ولكن كان يأخذ نفسه بمعالي الأمور ويدع سفاسفها، لا يرضى الدنية، دقيق الحس فصيح اللسان، قوي العارضة، عرفت قريش عنه كل ما يشرفها، ويجعله في الصدارة مع إخوانه فأعطته المكانة التي شرفت بتقلده إياها فإن عمر كان سفير قريش في الجاهلية، وما أعلى السفارة قدرا عند ذوي الفصاحة والحجى، وكانت قريش أفصح العرب وبلغتها نزل القرآن فأين عمر وهو سفيرها في هذا المجال ! وهل أرضى للمرء عند نفسه، وأكرم عند قومه من أن يكون المقدم إذا حق اللقاء، والمفوه المنشود إذا كان المجال الحجة والكلام؟ (شهيد المحراب عمر بن الخطاب أ / عمر التلمساني ص 48)

ولعل أبا جهل كان يتصف بصفات عديدة من قوةِ جسدٍ، وثروة كبيرة وعائلة عريقة، غير أن كليهما يشترك في صفة عزيزة الوجود في الرجال، في حين كان الإسلام في حاجة شديدة إليها، ألا وهي صفة القيادة، ولعل هذا كان سر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعز الله الإسلام بأحدهما.

" فبالرغم من الحرب العنيفة التي يشنّها الرجلان على الإسلام، لم تكن تخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقومات الزعامة والقيادة فيهما، وأن وجود أحدهما في الصف الإسلامي يعني قوة هذا الصف واعتزازه، وإن وراء الكفر المتبجح قلوبا لم تصطدم بعدُ بتيار الإسلام القوي، ولم تصل لها القوة الكهربية الضخمة. إنها حين تكون الصدمة قوية قد تغير الكيان كله، وهذا ما وقع في قدر الله، ودفع إلى إسلام عظيم الرجال عمر بن الخطاب... " (المنهج الحركي للسيرة النبوية أ/ منير الغضبان)

ولا ننس هذه الرواية التي معنا وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لعمر خاصة بأن يسلم فيروي ابن ماجه بسنده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَاصَّةً. (المقدمة باب فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث رقم 102)

وقد استجاب الحق تبارك وتعالى لتلك الدعوة النبوية، فقر الإسلام بالفاروق، وعز به أهل الإسلام.

ولقد بلغ عمرأوجًا شاهقًا في محراب الإيمان والتقوى، والتبتل والتخشع، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرى رؤيا عجيبة ورؤيا الأنبياء حق فيقول: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهُمْ مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمْرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينُ.

وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ ". وفي لفظ آخر: " أَقْوَاهُمْ فِي اللَّهِ عُمَرُ ".

وقال صلى الله عليه وسلم في مدحه للفاروق وعدم حبه للباطل: " هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، هَذَا رَجُلٌ لَا يُحِبُّ الْبَاطِلَ ".

(مسند أحمد حديث رقم 15033)

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ". (الترمذي 3619)

وقال ابن حجر العسقلاني: السبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الموافقات التي نزل القرآن الكريم مطابقًا لها، ووقع له بعد النبي صلى الله عليه وسلم عدة إصابات.

الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد بعبقرية الفاروق رضي الله عنه

روى البخاري بسنده عمن سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ". (البخاري- حديث رقم 3391)

معاني بعض الكلمات:

استحالت غربا: تحولت إلى دلو كبيرة كناية عن قوة أخذه وعمله.

ضرب الناس بعطن: أي رووا ورويت إبلهم فأقامت على الماء.

من أطاعه رشد

عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ أَرْشَدُوا ".

قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح (صحيح ابن حبان جزء 15 ص327)

ويدعو له بالشهادة

ويروي ابن ماجه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمٍيصًا أَبْيَضَ، فَقَالَ: ثَوْبُكُ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ؟ قَالَ: لَا بَلْ غَسِيلٌ. قَالَ: الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمِتْ شَهِيدًا " (سنن ابن ماجه، كتاب اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث رقم 3548)

ولله در علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما أبلغه عندما قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر.


أقوال الصحابة رضي الله عنهم في الفاروق:
1- عائشة أم المؤمنين

عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: من رأى ابن الخطاب، علم أنه غناء للإسلام، كان والله أحوذيًا. نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها. وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا ذكرتم عمر طاب المجلس.

2- سعيد بن زيد.

روى عن سعيد بن زيد أنه بكى عند موت عمر فقيل له ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا تُرتق إلى يوم القيامة.

3- أبو طلحة الأنصاري.

والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم.

4- حذيفة بن اليمان.

إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل مقبل لم يزل في إقبال فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار.

5- عبد الله بن سلام.

جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه بعد أن صلى على عمر رضي الله عنه فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه، فلن تسبقوني بالثناء عليه، ثم قال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، جوادًا بالحق، بخيلًا بالباطل، ترضى من الرضا، وتسخط من السخط، لم تكن مداحًا ولا معيابًا، طيب العرف، عفيف الطرف.

6-العباس بن عبد المطلب..

كنت جارًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. فما رأيت أحدًا من الناس كان أفضل من عمر، إن ليله صلاة، ونهاره صيام، وفي حاجات الناس.

7- علي بن الحسين.

عن ابن أبي حازم عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومنزلتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كمنزلتهما اليوم، وهما ضجيعاه.


آراء بعض المستشرقين في عمر الفاروق.....................

1- قال موير في كتابه (الخلافة): كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر وأظهر ما اتصفت به إدارته عدم التحيز والتقيد، وكان يقدر المسئولية حق قدرها، وكان شعوره بالعدل قويًا، ولم يحارب أحدًا في اختيار عماله، ومع أنه كان يحمل عصاه ويعاقب المذنب في الحال، حتى قيل إن درة عمر أشد من سيف غيره، إلا أنه كان رقيق القلب، وكانت له أعمال سجلت له شفقته، ومن ذلك شفقته على الأرامل والأيتام.

2- وقالت عنه دائرة المعارف البريطانية: كان عمر حاكمًا عاقلًا، بعيد النظر، وقد أدى للإسلام خدمة عظيمة.

3- وقال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتابه (محمد وخلفاؤه): إن حياة عمر من أولها إلى آخرها تدل على أنه كان رجلًا ذا مواهب عقلية عظيمة، وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة، وهو الذي وضع أساس الدولة الإسلامية، ونفذ رغبات النبي صلى الله عليه وسلم وثبتها، وآزر أبا بكر بنصائحه في أثناء خلافته القصيرة، ووضع قواعد متينة للإدارة الحازمة في جميع البلدان التي فتحها المسلمون، وإن اليد القوية التي وضعها على أعظم قواده المحبوبين لدى الجيش في البلاد النائية وقت انتصارهم لَأكَبر دليل على كفاءته الخارقة لإدارة الحكم، وكان ببساطة أخلاقه، واحتقاره للأبهة والترف، مقتديًا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وقد سار على أَثَرهما في كتبه وتعليماته للقواد.

الإسلام هو الذي صنع من عمر الفاروق

الجاهلية والإسلام في حياة عمر وجها لوجه

" إن الإنسان هذا الكائن العجيب، يعتبر سيدا لعناصر الكون كلها، يوازن أعتاها وأقساها فيرجحه ويربو عليه، يوم يكون شخصًا فاضلًا، ولكنه يلعن في الأرض والسماء ويَرْجَحه الذر والهباء يوم يكون شخصًا ساقطًا " (محمد الغزالي/ خلق المسلم).

هذا ما حدث تماما مع عمر بن الخطاب، بون شاسع وفرق كبير بين عمر بن الخطاب قبل إسلامه، وأبي حفص عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه بعد إسلامه.

مشاهد من حياته في الجاهلية

كان يدافع عن كل ما أَلِفته قريش من عادات وعبادات ونظم وكانت له طبيعة مخلصة تجعله يتفانى في الدفاع عما يؤمن به، وبهذه الطبيعة التي جعلته يشتد في الدفاع عما يؤمن به قاوم عمر الإسلام في اللحظات الأولى، ووقف بالمرصاد أمام الدعوة في بدايتها، وخشى عمر أن يهز هذا الدين النظام المكي الذي استقر، والذي يجعل لمكة بين العرب مكانة، والذي أعطى لمكة ثروتها الروحية، وثروتها المادية، فهو سبب ازدهارها وغنى سراتها؛ ولذلك قاوم سراة مكة هذا الدين، وبطشوا بالمستضعفين من معتنقيه وكان عمر من أشد أهل مكة بهؤلاء الضعفاء.

ولقد ظل يضرب جارية أسلمت، حتى عيت يده، ووقع السوط من يده، فتوقف إعياءً، ومر أبو بكر فرآه يعذب الجارية فاشتراها منه وأعتقها.

وفي الجاهلية كان له صنم يعبده، فعندما جاع أكله ـ ويبدو أن الجوع كافر كما يقولون ـ كيف يأكل العابد معبوده! إنه لسفه عظيم، وضلال مبين.

ها هو الفاروق الذي كان يعبد الأصنام، ويتصدى لكل من يحاول إهانة هذه الأحجار ويصب العذاب صبًا في وجه من يحاول تنزيلها عن مكانتها العالية في ظنه.

ومع ذلك كان رجلًا بليغا، حصيفًا، قويا، حليمًا، شريفًا، قوي الحجة، واضح البيان، مما أهّلهُ لأن يكون سفيرًا لقريش، ومفاخرًا ومنافرًا لها مع القبائل، قال ابن الجوزي: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب، إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرًا، أو نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرًا ومفاخرًا، ورضوا به متحدثا بلسانهم وهم أفصح الناس، وسفيرا لهم وهم أعرق الناس نسبا وأعظمهم جاها...

وكما نرى في هذه المشاهد التي توحي لنا بتناقض غريب وعجيب خلّفته الجاهلية بغبارها وركامها في هذا التاريخ العمري، نرى صفات إيجابية وأخرى سلبية، ولا شك أن كل إنسان يحمل بين جنبيه ألوانًا متعددة من الصفات والخصائص منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، ولكن عمر بن الخطاب به من الإيجابيات الكثير الذي يميزه عن غيره من الناس، وقد استفاد الإسلام بشكل واضح من أخلاق عمر الإيجابية وأكّد عليها ونمّاها بشكل أوضح.

فمن الصفات الإيجابية البارزة لدى عمر بن الخطاب صفة القيادة، وما زال الإسلام ينمي فيه هذه الصفة ويؤكد عليها إلى أن وصل بعمر أن يكون يوما ما أميرًا للمؤمنين، وخليفة للصديق أبي بكر رضي الله عنهما.

وقد استفاد الإسلام أيضا من صفة الشدة عند عمر وجعلها بمثابة الدرع الواقي الذي يحمي هيبة الإسلام أمام من تُسول له نفسه المساس بقدسية هذا الصرح العظيم- الإسلام- ففي كثير من المواقف نجد الفاروق يشهر سيفه قائلا: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله.

لقد عاش عمر في الجاهلية وعرف حقيقتها، وتقاليدها، وأعرافها، ودافع عنها بكل ما يملك من قوة، ولذلك عندما دخل الإسلام عرف جماله وحقيقته وتيقن الفرق الهائل بين الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والحق والباطل، ولذلك قال قولته المشهورة: إِنَّمَا تُنْقَصُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ.

وهذه هي شهادة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الإسلام وعزته: إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ.

رغم السيادة التي كان فيها عمر في جاهليته من قيامه بأمر السفارة في قريش، ومكانته المرموقة بين القوم، إلا أنه أدرك بعد إسلامه البون الشاسع بين من يؤمن بالله وبين من يعبد الأحجار والأوثان والأنصاب والأزلام التي لا تنفع ولا تضر.

يخاف الفاروق رضي الله عنه من ربه خوفًا صادقًا، أدى به إلى الاجتهاد في عبادة الله عز وجل، والتفاني في مرضاته.

وهذا هو الخوف الإيجابي الذي يعين المرء على المزيد من طاعة الله، فليس الخائف من يبكي وتسيل دموعه، ثم يمضي قدمًا في معاصي الله، وإنما الخائف هو من يترك معصية الله خوفا منه.

هذا هو الفاروق الذي ملك إمارة المسلمين وورث كسرى وقيصر، يخاف من الدنيا ومن غرورها، ومن المال وفتنته يقول المِسْور بن مَخْرمة رضي الله عنه: أُتِي بمال فوُضع في المسجد، فخرج عمر إليه ليتصفحه وينظر إليه، ثم هملت عيناه.

فما أحرانا أن نقتدي بالفاروق في البكاء من خشية الله تعالى.

فماذا عساه أن يكون عمر لو لم يدخل في هذا الدين العظيم، كان سيمحى من ذاكرة التاريخ والإنسانية، ويتساوى مع أساطين الكفر، وأئمة الضلالة كأبي جهل بن هشام، وأُبي بن خلف، وأبي لهب بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة، ولكنه بإسلامه سطر اسمه في سجل العظماء الذين نصروا الله في كل المواطن التي شهدوها، ,هكذا ينصر الحق تبارك وتعالى من يقوم بنصره، ومن يتحمل المتاعب من أجل الدعوة ومن أجل الدفاع عن الحق.

لقد تبوأ عمر بالإسلام مكانة لم ينلها إلا عدد قليل ممن اصطفاه الله في هذه الحياة الدنيا، مكانة سامقة، تجعل الرجل علامة بارزة في جبين الإنسانية، وكفى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. " ( (حسن)انظر حديث رقم‏: 5284 في صحيح الجامع)

لقد كان الفاروق رجلًا ربانيًّا بحق، لا يخشى إلا الله عز وجل فكان دائمًا الحق على لسانه وقلبه، ودائمًا الصواب معه، والرأي الراجح له، إنهم رجال رباهم الرسول عليه الصلاة والسلام على مبادئ الإسلام العالية، فكانوا رجالًا كما وصفهم الله في كتابه العزيز: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب: 23}.


لماذا لم يتول الخلافة قبل أبي بكر مع قوته وعلمه؟

الصفات والفضائل والأعمال التي انفرد بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وفي ذلك تروي السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: " لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بَلَالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ". (‏ (‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏: 5866 في صحيح الجامع‏.) ‏

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَّى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ: إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبُ مِنْكِ خَيْرًا.

تَقُولُ عَائِشَةُ: لَقَدْ رَاجَعْتُهُ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى مَرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا.

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ـ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا ـ: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ وَالْآخَرُ عَلِيٌّ، وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ. فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَلَى يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَاعِدًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.

قال ابن حبان رحمه الله هذا الخبر فيه دليل على أن الخليفة بعد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

ويدل هذا الخبر على فضل أبي بكر على جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن مناقب الصديق رضي الله عنه إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين أنهم يأبون عقد الخلافة لغير أبي بكر. فتروي عائشة رضي الله عنها " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ: ادْعِ لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكَ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ. "

ففي الحديث إخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المسلمين لا يرضون بغير أبي بكر خليفة لهم.

ومن الأحاديث التي تدل على حب الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر هذا الحديث يرويه لنا عمرو بن العاص رضي الله عنه فيقول: " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النِّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عُمَرُ. فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.

أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ عَائِشَةُ وَمِنَ الرِّجَالِ أَبُوهَا. (‏ (‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏: 177 في صحيح الجامع‏).

وفي هذا الحديث نرى مكانة أبي بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما، وبيان فضل عمر رضي الله عنه إذ تأتي منزلته بعد منزلة الصديق رضي الله عنهم جميعا.

وأي منزلة تلك التي وصل إليها أبو بكر الصديق وعندها تتضاءل كل منازل الدنيا، فإن من أحبه النبي صلى الله عليه وسلم أحبه الله تعالى ومن أحبه الله تعالى فقد فاز بالدنيا والآخرة، وذلك هو الفوز المبين.

ومن فضائل الصديق رضي الله عنه:

دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة أن تقتدي بالصديق، وإن شاركه عمر بن الخطاب إلا أنه ذكر بعده، فقد ذُكر أبو بكر أولًا لفضله وعلمه.

يروي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".

وفي رواية أخرى: " إِنِّي لَا أَدْرِي كَمْ قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".

وفيه ذكر لفضائل عمر ولكن بعد الصديق رضي الله عنه.

وأبو بكر أفضل من عمر رضي الله عنهما بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وبشهادة عمر نفسه وبما نرى من مواقف كثيرة تؤيد هذا الأمر

" وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي وُزِنْتُ بِأُمَّتِي فَرَجَحْتُ، ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ فَرَجَحَ، ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ فَرَجَحَ. " وفي هذا بيان واضح في فضله على عمر. وقال عمر رضي الله عنه: مَا سَابَقْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا سَبَقَنِي إِلَيْهِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي شَعَرَةٌ فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ... " (الاستيعاب جزء 1 صفحة 356).

مكانته في الآخرة

روى البخاري بسنده أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، قُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ. (البخاري- حديث رقم 6505)

فكر وسطي
17-01-2011, 07:51 PM
فقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه عمــــــــــــــــــــــــــــــــــر............. ........

...............مقدمة.....................

قد يتبادر إلى ذهن البعض أن المقصود بفقه عمر معرفته بجوانب من فقه العبادات كالطهارة وغيرها، ولكن المقصود هنا هو الفقه بمعناه الواسع، أي دقة الفهم المراد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ " أي يرزقه فهما صحيحا يدرك به حقائق الشريعة، وأصول الأحكام، وقد رزق الله عمر هذا النوع من الفقه.

من فضائل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوتي الدين، والفقه، والشيء العظيم من العلم، عمر رضي الله عنه كان رجلًا ملهمًا، ربانيًا، وهذا لا يأتي إلا من الإخلاص مع الله عز وجل في السرائر والعلن، وأن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه وخير من يتصف بهذه الصفات هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

هذا العبقري الفذ أوتي ذكاءً مبدعًا متوقدًا، أفاضه عليه ربه سبحانه فكانت الحكمة تخرج من نواحيه، وارتفع الفاروق رضي الله عنه إلى أعلى مستويات الذكاء الإنساني وشجاعة التفكير، وحسن التعليل، فالتقت في عبقريته أعمق رؤى البصيرة وأدق أسرار الشريعة.


الرسول والصحابة يشهدون له بالعلم والفقه

ولقد أشاد الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه النعمة التي حباها الله عمر، ونبه الصحابة على ما عنده لينهلوا منها، فقال: " بَيْنَما أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ. " (البخاري كتاب العلم، باب فضل العلم، حديث رقم 8).

قال عبد الله بن مسعود: لو أن علم عمر بن الخطاب وضع في كفة الميزان، ووضع علم الأرض في كفة لرجح علم عمر، وقال أيضًا: إني لأحسب عُمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم.

فقد كان رضي الله عنه حريصًا على حضور مجالس العلم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم لا يترك واحدة منها تفوته.

قال عمر: " كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.

وهاهو يحث غيره على الفقه:

عن سفيان قال: قال الأحنف: قال لنا عمر بن الخطاب: " تفقهوا قبل أن تسودوا ". قال سفيان: لأن الرجل إذا أفقه لم يطلب السؤدد... (صفة الصفوة جزء 2 صفحة 236)

ولم يكن عمر بالذي يحفظ العلم دونما فقه، ويحمله داخل عقله فتاوى جامدة، بل كان يتمتع بنظر ثاقب، وفهم سديد، يتحرك في كل الجهات يعرف لكل موقف ما يناسبه، وقد وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها في ذلك فقالت: " كان والله أحوذيًا، نسيج وحده، فقد أعد للأمور أقرانها ".

وذكاء عمر واسع عميم، ونظراته الثاقبة تجلي كل غامض، وتدخل الحنايا فتكشف الخفايا، وتنفذ إلى غور الأمور، وكان عليمًا بأحداث الدنيا وأسرار الحياة.

وكان عمر رضي الله عنه ذا فقه عظيم بطبائع النفوس، لا تغره المظاهر، ولا يكتفي بالنظرة العابرة لتكوين أحكام على الآخرين فهو يقضي بذكائه لا بعواطفه، ولا يرضى بأحكام جزئية ممزقة، بل تتراحب أبعاد فكره الوقاد، لإيجاد الحلول الناجحة للمشاكل الواقعة.

يروي أبو وائل شقيق بن سلمة فيقول: حدثني الصبي بن معبد- وكان رجلًا من بني تغلب- قال: إن رجلا كان نصرانيا يقال له الصبي بن معبد أسلم فأراد الجهاد فقيل له ابدأ بالحج فأتى الأشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل فبينما هو يلبي إذ مر يزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فقال أحدهما لصاحبه: لهذا أضل من بعير أهله فسمعها الصبي فكبر ذلك عليه فلما قدم أتى عمر فذكر ذلك له فقال له عمر رضي الله عنه: " هديت لسنة نبيك ". قال: وسمعته مرة أخرى يقول: " وفقت لسنة نبيك ". وفي رواية فأقبل عمر عليهما، فلامهما ثم أقبل عليّ فقال. فذكره. فمن سنة النبي صلى الله عليه وسلم القران بين الحج والعمرة، وهو الجمع بينهما، فكأن من اعترض على ذلك لم يكن له العلم بالمسألة، أو ظن أنها من الأحكام المنسوخة.

ويستشعر المرء من كلمات الفاروق رضي الله عنه الحرص على اتباع السنة، وتعليماتها.

فإن قلت: كان عمر رضي الله عنه يمنع من الجمع، فكيف قرره على ذلك بأحسن تقرير؟

قلت: كأن عمر رضي الله عنه يرى جواز ذلك لبعض المصالح، ويرى أنه جوز النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فكأنه كان يرى أن من عرض له مصلحة اقتضت الجمع في صفة، فالجمع في حقه سنة، والله أعلم. وهذا فيه ما فيه من الفقه العميق لعمر رضي الله عنه.

وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخطب ويقول:

" إني لأحسب عمر بين عينيه ملك يسدده ويقويه، وإني لأحسب الشيطان يفرق من عمر، أن يحدث حدثًا فيرده ".

قيل: يغفر الله لك أنت أحق، أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ويحك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ يَقُولُ بِهِ.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال عمر بن الخطاب، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر.

وكان علي رضي الله عنه يقول: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه.

وفي رواية أخرى: لقد كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه.


العوامل التي ساعدت عمر على تحصيل العلم

لقد بذل الفاروق جهدا مضنيا حتى يحصل هذا الكم الكبير من العلوم وقد كان رضي الله عنه على علم بأسباب النزول

حفظ عمر القرآن كله. في الفترة التي بدأت بإسلامه، وانتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حفظه مع أسباب التنزيل إلا ما سبق نزوله قبل إسلامه، فذلك مما جمعه جملة، ولا مبالغة إذا قلنا إن عمر كان على علم كثير بأسباب النزول، لشدة اتصاله بالتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هو قد حفظ منه ما فاته، فأن يُلم بأسباب النزول والقرآن بكر التنزيل، والحوادث لا تزال تترى فذلك أمر يسير.

وقد كان عمر سببًا في التنزيل لأكثر من آية بعضها متفق على مكيته وبعضها مدني، بل كان بعض الآيات يحظى من عمر بمعرفة زمانه ومكانه على وجه دقيق قال عن هذه الآية [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا] {المائدة: 3}.

قال الفاروق عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشية عرفة في يوم جمعة.

ولا ننس ونحن في سياق الكلام عن تميز عمر بن الخطاب بكثرة العلم أنه كان أحد سبعة عشر رجلا في قريش يعرفون القراءة والكتابة مما جعله مؤهلا لحمل هذا الكم الكبير من العلوم والمعارف.

ولم يتمتع عمر رضي الله عنه بالعلم والفقه إلا بعد أن كابد في سبيل هذا العلم والفقه، وتجرع آلام تحصيله، وترك فراش نومه كثيرًا، ولازم رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا، فلا ينال العلم إلا من مصاحبة العلماء، وخير من تميز بهذه الصفة هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لازم الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، وكان يشاركه الآراء، ومما ساعده أيضا على تحصيل العلم:

1ـ حبه للنبي صلى الله عليه وسلم

أول الأشياء التي تدل على أن صاحبها يريد العلم النافع هي حب الرسول صلى الله عليه وسلم، والدفاع عنه بكل ما يملك، ويجود بنفسه رخيصة ولا يشاك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة بسيطة.

والمواقف والأحداث تشير إلى حبه العميم، والمتدفق، فلا يكاد يشم رائحة إهانة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويشهر سيفه (دعني أقطع عنقه يا رسول الله) ويهدئ الرسول صلى الله عليه وسلم من روع عمر، ويطلب إليه الهدوء، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن ما حمل عمر على هذا التصرف إلا أنه يحب رسوله أشد ما يكون الحب.

لقد كان من بين أسرى بدر العباس بن عبد المطلب عم المعصوم صلى الله عليه وسلم وحرص عمر رضي الله عنه على هدايته، وقال له: أسلم يا عباس، فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب. ولذلك لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك.

ومن شدة حب عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تظهر منه بعض المواقف التي تبين شدة هذا الحب وعمقه وتغلغله في نفس هذا الصحابي الجليل وليفصح لنا أبو هريرة عن هذا الأمر العجيب

يقول أبو هريرة رضي الله عنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات. ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.

ويقول أبو هريرة: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى في ناحية البيت عليه بردة حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدًا.

ثم رد الصديق البرد على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وخرج على الناس وقرأ قول الحق تبارك وتعالى: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ] {آل عمران: 144}. فقال عمر: فو الله ما هو إلا أن سمعت أن أبا بكر تلاها فعقرت، حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.)صفة الصفوة جزء 1- صفحة 284)

عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما وافي الميزاب صب ماء بدم الفرخين، فأصاب عمر، فأمر عمر بقلعه، ثم رجع عمر فطرح ثيابه ولبس ثيابا غير ثيابه، ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر للعباس: وأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل ذلك العباس. رواه أحمد.

فقد لازم الفاروق رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة بعد إسلامه، كما لازمه كذلك في المدينة المنورة ـ حيث سكن العوالي ـ وهي ضاحية من ضواحي المدينة وفي هذه الضاحية نظم عمر نفسه، وحرص على أن يتعلم في مدرسة النبوة في فروع شتى من المعارف والعلوم على يدي معلم البشرية وهاديها، وقد كان لا يفوته علم من قرآن أو حديث، أو أمر أو حدث أو توجيه، قال عمر: " كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد- وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ".

وهذا الخبر يوقفنا على الينبوع المتدفق، الذي استمد منه عمر علمه وتربيته، وثقافته، وهو كتاب الله الحكيم، الذي كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجمًا على حسب الوقائع والأحداث، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأه على أصحابه الذين وقفوا على معانيه وتعمقوا في فهمه، وتأثروا بمبادئه، وكان له عميق الأثر في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم وأرواحهم، وكان عمر من هؤلاء الذين تأثروا بالمنهج القرآني في التربية والتعليم، وعلى كل دارس ومحب لتاريخ عمر رضي الله عنه أن يقف وقفة متأملة أمام هذا الفيض الرباني الصافي، الذي غذّى المواهب وفجر العبقريات.

وقد حرص الفاروق منذ إسلامه على حفظ القرآن الكريم وفهمه وتأمله وظل ملازمًا للرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى عنه ما أنزل عليه، حتى تم له حفظ جميع آياته وسوره وقد أقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم بعضه وحرص على الرواية التي أقرأه بها الرسول صلى الله عليه وسلم وكان لعمر كثير من الأوقات فضل السبق إلى سماع بعض آياته فور نزوله.

2ـ الأخلاق والتواضع

ثاني الأشياء التي جعلت الفاروق عمر بن الخطاب يصل إلى هذه الدرجة من العلم والفقه هي إخلاصه رضي الله عنه وابتغاؤه بهذا العلم وجه الله عز وجل. وهذا هو السبب الأول الذي جعله يرتقي إلى هذه الدرجة العالية من العلم.

يقول رب العزة تبارك وتعالى: [وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] {البقرة: 282}.

فمن طلب العلم لله بارك الله فيه، ونفعه به، ونفع به المسلمين، وعمر رضي الله عنه لم يطلب العلم كي يجاري به العلماء ويماري به السفهاء، ولكن طلب العلم تقربًا إلى الله عز وجل؛ لأنه القائل في كتابه العزيز: [ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ] {فاطر: 28}. فأشد الناس خشية لله هم العلماء.

وكانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتاب العزيز: [ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا] {طه: 114}. لأن العلم يرفع من درجات الإنسان في الدنيا والآخرة، ويرفع الحق تبارك وتعالى بالعلم أقوامًا ويضع به آخرين. ولا بد لهذا العلم أن يتوج بالأخلاق لأن العلم وحده لا ينفع ما لم تزينه الأخلاق فعلم بلا أخلاق كشجرة بلا ثمر.

لَا تَحَسَبَنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُ وَحْدَهُ مَا لَمْ يُتَوَّجُ رَبُّهُ بِخَلَاقِ

وقال الشاعر.

إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا

لم تمنع المنزلة العالية التي وصل إليها عمر رضي الله عنه في الفقه والعلم من التواضع لله عز وجل، ولين الجانب لإخوانه، وحسن المعاملة، وعدم التعالي بهذا العلم. ففي يوم من الأيام يقف عمر على المنبر، ويخطب في الناس أن رفقًا بالشباب، ودعا الناس إلى التخفيف في المهور، وعدم تحميل الشباب فوق طاقاتهم، فتقوم امرأة وتقول: يا عمر، يقول رب العزة تبارك وتعالى: [وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] {النساء: 20}.

وهنا يقف عمر مع نفسه، ويفكر في الأمر، ولا تمنعه مكانته من إمارة المؤمنين ومكانته المرموقة بين المسلمين إلا أن يقول: " صدقت امرأة وأخطأ عمر ".

(هذه الرواية في تفسير القرطبي ج 5 ص 95، وذكرها الآمدي في الإحكام ج 4 ص 193).


أمثلة من فقه عمر
فقه الطهارة

من فقه عمر في الطهارة، أنه يكفي في خروج المذي: غسل الفرج، والوضوء.

يروي أبو عثمان النهدي رحمه الله أن سليمان بن ربيعة تزوج امرأة من عقيل، فرآها فلاعبها. قال: فخرج منه ما يخرج من الرجل. قال سليمان: أو قال: المذي. قال: فاغتسلت، ثم أتيت عمر، فقال: ليس عليك في ذلك غسل، ذلك أيسر.

وفي رواية عن عمر رضي الله عنه فقال: ليس عليك في ذلك غسل، ذلك أيسر.

فقه الصلاة

جمع الناس على إمام واحد في صلاة قيام رمضان، وكانوا يصلون متفرقين على أكثر من قارئ.

يروي عبد الرحمن بن القاري أنه خرج مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط.

فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أُبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.

سجود التلاوة

من فقه عمر رضي الله عنه أن سجود التلاوة ليس بواجب فلا إثم على تاركه، وإن كان ثواب فاعله عظيمًا.

يقول ربيعة بن عبد الله التميمي رحمه الله: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال:

" أيها الناس، إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، إن الله لم يفرض السجود، إلا أن نشاء. ولم يسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وفي الخبر من الفوائد: أن للخطيب أن يقرأ القرآن في الخطبة وأنه إذا مر بآية سجدة ينزل إلى الأرض ليسجد بها إذا لم يتمكن من السجود فوق المنبر، وأن ذلك لا يقطع الخطبة ووجه ذلك فعل عمر مع حضور الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم.

وهنا نرى الفقه المتوازن الذي يفرق بين الفرض والنفل، ثم التعليم الرائع في كونه لم يسجد في المرة الثانية مع فضل السجود لكي يثبت للناس عدم فرضيته.

فقه الإمام والمأموم

قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن الحارث بن معاوية الكندي، أنه ركب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله عن ثلاث خلال قال: فقدم المدينة، فسأله عمر رضي الله عنه: ما أقدمك؟ قال: لأسألك عن ثلاث خلال. قال: وما هن؟ قال: ربما كنت أنا والمرأة في بناء ضيق فتحضر الصلاة، فإن صليت أنا وهي كانت بحذائي وإن صلت خلفي خرجت من البناء؟ فقال عمر: تستر بينك وبينها بثوب، ثم تصلي بحذائك إن شئت. وعن الركعتين بعد العصر؟ فقال: نهاني عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وعن القصص؟ فإنهم أرادوني على القصص. فقال: ما شئت. كأنه كره أن يمنعه. قال: إنما أردت أن أنتهي إلى قولك. قال: أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك. (حديث رقم 106)

الواقع يفرض أحكامًا جديدة

لقد كان الاجتهاد في أمور الشريعة هو دأب الفاروق عمر رضي الله عنه، يريد الوصول إلى الرأي الصواب، يريد تقديم الحلول التي تجلب المنفعة للمسلمين والتخفيف عنهم، والتقرب إلى الله عز وجل، فها هو عمر رضي الله عنه يرى أن من الفقه إعطاء المؤلفة قلوبهم في حال الضعف وعدم إعطائهم في حال القوة، فلم يُعطهم، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يفعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن الإسلام ليس بحاجة إلى هؤلاء المؤلفة قلوبهم، فقد غدا الإسلام قويًا، يُخشى بأسه، وتُسمع كلمته في العالم كله.

يقول تعالى في سورة التوبة: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] {التوبة: 60}.

فقد ذكرت الآية الكريمة الأنواع التي تجب فيها الزكاة، ثمانية أنواع ومنهم المؤلفة قلوبهم.

ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن ذلك يكون عندما يكون الإسلام ضعيفًا يحتاج إلى من يزيد قوته، ولكن الإسلام زمان عمر قد أصبح القوة الأولى في العالم.

لم يعد الإسلام. بحاجة إلى المؤلفة قلوبهم، فهم عبء على الإسلام وأهله، فاجتهد عمر رضي الله عنه وأبطل سهم المؤلفة قلوبهم ولم ينكر أحد من الصحابة فعله هذا.

حد السرقة وعام الرمادة

ومعلوم من سيرة عمر في عام الرمادة أنه لم يقطع سارقا كما في (المنتقى شرح موطأ مالك)

ومن فقهه رضي الله عنه كما في غريب الحديث لابن سلام (جزء 3 صفحة 194) حديث عمر أنه أخّر الصدقة عام الرمادة فلما أحيا الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين.

وهكذا نرى عمر رضي الله عنه يجول بفكره في القضايا المعاصرة التي تطرأ على الدولة الإسلامية إبان خلافته، يقارن ويرجح ويبحث حتى يصل إلى الرأي الصواب الذي يعود بالخير والإيمان على أمة الإسلام.

فرحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.


موافقات عمر

لقد نزل القرآن الكريم في الكثير من آياته موافقًا لرأي الفاروق عمر رضي الله عنه، فلقد كان الحق على لسان عمر وقلبه، فقد كان رجلًا ربانيًّا راقب ربه في كل أموره، حتى غدا يعبد الله كأنه يراه.

" عن ابن عمر مرفوعا: ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر" (الصواعق المحرقة جزء 1، صفحة 287).

وإليك طرفًا من موافقات القرآن الكريم لآراء الفاروق عمر رضي الله عنه.

1- أسرى غزوة بدر

شارك عمر رضي الله عنه في غزوة بدر، وعندما استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بعد المعركة في شأن الأسرى، وقد كان رأي الصديق والرسول صلى الله عليه وسلم فداء الأسرى بالأموال، وتعليم المسلمين القراءة والكتابة، وكان من رأي الفاروق عمر رضي الله عنه قتل هؤلاء الأسرى.

ونزل القرآن الكريم موافقًا لرأي الفاروق عمر بن الخطاب.

قال تعالى: [مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {الأنفال: 67}.

2- رأيه في الحجاب

كان من رأي الفاروق عمر هو وجوب التزام نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب لدخول كثير من الصحابة عليهن يستفتون الرسول صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا] {الأحزاب: 59}.

" حديث عمر رضي الله تعالى عنه: قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن. فنزلت آية الحجاب " (عمدة القاري جزء 2- ص 284).

3- الصلاة في مقام إبراهيم

كان من رأي الفاروق رضي الله عنه الصلاة في مقام إبراهيم، ونزل القرآن الكريم مؤيدًا لرأيه رضي الله عنه: [ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ] {البقرة: 125}.

أخرج الشيخان عن عمر قال: "وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فَنَزَلَتْ: [ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ] {البقرة: 125}. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ يَحْتَجِبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجِابِ. وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ فِي الْغِيرَةِ، فَقُلْتُ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَقَكُنِّ أَنْ يًبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ " (الصواعق المحرقة جزء 1، صفحة 287)

4- استئذان الأطفال

كان من رأي الفاروق رضي الله عنه استئذان الأطفال قبل الدخول، عند بلوغ الأطفال مرحلة الحلم، فنزل القرآن الكريم موافقًا لرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه،

" يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه فوجده نائما قد أغلق عليه الباب فدق عليه الغلام الباب فناداه ودخل فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء فقال عمر: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخر ساجدا شكرا لله.

قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] {النور: 58}. (تفسير القرطبي جزء 12 ص 276).

5- موافقته في ترك الصلاة على المنافقين

قال عمر: لَمَّا تُوُفِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَتَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي صَدْرِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَى عَدُّوِ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْقَائِلِ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا- يُعِدُّ أَيَّامَهُ- قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَسِمُ، حَتَّى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: [اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] {التوبة: 80}. لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّي عَلَيْهِ، وَمَشَى مَعَهُ، فَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ. قَالَ: فَعَجَبْتُ لِي وَجَرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.


فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ: [وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ] {التوبة: 84}.

فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

6- عمر وتحريم الخمر

قال عمر: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ] {البقرة: 219}. قَالَ فَدُعِيَ عُمَرُ: فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى] {النساء: 43}. فَكَانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى أَلَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ: [فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ] {المائدة: 91}. قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا، انْتَهَيْنَا. وهكذا خضع تحريم الخمر لسنة التدرج، وفي قوله: [فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ] {المائدة: 91}؟ فهم عمر من الاستفهام الاستنكاري أن المراد به التحريم، لأن هذا الاستفهام أقوى وأقطع في التحريم من النهي العادي، ففي ألفاظ الآية وتركيبها وصياغتها تهديد رهيب واضح كالشمس في التحريم.


جمع القرآن الكريم

كان من بين شهداء المسلمين في حرب اليمامة الكثير من حفظة القرآن الكريم، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجمع القرآن، حيث جُمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال.

" لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب فقال له: إن هذا القرآن هو الجامع لديننا فإن ذهب القرآن ذهب ديننا، وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب. فقال له: انتظر حتى نسأل أبا بكر. فمضيا إلى أبي بكر فأخبراه بذلك، فقال: لا تعجل حتى أشاور المسلمين. ثم قام خطيبا في الناس فأخبرهم بذلك فقالوا: أصبت.

فجمعوا القرآن، وأمر أبو بكر مناديا فنادى في الناس: من كان عنده من القرآن شيء فليجئ به. قالت حفصة: إذا انتهيتم إلى هذه الآية فأخبروني:

[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ] {البقرة: 238}. فلما بلغوا إليها قالت: اكتبوا والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر. فقال لها عمر: ألك بهذا بينة؟ قالت: لا. قال: فوالله لا نُدخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا إقامة بينة ". (الدر المنثور جزء 1، ص 723)

الفجر البعيد
17-01-2011, 11:46 PM
جزاك الله خير

فكر وسطي
28-01-2011, 10:27 PM
..........................قوة عمر .........................


مقدمة
إن القوة الحقيقية ليست قوة البدن كما يتبادر إلي ذهن الكثير من الناس عندما يسمع كلمة القوة، وإنما القوة بمعناها الشامل تنطوي على عدة أنواع أظهرها وليس أقواها: قوة البدن، ومن أنواع القوة أيضا القوة النفسية، والقوة الإيمانية.

وصاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه آتاه الله عز وجل كل هذه الأنواع من القوة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من خلقه.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مدار القوة ليس هو البدن فحسب وإنما يدخل معه أيضا القوة النفسية الناتجة عن تحمل الغير وكظم الغيظ. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ " (‏ (‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏: 5375 في صحيح الجامع) ‏.

أولا: القوة البدنية:
لا شك أن البيئة التي تربى فيها عمر بن الخطاب بما فيها من خشونة في العيش، وضيق في ذات اليد لها أثر كبير في تكوينه الجسدي، فليس من ينشأ في النعيم والظل والحرير كمن ينشأ تحت لظى الشمس الحارقة في جو مكة، وفي بيت الخطاب بن نفيل.

ولد عمر رضي الله عنه بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، وفي رحاب مكة وجَوّها القائظ، وريحها اللافحة، وصحرائها القاحلة، وأبوه الخطاب بن نفيل العدوي، كان شديد البأس، قوي الشكيمة، مما أورثه بعضا من صفات القوة.

ووصف الفاروقَ من رآه رضي الله عنه بأنه رجل آدم، أعسر، أيسر يعمل بكلتا يديه، أصلع، أضخم، مفرط الطول، يفوق الناس طولًا، إذا كان فيهم بدا كأنه راكب على دابة والناس يمشون، جسيم، كأنه من رجال سدوس، كبير الشارب، إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، يصارع الفتيان في سوق عكاظ فيصرعهم، وبلغ من فروسيته وشدة بنيانه أنه كان يأخذ بأذن الفرس بيد وبأذنه بيده الأخرى، ثم يثب على الفرس. فهو قوي حتى في مظهره الخارجي.


ثانيا: القوة النفسية:
الصراحة دليل القوة النفسية

بقراءة سيرة الفاروق رضي الله عنه يظهر لنا حبه الشديد، وعاطفته الفياضة للرسول صلى الله عليه وسلم، فحين يسمع رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول: " لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكَونُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ حَتَّى نَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ ". فَيَقُولُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَالِي وَوَلَدِي وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ إَلَّا نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبِي. فقال الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَا عُمَرُ ". فرجع الفاروق إلى نفسه وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ مَالِي وَوَلَدِي وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ حَتَّى نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبِي. فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْآنَ يَا عُمَرُ ". أي الآن اكتمل إيمانك يا عمر، أعلن عمر رضي الله عنه صراحةً في بادئ الأمر أن حبه للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شيء إلا نفسه وهذه الصراحة دليل على قوته النفسية.

والشجاعة أيضا دليل على القوة النفسية

انظروا إلى شجاعة عمر رضي الله عنه.

عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أفشى للحديث؟ فقالوا: جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه وأنا أتبع أثره، أعقل ما أرى وأسمع، فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت. فقال: فوالله ما رد عليه كلمة، حتى قام عامدًا إلى المسجد، فنادى أندية قريش فقال: يا معشر قريش إن ابن الخطاب قد صبأ. فقال عمر: كذب، ولكني أسلمت وآمنت بالله وصدقت رسوله. فثاوروه فقاتلهم حتى ركدت الشمس على رءوسهم، حتى فتر عمر، وجلس فقال: افعلوا ما بدا لكم، فو الله لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم. فبينا هم كذلك قيام إذ جاء رجل عليه حلة حرير، وقميص موشى، فقال: ما لكم؟ فقالوا: إن ابن الخطاب قد صبأ. قال: فمه، امرؤ اختار دينًا لنفسه، أتظنون أن بني عدي تسلم إليكم صاحبهم؟ قال: فكأنما كانوا ثوبًا انكمش عنه. فقلت له بعدُ بالمدينة: يا أبت، من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني، ذاك العاص بن وائل.

هذا هو الفاروق عمر بن الخطاب يعلن إسلامه علانية أمام أئمة الكفر وأساطين الضلالة دون خوف أو جبن من العقاب والإيذاء الذي سوف يناله من كفرهم وعنادهم، لقد سطع نور الإسلام في قلب عمر وأراد لهذا الدين أن يسود، وأن يكون لصاحبه حق الإعلان عن ولائه لهذا الدين، وأن تكفل له حقوق إبداء الرأي وممارسة شعائر دينه.

وقصة إسلام عمر تدل على شجاعته وقوته، فهو يريد قتل خاتم الأنبياء، ويتوشح سيفه عند الهاجرة، ولكن إرادة الله عز وجل تجعل نعيم بن عبد الله يقابله، ويخبره عن إسلام أخته وزوجها، فيتحول إلى بيتها، ويعلو على زوجها، ويشج وجه أخته، وتسيل الدماء. فيرق قلب عمر، وينطق بالشهادة.

" قال عبد الله بن مسعود: كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ فَتْحًا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ رَحْمَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا فَصَلَّيْنَا. " (أسد الغابة جزء 1، صفحة 818).


ثالثًا: القوة الإيمانية:
" العقيدة المكينة، معين لا ينضب للنشاط الموصول، والحماسة المدخورة، واحتمال الصعاب، ومواجهة الأخطار، بل هي سائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب، إن لم يكن لقاء محب مشتاق، تلك طبيعة الإيمان إذا تغلغل واستمكن، إنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله، فإذا تكلم كان واثقا من قوله، وإذا اشتغل كان راسخا في عمله، وإذا اتجه كان واضحا في اتجاهه، وما دام مطمئنا إلى الفكرة التي تملأ عقله، وإلى العاطفة التي تغمر قلبه، فقلما يعرف التردد سبيلا إلى نفسه، وقلما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه " (خلق المسلم محمد الغزالي ص 86)

وعمر الذي كان بين الصحابة متفردًا بالصرامة والصراحة والقوة في الحق، والشدة في دين الله. هو نفسه عمر الأواه الأواب الخاشع الضارع المخبت المنيب، الذي ذلت له نفسه في الله، بل ذل له شيطانه الذي لم يجرؤ أن يسير في طريق يسلكه عمر وإذا رآه ولى مدبرًا، وما أفصح وأدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرى عمر داخلًا عليه ذات يوم فيقول: " إِيِهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ. إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ ". ولت الشياطين الدبر فَرَقًا وخَوْفًا من هذا المؤمن المُؤَيد بنصرة الله، ويئست منه أن تصرفه عن عزائم الأمور، أو الوسوسة له بالشر، فليس هذا من شأنها معه.

ويكفي المرء في معرفة قدر الفاروق عمر رضي الله عنه أن يتعرف على وصف الرسول صلى الله عليه وسلم للفاروق بالشدة في دينه والقوة في أمر الله تعالى، يروي أنس بن مالك عن الرسول صلى الله عليه وسلم: " أَشَدُّ أُمَّتِي فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ ".

وقال صهيب رضي الله عنه: لما أسلم عمر بن الخطاب ظهر الإسلام ودُعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، واتنصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه.

إنه عمر وما أدراك ما عمر

أَعْنِي بِهِ الْفَارُوقَ فَرَّقَ عُنْوَةً بِالسَّيْفِ بَيْنِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ

هُوَ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ خَفَائِهِ وَمَحَا الظَّلَامَ وَبَاحَ بِالْكِتْمَانِ


هجرة الفاروق عمر رضي الله عنه
لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَبَى إلا أن يكون إسلامه علانية، وإيمانه مشتهرًا يتسامع به الناس، كذا لما أراد الهجرة أبى إلا أن تكون علانية.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما علمت أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب.

فإنه لما هم بالهجرة، تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام، فصلى متمكنًا، ثم وقف على الحلق واحدة، واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، أو يوتم ولده، أو يرمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي.

قال ابن الجوزي: قويت شدة عمر في الدين فصلبت عزائمه، فلما حانت الهجرة، تسللوا تسلل القطا، واختال عمر في مشيته، فقال: عند خروجه ها أنا أخرج إلى الهجرة، فمن أراد لقائي فليلقني في بطن هذا الوادي.

ولنا وقفة مع هذا المشهد العمري، إذ كيف يهاجر عمر بن الخطاب جهرا، ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم سرا.

إن عمر لا يمثل القدوة للمسلمين؛ وإنما القدوة الأولى هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي المسلمين من هو ضعيف ومن هو قوي، وعدم اعتراض النبي صلى الله عليه وسلم على خروج عمر جهرا فيه دلالة واضحة على أن من استطاع من المسلمين أن يخرج في قوة وجهر حال كونه قادرا على ذلك فليفعل، ومن استطاع من المسلمين الأقوياء أن يظهر معالم الإسلام في مجتمع تسود فيه الجاهلية فليفعل وفي عمر قدوة له، ولكن ليس على الضعفاء حرج.


هيبة عمر رضي الله عنه
اتصف الفاروق رضي الله عنه بالهيبة لما كان عليه من قوة الدين، والحرص على أمر الله، والوقوف عند حدوده.

ومن هيبة الفاروق رضي الله عنه أن هناك جارية نذرت أن تضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إن رده سالمًا، فلما أذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفاء بما نذرت فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها، وقعدت عليه هيبة له رضي الله عنه.

ومن هيبة الفاروق، أنه كان للإسلام حصنًا فقمع الكافرين وكبت المنافقين وعلت في خلافته راية الموحدين.

رجل لا تأخذه في الله لومة لائم

يروي طارق بن شهاب رحمه الله أن حذيفة رضي الله عنه خطبهم فقال:

والله ما أعرف رجلًا لا تأخذه في الله لومة لائم غير هذا الرجل: عمر بن الخطاب فكيف أنتم لو قد فارقكم؟ !

ألا يدعونا ذلك إلى التأسي بالفاروق رضي الله عنه بألا تأخذنا في الله لومة لائم؟

ألا نقتدي بعمر فنقدم مرضاة الله تعالى على الخلق أجمعين.

هذا ما نرجوه، وهذا ما نتمناه.

الشيطان يفر من عمر رضي الله عنه
من مناقب عمر بن الخطاب التي عُرف بها بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان كان يفر منه، ويسلك طريقًا غير طريقه.

يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمْ عَلَى صَوْتِهِ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ فَقَالَ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ بَادَرْنَ الْحِجَابَ. فَقَال عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: أَيْ عَدُّوَاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيِهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ.

أضحك الله سنك: لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه، وهو السرور أو نفي ضد لازمه وهو الحزن.

إيه: بالكسر والتنوين معناها حدثنا ما شئت وبغير التنوين زدنا مما حدثنا.

وقال النووي هذا الحديث محمول على ظاهره، أن الشيطان متى رأى عمر سالكًا فجًا هرب هيبة من عمر، وفارق ذلك الفج، وذهب في فج آخر لشدة خوفه من بأس عمر أن يفعل فيه شيئًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ ".

وعن تلك المنقبة التي ثبتت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يحدثنا ابن مسعود فيقول: خرج رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلقى الشيطان فاشتجرا فاصطرعا، فصرعه الذي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الشيطان: أرسلني أحدثك عجيبًا يعجبك.

قال: فأرسله. قال: فحدثني. قال: لا.

قال: فاشتجرا الثانية، واصطرعا، فصرعه الذي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: أرسلني فلأحدثك حديثاًَ يعجبك. فأرسله.

فقال: حدثني. فقال: لا.

فاشتجرا الثالثة. فصرعه الذي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم جلس على صدره، وأخذ بإبهامه يلوكها، فقال: أرسلني.

قال: لا أرسلك حتى تحدثني.

قال: سورة البقرة، فإنه ليس منها آية تقرأ في وسط الشياطين إلا تفرقوا ولا تقرأ في بيت، فيدخل ذلك البيت شيطان.

قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فمن ذلك الرجل.

قال: فمن ترونه إلا عمر بن الخطاب.

ومن المواقف التي تتجلى فيها قوة عمر وفضل إيمانه مما جعل الشياطين تخشاه ما رواه الترمذي قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا، فَسَمِعْنَا لَغَطًا وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ تَعَالَيْ فَانْظُرِي. فَجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ لِي: أَمَا شَبِعْتِ، أَمَا شَبِعْتِ. قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ: لَا. لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ عُمَرُ، قَالَتْ: فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ. قَالَتْ: فَرَجَعْتُ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

(الترمذي- كتاب المناقب- باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه- حديث رقم 3624)

ويروي بريدة: يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلَّا فَلَا. فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ.

وقال طارق بن شهاب رحمه الله: كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك. ويروي علينا قول ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأحسب الشيطان يفرق من عمر أن يحدث حديثًا فيرده، وإني لأحسب عمر بين عينيه ملك يسدده ويقومه.

فالحق يدور مع الفاروق حيث دار، والصدق يكون حيث كان، فالسكينة تنطق على لسانه، والحق وضع في قلبه، وهو المحدَّث الذي أُلقي الخير في روعه، وكثرت في آيات القرآن الكريم موافقاته.

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله تعالى هو صاحب الفضل العظيم.

يقول البراء بن عازب رضي الله عنه: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكَانُوا يُقْرِئُونَ النَّاسَ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ بِلَالٌ وَسَعْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: حَتَّى جَعَلَ الْإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فِي سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ.

وهكذا ظل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حريصًا على إعزاز الإسلام في أفعاله، ويعمل جاهدًا على إعانة من أراد الهجرة حتى خرج ومعه هذا الوفد الكبير من أقاربه وحلفائه.

فما أروع عمر بن الخطاب في إسلامه، وما أروعه في هجرته رضي الله عنه.

" ولما هاجر عمر رضي الله عنه أصبح وزير صدق للنبي صلى الله عليه وسلم وآخى بينه وبين عويمر بن ساعدة، وقيل بينه وبين عتبان بن مالك، وقيل بينه وبين معاذ بن عفراء، وقد علق ابن عبد الهادي على ذلك وقال: لا تناقض بين الأحاديث ويكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخى بينه وبين كل أولئك في أوقات متعددة.

فكر وسطي
07-02-2011, 04:41 PM
...............مقدمة......................

ما أعظم التواضع لو كان من عظيم حقيقي العظمة.

التواضع من مكارم الأخلاق التي اتصف بها الفاروق رضي الله عنه وأورثته محبة الآخرين.

فالعبد المتواضع يجعل الناس يحبون معاملته، ويودون مجالسته، ويتمنون لقاءه، ويستأنسون بكلامه، ويتفانون في خدمته.

فالتواضع يعني قبول الحق ممن كان، وخفض الجناح ولين الجانب، وعدم شعور النفس بأن لها فضلًا على الآخرين.

وما أجمل قول الشاعر:

تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالنَّجْمِ لَاحَ لِنَاظِرٍ عَلَى صَفَحَاتِ الْمَاءِ وَهْوَ رَفِيعُ

وَلَا تَكُ كَالدُّخَانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ إِلَى طَبَقَاتِ الْجَوِّ وَهْوَ وَضِيعُ

وهذا الشافعي رحمه الله يقول: " التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام " ويقول: " أرفع الناس قدرا من لا يَرَى قدره، وأكثر الناس فضلا من لا يَرَى فضله ". (تاريخ دمشق جزء 51- صفحة 413)


عمر يعطي الناس قدرهم
ولنصغ بقلوبنا إلى هذه الرواية، فقد أورد المتقي الهندي في (كنز العمال جزء 1- صفحة 5)

عن شرحبيل بن مسلم الخولاني أن الأسود بن قيس بن ذي الخمار تنبأ باليمن فبعث إلى أبي مسلم الخولاني فأتاه فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار عظيمة ثم ألقى أبا مسلم فيها، فلم تضره. فقيل للأسود بن قيس: إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك. فأمره بالرحيل، فقدم المدينة، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، فأناخ راحلته بباب المسجد ودخل يصلي إلى سارية فبصر به عمر بن الخطاب، فقام إليه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل اليمن. فقال: ما فعل الذي حرقه الكذاب؟ (زاد في المنتخب: بالنار) قال: ذاك عبد الله بن ثوب. قال: فنشدتك بالله، أنت هو؟ قال: اللهم نعم. فاعتنقه عمر، وبكى ثم ذهب به وأجلسه فيما بينه وبين أبي بكر الصديق، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من صُنع به كما صُنع بإبراهيم خليل الرحمن فلم تضره النار.

ومن تواضع عمر ورقته ومن عجيب أمره، أنه مع هيبة الناس له، كان إذا غضب فقرأ أحد عليه آيات الرحمن، أو ذكّره بالله ذهب عنه غضبه؛ يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قدم عيينة بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يُدْنِيهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاوريه ـ كهولًا كانوا أو شبابًا ـ فقال عيينة لابن أخيه الحر بن قيس: هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فاستأذن الحر لعيينة، فلما دخل عليه قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بالعدل، قال فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يقع عليه، فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه: [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ] {الأعراف: 199}. قال: فوالله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها، وكان وقافًا عند كتاب الله.


يعرف نفسه جيدًا
يروي أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول:

سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا، وخرجت معه، حتى دخل حائطًا، فسمعته يقول، وبيني وبينه حائط، وهو في جوف الحائط:

عمر بن الخطاب.. أمير المؤمنين.. بخ بخ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب، أو ليعذبنك ".

وقدم على عمر بن الخطاب وفد من العراق فيهم الأحنف بن قيس في يوم صائف شديد الحر، وعمر معتجر (معمم بعباءة), يهنأ بعيرًا من إبل الصدقة (أى يطليه بالقطران) فقال: يا أحنف ضع ثيابك، وهلم، فأعن أمير المؤمنين على هذا البعير فإنه إبل الصدقة، فيه حق اليتيم، والأرملة، والمسكين، فقال رجل من القوم: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين، فهلًا تأمر عبدا من عبيد الصدقة فيكفيك؟ فقال عمر: وأي عبد هو أعبد منى، ومن الأحنف؟ إنه من ولى أمر المسلمين يجب عليه لهم ما يجب على العبد لسيده في النصيحة، وأداء الأمانة.

وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغى لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة؛ فأردت أن أكسرها.

وعن جبير بن نفير: أن نفرا قالوا لعمر بن الخطاب: ما رأينا رجلا أقضى بالقسط، ولا أقول للحق ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله. فقال عوف بن مالك: كذبتم والله، لقد رأينا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: من هو؟ فقال: أبو بكر. فقال عمر: صدق عوف وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي. يعنى قبل أن يسلم؛ لأن أبا بكر أسلم قبله بست سنين.

وهذا يدل على تواضع عمر وتقديره للفضلاء ولا يقتصر على الأحياء منهم، ولكنه يعم منهم الموتي كذلك، فلا يرضى أن ينكر فضلهم أو يغفل ذكرهم، ويظل يذكرهم بالخير في كل موقف، ويحمل الناس على احترام هذا المعنى النبيل، وعدم نسيان ما قدموه من جلائل الأعمال، فيبقى العمل النافع متواصل الحلقات يحمله رجال من رجال إلى رجال، فلا ينسى العمل الطيب بغياب صاحبه أو وفاته وفي هذا وفاء وفيه إيمان.

ونجد من شمائل الفاروق رضي الله عنه خوفه من الله عز وجل، ونرى ذلك الخوف واضحًا جليًا في أفعاله وأقواله، كان يبكي رضي الله عنه ويكثر البكاء، ويذهب إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول له: أستحلفك بالله، أأنا من المنافقين؟ ويقول ابن عباس رضي الله عنه: دخلت على عمر حين طعن، فقلت أبشر يا أمير المؤمنين، والله لقد مصر الله بك الأمصار، وأوسع بك الرزق، واظهر بك الحق، ودفع بك النفاق. فقال عمر: أفي الإمارة تثنى عليّ يا ابن عباس؟ ! قال: نعم يا أمير المؤمنين وفي غيرها.

قال: فوالذي نفسي بيده، لوددت أني أنجو منها كفافًا، لا أوجر ولا أوزر، والله لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها، لا أجر ولا وزر،

فوالله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع.

وقال له ابن عباس مثنيًا عليه: أبشر بالجنة، صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلت صحبته، ووليت أمر المؤمنين فقويت، وأديت الامانة.

فقال عمر: أما تبشيرك إياي بالجنة، فو الله الذي لا إله إلا هو لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر. وأما قولك في إمرة المؤمنين فوالله لوددت أن ذلك كفافًا لا لي ولا عليّ. وأما ما ذكرت من صحبة نبي الله صلى الله عليه وسلم فذلك.

وقد كان الفاروق رضي الله عنه واحدًا من المتواضعين فحاز كمال الإيمان ونال رضا رب العالمين.

فهذا موقف من مواقف تواضع الفاروق رضي الله عنه يرويه لنا طارق بن شهاب (رحمه الله) فيقول:

لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره ونزع خفيه، ثم أخذ بخطام راحلته وخاض المخاضة، فقال أبو عبيدة بن الجراح:

لقد فعلت يا أمير المؤمنين فعلًا عظيمًا عند أهل الأرض، نزعت خفيك وقدمت راحلتك، وخضت المخاضة.

قال: فصك عمر بيده في صدر أبي عبيدة وقال:

أوه.. لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة!

أنتم كنتم أقل الناس، وأذل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله تعالى.

ما أروعها من كلمات.

وما أعظمه من موقف.

فالفاروق لا يرى العز والشرف إلا في نعمة الإسلام، ومن اعتز بأي عرض من أعراض الدنيا من مال وجاه، أو غيرهما أذله الله.

والمتأمل في الموقف يشاهد تواضع الفاروق رضي الله عنه في عبوره المخاضة، وعدم اكتراثه لنظرات الناس إليه.

فالمتواضع لا يبحث عن السمعة والرياء، ولا يأنف من السير على أقدامه، أو خوض مخاضة، ولو كان أمير المؤمنين.

حتى عندما لقب بأمير المؤمنين تعجب الفاروق المتواضع من هذا اللقب، وخشي أن يعني التزكية، وطلب من قائله إبراء نفسه مما قال؛ يروي الزهري رحمه الله يقول: إن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة: لأي شيء كان يكتب: من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ثم كان عمر يكتب أولا: من خليفة أبي بكر، فمن أول من كتب: من أمير المؤمنين؟

فقال: حدثتني الشفاء ـ وكانت من المهاجرات الأول ـ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عامل العراق بأن يبعث إليه رجلين جلدين، يسألهما عن العراق وأهله، فبعث عامل العراق بلبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فلما قدما المدينة أناخا راحلتهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين.

فقال عمرو: أنتما أصبتما اسمه، هو الأمير، ونحن المؤمنون، ووثب عمرو فدخل على عمر أمير المؤمنين، فقال:

السلام عليك يا أمير المؤمنين.

فقال عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص؟ ! ربي يعلم، لتخرجن مما قلت؟ قال: إن لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم قد أناخا راحلتهما بفناء المسجد، ثم دخلا عليّ فقالا لي: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين. فهما والله قد أصابا اسمك، ونحن المؤمنون، وأنت أميرنا.

قال فمضى به الكتاب من يومئذ، وكانت الشفاء جدة أبي بكر بن سليمان.

ويدعو غيره إلى التواضع
وكان الفاروق رضي الله عنه مع تواضعه الجم يدعو غيره إلى التواضع، وهذا هو التواضع الإيجابي.

يقول سليم بن حنظلة البكري: كنا جلوسًا حول أُبَي بن كعب نسائله، فقام، فاتبعناه.

فرفع إلى عمر بن الخطاب، فعلاه بالدرة فقال أُبَي: مهلًا يا أمير المؤمنين، ما تصنع؟ فقال: إنها فتنة للمتبوع، ومذلة للتابع.

وهذه دعوة من الفاروق إلى التواضع، وتحذير من الوقوع في الكبر، فمن صفات المتواضعين: أنهم لا يحبون أن يمشي وراءهم أحد، ولذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون أن يسير الناس وراءهم.

وما أروع الفاروق، وهو يعاتب نفسه على شيء يسير حدثته به، وفي ذلك أبلغ الدروس والعبر.

يروي محمد بن عمر المخزومي عن أبيه أن قال: نادى عمر بن الخطاب بالصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس وكبروا صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم.

ثم قال: أيها الناس. لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي قبضة من التمر، أو الزبيب، فأظل يومي، وأي يوم؟ !

ثم نزل عن المنبر، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمّأت نفسك ـ يعني عبت ـ فقال: ويحك يا ابن عوف !!

إني خلوت فحدثتني نفسي، قالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها نفسها.

ومن المواقف الرائعة والتي يتجلى من خلالها تواضع الفاروق الجم، ما رواه الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى فقال: كنت مع عمر بن الخطاب فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين انطلق معي فأعدني على فلان فإنه قد ظلمني. قال: فرفع الدرة فخفق بها رأسه فقال: تَدَعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم حتى إذا شغل في أمر من أمور المسلمين أتيتموه: أعدني أعدني.

قال: فانصرف الرجل وهو يتذمر، قال: عَلَيَّ الرجل. فألقى إليه المخفقة وقال: امتثل. فقال: لا والله ولكن أدعها لله ولك. قال: ليس هكذا إما أن تدعها لله إرادة ما عنده أو تدعها لي فأعلم ذلك. قال: أدعها لله. قال: فانصرف. ثم جاء يمشي حتى دخل منزله ونحن معه فصلى ركعتين وجلس فقال: يا ابن الخطاب كنت وضيعا فرفعك الله وكنت ضالا فهداك الله وكنت ذليلا فأعزك الله ثم حملك على رقاب الناس فجاءك رجل يستعديك فضربته، ما تقول لربك غدا إذا أتيته، قال: فجعل يعاتب نفسه في ذلك معاتبة حتى ظننا أنه خير أهل الأرض.

والتواضع لا يزيد العبد إلا عزًا ورفعة، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ ".

من تواضعه نزوله عن رأيه في قتال المرتدين.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. عَصَمَ مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ بِهِ عَلَى اللَّهِ ". قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا، كانوا يؤدونه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها.

قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله عز وجل شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.

وعندما اقترح بعض الصحابة على أبي بكر بأن يبقي جيش أسامة، حتى تهدأ الأمور. وقال عمر رضي الله عنه: إن معه وجوه المسلمين وجلتهم، ولا آمن على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن يتخطفهم المشركون، ولكن أبا بكر خالف ذلك، وأصر على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها نحو الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج.

لقد طلب الأنصار رجلًا أقدم سنًا من أسامة بن زيد رضي الله عنهما، فوثب أبو بكر رضي الله عنه وكان جالسًا، وأخذ بلحية عمر رضي الله عنه وقال: ثكلتك أمك ياابن الخطاب، استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأمرني أن أعزله. فخرج عمر إلى الناس فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن الحسن البصري قال: خرج عمر رضي الله عنه في يوم حار واضعًا رداءه على رأسه، فمر به غلام على حمار، فقال: يا غلام، احملني معك، فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير المؤمنين، قال: لا، اركب، وأركب أنا خلفك تريد أن تحملني على المكان الواطئ، وتركب أنت على الموضع الخشن. فركب خلف الغلام، فدخل المدينة وهو خلفه، والناس ينظرون إليه.


ويقبل النصح من الجميع
خرج عمر بن الخطاب من المسجد والجارود العبدي معه، فبينما هما خارجان إذ بامرأة على ظهر الطريق، فسلم عليها عمر فردت عليه السلام، ثم قالت: رويدك يا عمر حتى أكلمك كلمات قليلة. قال لها: قولي. قالت: يا عمر عهدي بك وأنت تسمي عميرًا في سوق عكاظ تصارع الفتيان، فلم تذهب الأيام حتى تسمى عمرًا، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت، فقال الجارود: هيه، قد اجترأت على أمير المؤمنين، فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه يا جارود؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فعمر أحرى أن يسمع كلامها.

أراد بذلك قوله تعالى: [قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] {المجادلة: 1}.

يسمع كلام حذيفة.

قال حذيفة: دخلت على عمر رضي الله عنه فرأيته مهمومًا حزينًا، فقلت له: ما يهمك يا أمير المؤمنين؟

فقال: إني أخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد منكم تعظيمًا لي.

فقال حذيفة: والله لو رأيناك خرجت عن الحق لنهيناك.

ففرح عمر وقال: الحمد لله الذي جعل لي أصحابًا يقومونني إذا اعوججت.

عمر يعترف بصواب رأي امرأة.

قال عبد الله بن مصعب خطب عمر رضوان الله عليه فقال: لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي فضة، يعني يزيد ين الحصين الحارثي، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال.

فقامت امرأة من صف النساء طويلة في أنفها فطس فقالت: ما ذاك لك؟ قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: [وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] {النساء: 20}.

فقال عمر رضي الله عنه: امرأة أصابت، ورجل أخطأ.

وهذا مما يدل على جم تواضعه رضي الله عنه.

فكر وسطي
18-02-2011, 03:17 AM
......................ادارة عمر ..........................


مقدمة
إن الإدارة الصحيحة والقويمة لأي عمل مهما كان صغيرًا أو كبيرًا تحتاج إلى حكمة؛ لأن الإدارة تتعامل مع بشر وليس مع مجموعة من التروس والآلات، فرب كلمة صغيرة فعلت فعل السحر في نفس سامعها فدفعته إلى الأمام، وأيضًا رب كلمة فعلت في نفس سامعها فعل السحر فألقت به إلى الهاوية. والإدارة " فن قيادة الرجال " والرجال لهم مشارب شتى، ولا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة أن يقودهم إلا بالحكمة، والحكمة أن تضع كل شيء في مكانه، الغضب والحزم والشدة في المواضع التي تحتاج إلى ذلك، واللين والتسامح والرحمة أيضًا في المواقف التي تتطلب ذلك. (موقع مفكرة الإسلام)

وقد كان عمر رضي الله عنه حكيما بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، مما جعله مؤهلا لحمل هذه الأمانة العظيمة؛ وهي إدارة الدولة الإسلامية في هذا الوقت من التاريخ الإسلامي العظيم.

" وفي عصر الفاروق رضي الله عنه شهد النظام الإداري نقلة حضارية كبرى تمثلت في مدى اهتمام الخليفة وعنايته الفائقة بالنظم الإدارية، ففي عهده رسخت التقاليد الإدارية الإسلامية. يقول الطبري: في هذه السنة (15 هـ 636 م) فرض عمر للمسلمين الفروض ودَوَّن الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة. وهذا يؤكد مرونة العقل